الجماهير السورية تحطم الديكتاتورية(3)

الجماهير السورية تحطم الديكتاتورية

مر معنا أن قيادات الأحزاب السورية اجتمعت في حمص في الثلاثين من شهر تموز عام 1953، وأقامت جبهة غايتها إسقاط الشيشكلي والوقوف من بعد في وجه كل ديكتاتورية تحاول المسّ بالديموقراطية المزمع إقامتها بعد الظفر في المعركة ضد ذلك الحكم الديكتاتوري. وقلنا إنه كان من نتيجة ذلك أن أعلنت حامية حلب العصيان بقيادة العقيد فيصل الأتاسي. وتم بعد ذلك طرد أديب الشيشكلي من سورية. ولكن هذه المعركة التي خاضتها الجماهير السورية ضد ديكتاتورية الشيشكلي كانت معركة حاسمة في كفاح هذه الجماهير ضد المستعمرين وأعوانهم، وتبرز فيها بكل وضوح تناقضات المستعمرين فيما بينهم وتنافس الطامعين على اختلاف أشكالهم، المحليين منهم والعرب والأجانب، للفوز بالمغانم على حساب قضية شعبنا السوري ومسيرة التقدم لأمتنا العربية نحو أهدافها القومية. لذلك نرى بوضوح فائدة العودة فيما يلي بشيء من التفصيل إلى أحداث تلك الأيام القليلة بعددها العظيمة بنتائجها فنقول:
إن أديب الشيشكلي بموقفه العدائي من حزب البعث العربي الاشتراكي كان يتمتع بتأييد الرجعية السعودية المطلق، ولو كان هذا التأييد يزعج ويغضب كثيراً من الفئات اليمينية في الحزب الوطني المحافظة على الولاء لشكري القوتلي صديق السعودية. فالبعث، وخاصة منه الفرع الحوراني، نادى بقوة في تلك الأيام بالإصلاح الزراعي، وحرّض الفلاحين على الانتفاض ضد الإقطاعيين واستخلاص حقوقهم منهم بالقوة، الأمر الذي أرعب الرجعية السعودية وجعلها ترى في الشيشكلي ديكتاتوراً مناسباً لتصفية مثل تلك الدعوة البعثية الاشتراكية، ولو أدى ذلك إلى التضحية بأصدقائها غير المفيدين في تلك الأيام. يُضاف إلى هذا أن ديكتاتورية الشيشكلي كانت حينذاك تؤدي خدمة كبيرة حاسمة للسياسة السعودية الأميركية بردّ خطر التوسع الهاشمي الإنجليزي في المنطقة، بقمع أصدقاء حكام العراق والأردن في حزب الشعب وفي أوساط بعض المستقلين.
وكان الشيشكلي يقيم صداقة مع ثوار يوليو المصريين الشباب الذين كانوا، وبقوا دوماً، حذرين من الأحزاب السياسية، فرأوا في صديقهم السوري خير مثال يؤيد خطهم في ملاحقة الأحزاب المصرية وتشتيت شملها في تلك الأيام، ويؤيد على الأخص موقفهم من رئيسهم محمد نجيب الذي كان حينذاك يعارض الاتجاهات الديكتاتورية للثورة. ولعل الكره المشهور الذي كان يكنّه هذا الرئيس المصري للزعيم سلو، فكان يردد مثلاً في كل مناسبة يلمس فيها استبداد الشباب أصحابه ببعض الأمور دون رأيه عبارة: أنا لست سلو ، ذلك الكره يعود إلى أن سلو المذكور جعل من نفسه فراشاً لسرير ديكتاتورية أديب الشيشكلي. ولعل خير صورة في أذهان التقدميين المناضلين السوريين لعلاقات حكمي سورية ومصر، الواحد بالآخر، نجدها في الرسالة الشهيرة التي وجهها حزب البعث العربي الاشتراكي في تموز عام 1953 إلى الشيشكلي، والتي كنا ذكرنا بعض فقراتها في فصل سابق ونعيد كتابتها فيما يلي: عبثاً يحاول حكمكم العسكري أن يعيش، إذ لا مكان في أرضنا العربية لحكم أجنبي استبدادي طائش... لقد كان انقلابكم بداية تحول في الوضع السياسي العربي، فلم يلبث أن أعقبه الانقلاب على العناصر المناضلة في مصر، فاختنقت الحركة الشعبية العربية في بدايتها، ومُهِّدَ الجو للحكم العسكري وشبه العسكري في البلاد العربية كلها، وعاد الاستعمار يسيطر على الشعب بأسلحته وعملائه وزبانيته. والحق إن انقلابكم الأخير انقلاب أجنبي احتضنته أميركا حامية الصهيونية، ورحّبت به كل الدول الاستعمارية الأخرى. نحن نعلم ذلك، وأنتم تعلمونه، والشعب بكامله يعرف اليوم من تمثلون... .
