محاكمة الضابط فؤاد مردم بقضية باخرة السلاح السورية

محاكمة الضابط فؤاد مردم بقضية باخرة السلاح السورية التي استولت عليها اسرائيل

كان لهذه القضية وقع بعيد الأثر في سورية، ففي تقدير الجيش السوري أن هذه الباخرة لو وصلت سالمة لتغير وجه المعركة، وكان هذا ايضا تقدير الاسرائيلين فقد ذكر ايغال ألون في مذكراته عن حرب الجليل ان توفر بعض السلاح عند أحد الطرفين كان يتحكم بمصير المعركة بينهما.

وقد زاد في نقمة الشعب والجيش في سورية عندما عرف ان المسؤول عن هذه القضية هو الضابط فؤاد مردم الذي لم يلتحق بالحكومة السورية بعد قصف دمشق والمدن السورية في ثورة 1945، مثلما فعل كثير من الضباط، وانما بقي الى آخر لحظة في خدمة فرنسا الى أن استلمت الحكومة السورية الجيش من الفرنسيين عند الجلاء عن سورية، ولم يكن من سبب لتكليف هذا الضابط بمثل هذه المهمة المصيرية سوى انه ابن عم جميل مردم رئيس الوزارة الذي حاول عندما قدمت استجوابا في المجلس عن ملابسات هذه القضية ان يصفها بأنها مخالفة مسلكية، وكان ذلك ابان تطلع الرأي العام في سورية والبلاد العربية الاخرى الى معرفة أسباب هزيمة عام 1948، ولا سيما في سورية، البلد المتحرر الوحيد القادر على القيام بدور يمكن ان يكون حاسما في هذه المعركة المصيرية، وهذا الاهتمام من قبل الرأي العام هو الذي ساعد على اقرار المجلس لاقتراحي بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية بأسباب هزيمة الجيش السوري.

لقد حاول القوتلي للدفاع عن نفسه، ان يحمل المسؤولية للاخرين، لذلك تولى شخصيا - بعد التعبئة الرهيبة ضده بالنسبة لمسؤولية الهزيمة - التحقيق في بعض الفضائح التي ارتكبها جماعته من التجار المتعهدين بتموين الجيش، ويروي خالد العظم في مذكراته هذه الواقعة:

وصلت بنا السيارة ووراءها السيارة التي تقل حسني الزعيم ومعاونيه الى مستودعات الجيش، وهناك دخلنا احد العنابر.... وطلب الرئيس من أمين المستودع ان يحضر وابور كاز ومقلاة وبيضا ففعل، فوضعت قطعة السمن ضمن المقلاة ولما حميت تصاعدت منها رائحة كريهة حتى اننا اضطررنا الى سد انوفنا، فطلب الرئيس ان تحمل تنكة السمن الى سيارته ليأخذها معه لفحصها... ويقول العظم: بعد ذلك ذهبت الى وزارة الدفاع فسألت حسني الزعيم عمن يعقد هذه الصفقات فقال هنالك لجنة للعقود ولجان للاستلام ويشرف على كل ذلك العقيد بستاني .

فغيرت كل ذلك، ثم أرسلت النماذج للتحليل.... ولما ذكرت الصحف الخبر مقتضبا وذكرت انني أمرت بالتحقيق استاء رئيس الجمهورية فأوعز للصحف بأن تسرد زيارته للمستودع بالتفصيل وتذكر انه هو الذي أمر وزير الدفاع بفتح باب التحقيق ومعاقبة المسؤولين (ص 182-183) الجزء الثاني.

