السيرة الشعبية للحلاج (2)

مخزن القطن يبتلع الحلاج

قال الراوي: فلما فرغ حسين من شعره قامت أهل بغداد إلى الشيخ الجنيد، و اجتمعوا عنده، و قالوا: يا شيخ.. اعلم أن مريدك حسين قد أتعبنا، و هو يشطح، و يتكلم بكلام لم يدخل في العقل، و لا في البــال، و قد اشغلنا عن بيعنا و شرانا، أوقف حالنا، فنسألك أن ترده عنا?.

فقال لهم الشيخ: انصرفوا، فإذا حضر نؤدبه، فما مضت ساعة إلا وحسين حضر بين يدي الشيخ، فقال له: يا حسين ما هذا الحال! اعلم أن أهل بغداد قد أتوا إلى عندي، وشكو منك، و من شطحك، ومن (كترة) كلامك، وقد أتعبتني وأتعبت نفسك، فارجع عما أنت فيه، ولا (ترمي) روحك في الهوان (فيقطعوا) منك الأوصال، (ويعذبوك) بأشد العذاب فقال له: التعذيب يطيب في رضا الحبيب، ثم إن حسين انشد في المعنى يقول شعرا:

غفلت وحادي الموت فـي طلبي يجد
وإن لم أمت يوما فلا بد مـا أغدو
أرى العمر قد ولى ولـــم ابلغ المنى
و ليس معي زاد، و في سفري بعد
فوا أسفي لو كــــان يغني تأسفي
وواه، ووا وجداه لو ينفـع الوجد
على موت مثلي و هو خال من التقى
و ليس معي تقوى و ليس معي زهد
انعم جسمي بالثيـــــاب ولينها
وليس لجسمي من ثيـاب البلى بد
كأني قد مــــددت في برزخ البلى
ومن فوقي ردم، و من تحتي اللحد
و قد بليت تلك المــــحاسن كلها
ولم يبق فوق العظم لحـم و لا جلد
و الله (لم أخشى) بشيء ســوى البلى
وقد جاء من ربي وعيد و(جا) وعد
لقد كان لي بالموت وعــظ من البلى
وقد غاب عني الأهل وانقلب الرشد
و قد كنت لله الــــمهيمن عاصيا
واحدث أحداثا و لـــيس لها رد
و أرخيت وقــت الليل سترا من الجفا
ولم أخش من ســـر عنده يبدو
عسى غــــافر الزلات يفغر زلتي
وقد يغفر المــولى إذا أذنب العبد
إلهي ترى نفسي وقلــــة صبرها
إذا لاح ضوء البرق أو قهقهة الرعد
و كيف إذا في النــار تحرق مهجتي
ونارك لا يقوى لها الحــجر الجلد
أنا الفرد عنـد الموت في القبر و البلى
وابعث فردا فارحــم الفرد يا فرد
سألت إلـــه العـرش يغفر زلتي
فقد يغفر المولى إذا أذنـــب العبد
و مالي شفيــــع غير جاه محمد
ومن جاهه في الحشر ليــس له رد
عليه صـــلاة الله ما لاح بارق
وما هطلت سحب و ما قهقه الرعد

قال الراوي: فلما فرغ حسين من شعره، تركه شيخه وصار يشطح، و يزيد في كلامه، و قد غرق في بحر الوداد، (فالتمت) أهل بغداد، وجاؤوا إلى الشيخ الجنيد، و قالوا له: يا سيدي الشيخ، لقد زاد مريدك حسين في كلامه ولا (بقا) لنا عليه اصطبار?.

فقال لهم الشيخ: امسكوه (حتى إني) أحبسه في مخزن القطن إلى غد (حتى إني) أدبّر فيه حيلة، إما يرجع عمّا هو فيه، وعن مقاله، وإما نشغله بقطع أوصاله، فجاؤوا إليه. واجتمعوا عليه، وأدخلوه إلى مخزن القطن، وقفلوا عليه الأبواب، فلما رأى روحه محبوسا بكى بكاء شديدا، وأنشد:

يظنون أن الحب (هزلا) بـلا جد
وما ذاك إلا وصـف زايد الحد
وما علقت نار الهـــوى بمتيم
لذي الحب إلا لا يعيد ولا يبدي
أقل الهوى ما ينسي الصب اسمه
وأيسره نار تـــضرم بالوقد
وأوسطه نار الغـــرام تسعرا
إذا ما مضى جلـد تبدل بالجلد
و كل وداد لا يـكون مسرمدا
إلى ميعاد يوم الورى ليس بالود
فكم ليلة قد نلتها في اصطلامها
أنادم أنفاسا ألــذ من الشهد
وكم ليلة في الحب سكران هايم
بحبي وقلبي هو مقيم على العهد
تطوف علينا خــمرة معنوية
مؤيدة جلت عن الكيف و الحد
وما ذاك إلا أنـــها بعناية
(معظمةً)؟ بالعز سابقة السعد

قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره بكى بكاء شديدا، وبات في مخزن القطن، و هو واقف على أقدامه إلى الصباح، ساعة يقرا، وساعة يذكر الله تعالى و ينشد الأشعار، و يبكي بدموع غزار?.

