الأوبانيشاد- 1(لأول مرة بالعربية)

الجزء الأول

كاتا والموت


عسى أن يحمينا البراهمن
عسى أن يدلنا على الطريق
عسى أن يمنحنا القوة
عسى أن يلهمنا الفهم الصحيح
عسى أن يسود الحب والوئام بيننا
أووم ...
سكون .. هدوء .. صفاء


كان فاياسرافاسا يقوم بشعائره الدينية عن طيب خاطر طلبا رضاءالآلهة
طلبت الآلهة منه , لكي تغض عنه الطرف ,
أن يتخلى عن كل ممتلكاته
وأن يتقرب إليها ويقدم لها قرابينا
لا يكون بينها ماشية هزيلة أو عمياء أو عرجاء أو مسنة أو عقيمة.
اعتبر إبنه الصغير ناخيكيتا نفسه مِلكا لأبيه فاجاسرافاسا
وإذ غمرت الحقيقة التي يتعلمها الناس مــن الكتب قلبه ..
فكر في سريرته وقال :
من يقدم الماشية الهزيلة كقرابين لن يعرف النور
وسيحكم عليه بالمكوث في السواد والظلام الشامل .
تدبر ناخيكيتا في الأمر ..
وقرر أن يهب نفسه لأبيه يتصرف فيه كما يشاء
قال :
يا أبت , إني أهبك نفسي فافعل بها ماتشاء
ستجدني من المطيعين الممتثلين
فلمن تهبني ؟
لزم الأب الصمت ولم يرد
تشبث الإبن بالأمر وألح في السؤال
و أعاده مرارا إلى أن فقد الأب السيطرة على نفسه وقال :
أهبك إلى الموت (أي إلى إلهة الموت)
تساءل الإبن في صمته :
إني أفضل أبناء أبي وأحسن تلاميذه وأكثرهم قبولا عند الناس
فما فائدة أن أصبح قربانا لملكة الموت ؟
رغم هذا التساؤل ..
اتخذ الإبن قرارا بألا يعصي أباه وأن يمتثل لأوامره
قال :
يا أبت لا تندم
لا تتراجع عن عهدك
تدبر مليا كيف مرت الحياة وانتهت من قبلنا
تأمل كيف تمضي الحياة وتنتهي من يعيش الآن
يا أبت إن الإنسان ينضج كما تنضج الحبوب
ويسقط منه كما يسقط منها على الأرض
فإذا ما حان موعد هذا الذي سقط ..
طفا ونبت من جديد .
بعد أن قال الإبن ذلك لأبيه
توجه إلى مسكن إلهة الموت
لم تكن إلهة الموت هناك
ترقب ناخيكيتا ثلاث ليال إلى أن قدمت إلهة الموت
عندما وصلت , استقبلها الخدم وأخبروها :
يوجد براهمين بمسكنك
نزل ضيفا منذ ثلاث ليال بينما كنتِ غائبة
هو أشبه ما يكون بقبس من نار
فلنقدم له هدية سلام
فالطقوس تنص على أن تستقبلي ضيفك الاستقبال الحسن
فإذا لم يستضف رب البيت البراهمين ضيافة تليق بمكانته ..
خسر خسرانا مبينا .
استقبلت إلهة الموت الإبن بكلماتٍ كلها احترام وتقدير
قالت :
سلامي لك أيها البراهمين
لا ريب أنك تستحق كل الاحترام
أتوسل لك أن لا يمسسني شر
لقد قضيت ثلاث ليال بمسكني دون كرم مني
فاطلب مقابلها طلبات ثلاثة ..
إني مدينة لك بما تطلبه
أجاب الإبن قائلا :
ليكن ذلك يا موت
طلبي الأول :
أتوسل إليكِ ألا يصاب أبي بهلع من أجلي
وأن يزول غضبه عني وأن يعرفني ويستقبلني يوم تردينني إليه .