وقد أمر شكري القوتلي ايضا باحالة الضابط فؤاد مردم للتحقيق والمحاكمة العلنية، مع احاطة هذه المحاكمة بمظاهر احتفالية، فكان نادي الضباط مركزا لها، كما حضرها عدد كبير من الضباط ورجال الصحافة والسياسة وجمهور غفير من الناس، وضمن تلك المظاهر الاحتفالية ادلى النائب العام بالمرافعة التالية:

ان الرجل الماثل امامكم، الذي يحمل رتبة مقدم، كفر بعروبة فلسطين وطعن قضيتها بالصميم بنذالة ودناءة، لقد كان عونا للعدو على بلاده فاستحق غضب الله ونقمة الامة ولعنة الاجيال الصاعدة، لقد باع فلسطين وسبعين مليونا من العرب في سبيل امرأة يهودية اتخذته مطية لمساعدة الصهيونيين، فانقاد لها ونفذ رغباتها ناسيا فلسطين مغمضا عينه عن رؤية إخوانه الضباط والجنود الذين كانت تصرعهم نيران العدو (1) ، وأصم أذنيه عن سماع أصداء عويل العذارى وندب الثكالى وبكاء الاطفال وأنين العجائز والشيوخ في مذابح دير ياسين وصفد وحيفا .

ثم ذكر النائب العام وقائع القضية فقال: ان وزارة الدفاع تعاقدت مع احدى الشركات التشيكوسلوفاكية على شراء ثمانين الف بندقية وستة ملايين طلقة. وأوفدت لجنة عسكرية لاستلام الاسلحة وشحنها الى سوريا. وقد قامت هذه اللجنة بمهمتها فاستلمت الاسلحة واتفقت مع شركة (انترسبيد) لنقلها الى بيروت. فشحنت على متن الباخرة (لينو) بعد التأمين عليها لدى شركة (سلافيا) في براغ لقاء خمسين الف دولار. ولما بلغت هذه الباخرة مدينة (مولفينا) الايطالية توقفت لأن ربانها الشيوعي أراد الاستيلاء على شحنة الاسلحة لتوزيعها على الشيوعيين الايطاليين فشعرت الحكومة الايطالية بالأمر وسارعت الى القاء الحجز على الباخرة واعتقال ربانها وملاحيها الشيوعيين، وساقتهم مع الباخرة الى مدينة (باري) حيث نسفت الباخرة هناك وأغرقت حمولتها.

