سوريا وحطام المراكب المتعثرة(5)

عفلق رفض تدخل نقيب الاشراف ضد من كفّروه وبدأ يشك بالانتخابات البرلمانية مفضلا عليها الانقلابات
اكرم الحوراني كان ضد الوحدة مع العراق والبيطار له شخصية الرجل الثاني.. اي رجل التنظيم
صقر ابو فخر
في خضم الاضطراب العميم الذي شهدته سورية، ولا سيما بعد استقلالها في سنة 1943، كان نبيل الشويري شاهداً علي بعض جوانب هذا الاضطراب. فهو، منذ يفاعته الأولي، عرف ميشال عفلق كسـاحر وقديس معاً. وتدرج في مدارج السياسة وفي معارج الفكر السياسي علي يديه، وتفتح وعيه علي القومية العربية شبه العلمانية التي صاغها عفلق، ثم تمرد عليه وأسقط هالة القداسة عنه، وانحاز إلي أكرم الحوراني، ثم لم يلبث أن انخرط في التآمر السياسي والانقلابات العسكرية مع سليم حاطوم وبدر جمعة، وحُكم بالإعدام. وقادته مصائره اللاحقة في المنفي البيروتي، والباريسي، إلي إدارة الظهر للسياسة كلها، ثم راح، بهدوء، يعيد النظر في تجربته الشخصية، وأسلم عقله لحقبة من التفكير النقدي الهاديء. ولعل نبيل الشويري كان شبه مرآة عكست البعث نفسه وتجربته العاتية في الاضطراب السياسي والبلبلة الفكرية والتآمر وانقلاب الأحوال والأخطاء القاتلة، فضلاً عن النزوع الرومانسي إلي صوغ مشروع مستقبلي لدولة قوية موهومة.
لم يكن لنبيل الشويري أي شأن مباشر في سلطة البعث التي انبثقت في 8 آذار 1963، ولم يشارك في صنع الأحداث العاصفة التي شهدتها سورية منذ ذلك التاريخ فصاعداً، ولم يكن له أي دور في المصائر التي انتهي إليها البعث بشظاياه الكثيرة، إنما كان شاهداً راصداً لتجربة البعث في سورية، وكان، إلي ذلك، مناضلاً في ذلك الحزب إبان صعوده، ثم راقب بحسرة انحداره وتطايره في جميع الاتجاهات. وهذا الحوار هو خلاصة هذه التجربة. ومهما يكن الأمر، فإن أهمية هذا الحـوار لا تكمن في أنه يؤرخ لحقبة من التاريخ المعاصر لسورية، بل في محاولة إعادة قراءة الأحداث في ضوء التجربة الشخصية.

رسالة عفلق

ماذا تركت هذه الرسالة من آثار علي ميشيل عفلق كشخص؟
ما كان يوجد في الحزب من هو أقدر منه علي الكلام وعلي اختراع الصيغ اللفظية وعلي الصبر والاستماع إلي الآخرين وتناول الأمور ببال طويل. ومن خصال ميشيل عفلق أن صدره واسع ولا يغضب إلاّ عندما يوقن أن غضبه سيؤدي إلي نتيجة. فهو يمارس انضباطا شديدا علي نفسه وعلي لسانه، والجملة لا تصدر منه إلاّ جاهزة للكتابة والنشر، لذلك كان بطيئا في أحاديثه. وبهذه الصفات تمكن من التملص من آثار هذه الرسالة. وبطبيعة الحال لم يكن أحد من البعثيين يريد إنهاء زعامته في الحزب لأن لا أحد يرضي بزعامة جلال السيد أو زعامة صلاح البيطار. والمعروف أنه عندما يكون جلال السيد وصلاح البيطار في مجلس واحد سيكون الزعيم جلال السيد، لأن صلاح البيطار يمتلك شخصية الرجل الثاني.
الرجل التنفيذي؟
إنه رجل تنظيمي. هكذا هو في الأصل. لكنه تعب علي نفسه وصار لامعا في وزارة الخارجية. غير أن شخصيته ليست شخصية زعيم.
هل كان لدي عفلق كاريزما مثل عبد الناصر؟
لا إطلاقا. الكاريزما لديه لم تكن شعبية، بل كاريزما محصورة بالنخبة التي تلازمه، أي خاصته.
متي ظهر الاتجاه اليساري في الحزب؟
ظهر الاتجاه اليساري منذ المؤتمر التأسيسي، وكانت نقطة الخلاف هي الاشتراكية.
