السيرة الشعبية للحلاج (1)

الحلاج يبتلع التميمة

قيل إن (والدة حسين الحلاج) لما حملت به، نذرته خادما للفقراء، وتُسلمه لأبي القاسم شيخ الطايفتين الجنيد رضي الله عنه يعلمه القرآن فلما وضعته وكبر لم يَهُن عليها فراقه، فأشغلته في صنايع أهل الدنيا، فلم يتعلم منها (شيء)?. فقال لها ذات يوم: أماه.. ( أنتي نذرتيني ) خادما للفقراء، فأوهبيني للشيخ ( أبو ) القاسم الجنيد وأوفي بنذرك، فأخذته، ومضت به إلى الجنيد، فعلمه كتاب الله، وعلمه العلم الشريف، وكان يخدم الزاوية، ويتحوج إلى الفقراء و يدخل الخلوة، ويكنسها، و ينفض الكتب من الغبار، ويبسط السجادة لشيخه، ويملأ الأباريق.

فدخل ذات يوم الخلوة ليكنسها، وإذا بورقة قد سقطت من السجادة فيها اسم الله الأعظم، فأخذها وأكلها ليتبرك بها، وكانت مرسوم الولاية للشيخ، فطلبها، فلم يجدها، فشق ذلك عليه، فأراد أن يخوف الفقرا حتى يردوها عليه، فقال: من وجد لي ورقة ولم يردها قطعت يمينه. فلم يتكلم أحد?.

فقال: من سمعني أطلبها، ولم يردها، قطعت شماله. فلم يرد أحد?.

فقال: من سمعني اطلبها ولم يردها قطعت رجليه، وصلب، ورجم، واحرق، وذرّي بالهوا?.

فنفذت الدعوات كلها في حسين الحلاج، و هو قائم متحيّر، وقد التهب فؤاده من محبة الحق، فقال له الشيخ: يا حسين....! ما افتكارك؟

قال: نسمة من جنابه، أوقفتني ببابه، وبشرتني في الدجى بوصله واقترابه، واستراح الفؤاد من هجره واحتجابه، وطاب لي ما سمعته في الدجى من خطابه، وعلى كل حال سكرتي من شرابه.

قال: ثم قوي به الوجد، فكان الشيخ يعطيه الفضة ليشتري عشاء للفقراء، فيمضي إلى السوق، فيقف على البياع، فيقول له: ما تريد؟?.

فيقول: الله ... الله !? .

ثم يأتي اللبان كذلك، والبقال كذلك، والخباز كذلك.

قال: فأتى أهل السوق إلى الشيخ، و قالوا له: يا سيدي لا ترسل إلينا هذا المولّه، فإنا ما نعرف ما يقول.

وزاد الوجد بحسين الحلاج، فساح في الجبال ستة اشهر، ثم رجع في ميعاد الشيخ، فوجد المجلس مزدحما بالخلايق، فوقف في الدهليز?. وكان الشيخ فصيح اللسان إذا تكلم يفهم كلامه الذكي والبليد، وكان الناس يرغبون في مجلسه لفصاحته. فدق الكلام في ذلك اليوم حتى لم يفهم منه كلمة واحدة?.

فقال الناس: ما هكذا عادتك للفقرا، ما نفهم من كلامك شيء?.

فقال الشيخ: وأنا أيضا ما افهم ما أقول، و لا بد من لهذا من نبأ، و ممن يفهمه ... فتشوا الدهليز، وانظروا من يبكي لهذا الكلام. فلما فتشوا، وجدوا حسين الحلاج (واقف) يبكي. فقالوا: تفهم ما يقول الشيخ؟.

قال: نعم.

قالوا: تقدم، فإن الشيخ يريدك.

ففسحوا له حتى طلع المنبر?. فقال له الشيخ: يا حسين ... أنت وصلت إلى هذه المنزلة تسمع الخطاب في الأسرار ...؟ اكتم السر ... !

قال: ما أقوى على الكتمان.

و قيل إنه سأله: ما المحبة؟.

