كتب پورانا

پورانا تعني بالهندي قمر 14 وبالسنسكريتية: पुराण پورانا تعني القصص القديمة) أنشأوها شعراً في أربعمائة ألف دوبيت (الدوبيت بيتان من الشعر) يعرضون فيها لعامة الناس حقيقة خلق العالم بصورتها الدقيقة ، وما يطرأ عليه من مراحل الكون والفساد المتعاقبة على فترات دورية ، ونسب الآلهة ، وتاريخ عصر البطولة ؛ وليست تدعي هذه الكتب لنفسها قالباً أدبياً ولا نظاماً منطقياً ، ولا إعتدالاً في تقدير الأشياء بالأعداد ، من ذلك مثلاً أنها تذكر عن الحبيبين إرفاشي و بورورافاس أنهما قضيا واحداً وستين ألف عام في سرور وغبطة ؛ لكنها مع ذلك أصبحت للديانة الهندية إنجيلاً ثانياً لوضوح لغتها وروعة قصصها وسلامة العقيدة التي تشرحها ، كما أصبحت تلك الكتب للديانة الهندية مستودعاً عظيماً لخرافاتها وأساطيرها ، بل وفلسفتها ؛ فهناك على سبيل المثال قطعة من فشنوبورانا تعبر عن أقدم فكرة جالت برأس الهندي وما فتئت تعاوده على طول الزمن- وأعني بها الفكرة القائلة بأن إستقلال الأفراد في ذوات منفصل بعضها عن بعض ، وهم ، وأن الحياة كلها حقيقة واحدة:

جاء ربهو بعد ألف عام. إلى نداغا في مدينته ليزيده علماً. فرآه خارج المدينة. في نفس اللحظة التي كان الملك فيها على وشك الدخول بحشد كبير من الأتباع ، رآه واقفاً على معبده ، معتزلاً بنفسه عن الزحام ، ذاوي العنق من أثر الصيام ، وكان في طريقه عائداً من الغابة ومعه بعض الوقود والكلأ لما رآه ربهو قصد إليه وحياه قائلاً: أيها البرهمي! فيم وقوفك هاهنا وحيداً؟ ، فقال نداغا : أنظر إلى الحشد محيطاً بالملك الذي يوشك أن يدخل المدينة ؛ هذا هو علة وقوفي وحيداً ، فقال ربهو : أي هؤلاء يكون الملك؟ ومن عسى أن يكون الآخرون؟ أنبئني فيبدو عليك أنك بالأمر عليم ، فقال نداغا : إن من يركب الفيل الأحمر ، عالياً برأسه كأنه قمة الجبل هذا هو الملك ، والآخرون هم تابعوه . فقال ربهو : إنك تشير إلى هذين ، إلى الملك والفيل دون أن تميز بينهما بفاصل قل لي أين أجد الفاصل بين هذا وذاك؟ أريد أن أعلم أي هذين هو الملك ، وأيهما يكون الفيل؟ فقال نداغا : الفيل أسفل ، والملك من فوقه ، من ذا الذي لا يعلم علاقة الحامل بالمحمول؟ فقال ربهو : علمني ذلك فقد أستطيع تعلمه ، ما هذا الذي تشير إليه بقولك أسفل وبقولك فوقه ؟ فوثب نداغا من فوره على المعلم وخاطبه قائلاً: هاأنذا أعلمك ما أردت أن تتعلمه مني ، أنا أعلى مثل الملك وأنت أسفل مثل الفيل ، وإنما أسوق لك هذا المثل لأعلمك فقال ربهو: إذا كنت في موضع الملك ، وأنا في موضع الفيل فما أزال أطلب منك أن تنبئني: أينُّا أنت أينُّا أنا؟ فما لبث نداغ أن جثا أمامه وأمسك بقدميه وقال: حقاً إنك ربهو أستاذي. بجوابك هذا عرفت أنك أنت شيخي قد أتى . فقال ربهو : نعم ، جئت لأعلمك لأنك فيما سبق أبديت إستعداداً لخدمتي ، أنا هو ربهو قد جئت إليك وهذا الذي علمتك إياه إختصاراً- وهو صميم الحقيقة العليا- يتلخص في نفي الثنائية من الوجود وبعد أن فرغ الشيخ ربهو من حديثه هذا مع نداغا ، مضى لسبيله ومن ثم أدار نداغا فكره- مهتدياً بهذا الدرس الرمزي الذي تعلمه- فركزه كله في اللاثنائية ومن ذلك الحين أخذ ينظر في الكائنات كلها فلا يجد فيها ما يفرق شيئاً منها عن نفسه وبهذا شاهد براهما ، وحقق الخلاص الأعظم.

An illustration of Varaha avatar based on the Bhagavata Purana
An illustration based on the Varaha Puranaوفي كتب بيورانا هذه ، وفي أمثالها من آثار الهند في عصورها الوسطى ، تقرأ نظرية عن الكون بعينها النظرية التي يقول بها العصر الحديث ؛ فليس هناك خلق بمعنى التكوين بعد العدم ، إنما هو كون يعقبه فساد أبد الدهر ، هو نماء يعقبه ذبول ، دورة بعد دورة ؛ كهذا الذي تراه متمثلاً في كل نبات في العالم وكل حيوان ؛ والذي يحفظ مراحل هذه السيرة فلا تقف دورتها ، هو براهما- أو إن شئت فقل براجاباتي كما يسمى الخالق في هذه الكتب التي نحن الآن بصددها- براهما هو القوة الروحية التي تفعل ذلك ، ولسنا ندري كيف بدأ العالم ، إن كانت للعالم بداية ؛ يجوز أن يكون براهما- كما تذهب كتب بيورانا- قد جعل بداية العالم بيضة ثم إحتضنها حتى أفرخت ؛ ويجوز أن يكون هذا العالم غلطة عابرة من الصانع ، أو فكاهة رأى فيها قليلاً من تسلية ؛ وكل دورة- أو كالبا كما يسمونها- في تاريخ الكون منقسمة إلى عصور كبرى - ويسمون كل عصر منها ماهايوجا - طول الواحد منها 000ر320ر4 عام ؛ ثم ينقسم كل ماهايوجا إلى أربعة يوجات - أي عصور يطرأ على الجنس البشري خلالها تدهور تدريجي ؛ ولقد مضت ثلاثة أعصر من الماهايوجا - أي العصر الأعظم- الحاضر ، بلغ مداها 888ر888ر3 عام ، ونحن الآن نعيش في العصر الرابع- ويسمونه اليوجا الكالي ومعناها عصر الشقاء؛ ومن هذه المرحلة الرابعة انسلخ 035ر5 عام، وبقى منها 965ر426عام ، وعندئذ يصيب العالم موت من ميتاته الدورية ، بعدها يبدأ براهما يوماً آخر من أيام براهما وما يومه إلا كالبا أي دورة طولها 000ر000ر320ر4عام ؛ وفي كل دورة كالبية من هذه الدورات يتطور الكون بفعل العوامل الطبيعية ماراً بالخطوات الطبيعية ، وبفعل العوامل الطبيعية ماراً بالخطوات الطبيعية يعود إلى الإنحلال ، وفناء العالم كله لا يقل في يقينه عن موت فأر ؛ وليس هناك غاية نهائية يتحرك كله في نظر الفيلسوف بأخطر من موت الفأر ؛ وليس هناك غاية نهائية يتحرك نحوها الكون ، أي ليس هناك تقدم بل كل ما هناك تكرار لا ينتهي.