كتلة وهيب الغانم هي التي أصرت علي الاشتراكية؟
منذ المؤتمر التأسيسي اتضح أن هناك يمينا ويسارا داخل الحزب. وكان رأس اليمين جلال السيد، ورأس اليسار وهيب الغانم وعبد البر عيون السود الذي كتب معظم مواد الدستور. ميشيل عفلق مال إلي اليسار فهو أقرب إليهم في الأساس.
كان عفلق في بداياته في باريس اشتراكي النزعة.
في بداياته عندما عاد من باريس راح يكتب في مجلة الطليعة مع الشيوعيين، لذلك اتّهم بأنه شيوعي، وهو لم ينتسب إلي الحزب الشيوعي مطلقا. في أي حال، فإن هذا الاتجاه اليساري كان الدينامية الحقيقية للحزب وخاصة في اللاذقية وسورية الوسطي أي في حمص وحماة، وكذلك من خلال بعض أعضاء الحزب في دير الزور ممن لا يناصرون جلال السيد، وبعض المناضلين في دمشق أمثال جلال فاروق الشريف وغيره. هؤلاء لو خيّروا في ذلك الوقت بين جلال السيد أو صلاح البيطار أو ميشيل عفلق فستكون الغلبة، بالطبع، لميشيل عفلق علي الرغم من تلك الرسالة. لذلك مُسِحت الرسالة من الذاكرة الحزبية كأنها لم تكن. جلال فاروق الشريف كتب عن تلك الفترة لكنه لم ينشر ما كتب، حتي ابنه من بعده لم ينشر ما كتب والده. والنسخة التي ذهبت إلي أرشيف الحزب ما برح جورج صدّقني يتستر عليها. المؤتمر الذي عقد في اللاذقية بعد نهاية الانتخابات كان شديد الأهمية، وفيه ظهرت التيارات والأفكار واضحة. صلاح البيطار اعتقد، وأعلن رأيه بصراحة، أن سورية بدأت تشهد مرحلة جديدة، وأن الفئة الحاكمة القديمة، أي الكتلة الوطنية، سقطت وانتهت وسقطت معها الزعامات التقليدية، وعلي البعثيين تنظيم أنفسهم من جديد من أجل خوض الانتخابات بجدية. وبدأ البيطار يتحدث عن تطوير الحزب إلي حزب ليبرالي تقدمي إصلاحي، وكان جلال السيد إلي جانب هذا الرأي. أما قواعد الحزب فلم تكن تميل إلي هذا الكلام بل تريد انقلابا جذريا في سورية. وميشيل عفلق بسقوطه في الانتخابات لم يرضَ أن يترشح مرة ثانية، وأصيب بالخيبة من السلطات والمؤسسات الدستورية، ومال إلي مفاهيم الانقلاب والتغيير الجذري، لأن انتخابات سنة 1949 تحولت إلي حملة دينية عليه. وشن الشيوخ حملة قاسية علي عفلق وكفروه، وتقبل الناس هذه الحملة لأنه مسيحي ولأن اسمه ميشيل. وفي انتخابات 1949 جاء سعيد حمزة نقيب الأشراف في دمشق إلي والدي وقال له: تفضل لنذهب معاً إلي ميشيل عفلق، أو اذهب بنفسك وبلغه علي لساني أنني أنا نقيب الأشراف لا أوافق هؤلاء المشايخ علي حملتهم ضده، وأنني علي استعداد لجمع بعض المشايخ ذوي الاحترام في البلد وأوقع بيانا ضد المشايخ الرجعيين، وأعلن فيه تأييدي لميشيل عفلق. وذهب أبي إلي ميشيل عفلق وحاول إقناعه بهذا الاقتراح إلا أن عفلق رفض. لماذا؟ لأنه صار غير مقتنع بجدوي الانتخابات البرلمانية، واتخذ قرارا في هذا الشأن وهو أن الانقلابات هي الأجدي. وربما رصد موقع كل من جلال السيد وصلاح البيطار ووقف في الموقع المعاكس تماما. وجاء انعقاد المؤتمر في اللاذقية ليعزز هذا الموقف لأن النفوذ الحزبي هناك كان للكتلة الحزبية التي لم تقبل المساومات البرلمانية والعمل الديمقراطي التقليدي. وفي هذا المؤتمر هوجم جلال السيد بقوة، والأغلبية الساحقة من المؤتمرين اتخذوا قرارا بتفويض ميشيل عفلق بصلاحيات مطلقة، علي أن يشكل بنفسه القيادة الجديدة للحزب وأن يقوم بما يراه ملائما من إصلاحات في الحزب أيضا. يقول جلال فاروق الشريف في مخطوطة غير منشورة إن صلاح البيطار انكفأ ووضع يده علي رأسه وبدأ يبكي بكاء حقيقيا، وإن جلال السيد انتفض واقفا وخرج من المؤتمر وعيناه يتطاير منهما الشرر. ويضيف جلال فاروق الشريف: جئنا إلي الشام بهدف لملمة الحزب والشروع في عملية التنظيم الجديدة، وإذا بميشيل عفلق يختفي. ورحنا نتساءل: أين هو الأستاذ؟ كيف سنعمل وهو عميد الحزب والمفوض بإعادة تنظيمه. وبعد عدة أيام علمنا أنه صار في البرازيل.

