الساحل السوري من الأسطورة إلى التاريخ

د.محمد حرب فرزات
1-مبدأ أساطير الأولين:‏

تروي أسطورة أجاريتية(1) أن الرب (بعل) إله الأرض والبر توجه إلى (اِل) رأس مجمع الأرباب ليحاول أن يثنيه عن عزمه على الموافقة على بناء (بيت) قصر يكرس ملكية (يم)، إله البحر. وربما كان (اثتار) هو الذي توجه إلى (اِل) ليعلن استنكاره الموافقة على بناء هذا القصر. وكان اِل قد أعلن إرادته ودعا (كوثر) إلى القدوم إليه وكلفه بناء قصر ليم.‏

نقلت الأسطورة الأجاريتية تطورات هذه المرحلة الحرجة من مراحل النزاع على السيادة في أجاريت بين قوتي البر = بعل، والبحر = يم. وفيما يلي نقدم ترجمة لبعض مقاطع هذه الأسطورة:‏

بعل والبحر 1‏

يمضي بعل (أو إثتار) إلى اِل،‏

إلى منبع الأنهار،‏

إلى وسط مجرى المحيط،‏

بلغ أجنحة اِل،‏

ونفذ إلى المقر الملكي لأبي السنين، (القديم)‏

على أقدام اِل انحنى وخرَّ ساجداً..‏

ومضى كوثر- حسيس ليبني مقراً ليم،‏

لينشئ قصراً للقاضي نهَر،‏

وكوثر حسيس يبني مقراً للأمير يم،‏

يبني قصراً للقاضي نهَر،‏

[لم يرد ذكر يم في أي نص آخر من نصوص أجاريت. ورغم الاختلاف بين الباحثين في تفسير معنى الاسم، فالأرجح أن المعنى يرتبط بما ورد في اللغات القديمة (السامية) حول معنى الكلمة فمعنى اليم = البحر في العربية هو نفسه في الكنعانية، وفي المصرية ترد كلمة يم بمعنى البحر أيضاً.‏

ويُدعى الرب الأجاريتي يم في الأسطورة باسم (شوقط نهَر) أي القاضي النهر، وهو الماء المحيط. أما في الأكدية فإننا نجد كلمة تَمتو، وتِيَمت هي المياه المالحة، مياه البحر].‏

وتتابع الأسطورة:‏

بعل والبحر 2‏

بعل شديد القدرة يخاطب يم:‏

لتُطرد من عرشك الملكي، من مقر سلطانك،‏

[إلا أن يم يتجاهل (بعل) ويمضي إلى هدفه،‏

ويرسل يم سفارة إلى مجمع الأرباب ويأمر‏

أعضاءها أن ينقلوا إلى اِل رسالته]:‏

"امضوا ولا تتباطأوا،‏

إلى المجلس المجتمع توجهوا، إلى وسط‏

جبل لولي (الجبل الأقرع)‏

لا تخرّوا على أقدام اِل!‏

ولا تسجدوا أمام مجمع الأرباب!‏

انقلوا إلى اِل وإلى مجمع الأرباب رسالتي:‏

من سيِّدك القاضي نهَر:‏

سلِّم يا اِل من تحميه!‏

سلِّم من ينتظره الملأ،‏

سلِّم (بعل) وأتباعه!‏

ابن دجن الذي استوليت على دهبه!"‏

[ثم عرض مبعوثو يم على مجمع الأرباب مطالب يم]:‏

"مضى مبعوثو يم دون إبطاء،‏

توجهوا إلى وسط جبل لولي،‏

إلى المجلس الملتئم.‏

كان الأبناء المقدسون جالسين إلى مائدة الطعام،‏

بعل يقف بمواجهة اِل.‏

ما أن تنبه الأرباب إلى قدوم مبعوثي يم،‏

سِفارة القاضي نهَر،‏

حتى تركوا رؤوسهم تنحني على ركبهم،‏

وعلى عروشهم الأميرية.‏

ونهض بعل يحثهم قائلاً:‏

لماذا، أيها الأرباب تركتم رؤوسكم تنخفض حتى ركبكم؟‏

وعلى عروشكم الأميرية؟‏

كان على أحد الأرباب أن يرد على ألواح (رسالة) مبعوثي يم،‏

على رسالة القاضي نهَر.‏

قال:‏

"ارفعوا أيها الأرباب رؤوسكم فوق ركبكم فوق عروشكم الأميرية،‏

وأنا سأرد على مبعوثي يم،‏

على سفارة القاضي نهَر.‏

وبعد أن تقدم موفدو يم بمطالب سيدهم بتسليم بعل، رفض بعل الرضوخ، رغم رضوخ اِل وتنازله،‏

[وتكلم اِل مستجيباً للمطالب التي حملها مبعوثو يم قائلاً]:‏

"سيكون بعل عبداً لكم!‏

ابن دجن سيكون أسيركم!‏

سيحمل بنفسه إليكم الجزية كما يحملها سائر الأرباب.‏

سيحمل إليكم الهدايا كالأبناء المقدسين.‏

لكن (بعل) يثور غاضباً،‏

يحمل سلاحه القاتل بيد،‏

وسلاحه المدمّر بيده اليمنى،‏

ليقتل المبعوثين.‏

ولكن عنات تمسكه بيدها اليمنى،‏

وعشتارت تمسكه بيدها اليسرى قائلتين:‏

"كيف تجرؤ على ضرب مبعوثي يم؟‏

سفارة القاضي نهَر".‏

***‏

[ثم في الجزء الثالث من الأسطورة يظهر بعل أسيراً وهو يفكر بالانتقام، ويتقدم كوثر- حسيس الحكيم الذي يحتل في مجمع أرباب أجاريت مكانة تعادل مكانة هيفا يستوس في الميثولوجية الإغريقية، بوسفه إله الفنون والصناعة والخير.. يشجع كوثر- حسيس (بعل) على الثأر ويقدم له السلاح قائلاً]:‏

وكوثر- حسيس يجيب:‏

"أقول لك أيا الأمير بعل، أيها الفارس فوق السحب،‏

هوذا عدوك يا بعل،‏

هوذا عدوك فاضربه!‏

هوذا خصمك فاذبحه!‏

ستسترد ملكوتك الخالد!‏

سيادتك الدائمة".‏

وأخيراً ينجح كوثر في صنع السلاح الذي يقدمه إلى بعل،‏

لكي يحارب به يم،‏

ليطرد يم عن عرشه،‏

وليسقط نهَر عن كرسيه!‏

[ويأمر كوثر السلاح الجديد أن يكون فعالاً بين يدي بعل، وهنا تصف القصيدة الأجاريتية هذه المعركة الحاسمة بين الخصمين قبل إلياذة هوميروس بهذه الكلمات]:‏

"لتنطلق من يدي بعل!‏

كالعصفور المنفلت من بين أصابعه.‏

اضرب الأمير يم على رأسه!‏

اضرب الأمير يم على جبهته،‏

ينهار يم،‏

يسقط على الأرض،‏

تضعف مفاصله،‏

وتتغير صورة وجهه،‏

ويجرُّ بعل خصمه الصريع ويقطع أوصاله،‏

هكذا يجهز بعل على القاضي نهَر".‏

[بعد هذا الانتصار الحاسم تعلن ملكية بعل وتنادي عشتارت (بعل) باسمه]:‏

اجعله بدداً يا بعل القوي،‏

اجعله بدداً يا فارس السحب! الأمير يم أسيرنا!‏

مات يم وعاش بعل،‏

أقول حقاً"!‏

هذه مقاطع من بعض ما رواه كتَّاب أجاريت قبل حوالي أربعة وثلاثين قرناً، مما كان عندهم من الحق وهو عندنا في أيامنا من الأساطير. فما الحق؟ وأين الحقيقة؟ إنها حقيقتهم الصارخة، فأين منها حقيقتنا نحن؟ الحقيقة التي ينبغي أن نتوصل إليها بالبحث الدقيق والتحقيق العلمي المسجل المكتوب؟ كيف يمكن أن نعرف ماذا حدث بالفعل ومتى وأين؟ في أية ظروف وفي أية مرحلة من تاريخ أجاريت؟ كيف يمكن أن نستقرئ هذه القصيدة الميثولوجية، وكيف يمكن لنا الاهتداء إلى معناها الحقيقي بين التفسيرات العديدة المطروحة على بساط البحث والدراسة؟ هذه سلسلة من التساؤلات التي يمكن أن تجر إلى سلسلة من التساؤلات الأخرى...‏

هل كان (يم) رمزاً لقوة معتدية خارجية بحرية واجهت مقاومة (بعل)، ودفاعه الباسل عن البر، عن الأرض حتى استرد ملكوته بعد فترة عصيبة مرت بها البلاد؟.‏

