البعد الانساني في الحضارة السورية -1-

د.بشار خليف
«في المشرق القديم أرسيت الأسس التي حددت إلى أمد بعيد المسيرة اللاحقة للتاريخ الإنساني».

كلوتشكوف ـــ بونغارد ـــ ليفين»(1)
يعنينا في مقاربتنا للبعد الإنساني في حضارة المشرق العربي القديم أن نؤسس لعدة ركائز سوف تشّكل العمود الفقري لبحثنا:
أولها: أن هذه المقاربة لا تعني بحال من الأحوال أن المجتمعات الإنسانية الأخرى لم تكن ذات بعد إنساني، ولكن في تقديرنا أنّ هذا البعد يتسع كما ينغلق تبعاً للخصائص الذاتية والشخصية لمطلق مجتمع، والذي يبدو أن الخصائص المجتمعية تلعب دوراً أساسياً في هذا المجال بالإضافة إلى الظروف الجغرافية والبيئية والموضوعية.
وما يعنينا في هذا المجال من بحثنا هو رصد مجمل المنجزات الحضارية للمشرق العربي القديم والتي ساهمت في التطور اللاحق للمجتمعات الإنسانية، ما شكّل نقاط انعطاف حاسمة في مجرى الوجود الإنساني وبالتالي تطوره وما انعكس على تطور الحياة الإنسانية إلى يومنا هذا.
ثانيها: تختلف وسيلة نقل المنجز الحضاري بين المجتمعات، فبين مثلاً أن يأتي أفلوطين إلى مصر والمشرق العربي ويستفيد من أفكار مينوس الأفامي ومن ثم يؤسس مذهبه في الأفلاطونية الحديثة كمنجز فكري في زمن ما، وبين أن يتم اختراع الكتابة مع نهاية الألف الرابع قبل الميلاد في الشرق العربي ثم يبلورها المشرق أيضاً في الأبجدية الكنعانية ومن ثم ينقلها المشرقيون بأنفسهم إلى عالم المتوسط لتصبح كتابة العالم آنذاك بعد تكييف كل مجتمع لها بحسب خصائصه الذاتية الذهنية منها والألسنية وما إلى هنالك. فبين هذا وذاك تتسع الرؤية لتكشف عن حس إنساني عال تبدى لدى مجتمع المشرق العربي القديم بكافة تنوعاته، فلم يكن يتم الاكتفاء بابتكار المنجز، لا بل والسعي لنقله للمجتمعات الأخرى ويشمل هذا مجمل المنجزات الحضارية إن لم يكن كلها.
ثالثها: يتأثر المنجز الحضاري الإنساني بالجغرافيا التاريخية إلى حدّ كبير، وتأسيساً على ذلك فالمنجز الحضاري المشرقي كان يمتلك مجاله الحيوي الممتد من إيران والأناضول وحتى عالم المتوسط وشمال أفريقيا والجزيرة العربية. وعبر انتقال هذا المنجز الإنساني إلى المجتمعات الأخرى، نصبح أمام اكتمال في شرطه الحضاري والوجودي، ولعل هذا الأمر يشكّل خصيصة أساسية من خصائص الحضارة السورية.
رابعها: ثمة اختلاف بين الباحثين في تحديد أسباب أن يكون مجتمع ما ذا خصائص إنسانية ورسولية وإبداعية، في حين أن بعض المجتمعات تكتفي بنفسها ولنفسها.
وقد أعاد ابن خلدون هذه المسألة إلى عامل «الهواء»، أي المناخ والبيئة الطبيعية، ويبدو أنه انزلق في طرحه إلى بوادر عرقية من أن ثمة أجناساً متخصصة بالتحضر والتقدم، عنى بذلك سكان الأقاليم المعتدلة، في حين أن هناك أجناساً لاتقدم شيئاً، وبمعنىً آخر فهو ربط بين الخصائص الخلقية (بفتح الخاء) وبين الخصائص الخلقية (بضم الخاء).(2)
ولا نعتقد أن هذا الطرح تؤيده معطيات الاناسة والأثنولوجيا.
