مختارات من الشعر الياباني

كوئتشي - إيجيما
م(25-2-1930)

سماء الآخرين

عادت الطيور،
لتنقر شقوق الأرض السوداء؛
وفوق سقوفٍ غريبة
تصعد، وتهبط:
تبدو حائرة.

* * *

تمسكُ السماءُ رأسَها كمن ضُرِب بحجرٍ
غارقةً في التفكير والتأمل.
ولأنَّ الدمَ توقف عن النزيف
راح يتجول في السماء
كأنه شخصي آخر.

* * *

الكلام

فوق الخدود تنقَّط الشمس
وسلوكنا لا يزال
سلوك مشرّدين.
ما يليق بنا الآن:
أفواه عطشى وعيون جائعة

هناك عطشى وتحت سماء بعيدة
يتلاشى طيف مصنع الأسلحة
تنكسر طيوف مدينة المستقبل
وتظهر هذه الصورة كما تظهر رسوم بطريقة
سحرية فوق ورقة بيضاء.

حتى الآن لا نعرف
تكريم الموتى ولا نفهم الخوف
ولا نقدر أن نقيس
حجم الفضاء الذي يقيمه الكلام.
لا ذكرى لغير الخرابات
والكلام لا يقول غير الشظايا.
رؤانا مرآة لا تعكس شيئا
تسافر فقط الى سهول مليئة
بجثث الحشرات.

هل حركة القلب للبحث عن مكان أو
عن دائرة مغناطيسية
حيث نجمع صوراً مبعثرة
هي الروح؟
نظرات مئات المشردين
تطبع أثاراً
والأبراج الفلكية للمئات.
عيون المشرّدين تعمّد هذا القرن.

الكلام!
ليس للكلام راية.
وعندما نعكس أنفسنا عليه
لا تنعكس سماء الفجر المرتعشة عليه
ولا مدينة المستقبل المترنحة أيضاً.

هذا الذي يقرفص صامتاً
ثم متربعاً،
هل هو نفاية أحلام أجدادنا
التي تُرى
خلف المحاجر والسواعد
أم هو دماؤنا الهادئة؟
هل نحن ممن جاءوا أخيراً أم أولاً؟
لعلَّ الكلام الجريء الصريح
اشتراك في الفراغ
واتهام لمن يتقدم الآن.
سننقش الكلام في سماء تاهيشتي
سماء الأرض الجافة
وفوق الأمواج المزبدة أيضاً.
والنّاس تابعوا السير
حاملين أعباءهم، باحثين عن
فريسة عند المياه.

نحن الذين جعلنا الأشجار خياماً
سننضم إلى ذلك الطابور.
فهل ترفرف الطيور؟
وهل يتفجر الينبوع داخل الإنسان؟
وهل يبحث الشلال عن البداية؟

من هنا تبدأ أغانينا البريئة
لتقود خطانا
فننقش الكلام في السماء
الكلام الذي يشبه قطعة من سماء غائمة.

تامورا- ريوئتشي
م(18/3/1923)

الرائي طيوفاً
(مقاطع)

ثلاثة أصوات

من بعيد جاء ذلك الصوت
ذلك الصوت جاء من بعيد جداً
خفيفاً أكثر من أي همس
وأقوى من صراخ.
في اللغة بحرٌ
أعمق من هاوية إمدين التي عمقها 10830 متراً
يخترق الصوت ذلك البحر المفقود اللا يكتشفه غير شاعر
فقط
ويمزق أبرد هواء في العالم
وفي قاع البحر يُغرق أشدّ أساطيل العالم حساسية
يحكم ملوكنا ومدن عواطفنا
ويبعث من القبر ملاحينا الأموات وضجرنا.
من بعيد جاء ذلك الصوت
ذلك الصوت جاء من بعيد جداً

* * *

آه لأننا لا نقدر على ارتكاب الآثام
فنحن إحصاء رعب
إحصاءُ رعب
وبيان شهوة جنسية
وبيان الشهوة الجنسية
ولا نقدر على ارتكاب الآثام
آه لأننا
لسنا أفراداً
فنحن قطيع وجماعة
جماعة لا غير.
عبر دمعة جاء ذلك الصوت
جاء عبر دمعة واحدة
أفقر من جميع الفقراء
وأعزَّ من جميع الأعزاء.
في اللغة حبٌّ
أشد من تأجج قلبٍ تأكله النيران
أشدُّ من فجيعة رجل مات وحيداً قبل ألفي عام
يخترق الصوت ذلك الحبًَّّ المفقود اللا يكتشفه غير شاعر فقط
ويتلألأ فوق أشد شلالات العالم غلياناً
ثم ينسكب في أكثر حناجر العالم جفافاً، يغزو طاقتنا وبشرتنا
يحطم الإيمان والقبل.
عبر دمعة جاء ذلك الصوت
جاء عبر دمعة واحدة