وقد أوفدت وزارة الدفاع السورية المقدم فؤاد مردم الى ايطاليا للعمل على انتشال الاسلحة من البحر وتأمين شحنها ومطالبة شركة التأمين (سلافيا) بقيمة الضرر اللاحق بها، وفوضته بشراء أسلحة اخرى وسلمته ثمانين الف دولار للقيام بهذه المهمة... وقد تم انتشال الاسلحة من قاع البحر، وقدر الخبراء والمحكمون الخسائر التي أصابتها بنسبة 15% للبنادق و80% للذخائر... وقد أمرته وزارة الدفاع بالعمل على اعادة شحنها الى سورية بسرعة على متن باخرة كبيرة وأمينة وموثوقة، والحضور معها بعد التأمين عليها.. ولكن فؤاد مردم تأخر في شحن الاسلحة بداعي الصعوبات التي تعترض سبيله، وراح يفتش عن شركات اخرى بعد ان رفض التعاقد مع شركة (فامركه دي سيموني) وهي شركة موثوقة ارشده اليها تطوعا ممدوح الحفار، وقد قبلت هذه الشركة شحن الاسلحة من جنوة الى بيروت لقاء مليون لير. (قيمة الصفقة 200 مليون لير)... في الوقت ذاته كانت الايادي الصهيونية تضغط على الحكومة الايطالية لعدم السماح باعادة ارسال الاسلحة الى سوريا فباءت مساعيها بالفشل. ولما علمت بأمر فؤاد مردم، الذي لم يكن يكتم اسراره، وجهت اليه امرأة يهودية على غاية من الجمال تدعى (بلماس)، يوغسلافية الاصل تعمل لحساب الصهيونية، بارعة الذكاء، تحترف الصحافة، فتعرفت على الظنين... ورغم علم الظنين مردم بتجسس اليهود هناك على كل من يعمل لمصلحة بلاده، واطلاقهم خلفه عيونا ترصد حركاته وتصرفاته وأعماله فقد افتتن مردم ببلماس وكانت تجمعه في بيتها بنساء على شاكلتها. وكان يقيم لهن الحفلات وينفق عليهن الاموال، ولم يتورع عن الظهور معهن في الاندية والمحلات العامة حيث كان يبذخ ويصرف بسخاء مما استدعى انظار البوليس الايطالي... وبالرغم من تحذيره من قبل السوريين الذين التقوا به في روما والى جانبه تلك المرأة، كالسادة بشير رمضان وسعدي الفرا ونظير العابد، ورغم نصحهم له بالاقلاع عن معاشرتها وضرورة الابتعاد عنها لعظم المهمة والمسؤولية المنوطة به، فانه تمادى في غيه... ولما عاد ممدوح الحفار الى دمشق كلفته الحكومة رسميا بالعودة الى ايطاليا لتذليل العقبات وشحن الاسلحة، وزودته بكتاب تأمر فيه الظنين مردم بأن يتفق مع الحفار بهذا الشأن... وقد قام الحفار بايصال مردم إلى شركة (دي سيموني) حيث اتفق معها على الشحن من باري الى جنوا برا، ومن جنوا تنقل الاسلحة الى بيروت على متن الباخرة المصرية (الخديوي اسماعيل)... ولكن الحفار تلقى بعد ذلك برقية من الشركة جاء فيها ان الظنين مردم اتفق مع المدعو (منارة) وهو صاحب مركب شراعي صغير يدعى (أرجيرو) على شحن الاسلحة خلافا للتعليمات التي تلقاها. كما أنه لم يقم بالتأمين على البضاعة برغم وجود ثمانين الف دولار في حوزته لهذه الغاية... وذكر النائب العام كيف ان الظنين مردم ترك الاسلحة في ذلك المركب الصغير في البحر وراح يتنقل بين المدن الايطالية، ثم أتى بعد ذلك الى الاسكندرية لينتظر وصول المركب اليها. ولما لم يصل المركب عاد الى روما ليكون الى جانب صديقته (بلماس) التي اصطحبها الى ميلانو.. ثم استدعي الى دمشق. وتجرأ بعد رجوعه الى دمشق على الكذب والادعاء بأنه امن على البضاعة. وقد ظهر خداعه وتلاعبه بعد مقابلته مع ممدوح الحفار.... وقد برهن النائب العام على ان الظنين عد البضاعة مستهلكة وأنه باعها ولم يؤمن عليها ولم يدفع اجرة شحنها.

وقد اتضح بعدئذ ان المركب (أرجيرو) وصل مع شحنته سالما الى تل ابيب، بدليل ان وزارة الخارجية الايطالية تلقت من قنصلها في القدس اشعارا بان بحارة المركب موجودون في فلسطين ويشتغلون لدى اليهود.

لقد جرت محاكمة فؤاد مردم قبيل انقلاب حسني الزعيم الذي أوقف المحاكمة وطوى القضية، ولكن بعد أربعين عاما وعلى عادة المخابرات الاسرائيلية بالكشف عن اتصالاتها وعملياتها السرية بعد مرور وقت من الزمن كاف لعدم حدوث اي مضاعفات، كشفت المخابرات الاسرائيلية عام 1986 عن دورها في قضية باخرة السلاح، وبصورة خاصة عن القسم الاول منها الذي انتهى بغرق الباخرة في ميناء باري العسكري، قبل انتشالها واعادة شحنها من جديد، وفيما يلي نص الرواية الاسرائيلية - على ضوء الوثائق التي كشف عنها - كما نشرتها جريدة الاحرار المصرية في عددها بتاريخ 6/1/1986، وهي رواية تركز على الدور الاسرائيلي في نسف الباخرة التي تحمل صفقة السلاح السورية، بينما تمر مرورا عابرا - يمكن فهمه بالنسبة لمقال اسرائيلي - على دور فؤاد مردم مع التغطية على وقائع ثبتت عليه بشهادة اشخاص سوريين لا موجب للطعن بشهادتهم.

