اختراع الجبر الحديث (1)

عن سيد البشر، باني علم الحقول و الزمر، أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي صلى عمرو له و نحر، و أعطاه الكوثر.

عاش سيدنا أبو عبد الله الخوارزمي في عصر الخليفة العباسي المتنور المأمون بن هارون الرشيد. و قد برع في علوم الهندسة و الجغرافيا فقام المأمون بتعيينه رئيسا لمكتبته و كلفه بجمع كتب العلماء من يونان و هند و غيرهم و بترجمتها للعربية ضمن حملة المأمون للترجمة و نشر العلوم.

و قد حصل و التقى الخوارزمي بعلماء هنود كانوا هاربين من حرب أهلية تدمر بلادهم وقتها، فعلموه مبادئ الحساب وفقا للنظام العشري، فما كان من أبي عبد الله إلا أن ألف كتابا بعنوان... لا أذكره! لكنه كان يعني "قواعد الحساب وفقا لعلوم الهند".

فأهم ما نلاحظه في هذا الكتاب هو الأمانة العلمية لدى أبي عبد الله: إنه لم يدع لنفسه فضل هذا العلم بل أعاده لأهله و أصحابه، الهنود.

لكن ثاني ما نلاحظه في هذا الكتاب هو أن أبا عبد الله قد طور علم الحساب تطويرا كبيرا فكتب، و بشكل دقيق، قواعد الجمع و الطرح و الضرب و القسمة، أي أنه وضع أول قواعد العمليات الحسابية... و قد اعترف العالم بأجمعه بفضله هذا حين تمت تسمية "قواعد الحصول على النتيجة" باسمه، نحن نقول في العربية أنها خوارزمية، و في العنقليزية هم يقولون "Algorithm"...

لكن فضل أبي عبد الله لم يتوقف عند ذلك، فهو تابع علمه و اجتهاده العلمي فأنشأ كتابه الأشهر و المسمى "الجبر و المقابلة"، و معنى هذا الكلام هو أنه كان يرغب بحل المعادلات "الجبرية" عن طريق الجبر و المقابلة، و الجبر يعني "الإكمال إلى حد التمام" (يعني كما حين نجبر الذراع المكسورة)، و المقابلة تعني "المقابلة بين المجاهيل و المعاليم".

فحين كان أبو عبد الله يجد معادلة ما، مثلا:

شيء + 2 = 5
كان أبو عبد الله "يجبرها" بإضافة "-2" إلى طرفيها كما يلي:
شيء + 2 - 2 = 5 - 2
ثم هو كان ينجز العمليات الحسابية كما يلي:
شيء + (2 - 2) = 5 - 2
يعني:
شيء + 0 = 3
يعني:
شيء = 3
و بالمقابلة يستنتج أن الحل هو أن الشيء المجهول يساوي ثلاثة (لعن الله الثلاثة، طبعا )
و طور أبو عبد الله طرقه هذه لحل معادلات الدرجة الثانية عن طريق الإتمام لمربع كامل ، وهذا ما لن أتعرض له هنا لكن الأمر المؤكد هو أن هذا الكتاب كان الكتاب الأول في علم الجبر: لقد وضع أبو عبد الله قواعد و أساليب حل المعادلات الجبرية فكان علم الجبر علما عربيا عباسيا خوارزميا، و اعترف العالم بأجمعه بفضل أبي عبد الله حين صار اسم هذا العلم، علم حل المعادلات و كل ما يتبعه، صار اسمه علم الجبر.

لا بل إن العالم اعترف بفضل أبي عبد الله مرة ثالثة، لعن الله الثلاثة، كما يلي...

المتحول اسمه "سين"، يعني "س"

طبعا نحن في اللغة العربانية نسمي المتحول "س" نقلا عن العنقليزية -مثلا- حيث يسمون المتحول "x" لكن لماشو هم يسمونه "x" ؟

لسبب بسيط:

أبو عبد الله كان يسمي المتحول، يعني المجهول، هو كان يسميه "شيء".
فحين دخل علم الجبر لأوروبا، و كان ذلك عن طريق إسبانيا، فإن الإسبانيين احتفظوا بهذه التسمية: "شيء". و "شيئا فشيئا" تخلوا عن بقية الكلمة كي يحتفظوا بالحرف الأول منها، يعني الحرف "ش"، و بالإسبانية هو يكتب: "x".

و منه يا محترمين، فحين تتحدثون عن المجهول سين، فأرجو منكم أن تتذكروا عظيم فضل أبي عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي، صلى عليه إلهي ما جرى القلم ( يعني كما يقول همام بن غالب المعروف باسم الفرزدق مادحا عليا زين العابدين)!

فلنا عودة كي نتحدث عن الجبر، و المعادلات الجبرية، و النظرية الأساسية في الجبر، و عن سيد البشر غوص عليه السلام، و عن سيدنا إيفارست غالوا...

فلنا عودة...