ولم تهدأ مقاومة الديكتاتورية من قبل الجماهير المدنية والعسكرية، من اليوم الذي أطلت فيه بشؤمها على الناس. ومنذ أواخر عام 1952 كانت أصوات الجماهير بعدم الرضا ترتفع هنا وهناك في القطر السوري، كما كانت الاتصالات بين مختلف الجهات الوطنية تجري لترتيب الأمور بهدف الخلاص من الديكتاتورية المذكورة. وكنا أشرنا في فصل سابق إلى أن ابراهيم الحسيني مدير الشرطة والأمن العام أرسل إلى شريكه الديكتاتور أديب الشيشكلي الذي كان في زيارة لمصر يستعجله بالعودة إلى دمشق لخطورة الوضع فيها. وقلنا إن الحسيني قد أطَّلَعَ على أخبار تنظيم أَسَّسَهُ المرحوم الشهيد عدنان المالكي من صديقه القديم عبد الغني قنّوت. وكان هدف هذا التنظيم الإطاحة بالحكم الديكتاتوري. وكان قد وقع أيضاً خطأٌ آخرٌ أدى إلى المزيد من الكشف عن هذا التنظيم. إذ قام آمر كوكبة مدرعة بمفاتحة عنصرين غير ناضجين من كوكبته بأمر التنظيم ومراميه، فوصل الخبر إلى المكتب الثاني الذي عهد إلى الملازم الأول أحمد عبد الكريم التثبت من صحة هذا الخبر باستخدام آلة تَنَصُّتٍ سجّلت محاورة دارت حول المؤامرة بين العنصرين المذكورين وقائدهما آمر الكوكبة. وجرى في النتيجة توقيف أعضاء التنظيم من مدنيين وعسكريين وفي مقدمتهم العقيد المالكي وشقيقه الأستاذ المحامي رياض المالكي، حيث جرى احتجازهم والتنكيل بهم من قبل جلاوزة الديكتاتور طوال أشهر امتدت من أواخر عام 1952 حتى أواخر تموز عام 1953.
كانت الجماهير طوال أشهر الاستعدادات، التي كان الشيشكلي يتخذها لتسلّق منصب رئاسة الجمهورية، لا تنفك تبدي اشمئزازها وسخطها من تصرفات هذا الديكتاتور وزمرته. فقامت المظاهرات وقُدِّمَتْ الاحتجاجات التي منها مثلاً مذكرة احتجاج محامي دمشق التي أُرسلت إلى الزعيم أديب الشيشكلي واستُهلّت بالعبارة التالية: الحرية من صنع الطبيعة أقرتها شريعة السماء قبل شريعة الأرض، والدفاع عنها حق من حقوقنا ولد يوم مولد المحاماة. وقد ردّدتم في خطبكم وبياناتكم المذاعة على العالم كلمة الحرية أكثر من أية كلمة سواها. ولما كان قد مضى على توقيف زملائنا المحامين ومنهم الأستاذ رياض المالكي عضو مجلس النقابة نَيِّفٌ وخمسة أشهر بدون اتهام ولا محاكمة ولا دفاع، مما يخالف نصوص الدستور والمعاهدات والالتزامات الدولية ومنها شرعة حقوق الإنسان وسائر القوانين التي كفلت للآدميين حريتهم وحرّمت حجزها عن غير طريق القضاء... لذلك نطلب أن تأمروا بالإفراج عن المحامين... . وعندما أُطلق سراح الموقوفين السياسيين بمناسبة انتخاب الشيشكلي لرئاسة الجمهورية بموجب ذلك الاستفتاء المزيف هُرِعَ الناس للسلام عليهم وتهنئتهم، فامتلأت قاعات الاستقبال في بيت المالكي مثلاً بالمهنئين الذين كان فيهم نسبة كبيرة من العسكريين من جميع الرتب، فكان هذا المظهر تكذيباً لذلك الاستفتاء من جهة، وتحدياً واستخفافاً بصاحبه وزمرته من جهة أخرى.
