ملف خاص في ذكرى استشهاد سناء محيدلي

سناء يوسف محيدلي _ الثلاثاء 9 نيسان ابريل 1985 الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر يوم الثلاثاء الموافق 9 نيسان ابريل 1985 تعبر سيارة بيجو 504 بيضاء اللون ، الحاجز المقام في منطقة باتر - جزين في طريقها نحو الجنوب اللبناني ، و قد سبق للسيارة أن توقفت وراء الحاجز المقام للعبور نحو الجنوب ثم انضمت فيما بعد الى طابور طويل من السيارت ، و بعد عبورها الحاجز الاول لم تكمل السيارة طريقها بل سارت ببطء و دون ان ينتبه احد من جنود الاحتلال الصهيوني او العملاء لما يتقدم عليه الشهيدة سناء محيدلي ، التي كانت تقود السيارة و التي كانت تتجه بكل عزم و اصرار نحو قافلة عسكرية اسرائلية تتجرك في المنطقة ضمن اجراءات القيادة العسكريةالاسرائيلية لأخلاء معدات من مةاقعها في القطاع الشرقي من لبنان استعدادا لتنفيذ المرحلة الثانية من الانسحاب . و قد لاحظ احد جنود العدو الصهيوني أن السيارة لم تكمل طريقها وفق ما اشار لها احد حراس نقطة التفتيش ، فاقترب منها محاولا التدقيق بهوية الفتاة التى كانت تقود السيارة و لكن كانت سناء محيدلي اكثر اصرارا و تصميما و سرعة ، فانطلقت بسيارتها باتجاه القافلة و اجتازت حاجزا حديديا موضوعا بشكل افقى امام مركز التجمع و امامه عوائق صغيره متعدده ، فاطلق حامية الحاجز الصهيوني رشقات من الرصاص باتجاه السيارة ولكن اصرار و عزيمة المقاومة الشهيدة كانت اسرع بالوصول الى تجمع القافلة و فجرّّت السيارة . - البيان العسكري الاسرائيلي الناطق العسكري الاسرائيلي اعترف بالعملية اثناء النشرة الاخبارية التى يذيعها رايو اسرائيل عند الساعة العاشرة ة النصف ليلا و قال المذيع أن خبرا طارئا قد وصله نقلا عن الناطق العسكري الاسرائيلي يقول : ان ضابطين من الجيش الاسرائيلي قتلا وان جنديين آخرين اصيبا بجروح من جراء انفجار سيارة مفخخة في نقطة عبور باتر- الشوف في لبنان وان السيارة المفخخة وصلت من الشمال (بيروت) و انفجرت عندما اقترب جنود من حاجز اسرائيلي لتفتيشها . وكالات الانباء و مصادر حزبية في بيروتاجمعت على أن خسائر العدو كانت اكبر و ان عشرين جنديا قد قتلوا خلال العملية و دمر عدد من الاليات التى كانت تمر على شكل قافلة من مركز التجمع. بيان جبهة المقاومة الوطنية الساعة الحادية عشر صباحا من يوم الثلاثاء 9/4/1985 قامت احدى مناضلاتنا الرفيقة الشهيدة سناء محيدلي بعملية استشهادية استهدفت تجمعا لقوات العدو على طريق باتر - جزين حيث كانت تتجمع اعداد كبيرة من الشاحنات و الدبابات و الاليات المجنزرة و العديد من المشاة المنسحبين من تلال الباروك و نيحا وذلك باقتحامها القوة العسكرية للعدو الصهيوني بسيارة بيجو 504 مجهزة ب200 كلغ من مادة ت.ن.ت الشديدة الانفجار . و قد اوقعت العملية خسائر كبيرة في جنود العدو يقدر عددهم بحوالى 50 بين قتيل و جريح ، بالاضافة الى اعطاب و احراق عدد من الآليات. و تعاهد جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية عروسة الجنوب الشهيده سناء محيدلي بانها ستلاحق العدو بالمزيد من العمليات الفدائية و الاستشهادية حتى يتحرر جنوبنا المحتل و شعبه الصامد من رجس الاغتصاب اليهودي ، هذا العدو الذي لن ندعه يرتاح حتى تحرير كامل ترابنا القومي . ردود الفعل الاسرائيلي # شمون بيرز ان اسرائيل لا تعجز عن معالجة الاعمال لانتحارية التى يقوم بها عدد من الشيعة في لبنان ، انا نتخذ خطوات عديده من جانبنا في هذا الخصوص . # اسحق رابين لو تم التقيد بالقواعد المرعية لما حصلت الامور كما جرى بالامس. ..........................................................................

عروس الجنوب سناء يوسف محيدلي: ولدت سناء محيدلي في بلدة عنقون قضاء صيدا ، (7 كلم من مدينة صيدا)جنوب لبنان ، في 14/آب/1968 والدها يوسف توفيق محيدلي . توفيت والدتهافاطمة و هي في الثالثة من عمرها ، و عاشت بعد ذلك في كنف والدها الذي كان ملتصقا بها بعد وفاة والدتها وتزوج بعد ذلك ليكون لسناء اخت واحده - عبير و ثلاثة اخوه هيثم و محمد و رامي, نمت سناء ميحيدلي في بيت و طني حيث كان والدها ممن يرفضون الظلم و القهر و الاحتلال كباقي اترابه ورغم تواضع العيش و الحياة خلال الحرب اللبنانية بقيت عائلة سناء تسكن بيروت و مرار الاحتلال تراود صبية تنظر الى مستقبل امة و ليس مستقبل فتاة . عملت سناء في اوقات فراغها و بعد الدراسة في محل معد لبيع اشرطة