أم هل نجد في انتصار بعل على يم طقساً سحرياً معبراً عن الدعاء بانتصار الملاحين الجسورين في مغامراتهم البحرية، وهم يقتحمون عُباب البحر المتوسط، البحر الكبير، عندما كانوا من أوائل من مخر لججه وطوّع أمواجه؟.‏

هذا مثال على ما خلفته الأجيال الماضية البعيدة من آثار مكتوبة هي بعض أساطير الأولين. فكيف السبيل إلى الانتقال من الأسطورة إلى التاريخ؟‏

2-رصد الماضي وإعادة تكوينه:‏

بعد أن اتسع نطاق التنقيبات الأثرية في سورية وبخاصة في العقود الأخيرة من السنين، بات من الضروري محاولة البحث عن محصلة جديدة للمعلومات التي يمكن استخلاصها من نتائج حملات التنقيب التي تقوم بها كل عام البعثات الأجنبية والوطنية في عدد كبير من المراكز التاريخية والمواقع الأثرية في البلاد، ومن الدراسات اللغوية للوثائق والنصوص المكتشفة منذ أكثر من نصف قرن وحتى اليوم.‏

إنه لا تاريخ بلا وثائق، والتأريخ يبنى على الوثيقة؛ فلا يمكن البحث في تاريخ سورية ولا تفسير هذا التاريخ دون اتباع المنهج العلمي أي بالرجوع إلى المصادر والوثائق الغزيرة المحلية والخارجية المتصلة بتاريخ المنطقة وبالمرحلة الزمنية المعنية منه.‏

وإن الكشوف الأثرية الضخمة التي تمت على أرض سورية خلال خمسين السنة الماضية لم تؤد إلى تغيير الفكرة التقليدية عن دور سورية في التاريخ بوصفها التقليدي، أي بكونها جسراً بين مهود الحضارات الرئيسية في بلاد المشرق القديم وحسب، جزيرة الرافدين ووادي النيل والأناضول، وواجهة آسية على أوربة عبر المتوسط وجزيرتي قبرص وكريت وغيرهما!... بل إن هذه الكشوف، وضحت للباحثين المختصين حجم هذا الدور الهام في تلاقي الحضارات وحوارها وتفاعلها وتطورها... وغدت سورية بين أقطار المشرق العربي موطناً لأقدم مراكز الاستيطان والاستقرار الحضري منذ العصر الحجري القديم وفي العصور التالية (النهر الكبير الشمالي)، وأرضاً لاتصال جهود المجتمعات الإنسانية وتجاربها في سبيل التقدم التقني المادي والفكري، في كل ما يتصل بفعاليات مجتمعاتها اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً. ولذا فإن سورية القديمة تحتل من هذا المنظور في تاريخ الحضارة العام مكاناً يتجاوز حدود منطقة الشرق القديم ليصبح حلقة أساسية في تاريخ الإنسانية كلها. ولذا فإنه ليس من المستغرب أن يعنى بتاريخ سورية القديم في كل بلاد الشرق والغرب، كما يعنى بدراسة تاريخ اليونان والرومان وحضارتهم.‏

منذ أكثر من قرن خرجت إلى النور وثائق فنية وأثرية وشواهد مادية ومكتوبة عن حياة تلك الأجيال القديمة من سكان هذه البلاد. وقد قام في بلاد الغرب عدد كبير من العلماء والباحثين في ميادين الآثار واللغات والآداب والقانون والتاريخ بتطبيق مناهج البحث المتطورة الخاصة بكل علم من العلوم: شاهدوا ولاحظوا ووصفوا ونظموا وصنفوا وفكروا وفسروا وقدموا تقارير عن جهودهم ومحصلات لأعمالهم العلمية. وقد قلبت هذه الدراسات والبحوث الصورة المتداولة عن تاريخ المنطقة من قبل. وملئت ثغرات وفجوات كبيرة. إلا أن ما تم إنجازه حتى اليوم ما يزال قليلاً، وأنه من العبث التصور أن كل شيء أضحى واضحاً الآن، وأنه من الممكن إعادة صياغة الماضي كله بالاستناد إلى ما تم كشفه أو العثور عليه...‏

فالماضي، التاريخ، عميق، عريق تتعمق بداياته بالكشوف والبحوث كل يوم وتتباعد حدوده وتتسع ميادينه دون أن يكون باستطاعة الباحثين المختصين في المؤسسات العلمية ومراكز البحوث الجامعية في داخل البلاد وخارجها الإحاطة بكل شيء.. لأن الأقدمين الذين نبحث عنهم ونريد أن نتعرفهم ونتصل بهم لم يتركوا لنا كل شيء، تركوا الكثير الجليل، ولكن هذا الذي تركوه وما وصل إلينا منه حتى اليوم لا يعدو أن يكون كحجارة مبعثرة ملونة وجميلة من آثار لوحة عظيمة رائعة من الفسيسفاء تبدو ملامح منها في بعض زواياها وجوانبها. إن إعادة تكوينها ورصفها وإخراجها من جديد إلى الوجود تحتاج إلى عبقرية العديد من الدارسين والباحثين التقنيين القديرين الصناع.‏

إن عملية التأريخ ليست هواية وليست أدباً وحسب، إنها علم وصنعة، صنعة لها فنونها كما أراد ابن خلدون أن يقول، وهو لو كان في عصرنا هذا لقال بطريقة تعبيرنا: إن التاريخ علم بل جملة من العلوم، له مناهجه وطرائقه المميزة، وبكلمة قديمة حديثة له تقنياته التي يتحدد دورها العلمي في تصنيف كل ما خلفه الماضي من بقايا مادية وآثار مكتوبة وتحليل هذه الآثار للنفاذ إلى الشواهد أي إلى الوثائق، لكي يكتشف فيها، ومن خلالها وحسب، الزمن الذي انحدرت منه وكيف وصلت إلينا.. وبعد هذا التحليل الدقيق الطويل للشواهد واستنطاقها ليفهم عنها، يمكن حينئذ استخلاص النتائج في ضوء المعطيات، وهي الحقائق المتوفرة في حينه، عندها، وعندها وحسب يمكن صياغة محصلة البحث، دون أن يغيب عن المؤرخ الحصيف دائماً عنصر الزمن.. إننا نقترب من الماضي لكي نفهمه، وننأى بذاتيتنا عنه لكي نصوغه في حدود الموضوعية التي لا يقوم تاريخ بدونها.‏

بهذه الطريقة يمكن أن نعرف أكثر عن حياة أولئك الناس، عن أشخاصهم ومشكلاتهم الصغيرة والكبيرة وأفكارهم وطرائق تفكيرهم ونظراتهم إلى الحياة فنعرف عندئذ صلة الأجيال بالأجيال لنحمل بجدارة ووعي عبء حفظ التراث القديم ومسؤولية حمايته ونقله ونشره.‏

هذا هو ميدان هذا التاريخ الذي نود التحدث عنه، وهكذا ينبغي أن يكون، فمن يكتب التاريخ، والتاريخ شهادة رصيدها الصدق، دون أن يمتلك أدوات الصنعة ومتطلبات الطريقة قد يرتكب ودون أن يدري من الأخطاء الفادحة ما لا يمكن التعويض عنه أو تصحيحه، شأنه في عمله وفي رسالته كشأن القاضي أمام الحق، والطبيب أمام قضية الحياة والموت، وكالمهندس أمام ضميره، والصيدلاني أمام ميزانه الدقيق.‏

وبدون وضع هذه الاعتبارات كلها في الحسبان سنجد تاريخنا بعد صياغته في قوالب الغرباء من بعض المستشرقين ووفق نظراتهم ومتطلبات ثقافاتهم هم، وقد أعيدت كتابته مرة أخرى بلغة أقرب إلى لغة الأساطير منها إلى لغة العلم وقواعده المعروفة.‏

3-مشكلات منهجية:‏

لنر الآن إلى بعض المشكلات المنهجية التي أساءت إلى البحث في تاريخ بلادنا، والمنطقة الساحلية هي جزء منها بطبيعة الحال ولا يمكن البحث في تاريخها دون الخوض في تاريخ البلاد كلها.‏

لقد درس تاريخ المنطقة على أيدي المستشرقين في الغرب كما هو معروف وأدى بعض هذه الدراسات على أيدي بعضهم إلى نتائج مدهشة ورائعة، وهذه حقيقة يجب أن تذكر جهاراً. ولكن البعض الآخر من هذه الدراسات أضاف إلى مهمة البحث في تاريخنا مشكلات جديدة لا بد من أخذها بالحسبان، أهمها ما يتعلق بمصادر هذه الدراسات وتوجهاتها.‏

1-يربط معظم الباحثين الغربيين دراسة تاريخ بلادنا بالمصادر التوراتية.‏

2-أدى استخدام بعض المصادر الإغريقية- الرومانية غير الموثوقة في تأريخ بلادنا مقارنات تعسفية عند تفسير الوثائق والنصوص القديمة.‏

