في فلسفة الرقص

سمر الأشقر

يقول الروائي كازانتزاكي على لسان بطل روايته زوربا : يبدو لي، هكذا أنني افهم شيئا ما، لكن لو حاولت أن أقوله لهدمت كل شيء وذات يوم عندما أكون مستعدا، سأرقصه لك.
إذن هكذا تسير الأمور من وجهة نظر زوربا الذي علمته الحياة إحالة الأحداث واللغة والألم إلي لغة الجسد التي تتطلب منه تطويع الحدث وترويضه وفقا لإيقاعه الداخلي الذي يبدأ بالتصاعد حتى يتشكل رقصا يعبر من خلاله عن فهمه للحدث مهما كان وقعه مؤلما وحزينا .

هنا يصبح للرقص مفهوما مغايرا عما ألفناه، مثل الفلسفة الخاصة القديمة التي تبناها الأفارقة في مواجهة حدث عظيم كالموت، فمن الغريب تصور مجتمعا يرقص في مناسبة الموت ولكنه تقليد لا يرى فيه بعض الأفارقة اي غرابة ، إذ يعتقدون بان دورة الحياة إنما تكتمل بالموت أو على حد تعبير فلاسفتهم بان الحياة تكتمل بالعودة إلي العالم اللامنظور،لان المرء حين يموت ينتقل الى عالم الخلود مع أرواح السلف وفي هذا خير كبير لمن فارق حياة الأرض وعلى الأحياء أن يسعدوا بهذا الخير وان يعبروا عن فرحهم بالغناء والطبل والرقص، إلا أن مدلول الرقصة التي أداها زوربا عند تلقيه خبر وفاة ابنته، جاءت تعبيرا عن مدى الألم والحزن الذي اعتراه ولم يستطع التعبير عنه بالبكاء والكلمات.

المسالة تزداد تعقيدا حين نحمل في ذواتنا فهما خاطئا أو فهما محددا لشئ ما بحيث يصعب تقبل نقيضه، فالرقص في مفهومنا هو مظهر من مظاهر الفرح و أيضا مرتبط دوما بفكرة الإثارة الحسية التي يصعب محوها من أذهاننا بسهولة ،فبمجرد النطق بكلمة رقص تتقافز الى أذهاننا وعلى الفور صورة امرأة فاتنة ترتدي غلالة رقيقة لا تستر شيئا من عريها ، تتمايل بفتنة طاغية على أنغام متخيلة في رؤوسنا لتمارس كامل سطوتها علينا، فتنسينا ان الرقص فن راق يعد أول وأهم الفنون التي رافقت ظهور البشرية. كون الرقص أداة تعبيرية لا تقل في أهميتها عن اللغة، ولا تكاد تخلو أي حضارة من طقوس خاصة للرقص يتم من خلالها إما استعراض القوة، أو الاحتفال بمناسبة ما كالنصر مثلا أو إعلان الحرب، أو لمواجهة قوى الطبيعة وغضبها ، أو للتعبير عن مناسبة اجتماعيه أو فلسفة خاصة كما هو معروف في ثقافتي الصين واليابان.
فلو أخذنا رقصة الفلامنجو مثلا فإننا نتخيل مشهد الراقصات بأثوابهن المزركشة الطويلة وشعورهن السوداء الفاحمة المعقوصة بورود زاهية الألوان تزين رؤوسهن، و لا نملك أمام بهاء المشهد سوى متابعة حركات أقدامهن بشغف كما لو أنهن فراشات يزرعن البهجة في حقول مساءنا، لكنني حين زرت أسبانيا اكتشفت أن رقصة الفلامنجو الحقيقية مختلفة تماما عن تصوري لها، ففي غرناطة رأيت عروض الفلامنجو الحقيقية التي أمكنها أن تثير في نفسي نوازع الحزن والألم وتدعوني للبكاء، بذات ضربات القدم وذات الحسناوات اللواتي غطسن هذه المرة مع فرسانهن بملابس سوداء تعبيرا عن الشجن والحزن.
الرقص في النهاية ،إيحاء يتعلق بطريقة تقديمه والحالة التي يعبر عنها،تماما كاللغة القابلة دوما للتأوييل.
بعد كل هذا ،هل ستشعر بغرابة الأمر وأنت تستقبل صباحك الذي اعتقدت أنه يشبه آلاف الصباحات التي مرت بك ثقيلة وباردة برقصة مثيرة؟
فقط!..حاور الموسيقى التي تنبع من أعماقك
الموسيقى التي تطرب الروح وتسكر الفؤاد المثقل بالهم والمترع بالخواء
واستمع للصوت الذي ينبع من داخلك هادئا وعميقا،دعه يهمس في أذنك:
سر الرقص ليس بالغناء،ولا بالموسيقى التي أخذت شكل الحياد التام أمام بهاء الرقصة
ولا بالطير المذبوح الذي يرقص ألما وفجأة اتكأ على جرحه ليرقب المشهد عن قرب من خلال الشرفة التي قد تبدو كريستالية في تلك اللحظة.
ولا كما تقول أحلام مستغانمي في كتابها ذاكرة الجسد بأنه الطريقة الوحيدة التي تملكها الأنثى في الشرق للتعبير عن رغباتها المكبوتة
ليس كل الرقص جسد
الرقص بوح،وجع،ثم روح أداتها التعبيرية جسد
وسر الرقص كنز مخبوء في صندوق مفتاحه الروح
وحدها الروح بإمكانها نقلك من حال إلي حال
من عالم تسكنه الهواجس والآلام إلى عالم مليء بالبهجة والحب والرغبة في الانعتاق من الأحزان
والرقص مثل العشق لا يذاع له سر لأنه إن ذاع انقلب سحره إلي غم وهم وسهد ووجد.
لذا أرقص بصمت واخشع به كما لو أنك تمارس طقسا نورانيا ، تماهى مع الفكرة التي أوحى لك بها إيقاع نبضك المتعالي، ارقص إن شئت من الليل حتى تطلع الشمس.

- خاص جدار.
shehrazad2001@hotmail.com