قال: حبه نزل بقلبي فلم أر إلا ربي، فأخذ لبي مني، و سلبني عني، ثم نظرت منه إليه، فلم انظر إلا هو، فعلمت أنه الحق. وقال لي: يا حلاج، ما أسرع ما كانت المحبة، رضعت من ثدي محبتنا رضعة، وشربت من كاس محبتنا جرعة، فما ثبت إلا لحظة، و ما كتمت إلا غمضة?.

ثم بكى بكاء شديدا حتى غشي عليه، ثم أنشد:

ألا
يا ليل زاد بي الهيــــــام
شطحت بسكرتي برا وسهلا
ألا يا ليل للمولى رجـــــــال
ألا يا ليل قرب الحـــــق نالوا
ألا يا ليل قد كسبوا (جمال)
ألا يا ليل قد صــدقوا المقال
تراهم ركعا يبغــــــــون فضلا
ألا يا ليل أقوام كـــــــــــــرام
ألا يا ليل قد شربوا فهامـــوا
ألا يا ليل جنح الليل قامــــوا
ألا يا ليل قد صلوا و صامـــوا
تراهم سجــــدا يبغون وصلا
ألا يا ليل قد كثرت ذنــــوبي
ألا يا ليل قد ظهرت عيــوبي
ألا يا ليل زاد بــــــي النحيب
ألا يا ليل نادمنـــــي حبيـبي
ولاطفني، ولا عــــــــن تولّى
ألا يا ليل لي قلب أسيـــــــر
ألا يا ليل بي وجد كثيـــــــــر
ألا يا ليل لي دمــــــــــع غزير
ألا يا ليل إني مستجــــــــــير
بجاه المصطفى من نال فضلا

قال الراوي: فلما فرغ حسين من شعره. قال شيخه: يا حسين ... أنت وصلت إلى هذه المنزلة؟.

إن كنت وصلت إليها، فعليك بكتمان السر?.

فقال له: يا شيخي ... ما لي قوة على كتمان السر فقال له: كيف ترى نور المحبوب في قلبك؟.

فقال له: أرى نورا هام (بي) قلبي، فلم أر إلا ربي. فأخذ عقلي مني، وقد سلبني عني، ثم نظرت منه إليه، فلم أر الكون ألا هو?.

ثم إن حسين أنشد يقول:

طابَ السماعُ وهبّتِ النســــمـاتُ
وتواجــــــدت في حانها السـاداتُ
سمعوا بــــــذكرِ حبيبهم فــتهتّكوا
خلعوا العــــــــذارَ ودارتِ الكاساتُ
طربوا فطابت باللقا أرواحـــــــــهم
كتموا فباحت منهــــــــم العـبرات
شربوا بأقداح الصفا لما صــــــــفوا
سكروا فلاحت منهم حــــــــــالات
ظهرت عليهم من بواطن ســرهم
نفحات ســـــــــــــر كلها راحــات
هطلت مدامعهم على وجنـاتهــم
وتصاعــــــــدت من شوقهم زفرات
زاد الغرام و في حشاهم جمـــرة
شـــوقا إليه بقلبهم زفـــــــــــــرات
نشرت عليهم من مجالس ذكرهم
نِعَمٌ، وطابت منهــــــــــــم الأوقـات
فتعطرت ريح الصبا من عطــــــرهم
وسـرت بنشر روايــــــــــــح نفحات
والدهر يمضي في رضاهم راحــــة
ويحق فيهــــــــــم طابت الراحــات

قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره صار يشطح، و يزيد في الكلام زايدا و ناقصا، وقد غرق في بحر الوداد، فصار الشيخ يرسله إلى السوق بالدراهم ليشتري إلى الفقرا ما يحتاجونه (فلما) يقف على السوقي يقول له: ما تريد يا حسين؟?.

فيقول: لا اله إلا الله، لا اله إلا الله. وهو يشطح في كلامه، و يظنون أن (كلامه لحنا و تبديلا و كفرا)?. وصار يبكي بكاء شديدا، و هو ينشد و يقول شعرا:

يا عـــوضي عن عوضي
وصحتي في مــــرضي
يا من هـــــــــــواه دايما
في مهجتي ولا ينقضي
هيمت قلبــــــي مالكي
والقلب بالفعل رضـــــي
وقد رضيت بما قضــــي
روحي فداه إن رضــــي