وتتمثل المسألة الأولى في ثقل الدراسات التوراتية التي تشكل عبئاً مبالغاً فيه على توجه الدراسات المتعلقة بتاريخ سورية كلها وبخاصة المنطقة الغربية الساحلية في الشمال وفي فلسطين. وقد نشأت هذه الدراسات وتطورت في إطار المؤسسات الدينية التوراتية واللغوية العبرية في الغرب. فمعظم الذين بدأوا بهذه الدراسات هم بالأساس توراتيون لاهوتيون يعتبرون هذه الدراسات التاريخية مساعدة للدراسات التوراتية موضوع بحوثهم واهتمامهم. هذه هي ثقافتهم، وهذا هو موضوع دراستهم، هم يبحثون في موضوع يهمهم هم في إطار البحث في تاريخهم وفي تاريخ الحضارات المتصلة به، وليس ما يكتبونه تاريخاً لنا فليس منوطاً بالغرباء كتابة هذا التاريخ. هذه هي الإشكالية الكبيرة في موقف بعض الباحثين العرب من أعمال بعض المستشرقين المهتمين بتاريخ سورية وحضارتها.‏

لقد أوجد أولبرايت مثلاً، مدرسة لدراسة تاريخ الشرق القديم من وجهة نظر توراتية دينية. فالأديان القديمة في هذه المدرسة تدرس بالمقارنة مع التوحيد اليهودي، ولتفسير الظروف التاريخية التي ظهر فيها. حتى الأساطير تدرس من هذا المنظور، كما نجد في أعمال كروس Cross، تلميذ أولبرايت الذي درس الأساطير الكنعانية بالمقارنة مع الملاحم العبرية(2).‏

ومن الأمثلة الصرخة على هذا الربط واحد من أهم المراجع المعتمدة في تاريخ الشرق القديم هو مؤلف بريتشارد الذي ضم دراسات لمنتخبات هامة من النصوص والشواهد التاريخية قدمت في إطار دراسة العهد القديم(3).‏

وعلى هذا النهج نجد أعمال أيسفلد وييركو ودوفو ونوت. إنه لمن المؤسف حقاً أن هذه الدراسات لم تهتم بدراسة الحضارات بحد ذاتها، وإنما شُغلت بشرح وتفسير موضوعات تهم الباحثين في التوراة بكونه الموضوع المركزي. فقد أدى هذا التوجه في البحث إلى طبع الدراسات المتعلقة بتاريخ سورية وفلسطين بهذا الطابع المقصود، ووظفت نتائجه فيما بعد لتحقيق مآرب الصهيونية السياسية.‏

إلا أن باحثين آخرين مرموقين يقفون اليوم مواقف علمية مغايرة ومنصفة ويعملون بإصرار على بلورة تصور جديد للبحث في تأريخ سورية وفلسطين وحضارة هذه البلاد في كل وجوهها:‏

قال الأستاذ أ.كاكو في محاضرته الافتتاحية في الكوليج دو فرانس في الخامس من كانون الأول/ ديسمبر 1972: "التوراة ينبغي ألا تبهرنا وتصدنا عن مهمتنا، إنها ليست إلا أدب شعب واحد من شعوب المنطقة، نجده بفضل هذا الأدب معروفاً بشكل أقل سوءاً وتشويهاً من آداب جيرانه، وبالتالي فهذا لا يعطي أحداً أي حق يسوّغ الادعاء بالتفوق أو التفضيل. جميع هذه الشعوب، هي على قدم المساواة أمام البحث العلمي..‏

ويتابع الأستاذ كاكو:‏

"إن الساميين، (يعني سكان سورية)، رأس شمرة/ أجاريت ليسوا في نظرنا أسلاف بني إسرائيل؛ إن تاريخهم، تاريخ ثقافتهم ينبغي أن يدرس وينظر إليه بحد ذاته لا بما يمكن أن يقدمه لفهم التوراة.‏

إن فضل هذه الشعوب علينا كبير، ندين لهم بالأبجدية، وقد كان إشعاعهم عظيماً، على الرغم من أنه لم يصل إلينا منه إلا قبس ضئيل. لقد حمل الفينيقيون حضارتهم إلى اسبانية، أما الآرامية فقد فرضت نفسها في الشرق لغة امبراطورية، (الامبراطورية الفارسية)، في الوقت الذي بقيت فيه العبرية لغة كانتون صغير"(4).‏

ويقول الأستاذ جان بوتيرو، أستاذ الآشوريات والأدب البابلي في باريس بلا لبس ولا جمجمة عند حديثه عن تاريخ فلسطين في الألف الأول ق.م: "إن الإسرائيليين، ويعني بهم أسباط بني إسرائيل التي استقرت في أرض كنعان، حلوا محل الكنعانيين في إطار الحياة الذي لم يتغير عند هؤلاء في ميادين التقدم المادي والفكري. لقد تلقوا من الكنعانيين كل شيء وتعلموا منهم كل شيء حتى لغتهم.."(5).‏

أمام هذه المعطيات المسلَّم بها، يقرر بوتِّيرو هذه الحقيقة: "في 3 كانون الأول/ ديسمبر 1872 فقدت التوراة إلى الأبد ميزتها الخالدة بكونها أقدم كتاب معروف، كتاباً لا غيره من الكتب. في ذلك اليوم وقف جورج سميث، وهو واحد من أوائل علماء المسماريات ليعلن أمام جمعية الآثار التوراتية في لندن، بعد خمسين سنة من البحث والدراسة لقراء النصوص المسمارية أنه وجد في نصوص منقوشة بالمسمارية نصاً لقصة الطوفان قريباً جداً حتى في التفاصيل من النص التوراتي، وهو أسبق منه، وأثَّر فيه..".‏

والنص المعني هو اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش ويعود هذا النص إلى أواخر الألف الثاني، وهو منسوخ عن نص أقدم يعود إلى ما يعرف بقصة الحكيم أتراحسيس التي قد تعود إلى القرن السابع عشر ق.م".‏

لقد أخذت التوجهات العلمية الموضوعية تفرض نفسها في العقود الأخيرة في الأوساط العلمية الغربية المعنية بدراسة آثار المنطقة وتاريخها، فبعد توجهات بارو الدينية في ماري، يهتم الجيل الجديد من الباحثين الأوربيين وفي طليعته مار جرون ودوران وشاربان بالآثار المادية واللغويات للكشف عن الحقائق ولجمع المعطيات من النصوص لتقديم المادة العلمية المجردة بموضوعية دون التقيد بأفكار مرسومة ومسبقة ويماثل هذا الموقف موقف الباحثين من المدرسة الإيطالية وفي طليعتهم ماريو ليفراني وأركي بعد التوجه المتسرع والتقليدي لقارئ نصوص إبلا الأول جيوفاني بتناتو.‏

ألا نرى، إذن، إن القافلة قد أخذت تعود إلى طريقها الصحيح، وأن من العبث الخوض في جدال حول الاستشراق ومواقف المستشرقين من التاريخ العربي القديم، بعد أن أغلقت أبوابه في العديد من الأوساط العلمية منذ سنين.‏

أما المسألة الثانية، فتدور حول ربط دراسة تاريخ الشرق القديم عامة بالدراسات الكلاسيكية. ويؤكد ليو أوبنهايم أن حضارة بلاد الرافدين درست لتخدم موضوعات تخص الحضارة الغربية من خلال النظرة إلى التاريخ القديم الكلاسيكي، مثل: الطبيعة، النبات، الفكر قبل المنطقي، القرابة، العائلة، التابو(6)..‏

لقد أدى استخدام مصادر إغريقية لاتينية لدراسة الفينيقيين (الكنعانيين) والبونيين (القرطاجيين) وتأريخ طرق معاشهم وحياتهم وتفكيرهم إلى تشويه الحقائق وتحريفها، لأن هذا التاريخ كتب على الأغلب بأيدي مؤلفين نظروا إليه آنذاك، على أنه تاريخ برابرة، حسب المفهوم الكلاسيكي، اعتبروا بأنظارهم أعداء، وأحياناً أعداء خطرين ينبغي تجاههم الحذر ومجابهتهم.‏

وتعتبر مشكلة مطابقة أسماء الأرباب في اللغات المشرقية القديمة مع الأرباب في البانتيون الإغريقي والروماني، نتيجة لموقف يمثل رفض المؤلفين الكلاسيكيين الاعتراف للحضارة المشرقية القديمة بالأصالة والخصوصية.‏

ولكن اكتشاف نصوص أجاريت فرض واقعاً جديداً في ميدان البحث العلمي. وقبل أجاريت ثم إبلا كان من الصعب التعرف على خصوصية تاريخ هذه المنطقة القديم وثقافتها وميثولوجيتها.‏