في البرازيل

ما هو تفسيرك لهذه الواقعة؟
لا تفسير لدي، بل عندي معلومات في هذا الشأن.
تقصد قصة تلك المرأة المصرية؟ إذن ما تفصيلات هذا الموضوع مجدداً؟
في أثناء توليه وزارة المعارف وقعت حادثة خاصة جدا. فزوجة أحد حوارييه وأقرب الناس إليه، كانت امرأة لعوبا ومعروفة بخفة دمها؛ فهي مصرية، وكانت تمتلك موهبة التغرير بالأشخاص. وقد حام حولها العديد من الشبان قبل زواجها من ذلك الرجل، وطالما اعتقد كل واحد من الذين حاموا حولها أنها تحبه وحده. وقد سمعت أن عفلق استخدم هيبته، في ما بعد، كعميد لحزب البعث كي يتمكن من لقائها بحرية. هل أغوته؟ هل أحبته فعلا؟ هل أحبها وهو كان عازبا وفي ذروة شبابه؟ لا أدري تماماً. شقيق زوجها اكتشف العلاقة بين عفلق وزوجة أخيه. وكان من نتيجة ذلك أن الزوج طلب أن يهجر عفلق البلد علي الطريقة العشائرية، أي أن يجلي عن الديار، وحصل الطلاق بالطبع.
هل عادت إلي مصر؟
عادت بعد فترة. أما الرجل فتزوج غيرها، وتزوجت هي أيضا. وهذه الحادثة يعرفها العشرات من البعثيين الأساسيين، لكنها بقيت مكتومة.
لم يذكر هذه الحادثة حتي معارضي ميشيل عفلق. لماذا؟
جلال فاروق الشريف في أوراقه عندما يصل إلي هذه النقطة، يقول: اختفي ميشيل عفلق . عبد البر عيون السود قال لي عندما حدثني عن هذه الواقعة: أرأيت كم كنا أخلاقيين؟ لم نحاول البتة استغلال القضايا الشخصية في صراعاتنا الحزبية. وأنا هنا أشهد للتاريخ.
هل هناك شبهة أمنية علي هذه المرأة كأن تكون مدسوسة علي ميشيل عفلق من جهة ما؟
كلا، كلا. لم يذكر أحد شيئا من هذا القبيل. فقط مجرد علاقة مع امرأة لعوب ومثيرة ومثقفة وذكية.
إذن جمعت المجد من أطرافه كلها.
وهذا هو السبب الأساسي لذهابه إلي البرازيل.
كم دامت فترة غيابه؟
عدة أشهر. وأقام حينذاك عند خاله شكري زيدان، ثم عاد بعد هدوء العاصفة. وكان الزوج قد تجاوز هذا الأمر نفسيا وتصالح مع عفلق.
ألم تترك هذه الحادثة ندوبا في علاقتهما الحزبية؟
لعل الزوج وجـد أن زوجته هي المسـؤولة، وأنها هي التي كانت تعبث بميشيل عفلق. وماتت القصة بعد ذلك. الغريب أن ميشـيل عفلق الذي ارتكب بين آب (اغسطس) 1949 وخريف 1950 سقطتين: أرسل تلك الرسالة المخجلة لحسني الزعيم، وأقام علاقة غير لائقة بامرأة لعوب، عاد بعد غياب ثلاثة أشهر في البرازيل مبجلا وفرض احترامه ليس علي الشباب الذين عرفوا هذه القضية، بل علي جلال السيد وصلاح البيطار أيضا.
ما تفسيرك لهذا الأمر إذن؟
لا أدري. هذا أمر يتطلب بحثاً سوسيولوجياً لست مؤهلاً له، إنما أحكي وقائع للتاريخ. وأذكر أن رفيقنا نايف جربوع ـ وقد كان من محازبي عفلق الأساسيين في ذلك الزمن ـ كان يقول: الذي يسبقه ميشيل عفلق ليس بمسبوق، وهذا هو سر أولية عفلق في الحزب.