وباعتقادنا أنه وإن كان للبيئة الطبيعية دورها بما تقدّمه من امكانات، غير أن للبيئة الاجتماعية المتفاعلة بحدّ ذاتها والمنفتحة على البيئات الاجتماعية الأخرى، الدور الأساسي في ذلك وسوف يؤدي تفاعلها مع البيئة الطبيعية والمجال الحيوي الطبيعي إلى جملة من المنجزات والاختراعات الإنسانية الكبرى.
ويتضح التفاعل عبر التمازج البشري والغنى المختلف والمتنوع والذي يؤدي باطراد إلى تبلور خصائص مجتمعية متقاربة تشكّل شخصية الجماعة أو المجتمع المنفتح على التجارب والخبرات الإنسانية الأخرى. ويتضح هذا في البنية الديمغرافية للمشرق العربي عبر التاريخ وصولاً إلى العصر الحديث، ولعل ما حصل مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، شاهد على ذلك، فقد هاجر مسلمو البلقان وكريت إلى دمشق بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية وأقاموا على سفح جبل قاسيون وسمّي حيّهم بحي المهاجرين، والآن بعد مضي حوالي القرن انصهر هؤلاء في النسيج الاجتماعي الواحد ولم يبق من ذكراهم سوى اسم الحي.
هذا مثال حديث لما كان يحدث عبر مسار التاريخ المشرقي، سواء في تفاعل العموريين مع السومريين أو التفاعل الآشوري ـــ الآرامي أوفي التفاعلات العمورية ـــ الكنعانية ـــ الآرامية ـــ العربية في تدمر على سبيل المثال. ولعل هذا الأمر أوحى للمستشرقين بوجود صراعات أثنية أوعرقية بين سكان المشرق العربي القديم، لكن العالم الروسي بونغارد ـــ ليفين أوضح ما نريد قوله حيث ورد في كتاب «الجديد حول الشرق القديم»: ان الشرق القديم لم يعرف الموقف العدائي من عادات وتقاليد وثقافات الشعوب المجاورة والبعيدة، ولم يعرف كذلك الخلافات والصراعات القائمة على أساس أثني أو الحقد العرقي والشعور بالتفوق على الشعوب الأخرى(3).
وطبعاً فنحن نذكر ذلك لأننا نرى أنه كي يكون لمجتمع ما بعد إنساني فلابد له أن يمتلك في شخصيته خصائص العدالة والتسامح والانفتاح وقيم الخير والحق والتي هي قيم إنسانية بالمطلق ومجتمعية في آن.
بناءً على كل هذا فلابد أن نؤكد على فلسفة التفاعل الاجتماعي والتي هي الضامن للتفاعل الإنساني المنفتح للحياة والكون.
خامسها: لن نقف في بحثنا أمام الإبداعات والمنجزات الحضارية المشرقية التي شكلت بعداً إنسانياً في عصر ما، ولم تستمر إلى العصور الحديثة. بمعنى آخر أن اختراع الكتابة في المشرق العربي القديم هو اختراع حيّ حتى الآن وكذلك ابتكار الأبجدية السورية.
وما الوصول إلى المعلوماتية وعصر الاتصالات إلاّ إعادة لاختراع الكتابة وابتكار الأبجدية بزمن آخر ووسيلة أخرى أكثر تطوراً.
في حين أنّ انتشار عبادة إله الشمس الحمصي في العصر الروماني في أصقاع الإمبراطورية الرومانية يعتبر بعداً إنسانياً ابن عصره، ولم يؤد إلى استمرارية استفادت منها الحضارة الإنسانية، ويمكن النظر أيضا، إلى الفلسفة الرواقية ببعدها الإنساني، فصحيح أنها كانت ابنة عصرها ولكن في بعدها الأعمق شكلت الأرضية الفلسفية والفكرية للمسيحية وهذا ما جعلها ذات بعد إنساني أ رحب.