فأجاريت هي الشاهد الأمين الصادق، الذي أعلن كما رأينا في أسطورة بعل ويم أنه يقول الحق؛ يعلن هزيمة العدو المتدخل القادم من البحر وانتصار بعل بن دجن رمز أرض البلاد وسمائها.‏

ولكن لكي نسجل شهادة هذا الشاهد الصادق أليس علينا أن نفهمه؟ أن نفهم ما أراد أن يقول، لا أن نحمِّل أقواله ما نريد نحن أن نقول. كما أنه لا يجوز أن نحمِّل الوثائق التوراتية فوق مضمونها. "فعند دراسة الميثولوجية وتاريخ الأديان عدا الديانة الإسرائيلية- اليهودية لا يمكن، كما يقول الأستاذ موريس سنيسر، اعتبار النصوص التوراتية إلا كالنصوص الخارجية وليس أكثر من ذلك!".‏

فالنصوص- الوثائق هي الأساس، وهنا تكون النصوص الأجاريتية هي الأساس في أي بحث علمي في تاريخ الساحل السوري. فأمام هذه الشواهد البيِّنة ألا يتضح لنا أن الواجب الملقى على عاتق دارسي تاريخ هذه المنطقة وحضارتها هو الابتعاد عن التركيز التوراتي، والتوجه إلى دراسة حضارة المنطقة لذاتها ونشر نصوصها ووثائقها ولغاتها وكشف مفاصل الاتصال فيما بينها وبين تاريخ الوطن في عصوره المتعاقبة؟ فعند إبراز وجه التاريخ الحق يتصاغر أمامه كل باطل.‏

فلننظر الآن في أثر الأرض والموقع على تاريخ الساحل السوري:‏

4-الموقع والتاريخ:‏

يشكل الساحل السوري جبهة عريضة للمشرق العربي على البحر المتوسط، وأنه على الرغم من الحواجز الجبلية التي قد يخيل لأول وهلة أنها تحجز بين الداخل والساحل فإن الطرق الطبيعية التي تخترق سلسلة الجبال الممتدة من الشمال إلى الجنوب بموازاة الشريط الساحلي كانت خلال مراحل التاريخ تصل ما بين مناطق الحضارة والإنتاج في أقطار جنوب غربي آسية والمشرق القديم بخاصة من جهة وبين أقطار حوض البحر المتوسط وحضاراته من جهة أخرى، ليغدو الشريط الساحلي العربي السوري على هذا الشكل محل تجاذب متناوب ومتبادل ما بين البر والبحر.‏

إننا نستطيع ملاحظة هذين العاملين في دراسة حركات الشعوب وتوجهها نحو الساحل، سواء عن طريق القوافل السلمية: الكنعانيون والأموريون، أو عن طريق الجيوش المحاربة: الأكديون والآشوريون من الشرق، والحوريون والحثيون من الشمال، والمصريون من الجنوب، والايجيون والأخائيون والمقدونيون والرومان من الغرب.‏

على أنه وراء هذا الجسر الحضاري الساحلي، جسر آخر استراتيجي بري. هو الشريط الساحلي الممتد على خليج ايسوس إلى مصب نهر العاصي على خليج الاسكندرونة. وإن أقرب منطقة ساحلية إلى الفرات تبعد عنه أقل من مائتي كيلومتر، وهي تشكل الجسر الذي يصل ما بين الحوض الشرقي للبحر المتوسط من جهة والعالم الأكدي- البابلي، عالم الثقافة المكتوبة والمسجلة بالمسمارية وهو العالم الذي ينفتح عبر الخليج وجنوب الجزيرة العربية (ديلمون وماجان وملوخا) على حضارة الشرق، بلاد اللآلئ والجواهر والتوابل والحجارة الكريمة والأقمشة الجميلة الملونة والصموغ والعطور واللبان من جهة أخرى. ويشكل هذا الجسر البري السوري أهم مراحل الاتصال بين مصب العاصي على المتوسط (البحر الأعلى) ومصب دجلة والفرات في الخليج العربي الشرقي (البحر الأدنى) وبالتالي بين حضارات البر والبحر.‏

كانت الممرات الطبيعية التي اكتشفها أهل البلاد وهم يخترقون الجبال المكسوة بالغابات منذ أيام جلجامش، معابر للاتصال بين عالم البحر من جهة وعالم البر من جهة أخرى. ففي الشمال تقع الممرات الكيليكية في وادي نهر بيراموس (نهر سيحون)، وهي ممرات (حمانو) = (أمانوس) المؤدية إلى سهول حلب عبر المدينة الحثية- الكنعانية- الآرامية شمأل، الواقعة في أقصى الشمال، وهي موقع زنجرلي اليوم. وما يزال هذا الممر يحتفظ بأهميته الاستراتيجية حتى أيامنا هذه، فيمر فيه الخط الحديدي لقطار الشرق. وفي هذا المكان الذي كان يخترقه الإنسان سيراً على الأقدام ليؤكد بحركته وجوده اتصال الأرض ووحدتها حفر نفق بطول خمسة كيلو مترات في جوف الجبال لخدمة المواصلات في عالمنا المعاصر(7).‏

أما الممر الثاني عبر جبال الأمانوس فهو ممر بيلان، ويعرف تاريخياً باسم الممرات السورية وهو يؤدي كذلك إلى السهول السورية الشمالية، سهول حلب. كان هذا الممر نفسه هو الطريق الذي سار فيه الاسكندر المقدوني بقواته المنتصرة بعد معركة ايسوس عام 332ق.م وهو الطريق المباشر الرئيسي بين البحر المتوسط والمنطقة الشمالية الداخلية كلها. وإلى الجنوب نجد معبراً ثالثاً في هذه المنطقة الجبلية الشمالية هو مجرى العاصي الأسفل، وهو أسهل هذه الطرق حيث لا يبعد السهل عن الساحل أكثر من خمسة وعشرين كيلومتر من حوض العمق إلى البحر.‏

في هذه المنطقة قامت مجموعة من المستوطنات الأولى السابقة للعصر الكنعاني وقد عرفت هذه المستوطنات قبل اكتشاف مستوطنات حوض النهر الكبير الشمالي. وربما كانت هذه التجمعات الأولى معاصرة للتجمعات البشرية ومحاولات الاستقرار الأولى في المنطقة الساحلية السورية.‏

على أن الارتباط بين البر والبحر عبر ممرات هذه المنطقة تتجلى في عصور لاحقة بإنشاء الالاخ وأجاريت، ثم في عصور أحدث بتأسيس أنطاكية وسلوقية واللاذقية...‏

وإلى الجنوب من جبال الأمانوس تقع سلسلة الجبال الساحلية التي عرفت في المصادر الكلاسيكية باسم برجيلوس. وربما يكون اسم الفرنلق تعريباً لهذه التسمية. كما عرفت هذه الجبال في المصادر العربية باسم جبال البَهْراء نسبة إلى قبائل عربية يمنية الأصل استقرت على هذه الجبال في مطلع العصر الأموي وتصدت لهجمات البيزنطيين على المنطقة(8).‏

ويقع المنفذ الطبيعي من الساحل إلى الداخل جنوب هذه الجبال عند مجرى النهر الكبير الجنوبي الفاصل بين الجبال الساحلية السورية الشمالية وجبال لبنان. وهو يصل ما بين مدن أرواد وعمريت وسيميرا وعرقة/ طرابلس بقادش/ حمص وهي المدن الهامة في سورية في الألف الثاني ق.م في فترة الصراع المصري- الحثي. وقد أثبت هذا الممر أهميته الاستراتيجية عندما شقت فيه الطرق البرية ومدت السكك الحديدية.‏

وقد تعاقبت في السيطرة على هذه الجسور الواصلة بين العالمين الحضاريين، عالم الحضارة الداخلية، البر وعالم الحضارات الخارجية، عالم البحر المتوسط، خلال ما يزيد عن ألفي عام. اقتحمت هذه القوى المنطقة في أدوار مختلفة بقوة وعنف وحملت إليها في كثير من الأحيان الخراب والدمار وعطلت فيها سير الحضارة والتقدم. وشكل كل من هذه القوى في حينه عامل تغيير جذري لخارطة المنطقة ولصورتها وطابعها السياسي والاقتصادي والثقافي باحتوائها في إطار الدول الشاملة الكبرى أحياناً كما في امبراطوريات حوض الرافدين وآسية الصغرى ومصر أو في إطار حضارة واسعة كالحضارة الهلنستية ثم الامبراطورية الرومانية.‏

وقبل المضي في استعراض نتائج هذه التطورات التاريخية الكبيرة نتوقف عند أسماء بعض الشعوب البارزة التي ارتبطت بتاريخ المنطقة الساحلية لكي نحاول التعرف عليها وعلى دورها في تاريخ المنطقة الساحلية القديم: الكنعانيون والفينيقيون‏