* * *

آه لأننا
لا نقدر على الانهيار حباً
فنحن بدعة الهيام
بدعة الهيام
وأخبار الأزمة
أخبار الأزمة
ولا نقدر على الانهيار حباً .
آه لأننا
لسنا وحيدين
فنحن قطيع وجماعة
جماعة لا غير.
عبر الزمان جاء ذلك الصوت
جاء عبر الزمان الوحيد
حاملاً المستقبل الأشد ظلماً من أي ماضٍٍٍ
والماضي الأشد توهجاً من أي مستقبل
في اللغة زمان
أحدّ من رحمّة إله
أحدّ من ضوء فلك العنّاز الذي يجتاز خط زوال شهر شباط
الساعة الثامنة ظهراً بتوقيت طوكيو القياسي
يخترق الصوت ذلك الزمان المفقود اللا يكتشفه غير شاعر فقط
ويُقّبْلُ أشدَّ وجنات العالم شحوباً.
ثم يُلقي بشمس الغروب فوق أشدّ آفاق العالم خراباً.
يغتصب جثثنا وكراجاتنا الموحشة المقفرة
يشهد على علومنا ودمائنا شهادة كاذبة.
عبر الزمان جاء ذلك الصوت
جاء عبر الزمان الوحيد.

* * *

آه لأننا
لا نقدر أن نموت
فنحن دعاوة الخلود
دعاوة الخلود
وسياسة الاستنفاذ
سياسة الاستنفاذ
ولا نقدر أن نموت.
آه لأننا
لسنا أفراداً
نحن قطيع وجماعة
جماعة لا غير.
عندما سأسمع ذلك الصوت
سوف أنجب أماً في النهاية.
عندما ستسمع جثثنا ذلك الصوت
سوف تفترس نسوراً.
عندما ستسمع الأم ذلك الصوت
سوف تنجب موتاً.

* * *

أربعة آلاف نهار بلياليها

كي تولد قصيدة واحدة
لا بدَّ أن نقتل...
أن نقتل أشياء كثيرة نحبّها
نقتلها بالرصاص نقتلها. نقتلها بالسُّم

* * *

انظر،
فقط لأنه أردنا من السماءِ أربعة آلاف نهار بلياليها
لسانَ عصفور مرتجفاً
قتلنا بالرصاص
صمتَ أربعة آلاف ليل والضوءَ الخلفي لأربعة آلاف نهار.

* * *

اسمع،
فقط لأنه احتجنا من كلَّ مدينة تمطر السماءُ فوقها
ومن الأفران المعدنية، من أرصفةِ الموانئ في الصيف ومن
المناجم
احتجنا إلى دموع طفل جائع،
قتلنا
حبَّ أربعة آلاف نهار وشفقة أربعة آلاف ليل.

* * *

احفظ جيداً،
فقط لأنه تمنينا رعبَ كلب مشّرد
يرى ما لا نراه
ويسمع مالا تسمع آذاننا
قتلنا بالسم
مخيلة أربعة آلاف ليل والذكريات الباردة لأربعة آلاف نهار

* * *

كي نكتب قصيدة واحدة
لا بدَّ أن نقتل شيئاً ثميناً.
إنّها الطريقة الوحيدة لإحياء الموتى
ولا بدَّ من هذه الطريق.

*******

كازوئي- شينكاوا
(شاعرة)
م (22/4/1929)

لا تربطني

لا تربطني كما تربط
باقة الورد،
أو باقة البصل الأبيض.
لا تربطني، أنا سنابلُ الأرزَ،
الذهبية المنشورةُ
في المدى،
والتي تشتهيها الأرض في الخريف.

* * *

لا تعلّقني بدبوس كما تعلَّق
حشرة في صندوق،
أو كما تعلّق بدبوس بطاقةٌ جاءت من الجبال.
لا تعلّقني، فأنا رفيف الجناح،
أنا صوت الجناح الخفي
الذي يفتش باستمرار
عن فسحةِ السماء،

* * *

لا تصبّني
كما تصبُّ الخمر الفاتر
أو كما تصبُ الحليب الذي تخففه الحياة اليومية.
لا تصبني، أنا البحرُ
أنا التيار المرُّ والماء المفلوش
الذي يعلو... ويعلو ليلاً بلا حدود.

* * *

لا تسّمني،
ابنتاً أو زوجة.
لا تُجلسني فوق كرسي الأم الوقور
أنا الرياح التي تعرف أين الينابيع
وأين شجرة التفاح.

* * *

لا تقطّعني،
كما تقطع فقرات الرسالة
وتضع الفواصل والنقاط
ثم تختمها بالقول: إلى اللقاء .
لا تُنهني مثل جملة قصيرة،
فأنا الكتابة اللامتناهية،
وأنا بيت شِعر يسيل ويتسع
مثل نهر بلا نهاية.
حول القنبلة الذرية

* * *

سانكيتشي- توغي
م (19/2/917 - ت 10/3/1953)

المقدمة

أعيدوا لنا آباءنا، أعيدوا لنا أمهاتنا
أعيدوا العجائز
أعيدوا لنا أطفالنا

* * *

أعيدوا لي النَّفس
أعيدوا لي ناسي

* * *

أعيدو السلام إلينا
ذاك السلام اللاينهار
ما بقي عالم الإنسان.