سادسها: لعل تاريخ المشرق العربي كما يدرسه المستشرقون يفهم منه أنه عبارة عن قبائل ومدن مختلفة ومتناحرة ومفككة.. غير أن واقع الأمر هو أن ثمة كتلتان أساسيتان شكلتا تاريخ المشرق العربي القديم هما: السومريون والعموريون ـــ الأكاديون.
السومريون: طالما وجدوا على أرض المشرق وتفاعلوا معها ومع البيئة الاجتماعية أصبحوا مشرقيين بغض النظر عما يطرحه بعض الباحثين من الناحية اللغوية أو الأثنية.
العموريون: منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد بدأوا بالتنقل في أجزاء المشرق القديم حيث انطلقوا من منطقة جبل بشري في بادية الشام باتجاه الجناح الشرقي للمشرق العربي القديم وأسسوا مدناً وممالك وكان أهم حكامهم صارغون الأموري «الأكادي» 2350 ق. م الذي سعى لاحتواء الوعي المديني إلى وعي أعمّ عبر تأسيسه لإمبراطورية وصلت حتى البحر المتوسط وكذلك حمورابي وشمشي أدد ونارام سين.
ومع مطلع الألف الثاني قبل الميلاد صار بإمكاننا النظر إلى المشرق العربي كوحدة اجتماعية متجانسة أساسها العموريين ومن تفاعل مع فاعليتهم التاريخية ـــ الاجتماعية.
ويبدو من دراسة حركة التاريخ في المشرق العربي القديم ولا سيما في عصوره التاريخية أن الجناح الغربي للمشرق «بلاد الشام» كان دوماً يطمح بحيويته التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والتجارية أن يضم الجناح الشرقي للمشرق«الرافدين» إلى حركته وإيصاله نحو المتوسط وهذا ما فعله صارغون الأكادي وحمورابي ومحاولات شمشي أدد، ولا تشذّ زنوبيا عن هذا الأمر.
وبالتدقيق في حركة التاريخ نلاحظ أن الجناح الغربي للمشرق العربي كان الرافعة التاريخية للبعد الإنساني لا سيما عبر الفاعلية الكنعانية ولا سيما البحرية منها، حيث عرف عن الكنعانيين أنهم تجار العالم القديم مستفيدين من الوجه البحري المشرقي المتجسد في البحر المتوسط.
سابعها: لعبت التجارة عبر التاريخ دوراً أساسياً ومهماً في التفاعل بين الشعوب والأمم، فإلى جانب التبادل التجاري كان يتم التعرف والتأثر والتأثير بين الثقافات في العالم القديم.
ويبدو أن أغلب مدن المشرق العربي كانت قائمة على خطوط التجارة العالمية مستفيدة من موقعها الاستراتيجي بين شرق العالم القديم وغربه وبين شماله وجنوبه.
لذا فإن التجارة لعبت دوراً أساسياً في تحقيق الانتشار الإنساني للمنجز الحضاري.
والجدير ذكره هنا مثلاً أن المسبحة التي نراها في أيدي المشرقيين والعرب والمسلمين أتت عبر التجارة إلى بلاد الشام من التجار البوذيين في حوالي 500 ق. م والآن يستخدمها المسلمون والمسيحيون في المشرق «د. حسني حداد 1990»(4) لا بل وتأتي الآن عبر موسم الحج عن طريق الحجاج المسلمين.
البعد الإنساني لحضارة المشرق العربي 40000 ـــ 3500 ق. م:
في تقويمه لحضارة المشرق العربي القديم يقول هنري فرانكفورت:
«نحن نتعرف إلى الحضارة في الشرق المتوسطي القديم في الصفة الإنسانية التي تكون ذاتيتها وتعتبر طابعها المميز»(5)..