5-الكنعانيون والحضارة الكنعانية:‏

ما يزال أصل السكان الذين كانوا يتكلمون في سورية القديمة لغات تنتمي إلى مجموعة اللغات التي جرى التعارف على تسميتها باللغات السامية ما يزال حتى الآن محل نقاش وكذلك تاريخ قدومهم ومدى امتداد الأرض التي شغلوها. أما اسم (كنعان) فقد ورد في أسفار التوراة التي تتحدث عن التطورات السكانية والجغرافية البشرية، أي توزع عناصر السكان في العصر الذي دخل فيه العبريون من بني إسرائيل إلى أرض كنعان، وهو الاسم الذي كان يطلق على فلسطين القديمة.‏

هذه الرقعة من الأرض التي دعيت في أسفار التوراة نفسها كما كانت تدعى في حينه ليست هي أرض كنعان كلها، ولكن الأرض المعنية هي الواقعة على يمين نهر الأردن من ينابيع الأردن شمالاً إلى النقب جنوباً. في هذه المنطقة اقتطعت قبائل بني إسرائيل التي كانت تتكلم اللغة العبرية القريبة من اللغة الكنعانية التي كان يتكلمها الكنعانيون المنتشرون آنذاك على الساحل السوري- الفلسطيني القديم، أرضاً لها في كنعان على حساب السكان الأصليين في الأرض التي عرفت بعدئذ باسم فلسطين، وذلك في ظروف تاريخية سياسية أدت إلى تشكل فراغ شجع على تحرك السكان وانتقالهم في ذلك العصر.‏

إنه على الرغم من إعلان الأسفار الإخبارية من التوراة (سفر يوشع مثلاً) عن إبادة السكان والأحياء (الحرم) على أيدي الغزاة كما هو الشأن في أريحا أو في عي، فإن العديد من الكنعانيين تجاوزوا المحنة وبقوا على قيد الحياة بعد الغزو ولكنهم دون شك اندمجوا بالنظام الاجتماعي- الثقافي للدولة الجديدة التي أقامها الغزاة.‏

والواقع أن أرض الكنعانيين في عصر البرونز المتوسط، وفي بداية البرونز الحديث امتدت إلى أجاريت في شمال سورية وامتدت قبل وصول الآراميين شرقاً حتى الفرات. إن لغة تل مرديخ = إبلا التي تدعى الإبلائية، ترتبط بفرع اللغات السامية الشمالية الغربية، التي ربما يمكن أن ندعوها لاعتبارات جغرافية وحسب الفرع الأموري أي الغربي، بمقابل الفرع الأكدي (البابلي- الآشوري) أي الشرقي. وإلى الفرع الغربي من اللغات (السامية) تنتمي اللغة الأجاريتية التي ينبغي أن يبحث عن العلاقة فيما بينها وبين الإبلائية، واللغتان الفينيقية والعبرية، اللتان ليستا بالواقع إلا لهجتين من الكنعانية. وهكذا فإن دراسة الواقع الاجتماعي اللغوي هو الذي يساعدنا على التعرف على الانتشار الكنعاني والعلاقات بين المجتمعات التي كانت تتحدث بلهجات كنعانية.‏

ظهر اسم الكنعانيين في نصوص أكدية من النصف الثاني من الألف الثاني ق.م. ونجده لأول مرة بصيغة بلاد كناني في نص الملك ألالاخ ادريمي (في بداية القرن الخامس عشر) وفي منتصف القرن التالي (الرابع عشر) يرد هذا الاسم في نصوص تل العمارنة بصيغة كناخني، كناخَي، ونجده بهذه الصيغة الأخيرة في أجاريت.‏

أما في النصوص المصرية (أواسط القرن الخامس عشر) فنجد الاسم بصيغة كنأنأ كما في نص يعود إلى زمن أمنحوتب الثاني (1450-1425).‏

فبالاستناد إلى هذه المعطيات جعل بعض المؤلفين ظهور الكنعانيين في منطقة الشرق العربي القديم بكونهم شعباً له اسم في مطالع الألف الثاني ق.م. وهو ما يقابل أثرياً عصر البرونز الأوسط. وقد ربطهم بعضهم بالهكسوس الذين اختلطوا بالكنعانيين وتأثروا بحضارتهم وتبنوا عباداتهم وحملوا أسماء كنعانية ولكن يبدو أن السكان الذين أطلق عليهم بعدئذ اسم الكنعانيين كانوا موجودين في المنطقة منذ بدايات الألف الثالث كما توضح لنا شواهد تل مرديخ/ إبلا. ولكن علماء الآثار والمؤرخون لا يملكون أي شاهد مادي على حركة هجرة لشعب ما تكلم أية لغة سامية في مرحلة ما قبل الكتابة في سورية وفلسطين أي قبل إبلا (الألف الثالث ق.م).‏

ويميل بعض الباحثين إلى تأييد الرأي القائل بأن الكنعانيين هم بالأصل من السكان المحليين في سورية تطورت أجيالهم فيها عبر العصور. ومن جهة أخرى فإنه من الصعب البت بالأصل اللغوي لكلمة (كِنّاخو) التي نقرأها في نصوص نوزي، وهي كلمة تدل على الصباغ الأرجواني، ولذا قربت الكلمة من كلمة (فينيقي) ووجد أن للكلمتين (كنعان) و(فينيقية)، معنى واحداً وهو بلاد الأرجوان. واقترح كذلك تفسير آخر لكلمة كنعان هو في بلاد التجار، فقد وصف الكنعاني بالتاجر في العهد القديم، لكننا لا نجد لكلمة كنعان أي أصل في اللغات المشرقية (السامية) القديمة، إلا أننا نجد في العربية الجذر (كنع) بمعنى الانحناء، وربما يتصل هذا المعنى بانحناء مسار الشمس وغروبها فيكون معنى كنعان بلاد الغرب بالقياس إلى بلاد الرافدين، كما أضحى فيما بعد اسم أمُّورو دالاً على الغرب وبلاد الغرب. فأمام هذا التشتت في الآراء وتعددها أليس من الأفضل الانصراف، كما كنا قد دعونا سابقاً، إلى دراسة الحضارة نفسها بمؤسساتها ونظمها وتاريخها وعلاقاتها وآثارها؟‏

أما الحضارة الكنعانية:‏

لقد أنشأ الكنعانيون حضارة الساحل السوري كله، وفي فلسطين التي وصفت أسفار التوراة حياتهم فيها قبل دخول العبريين أقاموا قواعد وأسس حضارة غنية ومفتوحة على العلاقات مع الشعوب والحضارات المجاورة. زرعوا الأرض مسلحين بخبرة قرون عديدة ترقى إلى العصر الحجري الحديث، وعالجوا قلة المحصول بالتبادل والتجارة، حتى أصبحت الطرائق التي اعتمدوها فيهما من تقاليد البلاد وتراثها الموروث.‏

عرفوا أنظمة اقتصادية- اجتماعية- سياسية بلغت درجات مختلفة من التشابك والتعقيد بتنامي الحياة المدنية في عشرات المدن التي بنيت وأحيطت بالأسوار: أريحا ومجدو ويبوس أوريشلْم وعَيْ وغيرها. وشيدت فيها المعابد والدور والقصور التي برع في هندستها المهندسون وزينها بأعمالهم فنانون مبدعون.‏

وعلى غرار ما كان قائماً في أقطار المشرق القديم تشكل حول الملوك والأمراء جهاز إداري من الموظفين والكتاب كان من أبرز أعمالهم تنظيم السجلات الرسمية والمراسلات الدبلوماسية التي نجد في مراسلات تل العمارنة أخِت- آتون نماذج بينة عنها.‏

لقد عرف الكنعانيون على اختلاف مواطنهم الكتابة تعلموها وعلّموها ونشروها. فاستخدموا النظام المسماري في شمال البلاد المتصل بوادي الفرات، وكتبوا في جنوبي البلاد، أي من جبيل حتى سيناء وهي المناطق التي كانت أكثر اتصالاً بمصر، بنظام للكتابة فيه ملامح تأثيرات المصرية والعربية الجنوبية. وعلى أيديهم أوجدت، على كل حال، هذه الطريقة البديعة البارعة للكتابة المعروفة بالأبجدية التي انتقلت بالفكرة والتطبيق إلى أنحاء العالم في الشرق والغرب من حوض السند إلى حوض المتوسط، فأحدث هذا الاختراع أكبر تأثير في نشر الثقافة وتعميمها في أنحاء العالم كله.‏

6-من هم الفينيقيون؟‏

الفينيقيون اسم اصطلاحي أطلقه الإغريق في الألف الأول ق.م. على سكان الساحل السوري القديم الذين كانوا يدعون أنفسهم كنعانيين. وكان يعني بهذا الاصطلاح شريط من الأرض بين جبال لبنان والبحر ويمتد من منطقة أرواد شمالاً إلى الكرمل جنوباً. وأهم المدن على هذا الشريط جبيل وبيروت وصيدا وصور وعكا ودور.‏