***********

تاميكي- هارا
م (15/11/1905-
ت 13/3/1951)

حول القنبلة الذرية

أعطني ماءً

أعطني ماءً
آه، أعطني ماءً،
اسقني، أفضّل الموت،
الموت...
آخ...
انقذوني، انقذوني
ماء
ماء
أتوسل إليكم...
من فضلكم
آ آ آ آخ...
آ آ آ آخ...
تنشق السماء
تختفي المدينة،
والنهر يجري...
آ آ آ آخ...
آ آ آ آخ...
قادم هو الليل، قادم هو الليل
ليغطي العيون التي جفّت
والشفاه الملتهبة.
وجوه محترقة، مشوهة،
ويئن الإنسان الإنسان...

* * *

ماكوتو- أُووكا
م (16/2/1931)

إلى الربيع

تنبشين الربيع الغافي على رمال الشاطئ
تزينين به شعرك ثم تضحكين،
تزيد القهقهات، تتلاشى في السماء، كالمويجات الصغيرة.
وبهدوء يُقدِّم البحر دفئه للشمس الخضراء
آهٍ! ضفي يدك في يدي
واقذفي الحصى في سمائي
ففي قاع سماء هذا اليوم
تسيل ظلال التويجات.
فوق أيدينا ينبت برعم جديد
وتدور الشمس الذهبية وَسَطَ
أمدائنا مرشوشةً كالماء
نحن البحيرة، نحن الشجرة
وأشعة الشمس التي تخترق الغصون.
في اتجاه الأعشاب.
نحن تموجات شعرك التي يتراقص فوقها نور الشمس.
وَسَطَ رياح جديدة ينفتح الباب
والأيدي اللا تحصى تستدعينا مع الظلال الخضراء.
طازحة الطريق فوق الأرض الناعمة
ويداك تلمعان في ماء الينبوع
تحت أهدابنا يأخذ البحر والثمار بالنضوج
ويستحمان بنور الشمس
هادئين.

* * *

شباب

كثرة الأحلام المتسكعة أفرغت حباً من الأحلام. بزاوية
قلب مغرور شقٌ كجرح على جبين فتاة. ومنه يتدفق حزن
عصيُّ لا يُدرك لكنه طازج مثل دم يتدفق من عنق
سمكةِ طونٍٍ مرميةٍٍ تحت حاجز مياه.

عَبَرَت وجوهُ أيام الطفولة بمشاهد المدينة المهتزة. وجوه النّاس
الذين سيدخلون الجدران دونما جفن، لم يعد لأقدامهم وقع.
وحدها آذانهم كبرت وتهتز الآن في الرياح.

طحلباً وليس دوّار الشمس رَبَّت رطوبة المدينة في قلب
النّاس. يتناثر الزجاج على الطحالب.
يسيل الدم. وفي اللّيل
الساكن يفور الماء من أنبوب قارورة فيبلل الطحالب يربّي
الطحلب. إنه زبدة الدم.

سماء تنتفخ. ماء ينتفخ. شجر ينتفخ. بطن ينتفخ. جفن
ينتفخ. شفة تنتفخ. يد تنحف. بقرة تنحف. سماء تنحف. ماء
ينحف. أرض تنحف. جدار يسمن. قيود تسمن. من الذي يسمن؟ من؟ من الذي ينحف؟ ينحف
الدم. السماء هي
الخلاص. السماء عقاب.
إنه زبدة الدم. السماء زبدة الدم.
كثرة أحلام متسكعة أفرغت حبي من الأحلام.

* * *

يئي- يوشيوكي-
(شاعرة)
م(8-7-1939)

الغرفة الزرقاء

أجلسُ في غرفة زرقاء
والنقفات التي تدق باب المطر
لم تكن زخات المطر
بل صياحُ عجوزٍ مجنونة:
((أعيدي لي ابني، أعيديه))
ولأنَّ الصياح كان يرتطم بجداري
أحكمت إغلاق باب المطر
وأنا في غرفة زرقاء.

* * *

فعض القمر الأزرق ألا يعود الابن؟
لكني لستُ التي خَبأتُهُ
لأن الغرفة زرقاء ولا تتسع إلا لواحد
وهنا زرقة بلا حدود
لا تابوتَ، لا مخبأ.
كان الابن يعشق اللَون الأزرق
ويحب أن ينظر إلى القمر الأزرق
ثم صارا عشيقين.
ولكن عطش الابن ليلةً
ولهذا لم يعد قمرة الأزرق يخرج إلى السماء

* * *

تلقيتُ أخباراًً حول
تفتح زهرة الهندباء
وحول الرياح...
ولهذا فتحت باب المطر قليلاً
كانت العجوز المجنونة واقفة
في الخارج
كي تراني.

* * *

أجلس في غرفة زرقاء
وتلك التي كانت تدق سابقاً على البيانو بأصابعها البيضاء
تدق عليَّ بابَ غرفتي:
أعيدي لي ابني أعيديه .