صواريخ ، نظافة ، قلبي عارياً

-- صواريخ --

نحبّ النساء بقدر ما يزيدُ اختلافهنُّ عنّا .

فكرةُ كامبل ( الإنسان المتعوّد على العمل قادر على القيام بأيّ مهمّة
يحدّدها لنفسه ، فبالنسبةِ إليه ، الدافعُ المحرّك هو الضرورة و ليس الإلهام
)

و لكن ماذا لو كُنّا غير مُبالين بأن نكسبَ أو نخسر ؟

.. بتعبير آخر ، هل تستطيعُ الهلْوسةُ إن لم تصرخ هذه الكلمات أن تزحفَ
على نتائج العقل المَحْض ؟

يبدو الشيء جامداً مالم يشُبهُ قليل من التشويه .
لذلك فإن عدم الانتظام ، أيْ اللامتوقّع و المفاجئ و المُدهش ، هو جزء من
علامات الجمال الجوهريّة و علاماته المميّزه .

العاطفةُ تنسب الى نفسها كل شيء .

تناغُم الطبع والمَلَكات .
المحافظة على كلّ المَلَكات .
شعائر سحريّة ، طقوس استحضاريّة .

أخذ يبكي متأثّراً بمرأى تلك المفاتن الشبيهة بالذكريات ، راقّاً لفكرة
ماضٍ كم أثخنته الأخطاء و الخصومات و الأشياء التي طالما أخفاها أحدهما عن
الآخر . أخذ يبكي ، وفي العتمة سالت دموعه الحارّة على الكتف العارية ، كتف
عشيقنه العزيزة الشهيّة . فارتجفت . أحسّت هي أيضاً بالحنان والتأثّر . كانت
العُتمة تُطمئنُ خيلاءَها ودانديّتها كامرأة باردة . كائنان منهاران يعانيان
بقايا نبلٍ قديم ، و تلقائياً تعانقا ، واختلطت في سيل دموعهما و قبلاتهما
أحزان الماضي بآمال المستقبل غير المضمونة . و من الجائز الاعتقاد بأنّهما لم
يعرفا قط المتعة كما عرفاها ليلة الكآبة و الشفقة ، تلك .

ثمّة لحظات من الوجود يكون فيها الزمن والامتداد أشدُّ عمقاً ، ويكون فيها
الإحساس بالوجود أقوى بكثير .

مظهرُ القرف مظهرُ السيطرة .
مظهرُ الناظر الى داخله ، لا مبالاة وخبثٌ في الوقت نفسه .

تمرّ الرّوح بحالات تكاد تكون فوق طبيعيّة ، يتجلّى أثناءها عمقُ الحياة
بأكمله في أي مشهدٍ يتاح للعين ،مهما كان عاديّاً .
يتحوّل هذا المشهدُ الى رمز .

تطهيرُ الذات و معاداة البشريّة .
يوم أصلُ الى إثارةِ التقزّز والرّعب الكونيّين ، أكونث قد فُزتُ بالعزلة .

لا تحتقروا حساسيّة أحد . حساسيّة كلٍّ منّا عبقريته .

العلامةُ الخالدة . الأسلوب الخالد و العالميّ . شاتوبريان ، ألفونس راب ،
إدغار ألان بو .

الفكرةُ الشعريّة التي تنبثقُ من نشاط الحركة في الخطوط ذاك ، تتمثّل في
افتراض كائن شاسع ، هائل ، معقّد ، لكنّة متناغم ، حيوان مُفعم بالعبقريّة
يعاني ويصدح بكل آهات البشريّة وطموحاتها .

سينتهي هذا العالم . و السبب الوحيد الذي قد يجعله يستمرّ هو أنّه موجود .
وكم هو سببٌ ضعيف بالمقارنة مع كلّ تلك الأسباب التي تبشّر بالعكس . ونعني
تحديداً السؤال التالي : هل بقي للعالم دورٌ تحت السماء ؟ إذْ حتى لو افترضنا
انّه سيستمرّ في الوجود ماديّاً ، فهلْ سيكون وجوده جديراً بهذ التسمية و
بالمعجم التاريخي ؟
.. إنّما سيضربُ بنا مَثَلٌ جديد ، سنكون الضحايا الجدد لقوانين الأخلاق
الصارمة ، و سنهلكُ من حيث ظنّنا أنّنا نعيش
.. لكنّ الخراب الكوني ، أو التقدّم الكوني (فلا أهميّة للتسميات ) ، لن
يتجلّى عن طريق المؤسّسات السياسيّة تحديداً ، بقدر ما سيتجلّى عن طريق إخزاء
الرّوح .
أمّا ابنتك ، بعقلها الطفولي ، فستحلمُ من المهد بأنّها تبيعُ نفسها بمليون
.
أمّا أنا ، ومع إحساسي أحياناً بأنّي مثيرٌ للسخرية .. ، فعلى يقين بأنّي
لن أعثرَ على رحمة طبيب . بل سأمضي تائهاً في هذا العالم البشع ، مدفوعاً
بالمناكب في الزحام ، أرى نفسي مثل رجلٍ مُنهك ، ينظر الى الوراء ، في
الأعوام السحيقة ن فلا يرى غير خيبة ومرارة ، و ينظرُ الى الامام ، فلا يرى
غير عاصفةٍ لا جديد فيها ، لا درس و لا ألم . وفي الليل حين يكون هذا الرجلُ
قد سرقَ سويعات من المتعة ، وهجعَ يهضمها ، ناسياً الماضي قدر المستطاع ،
فرحاً بالحاضر ، مستسلماً الى المستقبل ، مُنتشياً بدمه البارد ودانديته ،
فخوراً بكونه أقلّ حقارةٍ من العابرين ، في ذلك الليل ، سيقولُ الرجلُ
متأمّلاً الدخانَ المتصاعد من سيجاره : وماذا يهمّني أنا ، إلى أين تمضي هذه
الضمائر ؟
أعتقدُ انّي انحرفتُ إلى ما يسمّيه أهل المهنة خروجاً على الموضوع . لكنّي
سأحافظُ على هذهِ الصفحات ، لأنّي أريدُ أن أؤرّخ لحزني ( غضبي ) .