والذي يهمنا من هذه الرواية هو الاشارة الى الأهمية الكبيرة التي كانت اسرائيل تعلقها على عدم وصول تلك الاسلحة الى الجيش السوري، مما تبدى بملاحقة بن غوريون شخصيا لمراحل الاستيلاء عليها والتي يصفها المقال بأنها:

كانت كافية بمقاييس سنة 1948 للتغلب على المستوطنات اليهودية في الشمال بما يمكن الجيش السوري من فتح الطريق امام هجوم واسع النطاق عبر سهول الجليل (2)

مع الاشارة الى ان تفاصيل سفر الضابط السوري الذي عقد الصفقة عبر تل أبيب تستحق - من طرفنا - كثيرا من التمحيص واشارات التعجب والاستفهام، وقد يكون ايرادها في المقال على تلك الصورة للتغطية على طريقة وصول خبر الصفقة الى الجانب الاسرائيلي.

الرواية الاسرائيلية:

هبطت الطائرة السويسرية من طراز دي. سي. 4 في الرحلة رقم 442 الى مطار تل ابيب، كان ذلك في مطلع شهر فبراير سنة 1948 وبعد تزويد الطائرة بالوقود، بدأت تستعد للاقلاع من جديد متجهة الى محطتها التالية في رحلتها إلى باريس.

لم تكن اسرائيل قد أنجزت بعد قيامها الكامل كدولة في فلسطين، ومع ذلك فقد كان اليهود يعدون انفسهم بالفعل للحرب ضد العرب، وهي الحرب التي يعرفون انها وشيكة فعلا، ومن هنا فقد كانت خطوط الطيران الدولية ما تزال تطير بين العواصم العربية وفلسطين في طريقها الى اوروبا وامريكا او في طريق عودتها.

وفي مقصورة الدرجة الاولى بالطائرة السويسرية كان يجلس ضابط سوري شاب، وهو الكابتن عبد العزيز قرين (3) ، في طريقه الى براغ عن طريق باريس، باعتباره ممثلا لوزير الدفاع السوري، احمد شراباتي، لكي يتعاقد على شراء عشرة الاف بندقية من تشيكوسلوفاكيا للجيش السوري.. حيث تحتاجها سوريا بشدة في مواجهتها الوشيكة مع اليهود في فلسطين.

وخلال دقائق كان يجلس في نفس الطائرة مسافر آخر يتجه الى مهمة مماثلة، وبين جواز سفره الفلسطيني ان اسمه هو جورج ايبرال ووظيفته المدونة في الجواز هي مدير مؤسسة يهودية ذات فروع في الخارج مع ذلك، فقد كان اسمه الحقيقي هو ايهود افريل وهو يمثل منظمة من أكثر المنظمات اليهودية سرية في فلسطين انها منظمة راكيش لشراء الاسلحة للهاجانا، التي هي بدورها الجيش اليهودي الذي يعمل لقيام الدولة اليهودية في فلسطين.

لم يكن الضابط السوري الشاب يعرف بالطبع بوجود هذا العميل اليهودي السري معه على نفس الطائرة ومتجها الى نفس البلد - تشيكوسلوفاكيا وكانت تلك الرحلة للعميل اليهودي هي في حد ذاتها جزءا من أول عملية مخابرات سرية كبرى تقوم بها اسرائيل فيما وراء البحار، وتنفذها منظمة راكيش السرية وكانت المنظمة قد عرفت بعد أيام، من عميلها اليهودي هذا... ايهود افريل.. انه لاحظ بينما هو يتجول في مصانع السلاح والذخيرة في تشيكوسلوفاكيا، انه يوجد شخص عربي اخر، لا يعرف جنسيته، يقوم بجولة مشابهة له، ويريد هو الاخر التعاقد على شراء اسلحة من تشيكوسلوفاكيا، وفي فلسطين بدأت منظمة راكيش اليهودية السرية تجري تحرياتها، حتى اكتشفت ان الشخص المقصود سوري الجنسية، وانه سافر الى براغ على نفس الطائرة وفي نفس اليوم، وانه يمثل الحكومة السورية، واسمه عبد العزيز قرين.

