سورية وحطام المراكب المتعثرة

ياسين الحافظ صاغ المنطلقات النظرية لحزب البعث.. قلد لينين في الكتابة.. وظل يكتب الي ان مات
بدأنا كبعثيين نعشق عبدالناصر.. وعندما طلب حل الحزب لم يحاول أحد أن يختار الوحدة مع بقائه
صقر ابو فخر
في خضم الاضطراب العميم الذي شهدته سورية، ولا سيما بعد استقلالها في سنة 1943، كان نبيل الشويري شاهداً علي بعض جوانب هذا الاضطراب. فهو، منذ يفاعته الأولي، عرف ميشال عفلق كسـاحر وقديس معاً. وتدرج في مدارج السياسة وفي معارج الفكر السياسي علي يديه، وتفتح وعيه علي القومية العربية شبه العلمانية التي صاغها عفلق، ثم تمرد عليه وأسقط هالة القداسة عنه، وانحاز إلي أكرم الحوراني، ثم لم يلبث أن انخرط في التآمر السياسي والانقلابات العسكرية مع سليم حاطوم وبدر جمعة، وحُكم بالإعدام. وقادته مصائره اللاحقة في المنفي البيروتي، والباريسي، إلي إدارة الظهر للسياسة كلها، ثم راح، بهدوء، يعيد النظر في تجربته الشخصية، وأسلم عقله لحقبة من التفكير النقدي الهاديء. ولعل نبيل الشويري كان شبه مرآة عكست البعث نفسه وتجربته العاتية في الاضطراب السياسي والبلبلة الفكرية والتآمر وانقلاب الأحوال والأخطاء القاتلة، فضلاً عن النزوع الرومانسي إلي صوغ مشروع مستقبلي لدولة قوية موهومة.
لم يكن لنبيل الشويري أي شأن مباشر في سلطة البعث التي انبثقت في 8 آذار 1963، ولم يشارك في صنع الأحداث العاصفة التي شهدتها سورية منذ ذلك التاريخ فصاعداً، ولم يكن له أي دور في المصائر التي انتهي إليها البعث بشظاياه الكثيرة، إنما كان شاهداً راصداً لتجربة البعث في سورية، وكان، إلي ذلك، مناضلاً في ذلك الحزب إبان صعوده، ثم راقب بحسرة انحداره وتطايره في جميع الاتجاهات. وهذا الحوار هو خلاصة هذه التجربة. ومهما يكن الأمر، فإن أهمية هذا الحـوار لا تكمن في أنه يؤرخ لحقبة من التاريخ المعاصر لسورية، بل في محاولة إعادة قراءة الأحداث في ضوء التجربة الشخصية.

أين ابن جمال عبد الناصر؟
نعم. أين ابن عبد الناصر؟ بل أين ابن شكـري القوتلي وابن جميل مردم وأبناء الشهبندر؟ وقديماً قالت العرب: ولد النجيب لا يَنجُب، وإن نَجُبَ فاق أباه .