وتصاعدت الاحتجاجات والإضرابات والمظاهرات في الربع الأخير من عام 1953، ولم تتوقف عن تصاعدها إلى أن سقط الديكتاتور في آخر شهر شباط عام 1954. ففي شهر كانون الأول قام الطلاب في حلب بمهاجمة الكلية الأميركية التي قدّمت تمثيلية تمس المشاعر القومية العربية. واستمرت المظاهرات الطلابية هناك، وحدثت اصطدامات بقوى الأمن. وآزر التجار والمحامون الطلبة وأضربوا تضامناً معهم. وامتدت الإضرابات إلى حماة وحمص ودمشق والسويداء خلال شهر كانون الثاني من عام 1954. وفي ليلة السابع والعشرين من كانون الثاني عام 1954 أُعيد اعتقال من كان قد أُطلق سراحهم في شهر تموز عام 1953 ومنهم عدنان المالكي وشقيقه رياض، واعتقل زعماء الأحزاب بالإضافة إليهم وهم: صبري العسلي ورشدي الكيخيا وعدنان الأتاسي وفيضي الأتاسي وعلي بوظو وشاكر العاص وأكرم حوراني وصلاح البيطار وميشيل عفلق وحسن الأطرش وعبد الوهاب حومد ورزق الله أنطاكي ومنير العجلاني. ووُضِعَ هاشم الأتاسي بالإقامة الجبرية في منزله في حمص. ثم إن الديكتاتورية كانت قد نفّذت خلال الأسبوع الأخير من شهر كانون الثاني من عام 1954 مجزرة في جبل العرب، وأجبرت زعماء الجبل على الرحيل والالتجاء إلى الأردن. ولكن كل هذه التدابير لم تثنِ الحركة الوطنية العامة عن تصميمها لاقتلاع الديكتاتورية، بل إنها زادت من تصميم الجماهير على المقاومة ومجابهة تلك القبضة من الانتهازيين المتسلطين على الحكم. ففي صبيحة ليلة الاعتقالات الآنفة الذكر، يوم 28 كانون الثاني عام 1954، أصدرت الجبهة الوطنية بياناً تعلن فيه تصميمها على تصعيد المقاومة إلى أن تُقتلع الديكتاتورية وحشراتها المؤيدة لها، كما احتجت بشدة في ذات اليوم نقابتا المحامين في دمشق وحلب على الاعتقالات العشوائية.
كانت بريطانيا في تلك الأيام تعمل على تهدئة التناقض بين مصر والعراق لإعداد حلف يقوم بينهما تحت رعايتها، لعلها تظفر بالوصول إلى توازن في المنطقة بين استعمارها والاستعمار الأميركي الطاحم، بعد أن تمكّن دَلَس من إتمام الطوق الآسيوي حول الاتحاد السوفياتي المار وصفه في الفصل السابق. أي إنها كانت في تلك الأوقات تهيئ لاجتماع سرسنك بين مصر والعراق، فكانت مثلاً تُلَيِّنُ مواقفها في مفاوضاتها مع الجانب المصري حول جلاء جيوشها عن قناة السويس. أما من جانب مصر فقد أعلنت الثورة، كما مر معنا أعلاه، حيادها بين الشرق والغرب وعزمها على إقامة تكتل عربي. فيكون إذن بالحسابات الإنجليزية الحلف العراقي المصري برعايتها وإشرافها وسيلة مثلى لبناء سد عربي ضد أميركا. فتفاهمت لذلك مع نوري السعيد ومدرسته ركيزتها في العراق للعمل على تأجيل مشاريع عبد الإله ولي عهد العراق الطامع في إقامة عرش سوري له مع الاستمرار في السعي لطرد النفوذ (الأميركي، الفرنسي) المتمثل بحكم الشيشكلي.