ردت إلهة الموت قائلة :
بإرادتي سيتعرف أبوك عليك ويحبك مثلما في السابق
ستصير نفسه مطمئنة
وينام هانئا عندما تبعث حيا
رد الإبن قائلا :
بما أن الموت غير موجود هناك ..
فبحق السماء لا تجعلي الخوف مسيطرا
لا تجعلي أحدا يخشى أن يصير عجوزا
لا تجعلي أحدا يجوع أو يعطش
اجعلي الجميع يشعر بالغبطة والفرح ..
اجعليهم يعيشون بعيدا عن الحزن والتألم
يا ملكة الموت ..
يا من تعرفين النار التي تقدم كقربان للوصول إلى السماء
علميني كيف أستعمل هذه النار
إني واهبك نفسي وإني لمفعم بالإيمان
هذا هو مطلبي الثاني .
وافقت إلهة الموت على هذا الطلب
وعلّّمت الإبن كل ماله علاقة بتقديم النار كقربان
كرّر الإبن كل ما تعلمه
وصاحت إلهة الموت إني راضية عنك
إني أهبك هدية أطلق عليها من الآن إسم "قربان ناخيكيتا”
فما هو طلبك الثالث ؟
سيطر الإبن على نفسه وقال :
طلبي الثالث هو :
أن ترفعي الشك والإرتياب الذي يصاحب الناس عند موتهم
فمن قائل بالبعث والحياة بعد الموت ..
إلى قائل بعدم الحياة بعده
ألهميني ما ترينه من حقيقة في هذه المسألة
ردت إلهة الموت قائلة :
الآلهة ذاتها احتارت من هذا الحدث الغامض
من الصعب الحصول على هذه الحقيقة أو فهمها
تخل عن هذا الطلب واطلب شيئا آخر
تشبث الإبن بطلبه وقال :
تقولين يا موت إن الآلهة ذاتها احتارت في هذا الأمر الغامض
وإنه ليس من السهل فهم الموت
أنا واثق أنه لا يوجد معلم غيرك قادر على تعليمي هذه المسألة
ويشرح لي هذا الحدث الغامض
أنا واثق أيضا أنه لا وجود لهدية أثمن من الجواب عن هذا السؤال
وأي طلب أخر ثمنه تفويت الإجابة عن هذه المعضلة .
أرادت إلهة الموت أن تجرب الإبن فقالت :
اطلب ذرية وأبناء يعيشون مئات السنين
اطلب ماشية وفيرة
فيلة
خيولا
ذهبا
اختر مملكة قوية
اطلب إن أردت حكما مطلقا
اطلب أي شيئ تريده لتنعم بالحياة
إني مستجيبة لك بكل ما تطلبه
مستجيبة لك حتى بجزء من السماء بجواري رغم كونها لم تجعل للفانين ..
لكن لا تطلب جوابا عن سر الموت
أصر الإبن وازداد تشبثا وقال :
يا موت إن ما ستعوضين به طلبي ..
وما ستقدمينه لي من نعم بدل سؤالي عن الموت ..
جميعها أشياء فانية لن تمتد في الزمن
لن يتجاوز نعيمها صباح الغد
إن ما تقدمينه للتنعم والتلذّذ بالحياة يُرهق ..
بل يحطم النفس والحواس
احتفظي لديك بالرقص والغناء والجواري واجعليها لك
ياموت إنه - وإن يطلب كل الذين سنتقابل معهم وجها لوجه - كل الملذات ..
فلن أتنازل عن مطلبي ولن أغيره
وكيف يمكن لي أن أطلب طول حياة وقد رأيت أن الذي بمملكتكم لا يتحول ولا يموت ..
في حين تريني أنا الذي عرفت ملذات الجسد ..
أسير نحو الموت
افش لي ياملكة الموت هذا السر الذي ترك الإنسان محتارا وفكر فيه دوما
ليس لي طلب أخر غير هذا الذي أطلب .