التمرد علي عفلق

حسناً. أنت تمردت علي ميشيل عفلق بعدما كان لديك في منزلة القديس. هل تعـــتقد أن تمردك عليه هو تمرد علي صورة الأب؟
صياغة هذا السؤال تثيرني، بل تستفزني قليلاً وتحرض ذاكرتي كثيراً. فاسمح لي أن أحكي بعض التفصيلات التي تجيب عن سؤالك والتي ربما لا تخلو من فائدة.
أولاً: نعم كان في نظرنا بمنزلة القديس وكنا نحبه كثيراً، وما زلت إلي الآن لا أكرهه ولا أدينه، وأساساً لست في معرض إطلاق الأحكام عليه ولا أنا مؤهل لذلك، إنّما أتذكر وقائع ومواقف وحوادث تلقي بعض الضوء علي تلك المرحلة.
ثانياً: أنا لم أتمرد عليه، لكن بصراحة ووضوح كنت مثل غيري من الحزبيين المناضلين نكبر بالعمر، وتعركنا التجارب ونخرج إلي الحياة بعد سنوات الدراسة، فنتجاوز بالبداهة الطفولة والمراهقة في النظر إلي الناس والأشياء. قلت، إنني لم أتمرد عليه لكنني اكتشفت النواقص الأساسية في شخصيته كزعيم أو قائد أو عميد أو أمين عام لحزب. إن عفلق كشخص أول أو مرجع أول لحزب سياسي نهضوي المفروض فيه أن يصبح زعيماً شعبياً. وسأروي لك مجدداً حادثة وردت في مذكرات أكرم الحوراني الذي يقول انه غضب وأثار الموضوع بشيء من العنف في وجه ميشيل عفلق داخل القيادة، وهي حادثة وضع كنبة مميزة له وعن يمينه ويساره كرسيان عاديان للحوراني وصلاح البيطار. لم أذكر لك ما قاله لي ميشيل عفلق، وكنا يومها ندعوه الأستاذ. الآن سأروي لك تفصيلات الحادثة: أنا لم أكن أعرف ماذا جري من احتجاج أكرم الحوراني علي الموضوع، وعندما طلب ميشيل عفلق مني أن أتمشي معه، وأذكر أنني سرت معه من عرنوس حيث مكتب الحزب إلي قرب مقهي الهافانا، وهذه مسافة تحتاج بحسب مشيته وهو يتكلم، أكثر من ربع ساعة، صدقني أنني علي الرغم من الشرح الذي شرحه (وكان يعظني كيف يجب أن أتصرف في مثل هذه الحال) لم أفهم لا في حينها ولا الآن ماذا يريد بالضبط، ولا أستطيع أن أذكر ماذا قال لي، ليس الآن وإنما منذ ذلك اليوم، لأن كلامه كان من نوع (بدّي وما بدّي) أو علي طريقة (يعلم الله، المسألة علي ثلاث طوق) وهذه تقال لدي العقّال من بني معروف من أهل الشوف الذين يستعملونها للخروج من دائرة الإحراج. ما أذكره أنّه ترك في نفسي شعوراً بالخيبة، وكنت في سنة التخرج في الجامعة، ومسؤولاً عن شعبة الحزب فيها بعد أن تخرّج نور الدين الأتاسي الذي كان قبلي في رئاسة الشعبة. ولأذكر لك ما قاله لي أخي بعد سنوات في معرض الحديث عن ابتعاد جميع مريدي ميشيل عفلق عنه. كان أخي أقرب الناس إليه (خصوصاً علي الصعيد الشخصي)، وكانت مراسلات الحزب خارج سورية (بعد أن انحلّ في سورية) تأتي إلي صندوق بريد والدي وكان رقمه علي ما أذكر 371 ومفتاحه مع أخي لينقل البريد إلي ميشيل عفلق بصفة كونه أميناً عاماً للحزب خارج سورية. كان أخي يساعده في هذا الأمر بعملٍ أشبه بعمل السكرتاريا، وكان يغتاظ كثيراً من كسله وإهماله، ولم يكن يستسيغ رؤية الرسالة مهملة لدي عفلق من دون جواب وأحياناً من دون قراءتها. ويبدو أن احتكاكاً جري بينهما فانفجر أخي بوجهه ولكن بكل تهذيب ومودة قائلاً له: يا أستاذ مين ظل معك من أقرب الناس إليك وأهم الناس في الحزب؟ . وعدّد له أكثر من عشرة أسماء. قال لي أخي إن الحزن بان علي محياه وكان جوابه: هلأ أنت بدك تحكم عليّ، اترك التاريخ يحكم . ذكرت لك هذه الحادثة لأقول إنّ موقفي من عفلق كان هو القاعدة في الحزب ولم يكن الاستثناء.