لأن منصور الأطرش صهرك، فما تقويمك الشخصي له؟
رجل آدمي ، وفي بعض الأحيان كان آدمياً أكثر من اللازم. كنا أصحاب وبيننا محبة حقيقية، ولاسيما عندما سكنا معاً في بيروت قرابة السنة بعد هروبي من سـورية إلي لبنان وخروج منصور من السجن في حزيران (يونيو) 1967. عشْرته حلوة ومريحة. لكنه دأب في السنوات الأخيرة علي ممارسة نشاط لا طائل منه، وليس فيه أي فائدة، بعضه مسموح به، وبعضه مدوزن في دوائر المخابرات. وأنا لا أستطيع أن أستسيغ ذلك، وأتساءل بحرقة: هل يعقل أن يذهب منصور الأطرش إلي بغداد ليحضر مؤتمرا أو ندوة يرأسها ويوجهها رجل الدولة الخطير والمفكر الكبير طه ياسين رمضان الجزراوي، المجهول باقي الهوية أكان لجهة الأصل والنشأة، أم لجهة التحصيل العلمي...؟! أو ندوة تلفزيونية يشرف عليها أحمد سعيد العراق ، المدعو محمد سعيد الصحاف؟ هل نقف في وجه المخططات الامريكية والإسرائيلية بهذه الأساليب المضحكة في هزالها والمبكية بدعم صدام حسين؟! أم نحقق وجاهة فارغة من أي معني؟. والحال أن الوجاهة الحقيقية لها عنوان دائم في بيت سلطان الأطرش بل في بيته هو أيضا لو استقر فيه وحافظ علي الخط التقدمي وأحسن قراءة علامات الأزمنة. أم هي مشورة السوء من معشر السوء، ممن احترف أساليب الكذب والنميمة والسمسرة..؟! وأخيرا فإن صورة كاريكاتورية تخطر في بالي كلما فكرت بالفارق النوعي الكبير بين مؤهلات منصور ومناقبه، والحياة المحشومة التي عاشها، وسمعة أبيه وهيبة اسمه، وبين الأعمال السياسية الهزيلة التي يمارسها منذ سنوات: إنها صورة صياد مولع بالصيد وعنده مدفع 105 ملم يتسلي بإطلاقه علي عصافير الدوري! وهو خير من يفهم هذا الكلام لأن رياضته المفضلة منذ طفولته هي الصيد، فهو مولع بها وبالسياسة!
ياسين الحافظ؟
ياسين الحافظ نشأ مناضلاً ومثقفاً وشهوته إلي المعرفة هائلة. ثم امتلك ذكاء وعقلاً ناضجاً وقدرة علي الكتابة كان يقول لي انه تعلـم الكتابة من قراءة نصوص لينين، وقلد لينين في الكتابة. ياسين الحافظ صاحب تجربة اقتنع من خلالها أن لا أمل من متابعة المسيرة مع خالد بكداش فترك الحزب الشيوعي.
ياسين الحافظ هو من صاغ المنطلقات النظرية لحزب البعث في المؤتمر القومي السادس.
ياسين الحافظ ـ خرج من الحزب الشيوعي، وعمل مع الياس مرقص. الياس مرقص ظل ماركسياً ثم صار وحدوياً وناصرياً ولم يقترب قط من حزب البعث. أما ياسين الحافظ فاقتنع بتقدمية علي صالح السعدي والثورة الشعبية في العراق، فجاء إلي حزب البعث وإلي المؤتمر السادس وكان المنظر الرئيسي في هذا المؤتمر.
إذن بدأ امين الحافظ في الحزب الشيوعي السوري، ثم التحق بحزب البعث، ثم اسس حزب العمال الثوري العربي ثم... الي السلام عليكم.
وبقي يكتب إلي أن مات.

الوحدة المتدرجة

لنعد قليلاً إلي الوحدة المصرية ـ السورية. لماذا لم يقترح أحد الوحدة المتدرجة مثلاً بدلاً من الوحدة الفورية؟