سُرّت ملكة الموت وبدأت في تعليمه السّر ..
قالت :
إعلم أن هناك فارقا بين الرغبة في إشباع الحواس وبين الخير الأسمى
كلاهما يحركان الإنسان للنشاط والعمل
لكنهما ينتهيان إلى أهداف مختلفة
فكما يمكن للإنسان أن يشبع رغباته الحسية ..
يمكن له كذلك أن يصل إلى مرتبة الخير الأسمى
الحكيم من استطاع أن يميز بين هذين الأمرين ..
فيتشبث بالطيبة والخير الأسمى ..
ويتخلى عن الشهوات الحسية
والجاهل الأحمق من ترك الرغبات الحسية تسيّره
وأردفت ملكة الموت للإبن قائلة :
أنت الذي لم تفتن بالشهوات وأعرضت عنها رغم وفرتها
أنت الذي تخليت عن السير في ركاب الجهلة وسموت بنفسك عن سبيلهم المهين
أنت الذي لم تخدعك كثرتهم ولم تنقاد بآرائهم المشينة
إن الحمقى والمخدوعين يعيشون في سجن أنانيتهم
يظنون أنهم حكماء وما هم بحكماء
يحيط بهم الجهل وهم لا يعلمون
عُمي يقودهم عميان
الجهل والمعرفة يختلفان وطرقهما تختلف
وإني لأراك من الذين ينشدون طريق المعرفة
إن الطريق الذي يقود إلى الأبدية ليس في متناول العامة
إذ لا يدرك هذا الطريق صبي غض إنجذب إلى الأرض قائلا :
هذه هي حياتنا وهذا هو كوننا ولا وجود لعالم غيره .
هكذا يظن ..
فتراه في كل مرة ينزل فيها إلى الأرض ..
يعود إليها مردودا بأفواهي
الكثيرون لم يعوا معنى الذات ولم يدركوها ..
رغم سماعهم بها
فهنيئا للذي أدرك معناها
إعلم أن حقيقة الذات لا يمكن فهمها أو إدراكها من خلال تعليم معلم
إنها تحتاج إلى تبصر وتـأمل
والنتيجة بين التعلم والتبصر ليست واحدة
هنيئا لك يا بني لأنك تبحث عن الأبدي
كم أرجو أن يكون لي تلاميذ من أمثالك
إعلم أن خزائن الأرض زائلة زوال صباح الغد
ألم أقدم بنفسي قربان النار لأحقق أمنية أن أصير ملكة الموت ؟
ألم يكن القربان سريع الزوال ؟
ألم تكن المكافأة محدودة وحكمي لن يدوم طوال الزمن ؟
إن الغاية الأساسية لكثير من الناس في شقائهم وعملهم على الأرض
هي الحصول على الذهب
أمنية السعادة السماوية لا تحضرهم إلا لحظة القيام بالشعائر الدينية فقط
لقد سموت بنفسك يا بني عن كل هذا
واخترت طريقا مخالفا حتى تدرك ما “به” يكون ” الأصل”
الأصل هو الروح التي تختفي في عمق القلب
والحكيم وحده هو الذي يقطع طريق التأمل ..
فيتحرر من الإستمتاع ويتحرر من الألم
الإنسان الذي يدرك أن النفس منفصلة عن الجسم وعن عالم الحواس
الإنسان الذي يعايش الحقيقة الداخلية التي هي الجوهر ..
هذا الإنسان يعي ذاته ويمتلئ غبطة ً وفرحا
إنه يعثر فعلا على مصدر الهدوء والسكينة
يقينا يا بني ..