ثالثاً: تحدثنا عن الصلة العائلية بيننا وبين عائلة عفلق، وأنّ أبي كان مرجعهم في حل مشاكلهم وخلافاتهم العائلية. وأذكر حتي بعد أن أصبحت طالباً في الجامعة أنني طالما كنت أري أفراداً من عائلة عفلق في بيتنا وهم يختلون بأبي، وأحياناً يودع بعضهم ليستقبل بعضهم الآخر، بما فيهم الأستاذ ميشيل طبعاً. ويا ليتك كنت تعرف أبي. كان أباً لي ولأخوتي وللعائلة وللأقربين بالنسب وبالسكن، وكان أباً لصديقات أخواتي ولأصدقاء أخي وأصدقائي، وعمّر حتي مات وأنا في الخمسين. وما زلت أذكر كلمات الصديق منح دبغي في تعزيته لنا عندما قال عنه: طراز فريد لجيل لا يعوض في الشرف والبذل والنزاهة والكرامة. صورة الأب عندي لا تحتاج إلي تمرد من قريب أو بعيد، لذلك أستطيع أن أؤكد لك أنني إنسان سوي من هذا الوجه علي الأقل. ولقد انقطعت صلتي بميشيل عفلق نهائياً بعد خروج علي صالح السعدي من الحزب، ولم أره بعدها قطّ، ولا أعرف زوجته ولا أولاده إنما سمعت ممن ظل من أصدقائي علي صلة به انه بلا شك زوج صالح وأب حنون. وسمعت مرةً ابنته رزان في إحدي محطات التلفزيون تتكلم علي أبيها وكيف كان أباً رائعاً لها ولأخوتها، وصدقتها بالطبع، ليس لأن المثل يقول كلُّ فتاةٍ بأبيها معجبة بل لأن الحال تصدق كلامها، خصوصاً أنّه أصبح متفرغاً لأبنائه بعد أن حكم أحمد حسن البكر وصدام حسين العراق باسم البعث وتنازل عفلق لهما عن شرعيته الحزبية التي لم تكن قليلة الشأن في العراق أبداً. فالبعث في العراق وصل إلي الحكم مستنداً إلي ثلاث شرعيات شبه متساوية: العروبة في وجه الدعوات الأخري، وتقديس التنظيم بسبب ظروف الاضطهاد الراعبة، واسم ميشيل عفلق الذي أصبح شبه تابو . تنازل عفلق عن شرعيته لكنّه احتفظ بالشكل، أي بقي أميناً عاماً يخطب مرةً في السنة باسم الحزب في عيد الحزب. وهذه من براعات صدام حسين الذي عرف كيف يداوي ويطوّع شخصية ميشيل عفلق النرجسية عن طريق الإغداق عليه بكل ما تحتاجه نرجسيته مادياً ومعنوياً. حينذاك قال صدام في سنة 1969 إنّهُ رجل تعب كثيراً من أجل الحزب وإنه بلغ عمراً يحق له فيه أن يرتاح، ومن واجبنا أن نكون أوفيـاء له في ذلك، وإنه أعطانا كل ما عنده وإذا احتجنا منه رأياً أو قولاً مرةً في كل ستة أشهر يكن في ذلك خير وبركة. وأذكر جيداً تعقيب صلاح البيطار علي ذلك بالقول: لقد أحاله (صدام حسين) إلي التقاعد ، علماً أن جلال السيد روي لصلاح البيطار بحضوري، وكنا في زيارة له في بيروت وكان علي ما يبدو عائداً لتوه من زيارة ميشيل عفلق، ما يلي: أخذت أحرضه واستحثه علي معاودة النشاط والتحرك السياسي خصوصاً بعد أن صارت دولة العراق سنداً له (كان ذلك في عام 1970 أو 1971 علي ما أذكر)، فأخذ يشكو همومه العائلية ومسؤوليته في تربية أولاده بعد أن تجاوز الستين وأنه بعمر الجد لهم لا بعمر الأب. فكان جواب جلال السيد: هيك يا أستاذ بعد أن كنت رائداً للجيل العربي الجديد، اقتصرت علي أربعة...! . وأرجو أن يكون جوابي عن التمرد علي صورة الأب قد أصبح كافياً.

في مهب الرياح: سـعادة والبـعث والحوراني

ثمة حدث خطير وقع في تلك الفترة هو تسليم أنطون سعادة إلي السلطات اللبنانية. ما موقف البعثيين من تسليم سعادة؟ ألم تُثر هذه القصة جدلاً سياسياً وأخلاقياً داخل حزب البعث؟
معظم قادة حزب البعث كانوا في السجن في تلك الفترة.