لم يخطـر في بال أحد في الحزب أن الوحدة ستكون علي الشكل الذي حصل. الجميع اعتقد أنها ستكون اتحاداً فيدرالياً بقيادة جمال عبد الناصر. والشريك الأساسي في هذا الاتحاد هـو حزب البعث وإن لم يكن الشريك الوحيد. كانت الديمقراطية جزءاً من ثقافة حزب البعث علي مدي سنوات، والعمل الجبهوي عنصر أساسي من سياسته.في تلك الفترة أصبح أكرم الحوراني رئيساً لمجلس النواب، وبـدأ نجم صلاح البيطار يلمع كوزير للخارجية، ويحاول أن يكون زعيماً في دمشق، بينما أكرم الحوراني زعيم حقيقي في حماة وسورية كلها. هنا بدأ ميشيل عفلق يشعر بالامتعاض. لذلك عندما اشترط جمال عبد الناصر حل الحزب جاء هذا الشرط كالماء البارد الذي سكب علي جميع البعثيين، فوقعوا في حرج شديد، أو أمام خيار صعب: اما الوحدة أو حل الحزب. ووقفت الأكثرية الحزبية مع الوحدة بالطبع. ولم يحاول أحد أن يختار الوحدة مع بقاء الحزب لأن عبد الناصـر ما كان ليقبل ذلك. وكنا بدأنا، كبعثيين، نعشق عبد الناصر وجميعنا صار يحب عبد الناصر. أنا شخصياً أتذكره حينما أتي إلينا في أحـد الألوية العسكرية، وعندما وصل إلـي جانبي قدمت نفسي إليه بالقول الملازم المجند نبيل الشويري، سيدي الرئيس. وصافحته تلك المصافحة الشديدة وندمت علي أنني أتعبت له يده. لقد رف قلبي محبة له كما حدث مع معظم الناس. أما البعثيون من ذوي التجربة والوعي فقد خافوا لا علي الحزب بل علي الوحدة، لأن سورية لا تُحكم بالطريقة التي تُحكم بها مصر. وخافوا، منذ البداية، من انتكاس الوحدة. لكن لا أحد كان يمتلك المقدرة علي المجادلة في هذا الشأن. وبعد الاستفتاء علي الوحدة دعا عفلق نحو 60 رجلاً من المستوي القيادي في الحزب، وارتجل حديثاً غير مذكـور الآن في التاريخ الرسمي للحزب. وفي هذا الحديث نوع من تمنين الآخرين، كأنه يريد أن يقول إنني اشتغلت طويلاً مع فتيان، والآن أنـا أعمل مع عبد الناصر وليس مع أولاد يثرثرون دائماً بضرورة القيام بمحاولة لتطوير الوضع التنظيمي للحزب. لقد ظن أنه أصبح وعبد الناصر شيئاً واحداً.
من هم الذين حاولوا تطوير الحزب آنذاك؟
إنهم كثيرون، وقد انبثقت منهم قيادة قطرية في مؤتمر الحزب سنة 1957، والتفصيلات موجودة في مذكرات الحوراني الذي امتعض من النتائج ولكنه قرر التعاطي معها. أما عفلق فقد ظهر موقفه في ذلك الخطاب الذي تكلمنا عليه قبل قليل. وللتذكير، عندما انتهي ميشيل عفلق من خطبته أمام الحاضرين وقف أحد الأعضاء وقال له: يا أستاذ صنعتم وحدة، هذا جيد. لكن هل حصلتم علي ضمانات كي لا تكون القيادة فردية، وحتي لا تقع أخطاء تهدد الوحدة نفسها؟ هنا، التفت إليه ميشيل عفلق وقـال: ضمانات؟ نحن نقوم بعمل تاريخي ونؤسس وحدة عربية وأنت تتحدث عن ضمانات؟ ما هذه الولدنة ؟ أخبرني عبد البر عيون السود أنه سمع واحداً من الحاضرين، بعدما سمع جواب ميشيل عفلق، يتمتم بالقول: يالله يا إخوان، كل واحد يرجع إلي عشيرته أو إلي طائفته. لم يبق هناك حزب .
هل حدث ذلك حقاً؟ أي هل عاد الجميع كل إلي طائفته وعشيرته؟
نعم، حصل هذا جزئياً. في أي حال اخذ جلال فاروق الشريف خطاب عفلق لأنه المسؤول عن تحرير جريدة البعث وطبعه علي الستانسل، وأراد إرساله إلي الجريدة كي يصدر في اليوم التالي. لكن ميشيل عفلق سحبه ومنع نشـره. لم يخالف الإجماع علي الوحدة في سورية إلا خالد بكداش وخالد العظم. الوحدة قامت علي مبايعة أهل الحل والعقد، ثم مبايعة الناس. لا ديمقراطية ولا شيء من ذلك. فقط مبايعة أهل الحل والعقد.