بنهجك هذا , ستظل أبواب الغبطة مفتوحة لك
رد الإبن قائلا :
سألازمك يا ملكة الموت كي تعلميني كل ما تعرفينه :
ما وراء الخير والشر
السبب والنتيجة
ما وراء الماضي والحاضر والمستقبل
ردت ملكة الموت :
سأقول لك باختصار :
إن كتب الـفيدا قد بلّغتنا أن أساس كل نضال للتعبد هو أووم
ذلك المقطع اللفظي هو البراهمن
إنه يقينا الأعلى
من يدرك معنى أووم يبلغ كل أمانيه
أووم ..
السند الأقوى
هي أعلى صورة للحواس
مَثل الذي يدركها كمَثل الذي يشعر بوجود البراهمن
أووم هي صورة حواس الذات
هي الله
هي الأصل
الواحد الذي لم يولد
أبدية
لا تفسد
ليست السبب
ولا هي النتيجة
لا تموت رغم زوال الهيكل الجسمي
إن ظن القاتل أنه يقوم بفعل القتل ..
وإن ظن المقتول أنه ميت ..
فإنهما لا يعرفان الحقيقة
الذات لا تموت ..
ولا يمكن قتلها
هذه الذات التي هي أصغر الأشياء صغرا
وأكبرها حجما ..
تسكن في كل القلوب إلى الأبد
تسافر بحرية حتى لو كانت ساكنة
تضع كل شيء في سيرورة وحركة ..
حتى لو كانت في حالة استرخاء وراحة
الإنسان الذي تحرر من الرغبة ..
يصبح وعيه طاهروكذلك حواسه
يكسب صفاء الذات
لا يصاب بالأذى ولا بالحزَن
الأكثر طهرا بإمكانه معايشة هذه الروح الأصيلة التي هي الابتهاج ..
وهي ما وراء الابتهاج
هي بغير شكل ومسكنها ذو شكل
هي بين كل شيء يسير ويطفو
هي الباقية
الأبدية
المتعالية
المتوغلة في كل شيء
من يشعر بكونها مخلوقة ..
لن يجني إلا الحزن والأسى
إدراكها لا يتم عن طريق دراسة وكتب ..
ولا عن طريق الإدراك الحسي أو التحصيل المعرفي
الإنسان الذي لديه شوق إليها هو الذي يعرفها
له تكشف النقاب عن حقيقتها
الإنسان الذي لا يتجنب فعل كل ما هو شر
الذي لا يسيطر على حواسه
الذي لا يستطيع تهدئة ما بداخله
الذي لا يستطيع التمرن على التأمل ..
لن يتمكن من معرفة الذات
بالنسبة لهذا الإنسان ..
ليس البراهمن وكشاتاريا إلا غذاء
بالنسبة له ..
ليس الموت إلا بمثابة التوابل
مسكن الذات هو عمق القلب
هو المسكن الأعلى
الذين يعرفون البراهمن ويقدمون النار قربانا ..
هم الذين يدركون الخيط الفارق بين الظل ولا الظل
عسى أن نقدم قربان ناخيكيتا التي هي جسر فوق عالم الألم
عسى أن نعايش البراهمن الذي لا يزول
البراهمن الذي هو خال من الخوف
الذي هو الهدف
الذي هو الملجأ لمن يبحث عن الحرية
إعلم أن الذات هي الفارس والجسم هو العربة
أن الإدراك هو السيطرة على القيادة والحواس هي اللجام
الحكيم يعتبر أن الحواس هي الخيل
وأن الطرق التي تقطعها ..
هي الممرات التي يهيمون فيها والتي تمثل الرغبة
فإذا ما اتحدت النفس مع الجسد والحواس ..
يعتقد الحكيم أن الذات بلغت سعادتها
اعلم أن الإنسان الذي يفتقر للتمييز ..
الذي لا يستطيع السيطرة على ما بداخله ..
تنفلت منه الحواس ولا يستطيع قيادتها
ومن كان قادرا على التمييز وعلى السيطرة ..
تطيعه الحواس ..
ويتحكم بذلك في اللجام .