ويرتبط أصل الكلمة Pheniké = فينيقية بكلمة Phoinix = أحمر، فالكلمة ترتبط بما اشتهرت به من مدن الساحل القديم وبخاصة صيدا وصور من صناعة للقماش الأرجواني الأحمر والتجارة به. وترد كلمة Ponikija (بونيقية) في كنوسوس (كريت) للدلالة على اللون الأحمر.‏

إلا أن كلمة فينيقية وردت لأول مرة بصورة ما عند هوميروس ثم عند هيكاتيوس من ميليتوس للدلالة على سكان صور وصيدا الذين كانوا يدعون أنفسهم كنعانيين كما ذكرنا من قبل رغم أن المصادر اللغوية تذكر أن الكلمة غير إغريقية، وهي مشتقة من أصل أجنبي فإن الشائع هو أن الإغريق هم الذين أطلقوا هذا الاسم على سكان مدن الساحل القديمة.‏

إن ألواحاً من كريت/ كنوسُّوس (ما بين القرنين الخامس عشر والثالث عشر) تشير إلى وجود هذا الاسم الذي ربما انتقل عن هذا الطريق إلى اليونان.‏

ويرد اسم فنخو/ فنخ في المصرية ليدل على الذين يقطعون الأخشاب في جبال لبنان، ثم في قصة سنوحي من عصر الدولة الفرعونية الوسطى ليدل على شعب تقع بلاده حول جبيل في وسط لبنان.‏

وهنا يمكن أن يطرح السؤال عما إذا كان الاسم (فنخو) اسماً محلياً لسكان المنطقة، وكنعان هو الاسم العام؟.. قد يتراءى لنا أن العلاقة بين الاسمين كنعان وفنخو كالعلاقة بين أخلامو وأرامو، فأخلامو اسم عام لقبائل عديدة برز منها الآراميون حتى طغى اسمهم على الآخرين. كما طغى اسم (عبيرو) على (خبيرو). فالعبريون ليسوا وحدهم الخبيرو بل إنهم جماعات منهم.‏

أما أصل الفينيقيين فهو الأصل الذي ينحدر منه الكنعانيون ما دام الفينيقيون فرعاً من الكنعانيين ينحدرون منهم ويندمجون بهم. ويدل اسمهم على منتجي وصناع الأرجوان من صدفة الموريكس وقد انتقل هذا الاسم إلى الميكانيين في البحر المتوسط بصيغة بونيقي = Phoinix = Po-ni-ki كما انتقل إلى سكان نوزي بصيغة Kinnaku كِنّاخو. وربما كان هذا الازدواج بالتسمية المشتقة من مصدرين، البحر والبر، أصل هذا الالتباس في العلاقة بين التسميتين ودلالة كل منهما، فهما بالواقع اسمان على مسمى واحد.‏

كان للفينيقيين/ الكنعانيين دور كبير في النشاط الملاحي في البحر المتوسط خلال الألف الثاني، لكن هذه الفعالية الحقيقية لم تبدأ فعلاً إلا في أواخر الألف الثاني وفي بدايات الألف الأول ق.م كان ذلك نتيجة لتغيرات وقعت خلال هذه الفترة، فانهيار الحضارة الكريتية والميكانية في حوض بحر إيجه وسقوط دور الأخائيين الإيجابي عند قدوم الدوريين الذين لم يستطيعوا أن يحلوا محلهم أفسح المجال أمام تعاظم دور المدن الفينيقية التي استطاعت تجاوز الأزمة التي مرت بها المنطقة عند الانتقال من عصر البرونز الأخير إلى عصر الحديد. وما حصل للآراميين الذين تحركوا في داخل البلاد لسد الفراغ الذي خلفه تدهور الحثيين وانهيارهم وتراجع المصريين وانكفاؤهم في وادي النيل.‏

لقد تراءى لبعض المؤلفين أن فينيقية والفينيقيين اصطلاحان يتصلان بالانعزالية، والحقيقة أن الفينيقيين هم من الكنعانيين، كانوا عامل اتصال بين المشرق القديم والمغرب القديم منذ نشأتهم على سواحل البحر الأحمر أو سواحل الجزيرة العربية إلى انتشارهم على الواجهة البحرية للمشرق والمغرب على البحر المتوسط فانتشرت قوافلهم براً إلى آشور وبابل بينما تحركت أساطيلهم بحراً إلى المتوسط والأطلسي وسيطروا على معظم جزر حوض المتوسط وسواحل أفريقية الغربية وجاء دورهم في نقل ونشر حضارة الشرق العربي مكملاً لدور الآراميين عندما تغلغلوا وامتدوا على كل الأرض من الفرات إلى النيل.‏

إننا لا نجد في التاريخ مثالاً واحداً على نزاع حربي بين الآراميين والفينيقيين/ الكنعانيين ولكننا نجد تنافساً حاداً وصراعاً مريراً بين الكنعانيين عامة وبين أسباط بني إسرائيل الذين أنشأوا مملكة طارئة في تاريخ فلسطين القديم. فقد كان على الدول الفينيقية أن تتابع التصدي للتوسع العبراني نحو الشمال كما تصدت ممالك آرام وبخاصة وبنجاح أحياناً وبتفوق أحياناً كثيرة لهذا التوسع منذ مراحله الأولى (أيام برهدد وحزائيل)، وكموقف مؤاب في شرقي الأردن (أيام الملك ميشع).‏

على أن للفينيقيين دوراً تاريخياً مشهوراً ومتميزاً، فلم يكونوا محاربين فاتحين في البر لكنهم كانوا مغامرين مستكشفين وملاحين عظاماً على متون البحر. فقد أنشأوا المحطات وشيدوا الموانئ والمدن في أنحاء حوض المتوسط وعلى طول سواحله العربية وفي جزره: في قبرص وفي سورية ولبنان وفلسطين وعلى سواحل ليبية وتونس والجزائر وفي مالطة وصقلية وسردينية والباليار وعلى شواطئ المغرب وأفريقية وإسبانية ومنها شقُّوا طرقاً تجارية إلى شواطئ فرنسة وانكلترة عبر خطوط الأطلسي. لقد مضى التجار الفينيقيون ليبحثوا في الأراضي القصية عن الفضة والنحاس والقصدير، وهي المعادن التي كانت تشكل عماد ثروة قرطاجة، بعد أن تمكنوا من بناء وتجهيز مراكبهم التي أضحت مشهورة والمعروفة باسم ترشيش والتي كانت قادرة على مخر أعالي البحار خلال الألف الأول ق.م.‏

لقد كان تاريخ المدن الفينيقية على الساحل السوري- الفلسطيني ملحمة رائعة من ملاحم التاريخ الإنساني. فبينما كان الصراع محتدماً على أرض المشرق غرقت فيه المدن المدافعة عن استقلالها وانغمست فيه شعوب فلسطين وآرام وآشور في القرن التاسع ق.م كانت مراكب من صور تتجه إلى الغرب لتبحث عن موطئ قدم عند مغيب الشمس. هناك بنيت القرية/ المدينة الحديثة – قرث حدش وهي قرطاجة وقَدس = المقدسة وغيرهما.‏

-المطامع الصهيونية وجذورها القديمة:‏

تعكس الأسفار الأخبارية في التوراة بعض ملامح من ذلك الصراع الذي دار على أرض فلسطين بين السكان الأصليين للبلاد والقادمين الوافدين بشكل نكاد نرى بعض أشكاله في عصرنا الراهن.‏

لقد فرض الواقع الجغرافي- التاريخي الكنعاني نفسه كما فرضت المصادر الكنعانية نفسها على كاتب سفر التكوين (الإصحاح العاشر 15-18) فبالاستناد إلى هذا النص يميز الأستاذ رينه دوسو (في الطبوغرافية التاريخية لسورية القديمة...) ثلاث مناطق يدعوها فينيقية وفيها المجموعات التالية:‏

1-الفينيقيون الجنوبيون ويضمون صور وصيدا.‏

2-فينيقيو الوسط، في منطقة جبيل التي كانت تدعى في مصادر مصرية نيجو Negau/ نيحا ويرد ذكرها في المصدر التوراتي العرقي والسيني.‏

3-الفينيقيون الشماليون ويشار إليهم باسم الأرواديين والصحاريين أي أرواد وسيميرا(9).‏

ويستخلص دوسو من مقطع هام في سفر يشوع، 13: 4-6 جذور المطامع الصهيونية المسندة إلى مصادر توراتية بأراض فينيقية، هي الأراضي الواقعة جنوبي المجرى لأدنى الليطاني (نهر القاسمية). ويعلق العالم الفرنسي على ذلك في كتابه المنشور عام 1927 بعبارات نفَّاذة بقوله:‏