جميع البعثيين في السجن؟
نعم. إما في السجن أو مختبئون.
إذن، لم يثر هذا الحادث أي اهتمام خاص وقتذاك؟
أنا لا أذكر أنني علمت به في حينه.
حسنا. بعد الخـــروج من السجن ألم يجرِ نقاش في هذا الموضوع؟
بعد الخروج من السجن كان الذي ضَرب ضَرب والذي هَرب هَرب. سعادة كان أُعدم وحسني الزعيم أُعدم حتي من غير أن يلبس بزته.
أعدم وهو في لباس النوم؟
سمحوا له بتدخين سيكارة قبيل إعدامه. وعلي الفور أُعدم ومعه محسن البرازي. صورة سعادة المظلوم ساهمت في فوز عصام المحايري في الانتخابات النيابية اللاحقة. وزع الحزب السوري القومي الاجتماعي صورة سعادة في مواجهة فرقة الإعدام وهو يقول لجلاديه: شكرا . الشام كلها في ذلك الوقت كانت تردد كلمة خطَي عن أنطون سعادة. وطالما تساءل الناس: كيف يسلمه حسني الزعيم وكيف يعدمونه بهذه السرعة؟ لهذا ربما انتخبوا عصام المحايري نائبا عن دمشق.
تعاطفوا مع الحزب بسبب إعدام زعيمه غدرا.
الناس أعطت أصواتها لعصام المحايري تعاطفا مع سعادة. والمحايري لم يكن ليستطيع الفوز بالمقعد النيابي في دمشق بسبب علمانيته وأفكاره في القومية السورية. عصام المحايري رجل محترم، وعائلته محترمة لكنها ليست من العائلات التقليدية المتزعمة ولا هو زعيم شعبي، ولم يكن الحزب السوري القومي الاجتماعي مقبولا في الشارع السوري.

عريضة ضد عفلق

نعود إلي حزب البعث. عاد عفلق من البرازيل واستعاد موقعه. ماذا حصل إبّان تلك الفترة؟
بعد عودة عفلق من البرازيل التأمت بعض الانقسامات التي ظهرت في الحزب. ومع ذلك قام بعض البعثيين بتوقيع عريضة ضد عفلق. لكنهم فُصلوا من الحزب ثم عادوا بعد ذلك.
من هم الذين وقعوا العريضة؟
أذكر من هؤلاء، مختار خياط وناظم قضماني وربما كان معهما تيسير النحاس.
ماذا كانت تتضمن تلك العريضة؟
نقداً لطريقة عفلق في إدارة الحزب أو شيئا من هذا القبيل، لا أذكر أني قرأتها.
مع انهيار حكم حسني الزعيم ومجيء سامي الحناوي ظهرت مجددا نغمة الاتحاد السوري ـ العراقي، هذه النغمة كانت مرفوضة من السعودية ومصر في تلك الفترة. ومعروفة أسباب الرفض، وهي أسباب استراتيجية؛ فالسعودية لا ترضي بأن يكون الشام والعراق موحدين، أي أن تقوم دولة كبري علي حدودها، وكذلك مصر.
حزب البعث، وهو حزب قومي عربي، لماذا تحفظ عن هذه الدعوة؟
حزب البعث هو في الأصل ثلاثة أحزاب، وفي أي منعطف تاريخي يصبح الرأي هو رأي الأشخاص. جلال السيد الذي نجح في انتخابات 1949، ومعه عبد العزيز حرويل ودحّام الدندل وكتلة من نواب العشائر، كان يؤيد الاتحاد علي رؤوس الأشهاد.
بينما كان ميشيل عفلق وصلاح البيطار مع الاتحاد عاطفيا، لكن كلامهما يحتمل أكثر من وجه. أما قواعد الحزب، ولا سيما اليساريين الذين لم يقبلوا ولا مرة زعامة جلال السيد، وهم الذين منحوا ميشيل عفلق صلاحيات مطلقة في الحزب، هؤلاء ومعهم بعض مسؤولي الفروع في حمص وحماة واللاذقية وحلب ودير الزور كانوا ضد الاتحاد مع العراق. كذلك أكرم الحوراني، ومعه أكثرية ضباط الجيش، كان ضد الاتحاد مع العراق وضد أي وحدة أخري لا يكون النظام فيها جمهورياً.