إن أديب الشيشكلي كان في تلك الظروف أسير السعودية مطيّة الاستعمار الأميركي، الذي يردف وراءه الاستعمار الآخر الفرنسي غريم الإنجليز. وكان أيضاً في تنظيمه الداخلي أسير نفر من الانتهازيين المدنيين والعسكريين، بنوا له نظامه وزينوا له أعماله وشجعوا طموحاته، وبينهم من تلوثت يداه بدماء الأبرياء كمدير شرطته العسكرية عبد الحق شحادة مثلاً. ونحن إذ لا نبرئ أديب الشيشكلي شخصياً من كل الجرائم التي ارتكبتها ديكتاتوريته، إذ وقعت تحت بصره ورضي بها، بل إن واحدة منها، وهي جريمة قتل رقيب في سجن المزّة، وقعت بحضوره وهو في حالة سكر شديد، نرى مع كل هذا أيضاً ما يخالف طبع هذا الإنسان ويتجاوز مستواه الفكري في أشكال ونماذج تلك الجرائم. هنالك من كان يرتكب له هذه الجرائم فيسكت عنها لأنها قدر محتوم في سياق مسيرة ديكتاتوريته. إن الإذاعة التي كان يديرها أحمد عسّة مثلاً، والتي وصفها الأستاذ رياض المالكي في ذكريات على درب الكفاح بأنها أصوات الشؤم المنبعثة عبر المذياع وكأنها نعيب البوم أو فحيح الأفاعي، تحاول بث سمومها في صفوف الجماهير الغاضبة الثائرة على الطغيان ، كانت لها برامج يعدّها أولئك الانتهازيون مؤلفو الأفكار بحسب الدارج الرائج. وكان هناك من رتّب له مؤسسات ديكتاتوريته بحسب ما يأمله من فوائد يجنيها منها كنزيه الحكيم وقدري القلعجي وأضرابهما. وكانت الجرائم الأخرى، كالقتل وغيره، تُرتكب وتُفرض عليه كالقدر الذي لا يُردّ. كل هذا يذكّرنا بالسياق الجهنمي والآلية الوحشية التي تُصادف في كل مكان تفوح فيه روائح اليانكي، وتنتشر زبانية الرأسمالية الاحتكارية الأميركية وجحيم الجماهير المقهورة. فقد كانت لأميركا أيضاً سفارة في دمشق تتناعب مع السفارة السعودية والفرنسية وتُحَرِّكُ معهما الانتهاز في عناصر الحكم الديكتاتوري الشيشكلي.
وأتت الانتفاضة للخلاص النهائي من عصابة أديب الشيشكلي في صبيحة الخامس والعشرين من شباط عام 1954 عندما أعلنت حامية حلب العصيان، الذي امتد بسرعة إلى حاميات دير الزور بقيادة العقيد أمين أبي عسّاف وحمص وحماة بقيادة العقيد محمود شوكت واللاذقية بقيادة العقيد عبد الجواد رسلان وحوران بقيادة المقدم عمر قباني. وكنت حينذاك حديث العودة من بعثة في فرانسة وفي بدايات عملي لتأسيس فرع الجغرافيا العسكري المرتبط بالأركان العامة. وكانت تربطني بجميع الفئات العسكرية روابط ود وصداقات واحترام متبادل، مع كرهي الشديد المشهور عني للديكتاتوريات واحتقاري لكل تسلط مهما كانت دوافعه، فالتقدم الاجتماعي له كل السبل إلا سبيل التسلط الذي لا يُنتج سوى الكوارث. وعندما سمعت بلاغ حامية حلب الثائرة، وكنت أنتظره، هرعت إلى الأركان العامة فوجدتها خالية إلا من جنود الخدمات المختلفة والطوارئ، فقمت بطلب اللواء رفعت خانكان وزير الدفاع في بيته هاتفياً، فوجدته على علم بما يجري، وأخبرني أنه لن يتأخر بالوصول إلى مكتبه في الأركان العامة. وكانت لي صلات صداقة قوية معه مع احترامي ومحبتي لصفاته الممتازة من كل النواحي الوطنية والأخلاقية والمهنية، فكان والحق يقال الضابط الفارس المثال. وقمت، في انتظار وصوله، بالاتصال بمختلف قطعات الجيش حول دمشق والجبهة ومختلف المواقع السورية عدا حلب الثائرة وموقع القابون الموالي للديكتاتور كي لا أجلب الانتباه إلى الموقع الذي كنت أحتله في تلك الساعات الحرجة. فكنت أشجّع تلك