الفيديو في منطقة المصيطبه - غرب بيروت و خلال عملها هناك قامت بتسجيل 36 شريط فيديو للشهيد و جدي الصايغ الذي نفذ عملييته ضد قوات العدو في منطقة قريبة من الموقع الذي نفذت فيه سناء عمليتها الاستشهادية، و بنفس المتجر ايضا قامت بتسجيل و صيتها عبر كاميرا للفيديو من نوع في اتش اس ، و وجهت من خلال التسجيل رسائل الى رفاقها و اهلها و اوصت بتسميتها عروس الجنوب. وصية سناء محيدلي متلفزة و في مساء اليوم الذي نفذت فيه سناء محيدلي عمليتها الاستشهادية اطلت على اللبنانيين عبر شاشة تلفزيون لبنان القناة7 لتعلن وصيتها بنفسها و التي قالت فيها : انا الشهيدة سناء يوسف محيدلي ، عمري 17 سنة من الجنوب ، جنوب لبنان الجنوب المحتل المقهور ، من الجنوب المقاوم الثائر . انا من جنوب الشهداء ، من جنوب الشيخ الجليل راغب حرب ، جنوب عبدالله الجيزي ، حسن درويش ، نزيه القبرصلي ، من جنوب بلال فحص ، و اخيرا و ليس الاخير جنوب الشهيد البطل وجدي الصايغ . ........ سناء محيدلي ، ابنة ال 17 ربيعا : تحرير الارض كان هدفها و الشهادة كانت قرارا و الانتقام للاطفال الذين قتلوا في الزرارية و حومين التحتا و جباع و كوثرية السياد و غيرها و غيرها كان اصرارا. في العاشرة صباح يوم الأحد في 24 آذار 1985 خرجت من منزل ذوبها في المصيطبة بحجة شراء ((طلاء للأظافر)), في طريقها أباغت عناصر حاجز أمني قرب المنزل, انه في حالة افتقادها عليهم إبلاغ ذوبها أنها((لن تعود)). في السادسة مساء بدا البحث عنها عند الأهل والأقارب و الأصدقاء, من دون جدوى, ثم بدأت الاتصالات مع الأحزاب والأجهزة الأمنية ولا نتيجة. وفيما كان الجيران يتوقعون ظهورها متزوجة سرا, كان الأب يوسف ( 39 سنة - مخلص جمركي ) والأم فاطمة حمية (30 سنة ) والصديقات, يترقبون السماع (( بعملية بطولية ضد قوات الاحتلال )) فلقد أسرت سناء لصديقة قبل اختفاءها بثلاثة أيام بأنها ستقوم (( بعمل يتحدث عنها أهلها والناس بفخر واعتزاز, وان الكل سيقول بأنه كان يعرف سناء )), فالعمل في محل تأجير أفلام ((الفيديو )) لم يكن طموحها وهدفها بيوم استشهادها وجدي الصياغ, تحدث طويلا وبحماس عن العملية الانتحارية وعن بطلها لا شقاءها الصغار: عبير (10 سنوات ), هيثم (8 سنوات ) محمد (6 سنوات ) وحتى رامي ( سنتان ) اجبر على سماع الرواية. (( أتمنى أن تتعانق روحي مع أرواح الشهداء الذين سبقوني وتتوحد معهم لتشكل متفجرة تنفجر زلزالا على رؤوس جيش العدو )). **** أما في وصيتها التي كتبتها بخط يدها فجاء حرفيا (( أحبائي إن الحياة وقفة عز فقط)) أنا لم أمت بل حية بينكم أتنقل..اغني.. ارقص..احقق كل آمالي.. كم أنا سعيدة وفرحة بهذه الشهادة البطلة التي قدمتها.. أرجوكم أقبل اياديكم فرداً فرداً لا تبكوني..لا تحزنوا علي. بل افرحوا اضحكوا للدنيا طالما فيها أبطال.. طالما فيها آمال بالتحرير..أنني بتلك الصواعق التي طيرت لحومهم وقذارتهم بطله... أنا ألآن مزروعة في تراب الجنوب اسقيها من دمي وحبي لها...آه لو تعرفون إلى أي حد وصلت سعادتي ليتكم تعرفون لكنتم شجعتم كل الذين سائرون على خط التحرير من الصهاينة الإرهابيين. مهما كانوا أقوياء إرهابيين قذرين, هم ليسوا مثلنا.. إنهم جبناء يطعنون من الخلف ويغدرون، يتلفون شمالاً ويمينا هربا من الموت.. التحرير يريد أبطالاً يضحون بأنفسهم غير مبالين بما حولهم، ينفذون، هكذا تكون ألأبطال... إنني ذاهبة إلى أكبر مستقبل، إلى سعادة لا توصف، لا تبكوا عليّ من هذه الشهادة الجريئة، لا، لحمي الذي تناثر على الأرض سيلتحم في السماء.. آه (( أمي )) كم أنا سعيدة عندما سيتناثر عظمي عن اللحم، ودمي يهدر في تراب الجنوب. من اجل أن أقتل هؤلاء الأعداء الصهاينة و الكتائب نسوا بأنهم صلبوا مسحهم.. أنا لم أمت هذه واحدة و الثانية ستأتي اكبر و ستليها ثالثة و رابعة و مئات العمليات الجريئة.. فضلت الموت من أن يغرني انفجار أو قذيفة أو يد عميل قذر، هكذا أفضل و اشرف أليس كذلك.. ردوا على أسئلتي سأسمع بالرغم من أنني لست معكم، سأسمع لان صوتكم وضحككم الجريء سيصل إلى كل حبة تراب سقيتها بدمي. وسأكون صاغية هادئة لكل حركة، لكل كلمة تلفظونها.. اجل هذا ما أريد ولا تغضبوا علي لأني خرجت من البيت دون إعلامكم... أنا لم أذهب لكي أتزوج و لا لكي أعيش مع أي شخص بل ذهبت للشهادة الشريفة الباسلة السعيدة.. وصيتي هي تسميتي (( عروس الجنوب )). *** قالوا في سناء محيدلي ((...