وبمقاييس الحرب الحديثة، فان المشتريات التي اكتشف ايهود افريل ان الضابط السوري قد تعاقد عليها من تشيكوسلوفاكيا، ليست ضخمة، لقد تعاقد عبد العزيز قرين على شراء ستة الاف بندقية (4) وثمانية ملايين طلقة ذخيرة من الحجم الصغير وشحنة من القنابل اليدوية، وهي كميات تكفي لتسليح ثلاث كتائب مشاة، وتكفي بمقاييس سنة 1948 للتغلب على المستوطنات اليهودية في الشمال، بما يمكن الجيش السوري من فتح الطريق امام هجوم واسع النطاق عبر سهول الجليل.

وحينما تلقى ديفيد بن جوريون، الذي سيصبح خلال وقت وجيز اول رئيس وزراء لاسرائيل، تلك المعلومات من ايهود افريل فانه لم يتردد لحظة في التصرف، لقد امر بوضع عملية مخابرات عاجلة لمنع الجيش السوري من الحصول على تلك الاسلحة بأي ثمن، وأصبح اسم العملية السرية هو عملية السرقة وهدفها التأكد تماما من عدم وصول شحنة الاسلحة التشيكوسلوفاكية هذه الى سوريا، خاصة بعد ان تبين ان الشحنة قد تم تحميلها في باخرة ايطالية قديمة اسمها لينو وان الباخرة تشق طريقها في البحر فعلا متجهة الى ميناء وصولها.

وفي البداية لم يكن هناك احد يعرف كيف يمكن تجاوز الباخرة الايطالية في اعالي البحار، لقد كانت منظمة الهاجانا قد اشترت لتوها اسطولا من طائرات النقل، ما زال موجودا في ايطاليا، وقد جرى التفكير في أن يتم شحن تلك الطائرات بالمتفجرات، لكي تطير متابعة الباخرة الايطالية في اعالي البحار حيث يمكن ضربها بالقنابل وتفجيرها بالكامل، وقد تم تزوير وثائق خاصة لاحدى تلك الطائرات وافرادها وطاقمها على أساس ان بناما هي موطنهم. ثم جرى التفكير في خطة بديلة، وهي استئجار قارب وتسليحه بعد اعداد اوراق مزورة اخرى له، لكي يحاول الاستيلاء على الباخرة في عرض البحر، او نسفها اذا فشل في نفس الوقت، لم تكن الدول العربية تعرف بعد ان منظمة الهاجانا قد اصبح لها سلاحها الجوي، وقد تم تكليف بعض طائراته بالخروج الى اعالي البحار للبحث عن الباخرة الايطالية وضربها ولكن... لمدة ثلاثة ايام متواصلة، ظلت تلك الطائرات السرية تستكشف البحر الادرياتيكي بحثا عن الباخرة... بغير جدوى. لقد اختفت الباخرة الايطالية في اعالي البحار في ظروف غامضة.. وهو الامر الذي اوشك ان يصيب ديفيد بن جوريون بالجنون.

ولكن، في 30 مارس تم حل اللغز، حينما ابرق شاؤول افيجور، اول رئيس لبعثات المخابرات اليهودية في اوروبا، بتقرير من يوغوسلافيا يقول فيه انه لسبب غامض تلقت الباخرة الايطالية تعلميات بالعودة الى ميناء قيامها. ولكن في اليوم التالي مباشرة تلقت الباخرة امرا بالابحار من جديد، وهكذا استعدت الطائرات السرية التي اشترتها الهاجانا وأعطتها جنسية بناما المزورة لضرب الباخرة الايطالية في عرض البحر.

ولكن الطقس تدخل في هذه المرة لكي يفسد عملية المخابرات اليهودية الاولى فيما وراء البحار.

ففي أول ابريل (1948) هبت عاصفة كانت من القوة بحيث عجز طيارو اليهود تماما عن المضي في رحلتهم الاستكشافية بحثا عن الباخرة الايطالية التي تحمل شحنة السلاح الى سوريا.