إن الأدلة الأثرية أثبتت أن الإنسان في المشرق العربي وجد قبل حوالي المليون سنة «د. سلطان محيسن 1990» في حين يعيده الدكتور زيدان كفافي إلى مليون ونصف مليون سنة(6)، وإن تطور هذا الإنسان وتفاعله مع البيئة وتطور دماغه أدى كل ذلك إلى ظهور إنسان النيناندرتال المشرقي في حدود 100000 سنة والذي شكّل الإنسان العاقل في المشرق وريثه المباشر (7) وذلك في حوالي 35000 سنة.
أما في أوربا فإن النيناندرتال الأوروبي لم يتطور إلى الإنسان العاقل الأوربي بل تطور هذا الأخير عن الإنسان المنتصب «الهوموأركتوس» (8)
وقد اعتبر الإنسان العاقل جدنا المباشر، هو الذي صنع الحضارة الإنسانية بمفهومها البدئي والشامل مستنداً على ما ورثه من سابقه (النياندرتال أوالإنسان المنتصب؟) وهو الذي مازال ينجز حتى الآن.
ويبدو أنه ولأسباب مجهولة ـــ ربما بيئية ـــ هاجر الإنسان العاقل المشرقي شمالاً إلى أوربا حيث أسس هناك حضارة غنية ومميزة.
وهذا يعني أن الإنسان العاقل المشرقي وريث النيناندرتال المشرقي قد أمدّ أوربا قبل حوالي 40000 عام بأولويات الحضارة على قاعدة أن هذا الإنسان هو جدّنا أولاً وأنه صانع الحضارة الإنسانية ثانياً.. وهذا فيما يعنيه أن أصل الإنسان الأوربي يعود إلى المشرق العربي القديم.
والطريف في الأمر أن بعض العلماء الغربيين ولا سيما الألمان يرفضون هذه النظرية لأسباب عنصرية حيث لا يمكنهم الاقتناع أن أصولهم تعود إلى المشرق العربي ولو أكدت الحقائق العلمية ذلك (9).
وليس في الأمر غرابة.. حين نعلم أن بعض العلماء الغربيين اكتشفوا أن اللغات اللاتينية واليونانية والفارسية ولغات شمال الهند تتشابه في التركيب والنحو والصرف وهذا ما يعني أنها في مجموعها تعود إلى أصل هندو.. أوربي!! وهذا يعني أيضاً أن الجنس الآري الأصيل هو أصل الحضارة وهذا ما آمن به الألمان حيث حولّوا مصطلح الجنس الهندو ـــ أوربي إلى هندو ـــ جرماني وبلغ قمة ما وصلوا إليه أن أحد المأخوذين بهم من البريطانيين واسمه هيوستون ستيورات تشمبرلين ألّف كتاباً جعل عنوانه «أسس القرن التاسع عشر» حيث ضمّ فيه دانتي والمسيح إلى الآريين أي الهندو جرمانيين!!. (10)
وبعيداً عن أية تصورات عنصرية آرية أو غير آرية، فقد أكدت الحقائق العلمية هجرة الإنسان العاقل المشرقي إلى أوروبا وتأسيسه هناك لحضارة مهمة وهذا يؤكد على:
1ـــ أن أصل الإنسان الأوروبي يعود إلى المشرق العربي.
2ـــ إن الإنسان العاقل المشرقي ـــ جدنا المباشر ومبدع الحضارة الإنسانية ـــ امتلك كل الصفات الفيزيولوجية والاجتماعية التي يملكها إنساننا الحالي.
ولعل هذا يشكل النواة الأولى لمكامن البعد الإنساني الشعوري واللاشعوري إن كان في المستوى الفردي أو في المستوى الجمعي للإنسان المشرقي.