إن الشهداء هم أنبل من في الدنيا وأكرم بني البشر... لقد رأيتم الفتاة الصغيرة الجميلة سناء محيدلي، هذه الفتاة المؤمنة الشابة جابهت العدو بتفجير نفسها هذه أمثولة رأيتموها وغيرها من بطولات المقاومة الوطنية اللبنانية لإسرائيل )). . الرئيس حافظ الأسد ((إن سناء محيدلي قد سجلت لأسرتها ولوطنها لبنان وللأمة العربية أعظم آيات المجد وأكدت لنا جميعا باستشهادها حتمية انتصار لبنان على العدوان والاحتلال الصهيوني أن الشهيدة الغالية أكدت أن الشهادة في سبيل الوطن والقضية العادلة هي طريق أمتنا إلى الحياة الحرة الكريمة )). الشاذلي القليبي أمين عام جامعة الدول العربية تحية للمقاومة اللبنانية والأخوة في الحزب السوري القومي الاجتماعي, بعروسة الشوف والجنوب الشهيدة البطلة سناء محيدلي, ليشت أول فتاة تسقط في مواجهة الإسرائيليين فقد سبقتها العديدات في النهر الخالد, غير لسناء عبق بلال والقصير والقبر صلي والصابغ وأبو زينب وغيرهم وغيرهم ممن تساموا حتى درجة الرمز. الجديد في سناء إنها الرمز الإستشهادي الأول. الوزير نبيه بري إن شعبا فيه من أمثال الشهيدة سناء محيدلي لا يموت ولا يمكن أن تقهره قوة عسكرية غاشمة مهما بلها جبروتها, وعنها تحدث وزير الدولة لشؤون الجنوب نبيه بري قائلا: لسناء عبق بلال والقصير والقبر صلي والصابغ وأبو زينب وغيرهم وغيرهم ممن تساموا حتى درجة الرمز والجديد في سناء إنها الرمز الإستشهادي الأول, وعنها تحدث الوزير السابق مروان حمادة قائلا: بطلة جديدة تسقط في معركة الكرامة وتسقط ليحيا الجنوب. فقد علق الرئيس الحص على العملية الانتحارية الذي نفذتها الشهيدة سناء محيدلي قائلا: لا يسعنا إلا أن نطاطىء الرؤوس أمام عظمة الفداء التي جسدتها سناء محيدلي في استشهادها. عندما تبذل إبتة السبعة عشر ربيعا حياتها فداء شعبها وحريته وكرامته يعجز اللسان عن الكلام, أن أمثال سناء يصنعون التاريخ ويكتبون فصلا جديدا في سفره بدمائهم الذكية, وشعب فيه من أمثال سناء محيدلي لا يموت ولا يمكن أن تقهره قوة عسكرية غاشمة مهما بلها جبروتها. وإذا كانت إسرائيل تواصل اعتداءاتها الوحشية على القرى المجاهدة وأهلها الميامين وإذا كانت تمعن بالناس قهرا صور وغيرها وتصعد عملياتها الإجرامية على صيدا من خلال عملائها فما ذلك إلا تعبير عن عجزها عجز آلاتها الحربية الجبارة عن التصدي لروح الفداء عند الإنسان اللبناني المقاوم و ستبقى سناء عنوانا مشعا من عناوين هذه الروح الخارقة. الرئيس الدكتور سليم الحص (( هي لم تقتل مواطنيها, ((هي لم تخرب ولم تدمر بلدها, ((هي لم تسرق جارها, ((هي لم تختلس أموال الدولة, ((هي لم تتعاون مع العدو المجتاح والمحتل, ((هي لم تتحرك بدافع من التعصب الديني, ((هي لم تقتل مسيحيا لأنها مسلمة, ((هي لم تكن لتقتل مسلما لو أنها كانت مسيحية. (( سناء محيدلي (( في ربيع العمر هي, وببريه صغيرة معلقة فوق الجبين, قررت أن تضحي بحياتها, أن تقدم نفسها ضحية من أجل التعجيل في تحرير بلادها. (( بيفن - فندق الملك داوود - دير ياسين, (( شامير - موين - برندوات, (( شارون - صبرا وشتيلا, (( كلهم سيتذكرون أن فتاة لبنانية في ربيعها السادس عشر, هي التي لم تكن إرهابية, قد هاجمة وحدها الجيش الإسرائيلي الذي أباد لبنانين أبرياء وأطلق النار على النساء والأطفال المهجرين من قراهم. (( ذلك أنهم نسوا صرخة الإنذار التي أطلقها أيلي غيفا ولطخوا وجه جيش الدفاع الإسرائيلي, (( وعلى مجلس النواب اللبناني ألا ينسى هذا التصرف البطولي للصبية سناء, (( وعليه أن يحي لها ذكراها وأن يرفع تمثالا ليخلد شجاعتها ووطنها )). العميد ريمون إده *** سناء الأسطورة لم يكن أهلنا وأخوتنا وأبنائنا خؤولتنا وعمومتنا في الجنوب اللبناني بحاجة إلى عمل ضخم يفرض إعجاب العالم بهم وبمقاومتهم الرائعة للعدو المحتل , إذا إن استشهاد المقاوم برصاص الغازي في كل ساعة من ساعات الليل والنهار هو عمل ضخم , وأضخم منه تصدي الشيخ والشباب والمراهق والطفل , والمرأة والفتاة , لجبال من الحديد والفولاذ والسلاسل تدب على الأرض فتهتز بها الأرض , وتقذف من فوهتها النار فكأن قطعا من الجحيم قد قذفتها جهنم , وأبطال المقاومة ليس عليهم مما يتدرعون به إلا ثيابهم , وكل سلاحهم قطع من حديد قديم , وبنادق عتيقة , خارجة من كتاب ألف ليلة و ليلة , من القماقم التي يخرج منها المردة. سناء عروس المقاومة هي بلاد الملاحم والأساطير , لبنان. والملاحم والأساطير قليلها واقع وكثيرها خيال. أما أسطورة سناء, أسطورة المقاومة الجنوبية