القطعات وأحرّضها لتلتزم بالجماهير الوطنية، فلا تنجر وراء عصابات الديكتاتورية لشق الجيش وجعله يقاتل بعضه بعضاً، في الوقت الذي يتربص بنا الأعداء من كل جانب. وكان لتلك الاتصالات أثرها في تلك القطعات، التي خيّل إليها أن الأركان العامة التي كنت أتصل بها منها قد انتقلت إلى جانب الثوار. ولكن عواطف جماهير العسكريين كانت بكل وضوح مع الانتفاضة، فكانت اتصالاتي بقطعاتها من بناية الأركان تطميناً لها وتشجيعاً لتتخذ هذه القطعات الموقف المنسجم تماماً مع عواطفها وتطلعاتها، فلا تؤثر عليها الشكليات الخادعة. وعند وصول اللواء رفعت وزير الدفاع ذهبت لمقابلته في مكتبه، واستوضح مني عن الموقف، فأبلغته باتصالاتي وبأن الجيش خرج من سيطرة الشيشكلي في كل أنحاء سورية. وقد اتفقنا على أن المهمة العاجلة هي منع حدوث اشتباك داخل الجيش يسببه بعض الحمقى مع بعض المدسوسين حول الديكتاتور، وأن خير وسيلة لبلوغ هذه الغاية هي إقناع الشيشكلي بالتنازل عن السلطة وتبصيره بالواقع على حقيقته ونصحه بمغادرة البلاد. وفي أثناء ذلك رن الهاتف ونودي اللواء رفعت إلى اجتماع عاجل في بيت رئيس الجمهورية. وبقيت أنا في الأركان العامة حيث كان الضباط يتواردون عليها للاستفسار عن الأحوال وعن المرحلة التي وصلت إليها الأزمة، فكنت أشجعهم وأطمئنهم علناً بأن عهد الشيشكلي قد انتهى، وأطلب منهم الإسراع إلى مقراتهم ومكاتبهم للمساعدة على كبح الأمور ومنعها من أن تتجه نحو الأسوأ والالتزام برغبة الأمة بالخلاص. ومن الطبيعي أنه كان هناك أنصار لذلك العهد المشؤوم، ولكنهم أمام الرأي السائد في تلك الساعات ما كانوا ليجرؤوا أبداً على المجاهرة بعواطفهم، فكانوا يسكتون على مضض أمام تحريضي وتشجيعي على الالتزام بوحدة الجيش والأمة.
وكانت اتصالات الشيشكلي بمختلف قطعات الجيش غير مشجعة له، فقد انفض من حوله كثيرون كان يظن أنهم من مؤيديه. وكان لرأي اللواء رفعت خانكان وزير الدفاع الأثر الحاسم في النتيجة، إذ كان يبصّره بالعواقب الوخيمة للإقدام على مجابهة الانتفاضة، التي كانت تتفاقم وتتقدم كالنار في الهشيم. وفي الواقع ما كان تحت تصرفه أي احتياط يحركه لمجابهة الموقف، وذلك على عكس ما زعمه باتريك سيل من أن الأسلحة الثقيلة كالمدفعية والدروع كانت تؤيده، وأنه كانت لديه أكثر من فرصة للسيطرة على الحاميات الثائرة ، فالذي بيده حينذاك ما تجاوز جميهرة صغيرة من الدروع استطاعت لبعض الوقت، قبل أن تنطفئ، أن تثير التشويش في الحالة العامة العسكرية والمدنية المعادية بشدة له ولزمرته الصغيرة هذه. وفي الساعة العاشرة مساءً غادر الديكتاتور دمشق إلى بيروت مهزوماً، حيث قبع في السفارة السعودية، وأذيعت له استقالة موجهة إلى الشعب وليس إلى مجلس النواب من إذاعة دمشق. وتولى الزعيم شوكت شقير رئيس الأركان أمور البلد تحت إشراف اللواء رفعت خانكان، الذي فقد حينذاك مع ذلك صفته كوزير الدفاع بانهيار العهد بكليته: إن توجيه الاستقالة إلى الشعب وتولي رئيس الأركان أمور الدولة تبيّن بجلاء أن الشيشكلي في تلك الساعات لا يملك أي إمكان لفرض إرادته، فكان مثلاً عاجزاً عن تسليم السلطة إلى خلفه رئيس مجلس نوابه مأمون الكزبري كما ينص عليه دستوره. وكان لبقاء اللواء رفعت خانكان لإدارة الأمور وتوجيهها باتجاه وطني في تلك الظروف الصعبة الأثر الحاسم الإيجابي في الوصول بسرعة إلى النهاية المرجوة.