وفي هذه الفترة برزت أسماء كبيرة كان لها شأن في تاريخ حزب البعث مثل وهيب الغانم وعبد البر عيون السود وفيصل الركبي وجمال الأتاسي ونور الدين الأتاسي في جامعة دمشق. وكان صلاح البيطار يلتزم الصمت في مثل هذه الأجواء. أما ميشيل عفلق فكان أستاذا في صوغ المخارج السياسية بالجمل اللفظية التي لا يُمسكه فيها أحد. وإذا جد الجد، فأين تكون القوة الأساسية، أكان ذلك في الحزب أم في الجيش، يميل معها. وهنا أروي قصة كنت شاهدا عليها. كان ميشيل عفلق يتحدث في الفترة التي ترك فيها جلال السيد الحزب في مقهي الروضة بدمشق عام 1955، فقال إنه في إحدي الليالي كان جالسا إلي صلاح البيطار وجلال السيد الذي كان قادما لتوه من المجلس النيابي الذي كان شرع في مناقشة الدستور في عام 1950، وثار الجدال الصاخب علي موضوع الاتحاد مع العراق.
فاتفقنا علي أن تكون افتتاحية جريدة البعث في اليوم التالي عن الدستور علي أن أكتبها أنا أو صلاح البيطار، وعلي الكاتب أن يركز في هذه الافتتاحية علي النظام الجمهوري بالدرجة الأولي وعلي الوحدة. فتطوع جلال السيد قائلا: أنا أكتب الافتتاحية. ولما طالت السهرة والمطبعة في الانتظار قام جلال السيد، وكان سريع الكتابة، وأنجز الافتتاحية. وفي اليوم التالي صدرت جريدة البعث ولم تتضمن الافتتاحية أي كلمة عن النظام الجمهوري ولا حتي كلمة جمهورية . ويتابع عفلق كلامه بالقول: بقينا شهوراً طويلة أنا والأستاذ صلاح البيطار نتساءل: كيف تصرف معنا هكذا جلال السيد؟ هنا بادرت ميشيل عفلق بالسؤال: يا أستاذ، لِمَ لم تجادلوه ولِمَ لم تسألوه عن هذا الأمر؟ هل عاقبتموه؟ فأجابني عفلق: هيك صار . لقد اكتشفت، حينذاك، أن الدروشة لا تصنع زعماء وقادة.
حسنا. من أين كنتم تجمعون نفقات الحزب؟
من الاشتراكات والتبرعات.
هل كانت الاشتراكات والتبرعات تكفي نفقاتكم حقا؟ ألم تكن ثمة مصادر أخري؟
طبعا. كانت جريدة الحزب تتعطل بين الحين والآخر. فتنشر أن هذا التعطيل حدث لأسباب فنية. بعض أنصار الحزب ومنهم علي سبيل المثال خالي رفلة فرح، وكان تاجرا، يبادر إلي التبرع. خالي هذا ليس حزبيا ولكنه نصير للحزب ويحب ميشيل عفلق. وكان يمزح فيقول: تعطلت الجريدة لأسباب فنية؟ ثم يفرك إبهامه بسبابته ليشير إلي أن السبب مالي.
في هذه الفترة كان عفلق والبيطار متفرغين للعمل الحزبي؟
كانا يعتاشان من جيوبهما، ولم يكن هناك تفرغ حزبي.
ألم يوجد التفرغ الحزبي قط؟
البتة. كان عفلق والبيطار يعطيان دروسا خصوصية. البيطار يعمل في مدرسة دوحة الأدب وعفلق في إحدي المدارس. ومرت فترة لولا شقيقه وصفي لما تمكن عفلق من العيش. وفي فترة لاحقة خصص الحزب له راتباً قيمته 300 ليرة سورية وهو مبلغ يقبضه موظف يحمل الليسانس.
لنتوسع قليلا في موقف حزب البعث من موضوع الاتحاد مع العراق. فالكلام الشائع ان سورية هي قلب العروبة النابض وهي ام الحركات الوحدوية العربية. لكن ثمة رأي مختلف موجزه ان السوريين ليسوا وحدويين تماما.
من أين أتيت بهذه الفكرة؟ كنت أريد أن أتحدث عنها.