و أنشد يقول شعرا:

يا كراما بوصـلهم جبـــــروني
وبألطاف جودهــم جذبوني
منعوني الرقاد في الليل لمــــــا
علقوا حبهم بقلبــي سبوني
أنا عبد لهم على كل حالــــــة
خاضعا خاشــعا لهم خلقوني
فارغ القلب من سواهم عساهـــم
عبد رق ببابهــــم قيدوني
هم دعوني إليهم برضاهــــــم
وحموني عن غيرهم و هدوني
أوجدوا بي عبد رق فمالـــــي
غير حبي لهم بـــه خضعوني
أوقفوني ببابهم عن سواهـــــم
خادما دايما بهـــم جبروني
فتحوا لي أبوابهم بهــــــداهم
وأدخلوني عليهـم و أوقفوني
عبد رق بحسنهـم أتـــــملى
وبألطاف فضلهــم رحموني
أطلقوني من قيد اسر سواهــــم
وبأفضال جـودهــم قيدوني
روقوا لي المدام في الحان لمــــا
أخذوني مني وصرفــا سقوني
خمرة المصطفى شربت حقـــيقا
بالوفا والرضا بهــا عرفوني
يا خليلي وصاحـــبي و صديقي
قم إلى حانها بهـــا تجدوني
قم علي بآية ســحر و (نـادي)
يا كراما بفـضلهـم غمروني
أوقفوني إلى الرضــــا بهداهم
وإليهم بهم وهــم أرشدوني
لهم الفضل كامــــلا يا خليلي
هم كرام بفــضلهم عودوني
سلبوني عن غيرهم ورضـــوا بي
خادمــا عابدا لهم ورعوني
إنني قد رضيت بالحب فـــيهم
عبد رق نشوان مـما سقوني
كل عبـــد غدا لهم ومــريد
في هواهم بــجودهم تبعوني
من أراد الإله؟ يتبع حــــبي
في طريق الهدى لهم رسـموني
جذبوني مني لهم و إليهــــم
قربوني، وبالصـــفا جلبوني
أو جدوني بهم لهم عبـــد رق
وعلى حبهم لهــم نظروني
مقصدي هم و القصد منهم رضاهم
ورضاي وصالهم يرعــوني
عبد رق ولا (انثني) عن هواهــم
وهواهم في مهجتي يعطـوني

قال الراوي: فلما فرغ حسين من شعره، صبروا عليه حتى أصبح الصباح ودخلوا عليه، فوجدوا كل القطن الذي كان في المخزن محلوجا مندوفا، القطن في ناحية، (البزر) في ناحية أخرى، فتعجب الناس من ذلك، وقالوا: يا حسين أنت صنعتك حلاج حتى حلجت هذا القطن كله في ساعة؟! فلما سمع منهم هذا الكلام أنشد يقول شعرا:

أنا حسين الحلاج (ليش) تنكرون حالي
أنا حلجت قطني بالذكر و القــرآن
أنا عبد ربي حقا (بلا محــــال)
أنا قضيت عمري في خدمة الديــان
أنا فتى في قتلي (سبعين) طيــلسان
لكنهم معاذير ما (شاهدوا)؟ المــعاني
أنا عبدت ربي في ظلمـــة الليالي
في حب ربي قد صرت ثابــت الجنان
أنا فتح لي الباب بفضله دعـــاني
بفضله سترني وعفـــــوه عطاني
بالله يا (خواني) سلوه عسى يرضاني
إن كان ما يرضاني (جددن) فيه أحزاني

قال الراوي: فلما فرغ حسين من شعره قالوا له: قم معنا إلى عند شيخك الجنيد لترجع عما أنت فيه و إلا قطعنا منك الأوصال، قال: فسار معهم حتى وصل إلى الجنيد شيخه فقام له شيخه و عانقه، وبكى بكاء شديدا، وأنشد يقول:

سقوني، وقالوا: لا (تغني)?. ولو ســقوا
جبال حنين لو سقوها (لغنــتي)
جبال حنين لم تكن تعرف الهــــوى
ولو أنها عرفت لكانت (تغنــتي)
حرمت الرضا إن كنت بعد حديثكــم
سمعت بأذني ما حلالي (فصـمتي)
وإني لأبكي العين في كـل منـــزل
على طيب أيام مضت و(تولـتي)
أيا سادتي لولا أخاف علـيكــــم
زفرت فأحرقت الخيام بزفــرتي
ولولا مراعاة الخيـــام أهلـــها
قطعت طريق السالكين بعــبرتي
وسجادتي زهر الربيع وروضــــتي
وسبع المثاني والمثاني سبـــحتي
ومجنون ليلى مات في الحب واجـدا
ولي في هواها في الدجى لي وجدتي
فيا أيها العاصي الذي ضاع عمــره
وفرط في الأيام حتى تولتـــي
إذا كنت تهوى القوم (فاهجر) سواهم
وبادر إلى باب الحبيب (بسرعتي)
وسله الرضا و العفو عما مضـــى
تجد رحيما غفار الذنب و(الخطيتي)

قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره ناوله الشيخ منديله و قال له: خذ لك هذا المنديل يا حسين. فأخذه وحذفه في الهوا، وقال: يا منديل، خذني معك؛ فطار هو والمنديل، ولم يظهر له خبر إلى مضيّ سنة كاملة، فصار أهل بغداد و الناس متعجبين من هذا الأمر?. فقال الناس: الحمد لله، راح حسين، و(استرحنا منه) أكلته الوحوش في البراري و الجبال.

قال: فبينما الناس في الكلام، وإذا بحسين الحلاج قد أقبل ودخل من باب بغداد، وهو يقول: لا اله إلا الله، ما يدوم إلا وجه الله، لا اله إلا الله، يا قوم اعبدوا الله، يا قوم اذكروا الله، يا قوم وحدوا الله، يا قوم قولوا: لا اله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلّم. قال: فلم تزل الناس خلفه، وهم يكتبون ما يقول حتى وصل إلى عند شيخه، فلما نظر إليه شيخه بكى بكاء شديدا، وأنشد رحمه الله تعالى يقول شعرا:

قل لإخوان رأوني مـــــــتا
فبكوني ورثوا لي حزنــــــا
أتظنون بأني ميـــــــــت
ليس ذاك الميت - والله - أنـــا
أنا في صور وهذا جســـــدي
كان بيتي وقميصي زمــــــنا
أنا كنز وحجابي مطلــــــب
من تراب قد تخلى للفــــــنا
أنا در قد حواه صــــــدف
كان سجن (فألفت)؟ السجـــنا
أنا عصفور وهذا قفـــــصي
طرت منه وتركته رهــــــنا
أحـــمد الله الذي خلصـــني
وبنى لي في المعالي وطــــــنا
كنت قبل اليوم (ميْــــتٌ)بينكم
فحييت (إن) خلعت الكفــــنا
وأنا اليـــوم أناجى مــــلأ
وأرى الله جهارا علــــــنا
عاكفا في اللوح أقـــــرأ وأرى
كل ما كان ويأتي ودنـــــا
يا قريب يا مجــــــيب اهدني
من سواك أنت كريم (معلـــنا)
وطعامي وشـــرابي واحــد
فافهموه فهو رمز (حسنــــا)
فافهمــــــوا السر ففيه نبأ
من (معاني) تحت لفظ كمـــنا
فاهدموا بيتي ورضوا قفصي
وذروا الكل يقينا بيّــــــنا
لقد رحت وقد خلفـــــتكم
لست أرضى داركم لي وطنــا
لا تظنوا الموت موتا إنـــــه
لحياة فهو غايات المنـــــى
خبرتنا الدار يوما عنهـــــم
فإذا ما مت طار (الوسنــــا)
(لا تكن) في هجمة الموت (فزع)
إنما هي انتقال من هنا إلى هنــا
وخذوا في الزاد حملا واثـــقا
ليس بالغافل منا مـن ونــــا
واحسنوا الظن برب راحـــم
يشكر السعي وتأتوا أمنــــا
ما أرى نفسي إلا أنتـــــم
واعتقادي أنكم أنـتم أنــــا
(عنصر الهامة منا)؟ واحــــد
وكذا الجسم جميعا معنـــــا
فمتى ما كان خيرا (فلــــقا)
ومتى ما كان شرا فبــــــنا
أسال لنفسي راحـــــــة
رحم الله صديـقــــا أمنــا
وسلام الله عليكم دايمـــــا
سلام من مــحب (وتنــــا)؟