ابتكار الزراعة منجز سورية الإنساني الحضاري:
يقول العالم غولايف: ان كل الباحثين تقريباً متفقون على المغزى الذي تنطوي عليه ثورة العصر الحجري الحديث التي اتسمت بظهور أهم ثلاثة عناصر في حياة البشر وهي: الزراعة وتربية الماشية والتجمعات المستقرة الدائمة وصناعة الفخار بالنسبة إلى تطور المجتمع البشري. (11)
فمع مطلع الألف التاسع قبل الميلاد بزغت إلى الوجود «الثورة الزراعية» في المشرق العربي، وقد عثر على أقدم دليل /حتى الآن/ لممارسة الزراعة وتدجين الحيوان في المنطقة الممتدة من حوض الفرات شمالاً مروراً بحوضة دمشق في الوسط وحتى حوض الأردن جنوباً، وهذه المنطقة تعتبر البؤرة الأقدم في العالم لظهور الزراعة والتدجين. (12)
وكما أشرنا في مقدمتنا إلى مجال المشرق العربي الحيوي، فلابد أن يتم انتقال هذا المنجز إلى مجاله، ففي حوالي7600 ـــ 6000 ق. م وصلت الزراعة إلى الأناضول بواسطة السوريين، ومن ثم سوف ينتقل هذا المنجز إلى مناطق أخرى في العالم وفق ما يلي:
المرحلة الأولى: من نهاية الألف السابع وبداية الألف السادس ق. م:
حيث وصلت الزراعة إلى جنوب أوروبا والبلقان واليونان، ويعتقد أن تأثيرات هذه المرحلة وصلت شرقاً إلى باكستان وغرباً حتى شمال أفريقيا.
المرحلة الثانية: من نهاية الألف السادس وبداية الألف الخامس ق. م:
حيث تحركت القرى الزراعية على امتداد السواحل ووديان الأنهار الكبرى كالدانوب، حتى وسط أوروبا وغربها.
المرحلة الثالثة: منتصف الألف الرابع قبل الميلاد:
وفيها وصلت الزراعة إلى شمال أوروبا واسكندينافيا. وبتأثيرات مباشرة من المشرق العربي نشأت الزراعة في وادي النيل في حوالي الألف الخامس قبل الميلاد، هذا ماأكدته تنقيبات ومكتشفات موقع الفيوم في مصر. (13)
إذن نحن أمام عدة حقائق تشكّل قيمة إنسانية وبعداً هو أيضاً إنساني:
1ـــ أن المشرق العربي شهد أول ظهور للزراعة في العالم.
2ـــ أن ثمة تأثيرات مباشرة عبر نقل هذا المنجز الحضاري الإنساني بواسطة مخترعيه «المشرقيين» مباشرة إلى الأناضول ومصر.
3ـــ أن نقل هذا المنجز سوف يستتبع نشوء معايير جديدة تفرضها الثقافة الزراعية ولاسيما لجهة الاستقرار وتماسك البنى الاجتماعية وظهور المعتقدات وتطور الفنون والعمران والتجارة والاقتصاد، وهذا ما ينبغي الإشارة إليه في توسيع دائرة الرؤية لمفهوم المنجز الحضاري وتفاعلاته.
صناعة الفخار:
شهد المشرق العربي في حوالي 6500 ق. م بداية صناعة الفخار دلّ على ذلك مكتشفات موقع تل أسود في الجزيرة السورية. ومن ثم عمّ هذا الاختراع في منطقة المشرق، ومع حلول الألف السادس ق. م /مطلعه/ انتقل هذا المنجز إلى الأناضول ويبدو أن ظهوره هناك كان حصيلة مشتركة بين الأصول المحلية الأناضولية والتأثيرات المشرقية بالخاصة. (14)
المنجز الحضاري الإنساني المشرقي في العصور التاريخية 3500 ـــ 333 ق. م:
إن ابتكار الزراعة أدى إلى انقلاب شامل في مجمل أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمعتقدية والروحية، فقد تطور العمران وتطورت المفاهيم الذهنية الاجتماعية وزاد التراص الاجتماعي، ما أدى إلى نشوء المجتمعات الكبرى المستقرة، ولسوف يؤدي تراكم هذه المعطيات وباطراد إلى نشوء المدن الكبرى وهو ماعرف بثورة المدن.