والضباط؟
كلا، ليس الضباط بل زعماء سورية. الضباط ما كان في استطاعتهم تسيير أي أمر لو أن حزب البعث وأكرم الحوراني رفضا ذلك. من هم الضباط؟ الضباط بعثيون يتلقون الأوامر. أبو عبدو (أمين الحافظ) وضع يده علي مسدسه وقال: مَن يضع شروطاً علي عبد الناصر لم يخلق بعد. عبد الغني قنوت ومصطفي حمدون إذا لم يرغب أكرم الحوراني في أمر فهما سيرفضانه بالتأكيد. ولولا موافقة الحوراني ما كانا ذهبا إلي القاهرة. الحكم كان في يد الأحزاب، والضباط يتلقون الأوامر من هؤلاء الزعماء. أهل الحل والعقد بايعوا عبد الناصر، أما الاستفتاء فهو مبايعة العامة. الناس بايعت عبد الناصر غريزياً. أما أهل الحل والعقد فلكل واحد منهم سبب. أولاً، مشروع الوحدة كان أمراً لا خلاف عليه. الجميع يريد الوحدة. ثانياً، كل زعيم توهم أن عبد الناصر أقرب إليه من خصومه فـي سورية. حتي رشدي الكيخيا اعتقد أن عبد الناصر أقرب إليه من البرلمان الذي أمسي أنصاره فيه أقلية، ولا سيما بعدما صار أكرم الحوراني رئيساً للمجلس. ميشيل عفلق اعتقد أيضاً أن عبد الناصـر أقرب إليه من أكرم الحوراني، وأنه إذا كان لا بد من زعيم، فليكن عبد الناصر. وأكرم الحوراني تحمس للوحدة جدياً، ورأي أن الوحدة تبقي أفضل من الصراع الداخلي الذي نشب في سورية آنذاك، والذي كان ينحو نحو واحد مـن احتمالين: إما المؤامرات الامريكية أو الشيوعية. يقول محمد حسنين هيكل: عندما قامت الثورة في بغداد، في 14 تموز (يوليو) 1958، وسقط حلف بغداد، أدرك عبد الناصر أن مرحلة جديدة ستبدأ في المنطقة. ولا بد من إعادة النظر في السياسة الخارجية، وإعادة تقويم الإمكانات المتاحة، والاحتمالات المقبلة. وجمع عبد الناصر عشرة من كبار المسؤولين وأصحاب الرأي. وإذا بهؤلاء العشرة كلهم مصريون.
هذا جري بعد قيام الوحدة.
نعم، بعد 14 تموز (يوليو) 1958. والغريب أن هيكل لم يلفته عدم وجود أي سوري بين هؤلاء العشرة، وكان مر علي الوحدة ستة أشهر فقط، والود ما زال قائماً بين عبد الناصر والزعماء السوريين المفترضين أنهم شركاء في الوحدة. ويقول بشير العظمة في مذكراته، انه بعد سنة علي وجوده في القاهرة كوزير مركزي للصحة، أي بعد سنتين علي الوحدة، حاول في أثناء عرض موازنة الدولة علي مجلس الوزراء أن يناقش مسـألة توحيد أعباء الدفاع والأمن في الإقليمين، وأنه لا يجوز أن يبقي الإقليم الشمالي يتحمل 53% والجنوبي 17% فقط. وأضاف العظمة أن ذلك ربما كان سبباً في تأخر التنمية في سورية. فقوطع كلامه بالصخب والهياج، وكان أول الهائجين المشير عبد الحكيم عامر. فتدخل عبد الناصر قائلاً: دعوا الوزير الفني يُكمل .