وعاد الزعيم شوكت شقير إلى الأركان بعد مغادرة الشيشكلي إلى بيروت في فجر السادس والعشرين من شباط، وكنت بانتظاره لاستصدار أمر بإطلاق سراح السجناء السياسيين من عسكريين ومدنيين. وقد حاول المقدم رياض كيلاني، وهو من عتاة الرجعيين وقد رابط في الأركان العامة منذ عهد الوثنية القوتلية وطوال عهود الديكتاتورية العسكرية، هو وابن عم له كان يساعده في الدسّ بين الضباط الوطنيين والسعي في توجيه الأمور في أسوأ الاتجاهات، إلى أن اقْتَلَعْتُهُما وأَبْعَدْتُهُما عن الأركان للخلاص من شرورهما، أقول حاول المقدم رياض أن يثني الزعيم شقير عن إصدار الأمر للإفراج عن أولئك السجناء بحجة وجوب الانتظار لوضوح الأمور، فصحت به قائلاً: ألم تتضح لك الأمور كفاية بعد أن غادر سيدك البلاد؟.. . عندئذ بادر الزعيم رئيس الأركان إلى الهاتف يطلب سجني المزّة والشيخ حسن ويأمر بإطلاق سراح الموقوفين جميعاً بدون تأخير، ثم استدعى رئيس مكتبه وأمره بتسطير برقية عاجلة للتأكيد على أمره الهاتفي. وكان النهار قد اقترب فذهبت بصحبة المقدم نبيه صبّاغ، وكان في تلك الأيام يقود الدرك السوري، إلى سجن المزّة للإشراف على تنفيذ الأمر، فوجدنا أن المقدم الكيلاني سبقنا بهاتف إلى مدير السجن يأمره بالتريث. فقلت عندئذ لهذا السجان إن رئيس الأركان قد أصدر أمره بالإفراج عن السجناء السياسيين وعليه تنفيذ أمره في الحال وعدم الإصغاء إلى أقوال المقدم الكيلاني، وهددته بسوء العاقبة. فانصاع للأمر وأخذ بإطلاق سراحهم، فبدأ بالضباط عدنان المالكي ومحمد بركات وحسن حدّة. ثم عدنا مع هؤلاء الضباط مسرعين بسيارة المقدم الصبّاغ للعمل على إيقاف التشويش الذي كان يفتعله المقدم الكيلاني وهو إلى جانب رئيس الأركان. وعند وصولنا في طريقنا إلى الأركان العامة إلى قرب ثانوية الهاشمي سمعنا طلقات نارية تصدر من جهة الأركان فتوقفنا هناك، وذهب المقدم محمد بركات والنقيب حسن حدّة لاستطلاع الأمر. وعاد هذان الضابطان بعد عشر دقائق والمقدم محمد دامي القدم من جراء إصابته برصاصة من مصفحة كانت تقف على مدخل الأركان عندما حاول الاقتراب منها. عندئذ غيرنا اتجاهنا إلى منزل والدي في حي الجسر الأبيض، حيث قمنا بالاتصالات الضرورية، وتوجهنا في اليوم التالي عن طريق الغوطة الشرقية إلى الثنايا فحمص.