وهنا قامت منظمة راكيش اليهودية السرية بوضع خطة بديلة على الفور لقد تم استئجار يخت تجاري فاخر من ايطاليا، قادر على الابحار بسرعة تتراوح بين 14 و17 عقدة بحرية، ومن ثم فانه يمكن ان يكون اسرع كثيرا من الباخرة الايطالية القديمة التي تحمل شحنة السلاح السورية. وأرسلت الهاجانا على الفور بمجموعة منظمة من الضباط اليهود الذين يشكلون طاقم اليخت في المهمة السرية للاستيلاء على الباخرة الايطالية او نسفها في عرض البحر.

وبينما يتم اعداد اليخت للابحار وصلت معلومات جديدة: لقد تعطلت بعض الات الباخرة لينو وحينما رأى قبطانها سوء الاحوال الجوية امامه، قرر الاتجاه بباخرته الى ميناء مولفيتا وهو ميناء صغير في جنوب ايطاليا. وهنا اصبحت الظروف تساعد المخابرات اليهودية، فطالما الباخرة موجودة في الميناء الايطالي الصغير، يصبح في امكان مجموعة صغيرة من المحترفين في الهاجانا، الذهاب الى هناك ونسفها.

وهنا قامت الهاجانا بتجنيد احدى عميلاتها من اليهود الاوروبين، وهي امرأة يهودية جميلة اسمها ادا سيريني التي كان الالمان قد قتلوا زوجها خلال الحرب، وأصبحت الان عميلة لتنفيذ عمليات المخابرات اليهودية السرية في اوروبا، وفي تلك الفترة كانت ايطاليا تجتاز فترة الانتخابات العامة، حيث يتم تبادل الاتهامات الضارية بين الديموقراطيين المسيحيين والشيوعيين، وكل جانب منهما يتهم الاخر بالاستعداد للقيام بعصيان مسلح في ايطاليا.

واختارت ادا سيريني عشيقا لها في الحزب الديموقراطي لكي تتصل به وتقول له: ان الشيوعيين يأتون بالاسلحة تمهيدا للقيام بانقلاب مسلح ضدكم في ايطاليا لقد وصلت السفينة الى ميناء مولفيتا محملة بالبنادق والذخيرة استعدادا للانقلاب الشيوعي.

وخلال اثني عشرة ساعة، كانت تلك الاخبار منشورة في الصفحات الاولى لكل جريدة ايطالية وأصبحت الحكومة الايطالية في حالة رعب من الانقلاب الشيوعي المسلح المحتمل، بينما ردت الصحف الشيوعية الايطالية بان تلك الاخبار مزيفة وتمثل استفزازا من الحكومة، ثم ردوا من جانبهم باتهامات مضادة بان تلك الاسلحة لا بد ان تكون قد جاءت بها الاحزاب اليمينية الايطالية التي تخطط لقهر الشيوعيين بالقوة.

في نفس الوقت كانت المخابرات اليهودية تهنىء نفسها على عملية الوقيعة الكبرى هذه التي نجحت فيها داخل الاحزاب الايطالية، خاصة ولم يعد هناك مفر امام الحكومة الايطالية المرتعبة من أن تأمر بالقبض على قبطان السفينة وافراد طاقمها الذين لا يعرفون سبب القبض عليهم.

وتم اقتياد السفينة الى ميناء باري العسكري في ايطاليا، حيث اصبحت هدفا محددا وقائما امام فريق النسف السري الذي بعث به بن جوريون.

ولم يكن هناك مزيد من الوقت، فنحن الان في الرابع من ابريل، والحرب الاسرائيلية مع العرب وشيكة للغاية، ولو وصلت تلك الاسلحة الى الجيش السوري فانها ستؤخر، وربما تمنع، اعلان قيام الدولة اليهودية في فلسطين، ان قبطان الباخرة سرعان ما سيروى القصة الحقيقية للسلطات الايطالية، وساعتها ستكون الحكومة الايطالية مضطرة للافراج عن الباخرة، ولذلك، اصر ديفيد بن جوريون على انجاز عملية السرقة باقصى سرعة قبل ان يتم كشف الحقيقة للسلطات الايطالية.

وبسرعة شديدة تجمع فريق التخريب الذي بعث به بن جوريون الى إيطاليا حيث قام قائد المجموعة باستئجار سيارة نقل ضخمة من حمولة الخمسة اطنان، وتم طلاؤها بشعار القوات الامريكية في ايطاليا، وتم ملؤها بكل معدات النسف والتفجير المطلوبة.