الوزير الفني؟
نعم. وكان عبد الناصر يقصد أن يقول لبشير العظمة: ما علاقتك بهذا الموضوع. كان جواب عبد الناصـر في نهاية النقاش أن لا مجال إطلاقاً لتغيير ما كان قبل الوحدة وسيبقي القديم علي حاله. والآن بعد أكثر من أربعة وأربعين عاماً نتساءل: هل كان هناك وحدة فعلية بين سورية ومصر في سنة 1958 وانحلت هذه الوحدة بالانفصال في عام 1961؟ أم أن المسألة كانت في جوهرها تحكم عبد الناصر بسورية؟

حل الحزب

حسناً، تمت الوحدة علي الرغم من أن الجيش كان مشرذماً إلي ثلاث كتل. وكل كتلة تأتمر بأحد السياسيين: كتلة الضباط الشوام برئاسة عبد الكريم النحلاوي، وكتلة أحمد عبد الكريم، وفيها طعمة العودة الله وأحمد حنيدي، وكتلة الضباط البعثيين. تمت الوحدة وجري حل الحزب. هل كنت مع حل الحزب؟
كان موقفي هو نفسه موقف الحزب، مع أنني شعرت بالامتعاض. لكن ثقتنا في ذلك الوقت بعبد الناصر كانت كبيرة ومحبتنا له كانت أكبر. ولكن دعني أصحح لك معلوماتك العسكرية عن الجيش السوري يومها:
أولاً: لم يكن هناك شيء اسمه عبد الكريم النحلاوي. ربما كان ضابطاً صغيراً مغموراً لا يسمع به أحد. كانت كتلة الضباط الشوام يتزعمها اللـواء سهيل العشي الذي كان من جماعة القوتلي، وضد الحوراني وضد البعث وضد الاتجاهات التقدمية واليسـارية عموماً. ومذكراته التي صدرت منذ بضع سنين تقول ذلك، بل تقول أكثر من ذلك: يخرج القارئ بعد مطالعتها بانطباع أنه لا يزال عند أفكاره التي كونها في عام 1947 في القصر الجمهوري في المهاجرين رئيساً للغرفة العسكرية في رفقة شكـري القوتلي...! وأكثرية كتلة الشوام هكذا. لكن في الوقت الذي نتكلم عليه، كان العشي وكل من معه قد أدركوا حقيقة قوتهم في الجيش بسبب عصيان قطنا وأنهم لا شوكة لهم في الجيش ولا في الشارع ولا في المجلس النيابي. وهنا بدأ التآمر الذي انخدع به المشير عبد الحكيم عامر في ما بعد.
ثانياً: الكتلة الثانية هي كتلة أمين النفوري وأحمد عبد الكريم وأحمد حنيدي وطعمة العودة الله وهم علي الترتيب من القلمون شمال دمشق، ومن حوران ومن دير الزور ثم من حوران أيضاً. وكانوا ضد أكرم الحوراني وضد البعث ومن أركان عهد الشيشكلي. لكن بعضهم تطور في ما بعد فكرياً وسياسياً وأنضجتهم الأحداث ولا سيما أحمد عبد الكريم والنفوري، فاقتربوا من الاتجاه التقدمي والتأقلم مع الديمقراطية.
ثالثاً: خفت حدة الصراع داخل الجيش وظهرت كتلة جديدة هي كتلة عفيف البزري والضباط الشيوعيين اليسـاريين وأكثرهم فلسطينيون. وأنا أتكلم دائماً علي هذه الفترة بين عصيان قطنا في ربيـع 1957 وبين أواخر 1957 وأوائل 1958، وهي الفترة التي ورد سؤالك عنها. فعندما ذهب ضباط الجيش إلي القاهرة كان ذلك بقرار من مجلس الدفاع، وهو المجلس الذي تشكل في تلك الفترة ليمنع حدة الصراعات التي أوصلت الجيش إلي عصيان قطنا، وكان المجلس برئاسة عفيف البزري رئيس الأركان ومؤلفاً من أهم ضباط الجيش السوري من جميع الاتجاهات السياسية.
يقال ان بعض الفروع لم تحل نفسها، بل بقيت تعمل سراً، مثل فرع دير الزور؟
فرع اللاذقية لم يحل نفسه أيضاً.