والذي جرى: إن حسين حدّة، من جماعة الشيشكلي شقيق حسن البعثي وعدوه السياسي، قام وصديقه عبد الحق شحادة رئيس الشرطة العسكرية بمحاولة انقلاب مضاد واحتلال بناية الأركان والإذاعة، وأوقفا الزعيم شوكت شقير ليذيعا باسمه بياناتهما. وكان كل ما لديهما من قوات تلك الجميهرة الصغيرة المشار إليها أعلاه وبعض عناصر الشرطة العسكرية. وقد تبيّن لي عندئذ قصد المقدم كيلاني عندما طلب تأجيل إطلاق سراح السجناء إلى أن تنجلي الأمور. لقد كان ينتظر ذلك الانقلاب المضاد الذي كان بكل تأكيد على علم به. وبنصائحه أرسل هؤلاء الانقلابيون في إثرنا مفرزة إلى سجن المزّة لمنعنا من إتمام مهمتنا وأخذ أولئك السجناء أو بعضهم رهائن عندهم. إلا أننا كنا سبقنا هذه المفرزة فلم نصادفها في طريقنا، فاكتفت بأخذ خمسة معتقلين كان قد تأخر إطلاق سراحهم وهم: المحامون فؤاد قضماني ورزق الله أنطاكي ومحمد جيرودي ورياض المالكي والأستاذ الجامعي سامي الدروبي. ولكن تلك المفرزة أُوقِفت غير بعيدٍ عن أبواب السجن من قبل آمر سرية التسليح حينذاك الرئيس الشهم فؤاد ملاطيلي، الذي اعتقل رجال تلك المفرزة مع مصفحتهم، وأطلق سراح أولئك الرهائن وأوصلهم إلى بيوتهم بسيارة من سريته$ . ثم إن بقية السجناء أُطلق سراحهم في ذلك اليوم في ظروف غموض الأوضاع وخوف السجانين من المسؤولية وسوء العاقبة، وتوجه معظمهم إلى حمص التي أصبحت مقر قيادة الثورة.
وما كان صحيحاً أبداً ما شاع وأورده باتريك سيل في كتاب الصراع على سورية من أن الزعيم شوكت شقير قام في منتصف ليل الخامس والعشرين من شباط، في إثر مغادرة أديب الشيشكلي إلى بيروت، بزيارة سجن المزّة وأطلق سراح السجناء. ثم إن الغضب الشعبي انفجر في كل أنحاء سورية وخاصة في دمشق، حيث نزلت الجماهير بعشرات الألوف إلى الشوارع وأغرقت القوات الهزيلة لبقايا الشيشكلي لدى سماعها بالانقلاب المضاد. واستقال حمدي الصالح مدير الشرطة والأمن العام وحل مكانه المقدم طلعت عبد القادر، الذي حاول بدون جدوى الاستعانة بالأستاذ رياض المالكي، الذي كان قد وصل تواً إلى بيته بعد إطلاق سراحه من سجن المزّة، فالأستاذ المالكي نصحه بالعمل على إبعاد الفلول الشيشكلية لتتم تهدئة الجماهير. وكان رئيس مجلس النواب مأمون الكزبري قد جمع قبضة من نوابه تحت تهديد الضابطين حسين حدّة وعبد الحق شحادة وقرأ عليهم استقالة أديب الشيشكلي وأعلن نفسه خليفة له، وأذاع له الضابطان المذكوران قراره هذا من إذاعة دمشق، فما كان من الجماهير عند سماعها هذا الخبر إلا أن اجتاحت مجلس النواب ودار الإذاعة وبيت رئيس المجلس مأمون الكزبري الذي حمته والدته من التمزيق. أما أحمد عسّة فقد فرّ من مكتبه في دار الإذاعة من نافذة خلفية. وكان اللواء رفعت خانكان يعمل طوال الوقت من مكتبه في الأركان العامة على إطفاء النيران، فقد أمر مثلاً أن لا تُقطع الإمدادات الروتينية، حتى بالذخائر، عن القطاعات الثائرة في الشمال، حتى تمكّن بما له من احترام لدى جميع الأطراف من تهدئة الأحوال، فأرسل الضابطين حدّة وشحادة إلى أوروبا ليلتحقا بدائرة الملحق العسكري في باريز. وفي الأول من آذار عاد الرئيس هاشم الأتاسي ليتسنّم رئاسة الجمهورية التي كان قد أُبعد عنها في أواخر عام 1951.
