زياد الرحباني.. و شيء عفن بالدنمارك !!

إعلان رقم واحد !

صوت الشعب : جاءنا ما يلي من الرفيق المواطن زياد عاصي الرحباني : بما أن معظم العباد أصبحوا يسمحون لأنفسهم بأن يصرحوا بأشياء لا يعرفون حجمها ولا تأثيرها علي العباد -الذين لا يصرحون!- فانتظروا منا بياناً هاماً! ابقوا معنا... فلم يبق معنا أحد !!

-انتهي-

كان هذا هو نص الإعلان رقم واحد الذي دأبت إذاعة صوت الشعب اللبنانية علي بثه تبشيراً بعودة زياد الرحباني إلي هوايته القديمة في المشاكسة السياسية من خلال البرامج الإذاعية.

فعلي مدار شهر مارس عاود اللبنانيون الالتفاف حول أجهزة الراديو للاستماع لبرنامج زياد الرحباني الإذاعي الجديد، في مشهد ذكر الجميع بأيام الحرب و التفافهم في السبعينيات و الثمانينيات حول نفس أجهزة الراديو للاستماع إلي نفس الشخص، الذي لايزال مضطراً إلي أن يتحدث عن نفس الموضوعات التي لا تحل ابداً!

ربما لا يعلم الكثيرون أن زياد الرحباني -المولود في اليوم الأول من عام 1956- لم يكن سبب شهرته الوحيد كونه ابن العملاقين فيروز و عاصي الرحباني، أو كونه أول من وزع موسيقي الدبكة علي طريقة الجاز وجعلها أشبه بالموسيقي الكلاسيكية! فقد كانت مسرحياته و برامجه الإذاعية اللاذعة -سياسياً- سبباً أساسياً في انتشاره بين الجمهور اللبناني خاصة.

كان أو ما تذكرته وأنا أستمع لبيانات زياد الأخيرة علي الإنترنت ،هو صيحة هاملت - الباقية حتي الآن- هناك شيء عفن بالدنمارك ! . صراحةً كل ما بزياد أصبح فجأة يذكرني بهاملت !

فزياد -بلا شك- يملك رؤية سياسية نافذة و أسلوب ساخر، إضافة إلي موهبة شعرية من الطراز الأول. كما أنه -وهو الأهم- عبقرية موسيقية بكل ما تحمل الكلمة من معان إذا ما استمعت للحن علي العود مع خلفية من آلات النفخ النحاسية و تقاسيم علي الفلوت، فاعلم أنه هو! . أعماله تحمل نفس روح الحداثة التي تحملها أعمال الرحبانية الأوائل و سيد درويش، ولكني مع ذلك أري أنه أكبر موهبة مهدرة في الوطن العربي! تماماً كما أهدر هاملت حياته و حياة خمسة أخرين في سبيل الانتقام لوالده! . فالرجل عطائه مازال حتي هذه اللحظة -وإن تميز بشدة- لبنانياً محلياً، كما أنه قد دخل في العديد من المتاهات في حياته مما منعه من إحداث ذات التأثير الذي أحدثه الأخوين رحباني وفيروز، بالرغم من نشاطه الفني الممتد لما يقرب من ألاربعة عقود - أول دواوينه كان صديقي الله في عام 1968 (في عمر الثالثة عشرة!)-.

ربما كانت عقدة الأم عند زياد (و هي بالصدفة عند هاملت أيضاً!) قد أثرت عليه سلبأ. فهو ابن العظيمة فيروز -التي مازالت ترفض بعض أغانيه الخارجة عن المألوف حتي الآن-. أو ربما هي ظروف الحرب اللبنانية، خاصةً مع قراره بالبقاء في بيروت طوال فترة الحرب، الأمرالذي كلفه الكثير وأثر بشدة علي انتشاره عربياً و عالمياً. ولكن الملاحظ -و المفرح فعلاُ- هو رغبة زياد في أن يعود الآن ويواصل من جديد!

فمع مجموعة جديدة من الأغاني يقوم بأعدادها حالياً، ومسرحية جديدة -يقال أن الرقابة اللبنانية قد رفضتها!- ها هوذا يعود مرة أخري يصرخ عبر الإذاعة كما صرخ هاملت، ولكن علي طريقته ! ففي هذه المرة هناك شيء عفن، ولكن في -أهالي- الدنمارك!

فإذا كان زياد مازال مضطراً لأن يناقش ذات القضايا التي كان يناقشها منذ ثلاثين عاماً ،بفضل ذاكرتنا المتأكلة التي لاتسمح للبنانيين أن يتذكروا تاريخ أبطال مسرحه السياسي الآن -كما لاتسمح لنا في مصر أن نتذكر الكثير أيضاً! - فأعتقد أنه من الواضح أين تقع المشكلة !
زياد المعروف بميوله اليسارية -والتي تجلت في ألبومه الرائع أنا مش كافر - عاد ليفتح النار فعلياً علي الجميع، يساريين، يمينيين، حكوميين، نواب، و ضباط مخابرات !

حتي حين قرر أن يوجه تحية -ساخرة- لأحد، اختار أن يوجه التحية فقط للجنرال عون والسيد حسن نصر الله .
لماذا؟ لأنه ببساطة بنصر الله و عونه ، سيكون النصر لنا !

هذه الروح من فنان قرر أنه يجب أن يعود -الآن- ليصرخ في وجه من يراهم علي خطأ هي أول ما نحتاج (وهنا أرجو ألا يعتبر البعض أن ما يقوله زياد -والحديث عنه- شأنااً لبنانياً ليس لنا به صلة! فلوضع واحد والفارق الوحيد هو أن في لبنان الآن من يصرخ في الوجوه، أما نحن فمازلنا في الانتظار!)

في النهاية، اسمحوا لي أن أستعير اسم مسرحية زياد الشهيرة، لأسأل أهل -وفنانو- دنماركنا عما هم فاعلون الآن قائلاً : بالنسبة لبكرة ... شو؟!!!

ختام
- بيقولولك من عرق جبينو / طلع مصاري هالإنسان
طيب كيف هيدا وكيف ملايينو / ولا مرة شايفينه عرقان!
مش صحيح...! / مش صحيح...!
مش صحيح الهوي غلاب ؟؟!!!
من أغنية شو هالإيام لزياد الرحباني (1985)

-الكرامة.
عمرو ماجد