وكانت علامات الجيش الامريكي المزورة على سيارة النقل تؤدي الى تسهيل مرورها عبر الحواجز التي اقامها البوليس الايطالي عند مفارق الطرق الهامة، وفي مداخل ميناء باري ، وفي نفس الوقت الذي كان فيه فريق استطلاع يهودي قد تسلل الى الميناء لتحديد موقع الباخرة، واكتشف هناك وجود مدمرة بريطانية ترسو بالصدفة بجوار الباخرة المستهدفة لينو .

وبعد ان استأجر فريق التخريب اليهودي السري قاربا من أحد الايطاليين في الميناء بحجة انهم سياح يهوون التنزه بالبحر، وبعد او وضعوا اللغم المشحون بمادة تي. ان. تي في الزورق.. فشلوا في محاولتهم الاولى لوضع اللغم اسفل الباخرة المستهدفة.. بسبب الانوار الكاشفة التي كانت تنطلق من المدمرة البريطانية الموجودة في الميناء الايطالي بالصدفة.

وفي منتصف الليلة التالية، 19 ابريل، عاود فريق التخريب اليهودي السري المحاولة، وفي هذه المرة ايضا اقتربوا تماما من الباخرة لينو لكي تمنعهم الانوار الكاشفة للمدمرة البريطانية من الاقتراب اكثر واكثر لتثبيت اللغم. وزاد على ذلك في هذه المرة وجود المدمرة البريطانية في حالة استعداد، وكل افراد طاقمها في حالة تنبه، وأوامر تنطلق هنا وهناك.

وفي الواحدة والنصف ليلا كان فريق التخريب قد أصبح في حالة يائسة تماما من انجاز مهمته التي يتعجلها بن جوريون ويتلهف على اتمامها طوال الايام الاخيرة. ولكن... سرعان ما تدخل الحظ فجأة لصالحها.. فقد تبين ان حالة الاستعداد على المدمرة البريطانية سببها استعداد المدمرة لمغادرة الميناء، حيث غادرته فعلا قبيل الساعة الرابعة فجرا.. وهو الامر الذي ترك الباخرة لينو هدفا سهلا مجردا من اية حماية داخل الميناء.

وهكذا تسلل فريق التخريب اليهودي من جديد لكي يعملوا بأقصى سرعة على تثبيت اللغم في جسم الباخرة التي تحمل شحنة السلاح السوري.

وبعد الساعة الرابعة فجرا بقليل، كانت المهمة قد تمت.. وخلال فترة وجيزة انفجر اللغم في جسم السفينة، محدثا انفجارا هائلا ومدويا، في نفس اللحظة كان اعضاء فريق التخريب يفرون هاربين خارج الميناء متجهين الى روما في عربة النقل التي تحمل شعار الجيش الامريكي المزيف، بينما شحنة السلاح السوري غرقت كلها في الميناء خلال عشر دقائق.

ولكن القصة لم تنته عند هذا الحد، ففي دمشق ذهب الكولونيل فؤاد مردم الى رئيس الوزراء جميل مردم غاضبا وهو يقول له: ان تلك الاسلحة حيوية جدا للجيش السوري وكان يجب على الحكومة السورية ان تخطر الحكومة الايطالية رسميا بوجهة الباخرة وحمولتها، وعلينا ان نفعل ذلك الان فورا.

وبالطبع وافق رئيس الوزراء، وبعث بفؤاد مردم نفسه الى ايطاليا لهذه المهمة. وهناك تبين ان شحنات السلاح الغارقة ما زالت صالحة للاستخدام بسبب جودة تعبئتها، ولا يبقى سوى انتشال الباخرة الغارقة ولكن هذا استغرق اسابيع عدة، كانت اسرائيل قد قامت خلالها رسميا كدولة.