كيف تشكلت اللجنة العسكرية في تلك الفترة؟
بدأت منذ عصيان قطنا في سنة 1957 الذي قاده مصطفي حمدون وعبد الغني قنوت وضباط البعث. كان محمد عمران حينذاك نقيباً وله نفوذ واسع في الجيش. وكان لصلاح جديد نفوذ قوي وكذلك لحافظ الأسـد وعبد الكريم الجندي ومصطفي طلاس. كان هدف أكرم الحوراني من عصيان قطنا منع شكري القوتلي من إحكام سيطرته علي الجيش والحيلولة دون عزل السراج كي لا يمهد ذلك للانقضاض علي حزب البعث، أو حل البرلمان وإجراء انتخابات مزورة بعد ذلك. ولإجهاض خطة القوتلي اتفق مصطفي حمدون وأكرم الحوراني علي القيام بعصيان، لا بانقلاب، يكون هدفه منع نقل عبد الحميد السراج، والتهديد بالقيام بانقلاب عسـكري إذا أصر القوتلي علي نقله. كان في إمكان أكرم الحوراني القيام بالانقلاب، لكنه لا يريد أن يخسر الديمقراطية. نفذ مصطفي حمدون والضباط العصيان، وكان وزير الدفاع حينذاك خالد العظم، وبدأت المفاوضات بين قادة العصيان والحكومة. الكتلة الأساسية من الضباط الشوام المؤيدين لشكري القوتلي كانت تريد القضاء علي العصيان وتطبيق الأحكام العسكرية. وتبين أن 70% من الجيش مع مصطفي حمدون. وكان أكرم الحوراني يفاوض وبيده ورقة العصيان، لكن في النهاية أعيدت الحال إلي ما كانت عليه، من غير أن يعاقب أحد. كان يعتقد أن سورية مقبلة علي انتخابات نيابية وفي هذه الانتخابات سيصبح البعث أكثرية، أو أكثرية مع حلفائه، ولم يبق لرئيس الجمهورية إلا سنة واحدة. وفي هذه الحال سيتمكن حزب البعث وحلفاؤه من إيصال مَن يريدون إلي الرئاسة. لكن عبد الناصر أرسل نصيحة بواسطة محمود رياض وعبد المحسن أبو النور يدعو الضباط فيها إلي تطوير العصيان إلي انقلاب كامل، والتخلص من عذاب المناورات وكشف المؤامرات. وبعد ذلك يتفق الضباط وعبد الناصر علي المستقبل. أكرم الحوراني كان يريد الانتخابات لا الانقلاب، وكانوا يسمونه شيخ العقل أي أنه لا يقبل إلا الحلول العقلانية. وفي النتيجة انكشف التنظيم الحزبي السري في الجيش. ومنذ تلك اللحظة ظهرت فكرة إعادة تنظيم الحزب من وراء ظهر الحزب وأكرم الحوراني. ومنذ ذلك اليوم بدأت فكرة اللجنة العسكرية التي تألفت مـن الضباط الذين كانوا ضد قرار الحل الذي توصل إليه أكرم الحوراني. ولكن، في أثناء الوحـدة جرت عملية نقل لـ 500 ضابط إلي القاهرة وصار هؤلاء بلا عمل.
من ضمنهم كتلة الضباط الفلسطينيين؟
تماماً. هؤلاء الضباط الفلسطينيون سرحوا في معظمهم. والعجيب أن اللجنة العسكرية تمكنت من تشكيل تنظيم سـري تحت سمع المخابرات المصرية وبصرها. لماذا؟ لأن فرع اللاذقية في الحزب، وكان جيد التنظيم، استمر في العمل سراً، وظهر في الحزب محور جديد هو محور حمص ـ دير الزور ـ اللاذقية. فرع دير الزور كان ضد جلال السيد. في حمص كان جناح عبد البر عيون السـود هو الناشط لا أنصار الأتاسية. في اللاذقية كان وهيب الغانم لا مصطفي الحلاج. في ذلك الوقت لم تظهر بذور الطائفية قط. أكثرية فرع دير الزور من السنة. عبد البر عيون السـود وجماعته في حمص سنة أيضاً. وكان هناك بعثيون علويون مع الأتاسية وليس مع عبد البر عيون السود مثل سليمان العلي. وهيب الغانم في اللاذقية علوي. إذن لم تكن نشأت في الحزب قصة علوي وسني بالشكل الذي يتحدثون عنه اليوم.
بدأت الخلافات بين البعثيين وعبد الناصر تكبر بالتدريج. وكان في رأس الخلافات حكم المخابرات والقمع الذي مارسه ضباط المخابرات المصريون في سورية...
السوريون في سورية أسوأ.
تقصد عبد الحميد السراج؟
طبعاً. عبد الحميد السراج وعبد الوهاب الخطيب وبرهان أدهم. هؤلاء أسوأ من الضباط المصريين.