المقصود بهذه الفكرة أن الدمشقي ليس وحدويا. ودمشق كمدينة حاضرة، وعقدة التجارة في المنطقة، تريد هي أن تضم لا أن تُضم. وهناك لدي الشام والشوام خوف دائم من أن تُضم إلي العراق، وهي تسعي إلي التملص في كل مرة يكون فيها العراق قويا. وحينما يزداد الضغط العراقي تتجه الشام نحو القاهرة. هذا ما حدث في سنتي 1957 و1958 مثلا الذي أدي إلي قيام الوحدة مع مصر. ولكن، مع زوال الضغط العراقي باندلاع ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 في بغداد بدأ التفكك يضرب الوحدة السورية المصرية حتي انهارت في سنة 1961. لماذا؟ لأن الشام نفسها مدينة حاضرة. تأكل ولا تؤكل. والشوام وحدويون حينما يتعلق الأمر بلبنان والأردن وفلسطين. لكن دمشق ليست وحدوية حينما يتعلق الأمر بضمها إلي كيان أكبر منها وأقوي مثل العراق أو مصر. وبهذا المعني فإن سورية وحدوية ضمن بلاد الشام، أما في النطاق الأوسع فهناك نزوع عام إلي عدم الوحدة مع العراق، ونستثني من ذلك المشاعر الشعبية ورغبات الناس ولا سيما في دير الزور مثلا، بسبب الجوار الجغرافي أو القرابات القبلية والعشائرية. كيف تنقد هذا الرأي؟
هذا ليس كلاماً صحافياً، هذا كلام علمي وتاريخي واجتماعي وسوسيولوجي. وسأبدأ من فيصل ملك سورية، وربما أعود إلي التاريخ العربي والإسلامي وإلي الجغرافية السياسية الفائقة الأهمية في هذا الحقل من المعرفة. كنا نعتقد أن التاريخ هو المهم فتبين لنا أن الجغرافية أهم. واستطراداً أقص عليك قصة دير الزور. سألت جلال السيد مرة عن زعامة رشدي الكيخيا ـ في حلب، فقلت له: أنت ممَّ تشكو؟ أنت في نظرنا أكبر وأهم من رشدي الكيخيا. فنظر إليّ بمنتهي الحكمة وقال بحرقة: يا نبيل، نواب الملحقات ملحقات. أين نائب حلب وزعيم قائمة انتخابية في حلب من نائب عن دير الزور؟ دير الزور لا تقرر، بل إن هناك مدينتين في سورية هما اللتان تقرران: حلب ودمشق. والقصة بين حلب ودمشق قديمة جدا. حلب كانت المدينة التجارية الأكثر أهمية، بينما دمشق كانت حاضرة تاريخية وتجارية ودينية؛ فمنها ينطلق محمل الحج الشامي إلي الحجاز.
حلب كانت أغني من دمشق لأنها محطة القوافل وطريق الحرير وفيها الوكالات التجارية الأوروبية ومركز القناصل ومنفذ البصرة إلي العالم الأوروبي والعثماني. لكن، عندما افتتحت قناة السويس في ســـــنة 1869 تدهور مركز حلب وبدأت دمشق تزدهر. وفي جميع الأحوال ظلّت مصـــــــالح حلب مرتبطة بالموصل والبصرة وبالعراق عموما، أكثر من ارتباطها بالداخل السوري.
كانت إسكندرون ميناء حلب، وعندما سلخت فرنسا أنطاكيا ولواء الاسكندرون عن سورية ازداد تدهور حلب.
نعم. ثم صار منفذها الإقليمي في الشرق أي في البصرة. ولهذا فحكاية دمشق مع العراق تختلف عن حكاية حلب مع العراق. ولعل هــــذه العجالة تفسر لماذا كان أهل دمشق غير راغبين في زعامة الملك فيصل، واختاروا في مواجهته الأمير عبد القادر الجزائري. فقد كانوا يعتقدون أن عبد القادر الجزائري يمكنه التفاهم مع فرنسا. وبهذا التفاهم يتخلص السوريون من الانتداب الفرنسي، وهذا أفضل بكثير من أن يحكمهم بدوي من الحجاز .
هل ظهر هذا الكلام في المؤتمر السوري في 7/3/1920؟
ظهر قبل 7 آذار (مارس) 1920، بل منذ أن أتي الأمير فيصل إلي دمشق. هذا هو موقف الشوام الأصليين الملاّكين. الملاّكون الدمشقيون من العائلات الشامية الأساسية ومعهم علماء الدين وخطباء الجوامع وقضاة الشرع والتجار، وهم في الدرجة الثالثة، أي الدكنجية. هذا الثالوث الذي كان حاكما في زمن العثمانيين يريد أن يبقي في الحكم في زمن الاستقلال. ففي زمن العثمانيين كان الحكم لامركزياً. ومهما اختلفت الناس في الولايات، ومهما حدث من مصادمات مع الانكشارية أو من مؤامرات القصور، فإن السلطة راسخة للباب العالي، وثابتة لهذه العائلات ولمثلث الملاكين ورجال الدين والتجار.