من خلا قلبه من الطهر ويفتقر إلى التمييز ..
لا يمكن له بلوغ الهدف
ويولد المرة تلو الأخرى
وحده طاهر، القلب الذي يميز بين النفس و الجسد
وحده طاهر ، القلب القادر على بلوغ الهدف ..
ولن يبعث بعدها مرة أخرى
اعلم أن البراهمن هو نهاية الرحلة
هو الهدف الأسمى
النفس مختفية في أعماق كل الكائنات
غير واضحة للجميع
إلا أنها النور الذي ينبلج لذوي القلوب الطاهرة ..
للمتميزين في أعماقهم
لهؤلاء فحسب يكون البراهمن واضحا
اعلم أن الحكيم من جعل حواسه تطيع عقله
وجعل عقله يطيع وعيه
وجعل وعيه يطيع ذاته
وجعل ذاته الفردية تطيع الذات الكبرى
إنهض ..
استيقظ ..
إقترب من أقدام المعلم
تمعن كيف تدرك الذات
إحذر ..
فالطريق بالنسبة للحكيم مثله مثل حدّ السكين ..
شائك
من الصعب تخطيه أو الدوس عليه
الذات هادئة
بدون صوت
بدون شكل
بدون مذاق
بدون رائحة
بدون بداية ولا نهاية
لا يمكن الإمساك بها
أبدية لا تتغير
إنها هناك وراء الطبيعة
من يدركها يتحرر من الموت
وقالت ملكة الموت :
الحكيم هو ذاك الذي يدرك أن الذات أبدية فلا يعبأ بما هو زائل
الحمقى والمجانين هم من تحركهم الشهوة
فيسقطون في حبل مشنقة الموت المرة تلو الأخرى
الله الموجود في كل مكان ..
هو الذي يهب الإنسان الذوق
الشم
السمع
الحس
الشعور بالبهجة
يقينا ..
من كان واعيا بالنفس التي لا تزول ولا تفنى ..
يكون واعيا بكل الأشياء
بالنفس يعيش الإنسان في اليقظة وفي النوم
من يعي بها لا يفجع أبدا
ومن يرى الولادة الأولى - التي هي في حاسة البراهمن والتي كانت قبل خلق الماء-
ويرى أنها تسكن بلوتس القلب
وأنها حية بين المواد الأولى للجسم ..
يستطيع بالفعل رؤية البراهمن
ذلك أن هذه الولادة الأولى هي ولادة النفس التي لا تموت
أجْني يبصر كل شيء موجود ..
وهو مختف في وقود حجر الصوان
مثله مثل الجنين الذي وضع في قرار مكين
أجني الذي يُعبد من قبل المستنيرة أرواحهم
المتقربين بالقرابين للنار المقدسة
هو أجني
هو الذات التي لا تموت
هو الذات التي بها الشمس تصعد وبها تنزل
التي بها أصل القوى الطبيعية والحواس
التي لا يضاهيها في إشعاعها شيء
إنها الذات التي لا تموت
الشيء الذي يكون في داخلنا ..
يكون هو ذاته في محيطنا
والذي هو في محيطنا يكون في داخلنا
من يفصل بين الظاهر وبين الباطن ..
يكون مصيره الموت
المرة تلوالأخرى
فقط عن طريق الحواس الطاهرة ..
يمكن الوصول الى البراهمن
الواحد الذي لا يتجزأ
البراهمن هو الواحد ..
ولا شيء آخر
من يرى التعددية في الكون ولا يرى الحقيقة الواحدة ..
يسقط دائما في حبل مشنقة الموت
المرة تلوالأخرى
هذا الكائن الذي بحجم الإبهام ..
يسكن في عمق القلب
يحكم الزمن
الماضي والمستقبل
يقينا ..
إنه الذات التي لا تموت
هذا الكائن الذي بحجم الإبهام ..