وقدتم ذلك في النصف الثاني من الألف الرابع قبل الميلاد، فقد شهد المشرق العربي آنذاك نشوء مدن أولى مثل أوروك وحبوبة الكبيرة الجنوبية وتل قناص وتل براك وجبل عارودة. ولعل هذا المنجز في تحالفه مع التجارة والنشاط التجاري، سوف يولّد تبعاً لتطور الحياة الاقتصادية الاجتماعية والذهنية ابتكاراً مفصلياً هاماً يتجلى في اختراع الكتابة في حوالي 3200 ق. م.
وهنا أصبحنا أمام ظاهرة تحول مدن المعبد إلى مدن دول مشكلة بذلك انبثاق السلطة الزمنية إلى جانب السلطة الدينية في قيادة مجتمع مدن الدول، ومع مطلع الألف الثالث ق. م أصبحنا أمام ظاهرة المدن الكبيرة والمسورة مثل ترقا ـــ شوباط انليل ـــ تل براك ـــ مجيدو ـــ خربة الكرك ـــ تل الفرح ـــ جبيل ـــ باب الضهرة ـــ كيش ـــ نيبور ـــ تل فارا ـــ أبو صلابيخ.
يقول كلوتشكوف وبونغارد ـــ ليفين: في الشرق القديم أرسيت الأسس التي حددت إلى أمد بعيد المسيرة اللاحقة للتاريخ العالمي، فهناك تمت الاكتشافات الهامة جداً في مجال الحضارة، ونشأت المدن والمجتمعات وظهرت الكتابة والآداب والعلوم، وقد كان لحضارة الشرق القديم أعظم التأثير على الحضارة الإغريقية ـــ الرومانية والحضارة الإسلامية، وأثرت أيضاً من خلالهما على الحضارة العالمية في العصور الحديثة. (15)
يتبع....
الهوامش
(1) الجديد حول الشرق القديم ـــ مجموعة باحثين ـــ دار التقدم ـــ موسكو ـــ 1988.
(2) ابن خلدون ـــ المقدّمة ـــ المقدمة الثالثة، في المعتدل من الأقاليم والمنحرف وتأثير الهواء في ألوان البشر والكثير من أحوالهم.
(3) الجديد حول الشرق القديم ـــ مرجع سابق.
(4) مجلة البناء اللبنانية ـــ 714/16 ـــ 2/1989 ـــ من حوار أجريناه مع
د. حسني حداد.
(5) هنري فرانكفورت ـــ فجر الحضارة في الشرق الأدنى القديم ـــ ت: ميخائيل خوري ـــ دار مكتبة الحياة ـــ بيروت.
(6) الوحدة الحضارية للوطن العربي من خلال المكتشفات الأثرية ـــ وزارة الثقافة السورية ـــ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ـــ 2000.
(7) د. سلطان محيسن ـــ الصيادون الأوائل ـــ دار الأبجدية ـــ 1989 ـــ دمشق.
(8) المرجع السابق.
(9) المرجع السابق.
(10) د. حسين مؤنس ـــ الحضارة ـــ عالم المعرفة ـــ الكويت ـــ 237 ـــ 1998.
(11) غولايف ـــ المدن الأولى ـــ دار التقدم ـــ موسكو ـــ 1989.
(12) د. سلطان محيسن ـــ المزارعون الأوائل ـــ دار الأبجدية ـــ دمشق ـــ 1994.
(13) المرجع السابق.
(14) المرجع السابق.
(15) الجديد حول الشرق القديم ـــ مرجع سابق