القمع والمخابرات

في هذا السياق استشهد فرج الله الحلو في السجون السورية، ماذا تتذكر من تلك الفترة؟
أتذكر القمع الرهيب الذي طال الحزب الشيوعي السوري.
وطال البعثيين أيضاً.
لا، ليس مثل قمع الشيوعيين. هذا القمع الذي استعملت فيه أساليب لم تستعمل منذ أيام العثمانيين. إنها قصة التعذيب حتي الموت، وتنفيذ الأجهزة إرادة الحاكم مـن دون الرجوع إلي القانون ومن دون الخوف من سلطة القانون. سورية لم تعرف هذا الأمر إلا عندما قمعت فرنسا ثورة 1925. قبلها عرفت سورية ضروباً من القمع في زمن السلطان عبد الحميد وفي أيام جمال باشا. لكن تاريخ سورية المعاصر منذ انتصار الحركة الوطنية السورية علي الفرنسيين فـي سنة 1936 حتي بداية الوحدة، لا يعرف هذا النوع من الإرهاب الذي وقع علي الشيوعيين. اعتقلوا جميع الشيوعيين باستثناء الذين هربوا. خالد بكداش غادر إلي موسكو. أمـا منظمات الحزب الشيوعي فجميعها كُشفت ووضع أعضاؤها في السجن وتعرضوا للتعذيب ما عدا الذين تعهدوا خطياً بترك الحزب وبمبايعة عبد الناصر. وظل الكثيرون في السجن حتي جري الاتفاق مع خروشوف علي بناء السد العالي فأفرج عنهم وخرجوا أشلاء. أنـا أعرف جورج عويشق مثلاً، وهـو حتي الآن لا زال يعرج. اعتقدنا أنه سـيموت لأنه خرج بعشرين مرضاً ثـم تحسنت حاله بعد ذلك ولا زال حياً حتي الآن. وثمة نساء اغتصبن، وفي ما بعد هاجر الكثير من الشيوعيين وعمل البعض مع المخابرات.
اتسعت دائرة القمع لتشمل البعثيين، ولذلك استقال الوزراء البعثيون.
اشتد التضييق علي البعثيين، لكن لم يحصل تنكيل بهم مثلما حدث مع الشيوعيين. أكثر الذين صمدوا هم من كنا نعتقد أنهم انتهازيون، وهم من أنصار أكرم الحوراني. وأكثر الذين صاروا مع المخابرات هم الذين كنا نعتقد أنهم عقائديون من جماعة ميشيل عفلق.
بماذا تفسر هذه الظاهرة؟
المنشأ الطبقي يلعب دوراً مهماً في هذا الشأن، وكذلك شخصية القائد. أكرم الحوراني ظل حتي آخر أيامه يرتاد المقهي ويجلس إلي الناس. يحب الناس والناس تحبه. ميشيل عفلق ليس من هذا الطراز.
سأروي لك موجزاً لجدال دار بيني وبين أكرم الحوراني. كان سامي صوفان ومصطفي الحلاج مـن أعز أصدقائي. وجاء سامي صوفان إلي للتشاور في العرض الذي تلقاه بأن يشارك في انتخابات الاتحاد القومي، وطلب إلي أن أؤيده. وأنا أعرفه نظيف الكف، وليس غوغائياً مثل أديب النحوي الذي تعاركت معه في منزل منصور الأطرش علي الموضوع نفسه. سامي صوفان لم أتعارك معه لأن طريقته في الحديث جعلتني أشعر أن له وجهة نظر فـي هذا الشأن. وفي النقاش مع أكرم الحوراني عرضت وجهة نظر سامي صوفان بشيء من الحماسة. واعتقد أكرم الحوراني أنني أعرض رأيي الذي يقول بخوض الانتخابات ثـم نعارض من الداخل.