وملحمتها الكبرى. فحقيقة كلها وواقع من البداية إلى الخاتمة. لقد حشت سناء سيارتها بالمواد المتفجرة وقادتها بنفسها واقتحمت بها رتلا من ملالات العدو المحملة بالجنوب ولما صارت في وسط الرتل فجرة سيارتها بها فاستشهدت وقلت وادوت قتل وجرح مصنوعة في بيوت الفلاحين , مشحونة ومغذاة ومشحوذة بامضى سلاح خلقه الله , الايمان بالوطن والبيت والارض , ونار الحقد والكراهية والبغضاء تشوي الغازي الطامع المعتدي. *** وفجأة نفرت من احدى قرى الجنوب فتاة رائعة الحسن, رائعة العمر, زنبقة, اقحوانة حبقة كلها صبا وعطر وجمال, سبعة عشر عاما لم تسمع ولم تر, وعندما بدأت تفهم وتشعر, سوى انين المسحوقين تحت سلاسل العدو الغازي, ولم تر سوى ثكالى الامهات يبكين افلاذهن الشهداء. سناء العروس, سناء الحلوة, سناء ليست بشرا من لحم و دم, سناء جنية معها من قتلت من جيش الاعداء. وكتبت سناء بدمها اسطورة المقاومة الكبرى. اسطورة حقيقية لا اسطورة خيال. يا شعراء العرب! يا كتاب العرب من المحيط الى الخليج. لقد رويت لكم قصة عروس المقاومة سناء ابنة السبعة عشر ربيعا. لقد اعطتكم سناء مادة لا بداعكم, ان كنتم مبدعين. فهاتوا!! الشيخ خليل تقي الدين *** رسالة الى سناء محيدلي المفكر والكاتب المصري خالد محمد خالد نشر في العدد الاخير من مجلة (( المصور )) (10 أيار 1985) رسالة الى الشهيدة سناء محيدلي, في سلسلة مقالات له تحت عنوان (( الله والحرية )). في ما يلي نص الرسالة: (( معذرة اذا بدا لك انني اجيء متأخرا.. فالحق انني لم استأخر عنك لحظة من زمان!! لكن حين يكون الموكب موكبك, والعرس عرسك, فان امتلاء النفس باجلالك, وبقداسة تضحيتك, يجعلني أؤثر المكان الاخير.. لعلك الآن تعرفين, وتعذرين, يا المع درة في تاج البطولات..!! ما تمنيت قط ان اكون شاعرا, بل ان اجتاز عبقرية الشعر كله, والشعراء جميعا الا يوم زفافك, حتى استطيع ان ارقى الى علاك بقصيد يحمل شرف الحديث عنك, والانتماء اليك!!.. وما تمنيت ابدا ان اكون صاحب ثراء عريض ومفيض الا يوم زفافك.. اذن لاقمت لك في كل عاصمة عربية واسلامية تمثالا من نور, يتوسط حديقة تعبق بالورد الجذلان, وتغرد فوق افنانها العصافير.. واسماها حديقة الحرية..!! وما اشتقت يوما للشهادة, مثلما برح بي الشوق يوم زفافك.. فقد كانت فرصتي النادرة لأدخل الجنة - ولو حبوا -من خلال موكبك الممجد والعظيم.. كانت فرصتي الاولى والاخيرة حين ارى كيف استقبلك الله ذو العرش المجيد؟؟. وكيف اخذت الجنات زينتها, ونادى.. رضوانها: اليوم يوم عيد..!! لقد سمعت قومك ينعتونك ب((عروس الجنوب)) أي جنوب - يا عزيزتي - و أي شمال..؟! أي شرق - يا استاذة فن الموت والفداء - و أي غرب؟ ان الجهات الاربع لتتماوج من الخجل يحن ترانا ننسبك اليها, بدلا من ان ننسبها اليك.. وتتمزق حياء حين ترانا ندل بها عليك..!! انت, يا اختي, ويا صديقي, وياحبيبتي.. يا ابي وامي, واخوتي.. انت في السماء (( عروس الفردوس الأعلى ))!! وانت في الأرض (( روح الربيع ))..!! كنا نريد ان نسألك - قبل تجدي نفسك وفقدك - كيف فكرت ؟ وكيف قدرت ؟ كيف علمت الأرض كالظيمة ان تتفجر نقمة ولظى ..؟! كيف علمت الأرض النائحة ان تغني وترقص ؟!.. كيف نشرت فيها كل هذا الضياء بعد ان ماج غيبها وساد ظلامها..؟! وكيف صنعت المعجزة التي اذهلت بها الدنيا , يا سناء ؟!.. كيف كنت في وقت واحد - المؤلف, والمخرج, والبطل..؟! القصة، و السيناريو و الأداء.. حتى الموسيقى التصويرية!! أجدْت وضعها في فن عظيم، و في دهاء اعظم.. !! و حتى الديكور.. ادى دوره الذكي فيما اردت له من خداع و تمويه..!! خصلات شعر انسدلت في اغواء..!! و عينان غمازتان، كأعين الظباء..!! و جفنان لعوبان، اذا استرخيا فتنا.. و اذا استعليا الهبا عيون العاشقين و شفتان في رقة الورد، و نمنمات النسيم..!! و موسيقى لاهية، و صاخبة.. و فجر الصبا في و جنتيك غدا. يموج مثل البحر الجائل !!. كل هذه الموسيقى التصويرية، وكل هذا الديكور، اصطنعتهما في ذكاء و دها لتخدعي مجرميها عن حقيقتك و عمن تكونين ؟ و ماذا تريدين ؟ و لتقولي لقاطعي الطريق منهم : دعوني أمر و اعبر ، فما أنا الا فتاة لعوب ..!! حتى اذا بلغت مجمعا بينهم، برز من ثنايا أهابك القدر الجبار. فاتحا للمجرمين أبواب الجحيم..!! في لحظة اختفي بنانك الخصيب.. و توارى وراء تجهم الأسد، لحظك الذي كان، يشوق الفؤاد الطروب..!! في لحظة تحولت نعومة الأنثى إلى بركان جائح و نقمة مدمرة..!! و في لحظة، تحولت الفتاة الرقراقة إلى جيش لجب، و كتيبة رجرجة..!! ثم في لحظة، تحولت وساءل التمويه و الخداع، إلى وسائل إيضاح..!! و قالت الإنباء انك صعدت إلى السماء فوق جثث خمسين من القتلى و الجرحى.. و قال الأعداء: بل قتيلان و جريحان..!! و صدقيني يا عزيزتي، و يا شقيقتي، لو لم تصيبي منهم الا مزرعة لحم في حجم زيل فأر صغير و حقير.. و لو لم تشربي من دمائهم الا مثل حشو الطائر، لما نقص ذلك من جلال صنيعك، و روعة اقتحامك و أقدامك، و عظمة ضربتك و بطولتك مثقال ذرة، و لا أدنى من ذلك، و لا اصغر..!! . فليس حجم العمل، و لا نتائجه، باللذين يحددون عظمته.. إنما هي الروح المبدية في هذا العمل تحدد هويته، و تظهر حقيقته، و تمنحه عظمته.. !! و لقد أودعت روحك الخارقة في عملك المتفوق و المتألق ما جعل هذا العمل بكل ما تقدم منه و ما تأخر سفرا من الإسفار المقدسة، يحكي مجد الإله في شخصك ، و في عبقرية بطولتك ، و في جلال و جمال تضحيتك .. !! لقد أعدت الينا عصر الوحي ، يا سناء يوسف محيدلي ، و راينا في وجهك المقمر ، و جوه الرواد من آبائنا العظام ..!! رأينا ذلك الصحابي الجليل الذي امسك بيمينه تمرة، ليلقى بها إلى معدته الخاوية السغبانة .. و فجأة تهب عليه رياح الجنة، فيصيح وحي!! أليس بيني و بين الجنة الا مضغ هذه التمرة و ازدرادها ؟ ثم يقذف بها بعيدا ، و يمضي متعجلا مصيره السعيد ..!! و راينا ذلك الصحابي الشهيد الذي ذهبت أمه الى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، تسأله يا رسول الله ولدي في الجنة؟ فافرح له ام في غيرها؟ فابكيه؟؟! و يجيبها اكرم خلق الله : يا ام حارثة .. أنها جنات لا جنة واحدة .. و ان ابنك أصاب الفردوس الأعلى ..! اعرفت الآن يا عزيزتي لماذا سميتك عروس الفردوس الاعلى ..؟؟ و لست للجنوب و حده بعروس ؟؟ ثم ماذا يا سناء ؟!! يا من ستظل بطولتك و تضحيتك ربيعا دائما لقومك و لكل من تحمل الارض من شعوب اضناها لؤم الطغاة و طول االغروب .. !! و ستبقين انت الى الابد ، روح هذا الربيع ..!! ستظل ذكراك عزيزة علينا .. كريمة لدينا.. اقول : ذكراك ؟؟ .. لا .. بل ذكرك !! فالذكرى انما تكون لشىء مضى و غاب .. وانت يا شقيقتي لا مضيت و لا غبت .. اذ قد يغيب بعد موسمه الربيع .. و لكن ابدا لا تغيب روح الربيع ..!! لقد هممت ان احييك بقول المتنبي في رثائة اخت سيف الدولة حين شبهها بشمس ثانية ، تضاهي شمسنا الكونية ، و قال : فليت طالعة الشمسين غائبة و ليت غائبة الشمسين لم تغب هممت ان افعل .. و لكن سرعان ما رايتك تملئين الزمان ، و المكان و المناسبة . تملئين هذا كله بجسدك و روحك معا .. فادركت من فوري ، انك لست غائبة الشمسين و لن تكوني ذلك ابدا يا من حولت الموت الى حياة و الفناء الى خلود ...!! ان و صفك لمن الامور الصعبة . وإن اية تحية, و اية تهنئة. نرفعها الى أبويك المجادين, لتقفان دون قدرهما, وتمشيان اليهما على استحياء ..!! أبوك الرجل ..و أمك العظيمة .. أسرتك, وأهلك .. كلنا اليوم نتنافس في ان نجد لنا بينهم مكانا .. وحين تتخلف بنا عنهم القرابه والنسب , فان لنا في الحسب شفاعه وانتماء .. !! الحسب الذي صاغته عظمتك , ونسجت من رموش عينيك , ومن هداب تضحيتك لحمته وسداه .. ثم رسمت عليه بدمك الزكي والابي اكثر الرسوم فتنة , واكثر الالوان بهاء وسناء يا سناء .. !! وتسألينني عن قومك - من عرب ومسلمين ؟؟ انهم يا عزيزتي , كما تركتهم يوم رحيلك وزفافك .. أما حكامهم وقادتهم فأكثرهم كرام .. ثم كرام .. !! يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن اساءة أهل السوء إحسانا !! لا تبتئسي , ولا تحزني .. فغدا , تغرد العصافير .. !! إننا لا نزال اوزاعا , واشائب , وزمراً .. ولا تزال كرائه الامور تتزاحم حولنا وعلينا .. لكن ابطال الجنوب في لبنان .. وابطال العودة في الارض السلبية والوطن المسروق .. وابطال المقاومة والتحرير في افغانستان .. وفي ارتريا .. والفلبين .. هؤلاء واولئك - يا غزيزتي -لا يزالون يعرفون منازع اقواسهم , ومضارب سيوفهم , ومطاعن رماحهم .. وإن شهداءهم الابرار ليفدون عليك كل يوم . ولا بد انك التقيت وستلقين منهم بالكثير .. !! لقد اعطيت القدوة التي لن ينصل بهاؤها ؟؟ وضربت المثل الذي يحول الجبناء الى صناديد وشجعان ! وبعد .. فلا اريد لحد يثي إليك ان ينتهي .. بل هو الذي يستعصي عليّ ان تكون له نهاية وختام ..!! ولكن لا بد مما ليس منه بدّ .. فاذكرينا عند ربك .. واحملي صلاتنا وتسليمنا الى الاحبة .. (( محمد )) وصحبه .. !! واحملهيا الى كل شهيد سبقك الى فردوس الله .. والى كل شهيد وصل معك يوم زفافك .. ولاى كل شهيد قادم إليكم يقطع الأرض وثبا .. ويتفجر شوقاً , واملاً وحباً .. ثم ماذا .. من كلمات أختم بها رسالتي إليك .. ؟؟ لاأكاد أجد هذه الكلمات .. فضعي انت - يا حبيبتي , ويا أستاذي -كلمات الختام ..!! خالد محمد خالد القاهرة *** الى ا شجع الرجال ... سناء يوسف محيدلي سناء العرب.. من الاسم والعينين , من مسام الجلد فيك يطل السناء يا عروس الشهداء . في ذلك الصبح من يوم الثلاثاء , في ليل عربي ادلهم بالهم والغم , يشرق قمر اسمه (( سناء )) . في زمن عربي تزنر بالهزيمة , تزنير بالفداء صبية , وتزف الوطن , الى مجد العرب , والى عرس العروبة ... (( سناء )) . في زمن يمم الكثيرون وجوههم صوب الاستجداء بعدما تيمموا بوهم الصلح والتفاوض والاعتراف , توضأت بالشهادة (( سناء )) ... وصلت فينا ركعتين وما كنا نصلي خلفها , فقد كانت تؤم جموع الشهداء . اه يا (( سناء )) ... يا اشجع الرجال الرجال !! بلغتنا الرسالة , قرأنا الوصيه , وسمعنا الدعاء ... ولسنا ندري هل نتعلم منك ابجدية الفداء , ام سنكتفي بالدعاء : عاشت الاسماء ... عاشت الاسماء , وليرحم الله (( سناء )) مع الابرار الصديقين والشهداء !! الثلاثاء 9/4/1985 , كان يمكن ان يكون يوما عادياً , كغيره من الايام التي تتساقط من (( الروزنامة )) العربية دونما معنى , يوم آخر يبدأ بالحديث عن الهم , وينتهي بآهات الغم , لولا ان صبية عربية من لبنان الممزق , نهضت في ذلك الصبح وقد توضأت طهارة , وصلت استشهادا , وذهبت الى حيث صنعت لأمتها مجداً بعدما حوصرت هذه الامة بكل تعبيرات الاستسلام للامر الواقع , والتسليم بذل الاحتلال والهزيمة . في ذلك الصبح , توجهت سناء يوسف محيدلي , ذات الستت عشرا ربيعا , الى السيارة من طراز (( بيجو 504)) , وبعدما تأكدت ان السيارة محملة بمائتي كيلوغرام من المتفجرات , ادارت محركها , وعقلتها وتوكلت , وبقية الوقائع كانت كما يأتي : على الطريق الذي يصل بين قرية (( باتر )) ( 40 كيلومترا جنوب شرقي بيروت ) وبلدة (( جزين )) ( سبعة كيلومترات جنوبا ) كانت قافلة عسكرية اسرائلية تقوم بمهمتها الروتينية ضمن مهمات عسكر الاحتلال الاسرائيلي . واذا اقتربت سناء يوسف محيدلي من القافلة , وقبل ان يحدث نوع من الشك في اقتراب سيارة مدنية من قافلة احتلال عسكرية , كانت سناء تنسف كل شيئ , . سيارتها ... جسدها ... وقافلة العدو العسكرية ... تتطايرت اجزاء السيارة . صعدت روح سناء الى السماء بعدما تناثر اللحم عن الجلد - كما ارادت - تمزقت للعدو اجساد واجساد . لكن الانفجار الاهم حدث في مكان آخر ... في فلب المؤسسة العسكرية الصهيونية , حيث التوسع الاستيطاني اتراتيجية , باتت تتراجع اما ما حدث ويحدث في لبنان من مقاومة انحنى لها الاعداء قبل الاصدقاء تقديراً واحتراماً . ولئن كانت بطولة الصبية سناء انفجاراً في عقل وقلب المؤسسة العسكرية الصهيونية , فانها في الوقت نفسه كانت انفجاراً في الجسم العربي المسكون بالتراخي , والذي اعتراه الترهل , فيما تنهش بقاياه الحيه حروب (( القبائل )) العربيه المتصارعه . كانت سناء انفجاراً في وجوهنا جميعاً ... قالت لنا بالفم المليان : (( هذا هو الطريق )) ... استشهدت سناء , بنت السادسة عشرة , نيابة عنا جميعا , فتعالوا نقرأ في وصيتها : (( احبائي ... ان الحياة وقفه عز فقط انا لم امت , بل حية بينكم اتنقل , اغني , ارقص , احقق كل آمالي , كم انا سعيدة بهذه الشهادة البطلة التي قدمتها . ارجوكم اقبل اياديكم فرداً فرداً , لا تبكوني , لا تحزنوا عليّ , بل افرحوا , اضحكوا للدنيا طالما فيها ابطال , طالما فيها آمال بالتحرير , انني بتلك الصواعق التي طيرت لحومها وقذارتهم بطلة)) . عذرا يا عروس الشهادة ... من نحن حتى تتقدمين منا برجاء ؟ عذراً يا من انت للعرب سناء ... من نحن حتى تقبلين منا الايادي ؟ نحن يا سناءنا من يتقدم منك بألف رجاء ورجاء ... سامحينا لاننا لم نتقدمك في مواكب الفداء والعنينا اذا ما اكتفينا من درسك بالشعر والانشاء . نحن يا (( سناء العرب من نقبل منك اليدين والجبين , ونفرد في عينيك كل اشرعتنا المبحرة الى موانئ الكرامة والحرية علها بالسناء المشع من عينيك تهتدي سواء السبيل !! يا وقفة العز يا سناء .. دعينا نستزيد مما أوصيت به: (( أنا الآن مزروعة في تراب الجنوب , اسقيها من دمي وحبي لها . آه لو تعرفون الى أي حد وصلت سعادتي , ليتكم تعرفون لكنتم شجعتم كل الذين هم سائرون على خط التحرير من الصهاينة الارهابيين . مهما كاونا اقوياء ارهابيين يهوديين قذزرين , هم ليسوا مثلنا , انهم جبناء يطعنون من الخلف ويغدرون , يلتفتون شمالا ويمينا هربا من الموت . التحرير يريد ابطالا يضحون بانفسهم , يتقدمون غير مبالين لما حولهم , ينفذون , هكذا يكون الابطال , انني ذاهبة الى اكبر مستقبل , الى سعادة لا توصف لا تبكوا علي من هذه الشهادة الجريئة , لا .. لحمي الذي تناثر على الأرض سيلتحم في السماء )) . بل مزروعة أنت في حبات عيوننا , ليس في تراب الجنوب وحده , بل انت بؤبؤ كل عين عربية من محيط هذا الوطن الى خليجه ... شائع هو الاسم سناء و محبب ... لكننا منذ الان سنحبه أكثر . وسينتشر اكثر , سوف تولد في كل بيت عربي سناء جديده , في عينيها شيئ من سناء عينيك , وعلى جبينها بعض من وهج جبينك , وفي قلبها تنبض صلواتك . (( آه أمي .. كم انا سعيدة . عندما سيتناثر عظمي من اللحم , ودمي يهدر في تراب الجنوب , من اجل ان اقتل هؤلاء الصهاينه ... الكتائب نسوا انهم صلبوا مسيحهم . انا لم امت , هذه واحدة , والثانية ستأتي اكبر , وستليها الثالثه , والرابعة ومئات العمليات الجريئة . فضلت الموت بشرف من ان يغدرني انفجار او قذيفه , او يد عميل قذر . هكذا افضل واشرف ... اليس كذلك )) ؟ فيا جيل الغضب الساطع ... يا جيلا يفجر الغضب في موضعه الصحيح يا جيلا لا يزايد علينا بل يلمنا ... يا جيلا لا يشعل الحرائق في صدورنا وبين اضلعنا, بل حيث يجب ان تحرق العدو المحتل ... يا جيلا انتظرناه طويلا ... سلام على الذين زرعوا نبتتكم في تراب الوطن ... سلام على الذين تولوا النبتة بالرعاية ... وسلام يا سناء عليك وعلى كل الشهداء يا عروس كل الشهداء ... سلام عليكم يوم ولدتم ... ويوم استشهتم ... ويوم تبعثون احياء . بكر عويضة *** وكالة الانباء الجزائرية (( ان أمثال سناء كثيرات وكل امرأة لبنانية باتت تجد نفسها في سناء بل ان عددا من الفتيات رشحن انفسهم للقيام يعمليات انتحارية ضد جيش الاحتلال. وذالك إقتداء بنساء ودفاعا عن الوطن فالمقاومه الوطنيه اللبنانيه الباسله غيرت كل المعطيات التي لم تأخذ في الحسبان هذا العامل , وبفضل العمليات الجريئه التي ينفذها رجال ونساء المقاومه اللبنانيه تحول الجنوب إلى جحيم لقوات الإحتلال فأصبح الجنود الصهاينه عاجزين عن الخروج من آلياتهم )) . سناء محيدلي .. والحداد المثالي أم حزينه , ليس لديها ما تقوله سوى التهنئه (( بالعمل المثالي والبطولي )) الذي قامت به إبنتها . وأب محمر العينين يحيط به مناضلون سياسيون يبدون له إعجابهم بشجاعة إبنته , كان ذالك ما يميز ذالك المشهد بعد العمليه الفدائيه الإنتحاريه التي نفذتها (( سناء محيدلي )) إبنت السبع عشر ربيعا التي إنطلقت على مقود سياره مشحونه بالمتفجرات على قافله عسكريه إسرائيليه يوم الثلاثاء 9 نيسان الحالي وكان كل شيء في ذالك المشهد يثير الحماس والتأثر .. ولم تكن عبارات الوداع التي سجلت للشهيده سناء على شيط كاسيت وأذيعت في بيروت لتزيد ذالك التأثر بل زادته إشتعالا كانت تضع على رأسها قبعه حمراء , وترتدي اللباس العسكري وأخذت الفتات تتلو العبارات بصوت وقور , ولاكنه ينم عن العصبيه والتأثر : (( لقد شاهدت مأسآت شعبي في ظل الإحتلال , وأنا هادئه تماما , إني سأنفذ عمليه إخترتها أنا بنفسي أني أأمل أن أقتل أكبر عدد ممكن من الأعداء الإسرائليين وأرجو أن تلحق روحي بأرواح الشهداء ألآخرين وأن تنقض كالصاعقه على رؤس جنود الأعداء )) هذا ما قالته (( سناء محيدلي )) ثم أضافت : (( إني أقوم بواجبي , يدفعني إلى ذالك حبي لشعبي ولوطني )) . وفي ردهت البيت المتواضع تكدست أكاليل الزهور وتوافد الناس ليحطو بهما ويشاركوهما المشاعر في تلك اللحظات المؤثره , وتحدث أحدهم إلى مندوبي الصحف قائلا : (( أن هذا العمل البطولي سيجعلنا فخورين إلى ما يزيد على خمسمائة عام )) وكان بعضهم يأكد على الطابع الوطني في العمليه الإنتحاريه التي نفذتها سناء (( إن سناء التي لا يزيد عمرها عن سبعة عشر عاما , كانت تشعر شعورا حادا ومريرا بمأساة بلدها وإرادات بعملها الجبار الذي قامت به أن تستنكر هذه المأسات وتعلنها على الملأ , إت لبنان بأكمله يجب أن يفخر بها .. أما بالنسبه لوالديها فإن سناء كانت فتاة إنفعاليه تحب العزله وتتابع أعمال المقاومه الوطنيه اللبنانيه بالهتمام شديد ... والعمليه التي نفذتها (( سناء )) تعتبر العمليه الإنتحاريه الثانيه بعد عملية وجدي الصايغ الذي إنطلق أيضا بسيارته على قافله عسكريه إسرائيليه بتاريخ 12 آذار الماضي على طريق جزين - كفرحونه , وقد إعترفت السلطات الإسرائيليه بها آن ذاك ... *** من أجل الوطن ولدت (( سناء محيدلي )) عام 1968 في قريه صغيره إسمها عنقون تابعه لمنطقة صيدا . وشهدت النور هناك حيث توجد أشجار البرتقال والزيتون والكرمه وحيث توجد (( إسرائيل )) في الجنوب . كان عمر سناء عشر سنوات , عام 1978 , عندما بدئة الدبابات الإسرائيليه بزحفها عبر السهول .. وراحت تزرع الخوف والفزع أينما حلت : خربت المزروعات واقتحمت القرى ومارست القوات الإسرائيليه مختلف أشكال التعذيب والقمع والإظطهاد . وشهدت طفلت العاشره هلع دويهم وأقاربها حيال عنف وغطرست الغزات . وكان لقاء الطفوله بالطلم .. ولقاء الطفوله بالموت ونظرت سناء حولها لترى أن كل شيء قد قلب رأسا على غقب .. وأن الأرض التي ولدت وترعرعت فيها قد تحولت إلى ربيع تلقى عفابا فظيعا . وكما هو معروف , أن عدم الإنصياح والإمتثال لقانون المحتل معناه الرحيل أو الهجره . واتجهت عائلة سناء إلى الشمال باتجاه بيروت العاصمه . وقد بدت , في المهله الأولى , خارج دائرة الأذى والإصابه . فهل لنا أن نتصور التمزق الذي يعاني منه طفل إنتزعت أرضه ... تلك الأرض التي كان يلعب فوقها .. طفل يبحث عن لعبه بين الأنقاض والجثث . ويبدو أن هذه الطفله التي شاهدت هذه الجرائم وهذه الأعمال قد تسربت إلى رأسها الفكره التاليه : لا بد أن يكون هناك مخرج ذات يوم ويدوم الإحتلال الأول ثلاثة أشهر ,. وتعود عائلة سناء محيدلي إلى القريه غداة رحيل الإسرائيليين. وتكاد سناء لا تتعرف على قريتها . خراب ودمار في كل مكان ... أين أشجار البرتقال والزيتون والكرمه ؟ غابت كلها واحترقت بفعل القنابل . إنها قنابل النابالم . ويعود الفلاح المتشبث بأرضه إلى العمل وإلى إعادت البناء ويضع الحجر فوق الحجر من جديد ... وتحرث الأرض من جديد . ويعود الأمل ليظهر بدوره من جديد ... وتظهر, في الربيع القادم , الأغصان والخضره لتزيل آثار قنابل النابالم . فشجرة الزيتون لتثمر من جديد تحتاج إلى سنوات وسنوات ؟ وهل إكتفت إسرائيل بذالك . كلا ... فقد حرمت الأطفال من طفولتهم ومارست ضغوطها المستمره على الحدود مما حال دون النسيان . إذ تنفجر قنبله , بين وقت وآخر , في الحقول . وتكاد جولات الطائرات الإسرائيليه لا تنقطع . في تلقي بقنابلها فوق المدن والقرى على حين غره . أما سناء فقد رأت أن الحيات لن تعود إلى سابق عهدها . وبتاريخ 6 حزيران 1982 بدىء الإجتياح الإسرائيلي للبنان من جديد . وبتصميم أكبر هذه المره . وعاودت الهجره مسيرتها من جديد . وغدت بيروت ملجىء للهاربين من كافة أرجاء البلاد على أمل أن يجدو فيها الخلاص . وتعرضت العاصمه لمصير المدن المحاصره وألقيت فوقها قنابل النابالم والقنابل الإنشطاريه . وأصبح عمر سناء 14 عاما ودخلت مرحلت الشباب . وكما هو الحال بالنسبه لطفولتها لم تشهد سناء إلا الحرب والخراب والدمار . وترسم الدبابات والطائرات رقصت الموت حول مدينه هي عاصمه دوله ذات سيادة وتنتشر الجثث, في مختلف أرجاء بيروت , بين الأنقاض والدمار . تمكن البعض من التأقلم وسط هذا المناخ ... في حين عجز البعض الآخر عن إحتمال هذا الوضع . ومن بين هؤلاء سناء التي إستيقظت على العصيان . إنه الشباب المتقد المفعم بالحيويه والنشاط . وحاولت سناء خلال عامها الأول في هذه المدينه أن تعاود المدرسه . ويبدو ذالك وهما بالنسبه لها إذ كيف تتعلم تصريف الأفعال في زمن المستقبل ... في وقت تبدو فيه بيروت بلا مستقبل . وما فائدة معلومات سريعه يتم إبتلاعها في هذا المناخ ؟ من الأفضل التوجه إلى الهدف مباشرة , والأهم , بالنسبه لسناء , يكمن في كلمة وطن وهي تعني الأمل الكبير . وهذه الكلمه تكاد تفقد معناها في بلد مثل لبنان يعاني من التمزق والتفتت . واختفت سناء في آذار الماضي , وقد أخفت سرها عن العائله حتى النهايه . حملت سرها فوق كتفيها . وضحت بشبابها وحياتها حبا بوطنها . وقد وجهت لهم رساله قبل وفاتها تقول فيها : (( إفرحو بإستشهادي كما لو كان ذالك اليوم هو يوم زفافي )) . ونستطيع القول أن سناء بإختيارها هذا أرادت أن تحدث التغيير في الحياة ... في حياة إخوتها وأهلها وكل اللبنانيين . ولم تمت سناء من اليئس بل من الأمل وأثبتت أن الإنسان عباره عن كائن قادر على التضحيه بنفسه وعلى العطاء المستمر