ومرة اخرى استعانت اسرائيل بعميلتها السرية ادا سيريني التي تابعت المعلومات حول انتشال صناديق السلاح والذخيرة السورية من الميناء، وتنظيفها واعادة تعبئتها بواسطة خبراء ايطاليين تحت الحراسة المشددة في هذه المرة، وحتى تلك المرحلة لم يكن السوريون، ولا الايطاليون يشكون لحظة واحدة في ان تكون لاسرائيل علاقة بهذه العملية كلها، مع ذلك فما زالت اسرائيل مصممة على عدم وصول الاسلحة الى الجيش السوري بأي ثمن.

ولان سوريا لم تكن لديها بواخر ملكها، فلم يعد هناك مفر امام فؤاد مردم من البحث عن باخرة تجارية لشحن الاسلحة، وظل الكونيل مردم يبحث.. حتى اقترح عليه صاحب الفندق الذي يقيم به الاتصال بوكالة مينارا للشحن البحري في روما لكي تدبر له الحصول على باخرة، وبالفعل، اتصل مردم بالوكالة التي كانت اكثر من مستعدة لمعاونته، ودفع لها اكثر من مليون ليرة مقدما نظير الشحن. أما الذي لم يكن الضابط السوري يعرفه، فهو ان صاحب الفندق قد اقترح عليه تلك الوكالة بالذات بناء على اقتراح من عشيقته ادا سيريني التي هي بدورها عميلة للمخابرات الاسرائيلية، والوكالة ذاتها كانت قد اقيمت بواسطة المخابرات اليهودية من قبل. وحينما قام الكولونيل فؤاد مردم بالتفتيش على الباخرة الجديدة اريجورو التي تم وضع شحنة السلاح السورية عليها، فانه لم يكن ليشك لحظة في انه خلال ايام ستكون تلك الاسلحة في ايدي الجيش السوري، ولكن بينما الباخرة في عرض البحر، اكتشف القبطان ان اثنين من طاقمها مسلحان، وتحت تهديد السلاح ارغمها على الاتجاه بالباخرة الى تل ابيب.

اما كل الذي عرفته الحكومة السورية هو ان الباخرة قد اختفت بطريقة غامضة في اعالي البحار، ولم تصل شحنة السلاح مطلقا، الامر الذي ادى الى الحكم على الكولونيل فؤاد مردم بالاعدام.

__________________________________________

(1) أغلب شهداء الجيش السوري الذين صرعوا في ارض المعركة بفلسطين انما سقطوا بسبب قلة العتاد والذخيرة بل وفقدانها اصلا... حدثني العميد المتقاعد جورج محصل انه عندما كان برتبة ملازم في حرب 1948 كلف بالقيام بهجوم على مستعمرة يهودية مع اثنين وثلاثين جنديا، كان 17 منهم مسلحين ببنادق قديمة، أما الباقون فكانوا عزلا من السلاح.

(2) كان الاسرائيليون كما يبدو من المقال يتوقعون ان يكون دخول الجيش السوري الى فلسطين عن طريق الجليل لما لهذه المنطقة من اهمية استراتيجية وبشرية، فهي تطل من الشرق على الحولة وطبريا، ومن الغرب على الساحل الفلسطيني ومدنه، ومن الجنوب على مدن هامة كصفد ثم الناصرة، كما انها بشريا لم تكن قد استوطنت بعد، وانما كانت عربية بمعظمها، بينما كانت المستعمرات الاسرائيلية تشكل فيها نقاطا متناثرة، مما تشير اليه حرية حركة المجاهدين الذين دخلوا منطقة الجليل من حماة والمدن السورية الاخرى، كما تشير اليه ايضا توصية الوسيط الدولي الكونت برنادوت الذي رأى الحاق الجليل والنقب بالمنطقة العربية، مما كان سببا في اغتياله من قبل الاسرائيليين.

(3) هكذا ورد الاسم في المقال، وقد يكون كريم، ومن المحتمل ان يكون المقدم عزيز عبد الكريم هو الذي كلف بشراء هذه الصفقة.

(4) ورد هذا الرقم في الوثيقة الاسرائيلية وهو مخالف لما ورد في مطالعة النائب العام الذي ذكر ان الصفقة المتفق عليها هي ثمانون الف بندقية.