يشبه لهبا من النار بغير دخان
يسيطر على الزمن
الماضي والحاضر
اليوم وغدا
يقينا ..
إنه الذات التي لا تموت
من يرى التعددية في الذات ..
يتعرض للولادة تلو الولادة .
مثل المطر الذي ينزل على قمة الجبل
ينزل على سفحه
ناخيكيتا , الذات مثل الماء النقي
إن وضعته مع الماء النقي ..
يبقى نقيا
الذات تبقى نقية عندما تتحد مع البراهمن
المدينة التي بها أحد عشر بابا ..
هي المدينة التي تنتمي للذي لم يولد وفي إدراكه نور
يبرق إلى الأبد
من يتأمل حاكم هذه المدينة ..
لن يشعر بالحزن
يصل إلى التحرر
ولن يبعث بعد ذلك أو يموت
حاكم هذه المدينة الذي لا يفنى هو الذات
هي بمثابة الشمس التي تسبح في السماء
هي الريح التي تنفخ في الفضاء
هي النار التي تشع في المحراب
هي الضيف الذي يسكن بالمنزل
هي كل البشر
هي السمك الذي يتكاثر في الماء
هي العشب الذي ينمو بالأرض
هي النهر الذي يرمي بنفسه من أعلى الجبل
هي التي لا تتغير
هي الحقيقة التي لا تنتهي
موجودة بالآلهة
موجودة بكل مكان
موجودة أينما توجد الحقيقة
يقينا ..
هي التي تسكن الجسم فتجعل من العجز قوة
حية
لا تموت
إذا كان الإنسان لا يحيا بغير تنفس ..
فلا يمكن له أن يحيا إلا بها
بدونها لا يكون قادرا على التنفس
من ليس لديهم معرفة بالذات ..
سيدخل البعض منهم في أرحام الكائنات
ويدخل البعض الآخر في الأعشاب
كل يجازى حسب عمله
إعلم أنها المستيقظة فينا حتى في نومنا
يقينا ..
هي البراهمن الذي لا يموت
مثل النار ..
رغم كونها واحدة ..
تأخذ شكل كل شيء تحرقه
كذلك الذات ..
رغم أنها واحدة ..
تأخذ شكل كل شيء تسكنه
مثل الهواء ..
رغم كونه واحدا ..
يأخذ شكل كل شيء يتوغل فيه
كذلك الذات ..
رغم كونها واحدة ..
تأخذ شكل كل شيء تسكنه
مثل الشمس للبصير
تكشف له كل شيء
لا تتأثر الشمس بالعين الشريرة
لا تتأثر بالأشياء غير الطاهرة التي تنظر إليها
الذات الواحدة التي تسكن في كل شيء ..
لا يمسها شر الكون ..
هي أسمى من كل شيء
الذات التي في عمق كل الأشياء واحدة
حاكمة
مسيطرة
الذات لها شكل
وخلقت كل الأشكال
ليس غير الإنسان الذي أشرقت الذات في قلبه من يفوز بالسعادة الأبدية ..
ولا أحد آخر
ولا أحد آخر
هي الإدراك عند المدركين
الأبدية بين كل ما هو فان
فيها وحدها ما يتوق إليه الكثيرون
ليس غير الإنسان الذي أشرقت الذات في قلبه من يعرف إلى الأبد
السكون والهدوء والصفاء ..
ولا أحد آخر
ولا أحد آخر
ناخيكيتا :
يا ملكة الموت ..
أين أجد هذه الذات المليئة بالسعادة السامية التي عايشها الحكماء ؟
أيتها الملكة
هل هذه الذات مشعة بنورها أم أنها تـُشع بنور شيء آخر ؟
ملكة الموت :
لا الشمس ولا القمر
لا النجوم ولا البرق
لا النيران التي نشعلها بالأرض تنيرها
هي النور الذي ينير كل شيء
أشعتها الباهرة تغمر كل الأشياء
هذا الكون هو شجرة حياتها الأبدية
جذورها تمتد الى الأعلى
أغصانها تغوص في الأسفل
جذر الشجرة الطاهر هو البراهمن الذي لا يفنى
به تسكن الأكوان الثلاثة ..