"إن المفاوضات التي جرت مؤخراً (في العشرينات)، والتي انتهت إلى تحديد الحدود بين منطقة الانتداب الفرنسي ومنطقة الانتداب البريطاني منحت الادعاءات الصهيونية صفة المعاصرة".‏

وفي الإصحاح التاسع عشر من سفر يشوع وهو السفر الذي يتحدث عن توسع بني إسرائيل في أراضي كنعان/ فلسطين، قائمة بأسماء المواقع التي أضحت موضوع مفاوضات بين لجان تحديد الحدود آنذاك من سلطات الانتداب الفرنسي وسلطات الانتداب البريطاني وفيها ما يلي:‏

1-حلْقه: يرقه، وتقع شمال عكا.‏

2-حلي: عاليه أو حولي شمال قادش الواقعة شرقي تبنين.‏

3-باطن: بين بطن، شرقي عكا.‏

4-اكشاف: جنوب نهر القاسمية، ورد ذكرها في نصوص العمارنة في مصر، اكسابو. وسنتحدث عنها بتفصيل فيما بعد. وهي قرية الذيب العربية.‏

5-آلّملك: أو إليملك، هي الملكية.‏

6-عمعاد: ؟‏

7-مشال: هي مشارة Meshaara في الوثائق المصرية.‏

8-بيت جدين: بيت دجن، بيت دجون.‏

9-بيت هعمق: بيت العمق، عمقة، شمال شرقي عكا.‏

10-تعيئيل: بثانيا: شرقي قيسارية.‏

11-كابول: يشير دوسو عند ذكرها إلى أن الكاتب التوراتي يقلل من أهميتها، ويشير إلى تنازل الملك سليمان عنها إلى حيرام ملك صور بين عشرين مدينة في أرض الجليل (الملوك 1، 9: 13) أما الجغرافي العربي المقدسي فيتحدث عن أهميتها الزراعية في أيامه.‏

12-عبدون: خربة عبده شمال عكا.‏

13-رحوب.‏

14-حامو/ حمون: عين حامول، ويقع وادي حامول ما بين رأس الناقورة والرأس الأبيض.‏

15-قانة: قرية قانة، خربة قانة.‏

16-رامة:‏

17-عكا، عكة على الساحل.‏

18-آفيق، آفِق.‏

كانت هذه القرى والمواقع العربية بين المواقع الجغرافية التي جرى التفاوض عليها بين لجان تابعة لسلطتي الانتداب البريطاني والفرنسي وبمتابعة مندوبين من الوكالة اليهودية التي كانت تراقب المفاوضات عن كثب للتوصل إلى تحديد حدود بين سورية ولبنان من جهة وفلسطين من جهة أخرى بالاستناد إلى ادعاءات ومقولات قديمة.‏

كان ذلك ضمن مطامع بني إسرائيل بأراض كنعانية في مطالع الألف الأول ق.م. وقد انعكست هذه المطامع في سفر يشوع مثلاً، وقد ورد فيه تفصيل برنامج التوسع التوراتي في المنطقة الشمالية، وهو البرنامج الذي طلب متابعه تنفيذه بعدع يشوع:‏

يقول النص(10):‏

"بقيت أرض كبيرة جداً للامتلاك، هذه هي الأرض الباقية: كل أرض الكنعانيين ومُغارة التي للصيدونيين إلى أفيق إلى تخم الموريين وأرض الجبليين وكل لبنان نحو شروق الشمس (يعني لبنان الشرقي) من سفوح حرمون إلى مدخل حماة" (سفر يشوع، الإصحاح 13) فكما برزت هذه المطامع في السابق تبرز اليوم وفي المناطق نفسها في جنوب لبنان وسفوح حرمون دون لجلجة أو مواربة.‏

والحقيقة أن الانتداب البريطاني، الذي كان أقوى نفوذاً في حلبة المؤامرات والمناورات بين القوى المتصارعة على المنطقة، استطاع بالتحالف مع الصهيونية النشطة منذ ذلك الحين أن يوسع دائرة سيطرته ونفوذه لمصلحة الوعد البريطاني بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين في مناطق هي تاريخياً كنعانية فينيقية ولا ارتباط لها أبداً بادعاءات تاريخية صهيونية قديمة.‏

لنأخذ مثالاً على ذلك أحد المواقع الأثرية المذكورة آنفاً لنرى مآل الادعاءات الصهيونية:‏

اكشاف: وهي قرية الذيب العربية، تقع على مسافة خمسة عشر كيلو متراً إلى الشمال من عكا على ساحل المنطقة المحتلة من فلسطين.‏

تقول المصادر العلمية (انظر: Guy Rachet, Dict. De l'arch. ) القرية العربية التي كانت قائمة على مقربة من التل تدعى الذيب. أما التل الأثري فيدعى باللفظ المحلي (اشذيب) وهو تحريف للاسم القديم اكشاف. وبعد استطلاعات أولية جرت تنقيبات منظمة ما بين 1959 و1964، أدت إلى النتائج التالية:‏

فخاريات من عصر البرونز القديم (الألف الثالث ق.م).‏

مساكن كنعانية من البرونز المتوسط (النصف الأول من الألف الثاني).‏

مقابر فينيقية (بين القرنين 10-7).‏

احتلها الآشوريون حوالي 700 ق.م، ثم البابليون.‏

آثار من العصر الفارسي.‏

ثم ضمت إلى المملكة السورية السلوقية، وكانت محطة هامة على الطريق إلى أنطاكية. واحتفظت بهذا الدور حتى العصر الروماني. وقد عثر على آثار فخارية وبرونزية من ذلك العصر.‏

هكذا يتضح أن الأدوار الأثرية التاريخية التي مرت على الموقع تؤكد أنه كان موقعاً كنعانياً على الساحل السوري- الفلسطيني القديم وتاريخه هو تاريخ الأرض كلها.‏

7-الساحل السوري أمام الامبراطوريات الشاملة:‏

في أواخر الألف الثاني ومطالع الألف الأول ق.م دخل تاريخ البلاد في منعطف خطير. فقد بدأت تتشكل قوة سياسية- بشرية منحت كل المنطقة الواقعة غربي الفرات وهي بلاد أمورو هوية جغرافية- تاريخية خاصة خلال الألف الأول ق.م فصارت تعرف باسم آرام.‏

إن التبسيط الشديد لمجريات الأحداث قد يقود إلى تكوين رؤى مبهمة عن التطورات التاريخية التي وقعت فعلاً كما حدث في الفترة الانتقالية الغامضة عند انهيار الحكومات الحثية في شمال سورية وتأسيس بيوتات آرامية حاكمة في الجزيرة وبلاد الشام، وعند تدهور الممالك الكنعانية وسقوطها أمام الانتصارات التي حققها التحالف القبلي الذي قاده الملك داود. لقد استغرقت هذه الفترة الانتقالية الخطيرة ما لا يقل عن قرنين، أي إلى القرن العاشر. ومن المألوف أن يجري الحديث عنها بإجمال وبصورة عابرة على الرغم من الأهمية البالغة للأحداث التي مرت آنذاك وطبعت تاريخ المنطقة بعدئذ بطابعها مدة طويلة.‏

كيف كان مصير الدول الكنعانية في تلك الفترة المتأزمة ما بين القرنين الثالث عشر والعاشر. وهي فترة انهار فيها النظام الدولي بسقوط أركانه السياسية والاقتصادية: انهيار الامبراطورية الحثية، وتراجع مصر الفرعونية عن فلسطين ودمار المدن الكنعانية التجارية: أجاريت وجبيل وصور وعسقلان.‏

ولكن كيف تبلور الوضع الدولي في المنطقة بعد دخول القوى الفاعلة الجديدة: "شعوب البحر" من الغرب، والتحرك العيلامي نحو بابل من الشرق، والانتشار الآرامي من البادية العربية- السورية على امتداد جبهة من الجبال التدمرية إلى جبل بشري نحو كل أنحاء الهلال الخصيب.‏

ما هو وضع الدول الساحلية الكنعانية- الفينيقية بعد استقرار الدول الآرامية في الداخل وانطلاق حركة التوسع الآشوري بعد أن برزت مملكة آشور بنزعاتها العسكرية وباستراتيجيتها التوسعية الموروثة من عصر الفاتحين الأكدين شروكين ونرام سين قبل ذلك بأكثر من ألف عام؟ كيف كان بالواقع وضع الدول التي كانت قائمة في ما كان يدعى بسورية على سفوح طوروس والأمانوس عند انتشار القبائل الآرامية التي تحركت لشغل الفراغ في منطقة الجسر السوري الاستراتيجي بين الفرات والبحر وهو الفراغ الذي أوجدته حركات الشعوب وتبدل مواقع الدول وأدوارها في المنطقة؟‏