أكرم الحوراني كان ضد خوض الانتخابات؟
نعم. لكن أكـرم الحوراني قال لي: يا نبيل، لنفترض أننا شاركنا في الانتخابات، وفي إحدي جلسات مجلس الأمة أدليت برأي معارض للحكم. من سينشر هذا الرأي؟ وأقول لك أكثر من ذلك: أضاف الحوراني: لو أن الصحف نشرت فـي اليوم التالي كلاماً مناقضاً لخطابي في مجلس الأمة فكيف سأُكذبه. هل يوجد أمامي حينـذاك إلا الاستقالة؟ وما دام الأمر كذلك فلماذا أجرب الآن؟ هل هناك ديمقراطية من غير صحافة حـرة؟ فقلت له: معك حق يا أستاذ وتخليت عن النقاش.
ماذا كنت تفعل في تلك الفترة؟
رجعت من الجندية إلي المحاماة. بدأت أعمل محامياً تحت التدريب، مـع أني لم أحب هذه المهنة ولم أنسجم معها. فعرض علي عبد الغني قنوت وظيفة في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. حينذاك أراد المصريون إنشاء مؤسسـة التأمينات الاجتماعية كما هو الحال في مصر. وكلف بتأسيسها رفيق بعثي اسمه رفيق طيلوني، وكان مسؤولاً عن دائرة النقابات، وكان يدعم خالد الحكيم في هذا المجال. أرسل عبد الغني قنوت في طلبي وقال لي: هل تقبل أن تعمل فـي مؤسسة التأمينات الاجتماعية مديراً لفرع دمشق؟ رفيق طيلوني سيكون المدير الاقليمي لسورية، والمدير العام هو فيصل آقبيق وهو لا علاقة له بالحزب. وقبلت وظيفة مساعد محامي المؤسسة وكان اسمه محمد الحسن. وفعلياً أصبحت مديراً لمكتب دمشق. كنت مسؤولاً عـن مكتب دمشق وكان عبد الحليم خدام مسؤولاً عن مكتب اللاذقية. وكان لي دور من خلف الستار في محاولة إعادة تنظيم الحزب. ميشيل عفلق كان في بيروت، وصلاح البيطار في القاهرة. ذهبت إلي القاهرة في مهمة رسمية لمؤسسة التأمينات الاجتماعية فزرت صلاح البيطار واتفقنا علي مناقشة وضع الحزب عندما يعود إلي دمشق.
كنت بدأت أتأثر بالماركسية وأردد أن من الضـروري الاستفادة من هذه النظرية. ووافقني صـلاح البيطار. وراح بعض الشـباب يميلون إلي هـذا الاتجاه ومنهم خالـد الحكيم وحمود الشوفي ومحمد بصل وراتب النشواتي. لكننا اكتشفنا أن صـلاح البيطار يريد العمل كزعيم سياسـي مستقل ويريدنا من أنصاره فقط. وفشلت محاولة إعادة تنظيم الحزب، والذي أفشلها هو صلاح البيطار.
قبل المحاماة كنت طالباً في الجامعة، كيف تتذكر سنوات الجامعة السورية في تلك المرحلة؟
في فترة دراستي في كلية الحقوق بالجامعة السـورية كان نور الـدين الأتاسي مسؤولاً عن شعبة الحـزب فيها، وكان معه إبراهيم ماخوس. في تلك الأثناء، وبالتحديد في عهد أديب الشيشكلي، كنت مسؤولاً عن التنظيم السري في دمشق. ولكن، مع سقوط الشيشكلي تخرج نور الدين الأتاسي، وأصبحت أنا في السنة الدراسية الأخيرة. وفي هذه الأثناء عُرض علي أن أكون أميناً لشعبة الجامعة، والجامعة في تلك الفترة كانت تسقط حكومات. وقد أصبحتُ، بالفعل، أميناً للشعبة مع أن ثلاثة من المتقدمين علي في الحزب كانوا أعضاء في تلك الشـعبة آنذاك هم: إسماعيل عرفة من دير الزور، وسامي صوفان من يبرود، ومنير عبد الله من اللاذقية، ولكنهم أيدوا ترشيحي. وقد ترشح ضدي رفيق اسمه شريف الراس ونال صوتاً واحداً فقط.
شريف الراس الكاتب؟
نعــــــم. وهو حــــموي ومن أنصار أكرم الحوراني المقربين، وابن أكرم الحوراني تزوج، في ما بعد، ابنة شريف الراس.