ولا يمكن لأي كان أن يصل خلفهم
يقينا ..
إنها الذات
كل الكون خرج من البراهمن
كل الكون يتحرك وسط البراهمن
البراهمن قوي
مريع
مثل صدى الرعد عندما يضرب السماوات
الموت لا يخيف من يراه .
عند لقائنا بالبراهمن :
النار تشتعل
الشمس تشرق
المطر ينزل
الريح تعصف
الموت يُميت خشية منه
من لم يعايش البراهمن قبل أن يُرمى بجسمه ..
يجب عليه أن يرتدي جسما آخر في عالم الأشياء المخلوقة .
مثل المرآة ..
يمكن معايشة البراهمن بكل وضوح في الذات الخاصة بالإنسان
مثل النور منفصلا عن الظلام ..
يمكن معايشة البراهمن بكل وضوح في سمائه
في عالم الأجداد يظهر مثل الحلم
في عالم الملائكة تظهر صورته معكوسة في الماء
الأحساسيس النابعة من الحاسة سببها الأشياء المختلفة
يمكن لها أن تكون فعالة ونشطة كما في حالة اليقظة
ويمكن لها أن تكون راكدة وخاملة كما في حالة النوم
من يدرك أنها تختلف عن الذات التي لا تزول ..
لن يعرف الحزن بعدها أبدا
أعلى من الحواس يكون التعقل
أعلى من التعقل تكون الحكمة
أعلى من الحكمة تكون الذات الشخصية
أعلى من الذات الشخصية تكون بذرة الحياة التي لا تظهر والتي هي السبب الأول
أعلى من بذرة الحياة التي لا تظهر , يقينا يكون البراهمن
الروح التي تتوغل في كل شيء وغير مرتبطة بشيء
من عايش البراهمن يصل إلى الحرية
يدخل في الأبدية
لا يمكن لأي كان أن يراه بعينيه
إذ ليس له شكل ظاهر
مع هذا ..
هو يظهر في القلب عن طريق الانضباط والتأمل
من يعايشه لا يموت
عندما تهدأ كل الحواس
عندما يستريح ما بالباطن
عندما لا يرفرف الإدراك
حينذاك يقول الحكيم إنه قد وصل الذروة السامية
عندما تهدأ الحواس ويصفو التفكير تكون اليوجا
من يدرك هذا يتحرر من المغالطة والخداع والنفاق
الذين لا يتحررون من المغالطة والخداع والنفاق ..
ما نسميه بالهدوء يكون عندهم ضبابيا وغير آمن
الكلمات لا تُظهر البراهمن
العقل لا يصل الى البراهمن
العين لا يمكنها أن ترى البراهمن
هناك ذاتان إثنتان مختلفتان :
- ذات مزعومة
- وذات حقيقية
بين هاتين الإثنتين ..
يجب معايشة الذات الحقيقية فقط ..
ولا غيرها
الإنسان الذي شعر بأنها الوحيدة الحقيقية في الوجود ..
تكشف له عن كائنها الداخلي
من لوتس القلب يُُشع مئة عصب
واحدٌ فقط يرتفع من بينهم في اتجاه الألف ورقة باللوتس.
عند موت الإنسان ..
تصعد قوة الحياة لتخرج عن طريق هذا العصب
هذا الإنسان دخل في الأبدية
لكن إن خرجت من عصب آخر ..
يذهب صاحبها إلى عالم الموتى
يصير عبدا لحياة وموت مرة أخرى
بوروشا , الذات التي بالباطن بحجم الإبهام ..
تسكن دائما وسط قلب كل الكائنات
أووم ...
سكون .. هدوء .. صفاء