إن وثائق المحفوظات الآشورية التي تتضمن سجلات الحوليات الرسمية من أيام تكلات بلاصر الأول (توكولتي أبيل ايسَّار) = (1115-1077) ق.م تعترف بالواقع السياسي للتحالف السوري الشمالي بزعامة ما دعي ببلاد حاتي الكبرى(11).‏

لقد أوضح الأستاذ بول جاريللي أن هذا التحالف بزعامة ملك كركميش الواقعة في شمال سورية والذي امتد إلى حماه في وسط البلاد لم يكن مجرد بقية الامبراطورية الحثية المنهارة بل كان قوة دولية حقيقية استطاعت أن تثبت وجودها أمام التوسع الآرامي من جهة ثم أمام التوسع الآشوري في شمال سورية ونحو المدن الساحلية على المتوسط.‏

لقد رافق هذا التغيير الجيوسياسي في سورية تغيير نوعي حضاري بطيء. إن حضارة عصر البرونز هي الحضارة التي بدأت بالانهيار منذ القرن الثاني عشر عند اصطدامها بحضارة عصر الحديد في ظروف لما يتم جلاؤها بعد (دمار أجاريت ومدن ساحلية أخرى). وفي هذا التغيير كان مصير الدول الفينيقية شبيهاً بمصير الدول والممالك الآرامية بمواجهة زحف الدول الامبراطورية الشاملة المتعاقبة: آشور ثم بابل ثم فارس.‏

لقد أوجدت وحدة المشرق القديم تحت زعامة ملوك آشور وبابل سوقاً تجارية مشرقية واسعة، ودفع التجار السوريون الفينيقيون بخاصة التجار اليونانيين أمامهم في شرقي البحر المتوسط، فاضطر هؤلاء إلى الابتعاد عن الساحل السوري ليتخذوا مراكز لهم في جزر رودس وديلوس وأرخبيل السيكلاد بينما تقدم التجار البابليون والآشوريون والكنعانيون والآراميون نحو كيليكية وسواحل آسية الصغرى الجنوبية، واستمر هذا التفوق المشرقي عدة قرون إلى العصر الكلاسيكي الهيليني في القرنين الخامس والرابع ق.م إلى أن تصاعد التنافس التجاري إلى الصراع الحربي، وبلغ هذا الصراع ذروته في الحروب الفارسية- الهلينية ثم في الاجتياح الذي قاده الاسكندر المقدوني نحو بلاد الشرق.‏

وفي خضم الظروف الدولية التي تعرضت لها دول الساحل الكنعاني في العصرين الفارسي والهلنستي ضعف الاتصال بين صور وقرطاجة والمراكز الفينيقية الأخرى في الحوض الغربي للمتوسط. ولكن مصير الساحل السوري بقي مرتبطاً بمصير المنطقة كلها وبما مر عليها من تغيرات وتطورات. فبعد حلول الامبراطورية الفارسية الشاملة محل عروش الممالك القديمة ثم توحيد الإدارة ولغتها رسمياً وإدارياً لأول مرة في مناطق واسعة من العالم القديم. وبين اللغات العديدة التي كانت متداولة آنذاك فرضت اللغة الآرامية، وهي لغة سورية ومعظم المشرق القديم في ذلك العصر، نفسها لغة عامة ومشتركة لتلك الامبراطورية الكبرى المتعددة الألسن واللغات، واحتل التجار السوريون الآراميون والفينيقيون في البر والبحر في بنية الدولة الاقتصادية فحملوا معهم العطور والخمور والزيوت والعقاقير والثمار المجففة والأخشاب والأقمشة، واستوردوا الحرير والتوابل والبخور وتحركت أسرات وجاليات بين بلدان الدولة وأقطارها حاملة معتقداتها وثقافاتها وعاداتها فتأثروا بالبيئات الاجتماعية والأوساط الثقافية التي انتقلوا إليها كما أثروا هم فيها وتركوا بصماتهم عليها.‏

وفي حين اقتصر نجاح امبراطورية الفرس الأخمينيين على ضم الممالك والدول في المشرق القديم من برقة إلى الهند ومن البحر الأسود وبحر ايجة وحوض المتوسط إلى بحر العرب في دولة واحدة شاملة فإن الحضارة بقيت متعددة الألوان. فلم تكن الجيوش المظفرة قادرة على محو الثقافات العريقة في عقائدها وأساطيرها وتقاليدها وتراثها الثقافي، اللغوي والأدبي والفني. ففي أدوار سابقة كانت مجتمعات الساحل السوري قادرة على التصدي لمحاولات سيطرة الفاتحين بما تملكه من قدرات على تحريك المؤسسات الاقتصادية وخاصة التجارة والنقل وتسيير القوافل وتأسيس الوكالات والمحطات في نقاط ومراكز بعيدة، مما أدى إلى خلق شبكات منتجة ومتحركة وفعالة فرضت وجودها في إطار الدولة الشاملة نفسها.‏

هكذا كان للكنعانيين ولدول المدن الساحلية، مثلاً، الدور الأول في التصدي والاقتحام والدفاع في مراحل الحروب الميدية- الهلينية. وكان من هذه المدن قادة الأساطيل وبحارتها كما كان منها التجار والكتاب والصناع. لكن انتصارات الاسكندر المقدوني الصاعقة قلبت هذا الوضع رأساً على عقب. لقد نجم عن الانتصار المقدوني الهلِّيني في الشرق هزيمة عسكرية وسياسية حاسمة للامبراطورية الفارسية الأخمينية، وهزيمة اقتصادية حضارية ماحقة للعالما الآرامي- الكنعاني (الفينيقي) كان من مؤشراته البارزة: أولاً، سقوط المدن التجارية الكبرى وتهديمها صيدا وصور وغزة وغيرها. وثانياً، الغزو الاستعماري الاستيطاني الهليني الذي تمثل بإنشاء وعمارة المدن الهلنستية مثل: أنطاكية واسكندرونة وسلوقية وأفامية واللاذقية.. وأضحت هذه المدن على شواطئ المتوسط الميدان الذي تلاقت فيه الحضارات والثقافات وتفاعلت وأنتجت من تفاعلها فيها وفي الشرق الأدنى القديم كله الحضارة الهلنستية التي طبعت البلاد بطابعها حتى العصر الروماني.‏

هذه بعض ملامح هذا التاريخ القديم الغني الحافل في الساحل السوري الذي بقي على مرّ الزمن بين البر والبحر جسراً للحضارة الإنسانية المتجددة ومنارة مشعة لابتكاراتها ومنجزاتها.‏

الحواشي:‏

(1)-أسطورة بعل ويم، عن كاكو وسينسر، نصوص أجاريتية (بالفرنسية). نقلنا إلى العربية بعض مقاطع الأسطورة.‏

)2)-F.M.Cross, Canaanite Myth. And Hebrew Epic. Harvard- Cambridge, 1973.‏

(3)-J.B.Pritchard, Ancient Near Eastern Texts relating to the O.T. Princeton, 3e me ed.‏

)4)-أ.كاكو، الكوليج دوفرانس، المحاضرة الافتتاحية، ص 13.‏

)5)-J.Bottéro, La naissance duDieu, Paris, p.53.‏

(6)-L. Oppenheim, La Mésopotamie, Portrait d’une civilisation, Paris, p 1970, p.193.‏

(7)-E.G. Simple, The Geography of The Mediter. Region, its relation to the Ancient History, London, 1932.‏

(8)-انظر موسوعة الإسلام (بالفرنسية) الجزء الأول ص 967، الهمداني، صفة جزيرة العرب.‏

(9)-انظر:‏

Cham et Canaan dans Revue de l’Histoire des Religions 1909, 1, p.225; Syria p.314p R.Dussaud, La Top. Hist., p.5.‏

(10)-انظر دوسو، المرجع المذكور ص 5-14.‏

(11)-انظر: P. Garelli, Le Proche- Orient Asiatique II, p. 62.‏

أهم المراجع:‏

1-A. Caquot et M. Seznycer, Textes Ugaritiques, Paris.‏

2-J.B. Pritchard, Ancient Near Eastern Texts relating to the O.T. Princeton, 3ème éd.‏

3-J.Bottéro, la naissance du Dieu, Paris.‏

4-L.Oppenheim, La Mésopotamie, Portrait d’une civilisation, Paris (traduit de l’Anglais), 1970.‏

5-E.G. Simple, The Geography of the Mediter. Region, its relation to the Ancient History, London 1932.‏

6-Encyclopeide de l’Islam.‏

7-R.Dussaud, la Topographie historique de la Syrie antique et medievale. Paris, 1927.‏

8-P.Garelli, le Proche-Orient Asiatiqes II, Paris.‏

9-S.Moscati et M. Chehab, les phéniciens, Paris.‏