إن النقيبين حسين حدّة وعبد الحق شحادة طلبا إلى الشيشكلي العودة إلى دمشق عندما أقدما على محاولتهما الانقلابية المضادة، ولكن كميل شمعون الذي كان يعمل للإنجليز وخدمهم الهاشميين أبلغ السفارة السعودية التي كانت تؤوي الشيشكلي بأنه لن يسمح لهذا الديكتاتور بالعودة إلى دمشق. وكان حكام السعودية مع أسيادهم الأميركان يلحظون في تلك الأثناء ضعف وهزال أنصاره واستحالة ثباتهم أمام الموجة العارمة التي هبت وأطاحت بنظامهم خلال يومين أو ثلاثة. وكانوا يعلمون أيضاً أن الإنجليز قد أوقفوا في تلك الأثناء محاولات خدمهم الهاشميين للاستيلاء على سورية، وذلك تقرباً منهم من مصر، كما أشرنا إليه أعلاه. لذلك كانوا، أي السعوديون والأميركان، غير متحمسين للرهان على الشيشكلي وأنصاره الهزيلين، إن لم يكونوا أيضاً من الذين نصحوا الشيشكلي بمغادرة دمشق إلى بيروت ومنها إلى السعودية. والدليل على هذا الأمر أن نقله إلى السعودية تم بشكل يشبه نقل سجين وليس بسفر رئيس دولة مخلوع، وذلك بحجة الخوف على حياته من انتقام الدروز منه. ثم إن أولئك المستعمرين الأميركان وخدمهم السعوديين كانوا يرغبون بأن تكون أيديهم طليقة للعمل في سورية في ظروفها المستجدة حينذاك، فلا يشوش على نشاطهم ذلك الديكتاتور المهزوم. وكان انقلاب الشيشكلي على السعوديين وعمله فيما بعد مع خصومهم الهاشميين للتآمر على سورية نتيجة لموقفهم هذا منه.
وبعد، كانت الإطاحة بالشيشكلي ملحمة جماهيرية رائعة، بدت فيها القوات المسلحة جزءاً لا يتجزأ وطليعة للجماهير التي جسّدت بأمواجها الكاسحة حينذاك إرادة الحرية التي طالما زيّفها الفراعنة الجدد أجراء المستعمرين. والجدير بالملاحظة والتسجيل لأحداث تلك الأيام الخالدة هو تقدم الجماهير المدنية والعسكرية للعمل في ساحات الجهاد وسبقها بمبادراتها لكل قيادة سياسية أو عسكرية وتناغم مختلف فئاتها دون أي تشويش من أي فئة منها على أخرى أثناء التقدم إلى هدفها في إيقاع الهزيمة بالديكتاتورية.

________________________________________
$ إن العقيد فؤاد ملاطيلي المار ذكره أعلاه هو من ضباطنا الشجعان الذين أبلوا البلاء الحسن في ميادين القتال وكل الميادين الأخرى في خدمة أمتهم. وقد كان لهذا الشهم، بالإضافة إلى ما ورد عنه أعلاه، مواقف ساعدت بجدوى كبيرة في انتصار الانتفاضة على الديكتاتورية. ففي زحمة الأحداث مثلاً أثناء الانتفاضة قام الأميركان بإرسال عميلهم ابراهيم الحسيني، الذي كان ملحقاً عسكرياً في واشنطن، ليقوم بالحلول مكان الشيشكلي بعد سقوطه، ولكن الضابط فؤاد ملاطيلي آمر سرية التسليح حينذاك قبض عليه بمبادرة خاصة منه، عندما بلغه خبر وصوله إلى دمشق، وأجبره على العودة من حيث أتى، قبل أن يتمكن من القيام بأي عمل يزيد في تعقيد الأمور. وهو الذي قام بترحيل قائدي الانقلاب المضاد رفيقي دورته حسين حدّة وعبد الحق شحادة. وكان لمؤازرته اللواء رفعت خانكان بوسائل سَريته الأثر الكبير في إنهاء الأزمة بأحسن حال. ولكنه سُرِّحَ في النهاية من الجيش مع من سُرِّحَ من رفاقه الضباط الذين ما قصّروا أبداً في خدمة وطنهم أبداً؛ (عفيف البزري).