-- نظافة --

.. كم خمنّت وكم أعطاني اللهُ من إشارة ، بأنّه قد آن الأوان للتحرّك ،
لاعتبار الدقيقة الراهنة أهمّ الدقائق ، ولاتخاذ نشوتي الدائمة من عذابي
اليوميّ ، أعني العمل !
نحن مسحوقون في كلّ دقيقة بفكرة الزمن والإحساس به . و لا توجد إلاّ وسيلتان
للنجاة من هذا الكابوس ، لنسيانه : المتعة والعمل . المتعة تستهلكنتا .
العملُ يقوّينا . لِنَخْتَرْ .
كلّما استخدمنا إحدى هاتين الوسيلتين ، ازدادَ قرفُنا من الأخرى .
نحنُ لا نستطيع نسيان الزمن إلاّ بنسيانه .
لاشيءَ يتمّ ، إلاّ شيئا ً فشيئا .

.. و أقسُمُ على أن أعملَ طيلة اليوم ، أو على الأقلّ طالما ظلّت لديّ قوة
تسمحُ بذلك ، وأن أعوّل على الله أي على العدالةِ نفسها ، في كلّ ما يخصّ
نجاح أعمالي . و أن أتوجّه كلّ مساء بصلاةٍ جديدة ، راجياً من الله أن يمتّع
أمّي ويمتّعني بالصحّة و طول العمر ، كما أقسمُ أن أوزّع كل ما أكسب على أربع
حصص ، - حصّة للمصروف اليومي ، و أخرى للدائنين ، و الثالثة للأصدقاء ، و
الرابعة لأمّي - و ان أتّبع أشدّ تعاليم القناعة صرامة ، و أوّلها إلغاء جميع
أنواع المهيّجات مهما كانت ..

-- قلبي عارياً --

المرأةُ نقيض الداندي.

ماذا كانت طبيعة تلك النشوة ؟
رغبةٌ في الانتقام . متعةُ تدمير طبيعية .

أن أكونَ إنساناً نافعاً ، بدا لي دائماً أمراً في منتهى البشاعة .
لم تكُن سنة 1848 فاتنة إلاّ لفرط ما كانت مثيرةٌ للإستهزاء .

أينَ أصدقاءنا الموتى ؟
لماذا نحنُ هنا ؟
هل نحنُ قادمونَ من مكانٍ ما ؟
ما هيَ الحريّة ؟
هل بإمكانها التناعم مع القضاء والقدر ؟
عدد الأرواح ، هل هو محدود أم لا محدود ؟
وعدد الأراضي الصالحة لسكنى البشر ؟
الخ ..
الخ ..

ما هوَ الداندي ؟

الرغبةُ في مغادرةِ الذات !

للفراغ جانب كبير من الفضل في نضجي .
كان ذلكَ على حسابي . لأنّ الفراغ بدون ثروة يفاقم الديون و الإهانات الناتجة
عن الديون .
لكنّه كانَ لفائدتي ، من جهةِ رهافةِ الحسّ والتأمّل والإحساس بالدانديّة و
الولع بالفنون .

عن الرغبةِ في البغاء داخل قلب الإنسان ، ينشأ مقته للوحدة . إنّه يريدُ أن
يكونَ إثنين ، بينما يريد العبقري أن يكون وحيداً . المجدُ هو أن تظلّ واحداً
و تتعهّر بطريقة متميّزة .
هذه الحاجة الى نسيان الذات في جسد خارجيّ ، هذا الضيقُ بالوحدة ، هو ما
يسمّيه الإنسان بشهامة : الحاجةُ الى الحبّ .

تمجيد التسكّع ..

نسيتُ اسم تلكَ الساقطة .. آه، أوف ن سأتذكّره يوم القيامة .

التجارة ذات ما هيّة شيطانيّة .
إن فكر أي تاجر هو فكر فاسدٌ تماماً .
التاجرُ كائنٌ شيطاني ، لأنّه شكل من أشكال الأنانيّة ، و أكثرها دناءةً و
خِسّة .

تحملُ كل فكرةٍ في ذاتها حياةًَ خالدة ، كما لو أنّها إنسان .

باتَ من المستحيل تصفّح أي جريدة لأيّ يوم في أي شهر من أيّ عام ، دون
العثور في كلّ سطر على علامات الفساد البشري الأكثرُ ترويعاً ، حنبا الى جنب
مع التباهي الأكثرُ إدهاشاً بالاستقامة والطيبة والرحمة ، إضافةً الى
الادعاءات الأكثر وقاحة بالتقدّم والتحضّر .

في مثالب المطبعة ، باعتبارها عائقاً كبيراً أمام تطوّر الجمال .

-- هوامش قلبي عارياً --

.. إنّه كتابٌ كبير أحلم في تأليفه منذ سنتين ، سأضمّنه كل أحقادي ،..
أريد أن أوصلَ الإحساس بأنّي أشعر دائماً بالغربة عن هذا العالم ونواميسه ،
و سأوجّه ضد فرنسا برمّتها ، طاقتي الحقيقيّة على الوقاحة . بي حاجة الى
الانتقام كحاجةِ الرجل المُنهك الى حمّام ..

مُقتطفات - اليوميّات شارل بودلير