انقلاب حسني الزعيم

30 - 29 آذار 1949 : انقلاب حسني الزعيم.

ليلة حافلة بالمفاجآت .

كانت البلاد في الأيام الأخيرة من عهد شكري القوتلي هادئة كالهدوء الذي يسبق العاصفة، هدوءا مشوبا باليأس والانكسار والخذلان، خصوصا بعد أن قبلت سوريا، مرغمة، الدخول بمفاوضات الهدنة مع اسرائيل وبعد أن قطعت اتفاقيات الهدنة مع مصر ولبنان والأردن شوطا بعيدا...

كان وضع الشعب يشبه تماما وضع قادة الجيوش عندما يتقدمون من العدو، بعد الهزيمة، طالبين عقد الهدنة ..

كان الشعب يائسا بلا أمل ولا رجاء مسترخيا مستسلما. فاقتصرت آخر جلسات المجلس النيابي على بحث أمور لا علاقة لها بقضية فلسطين، ولا بالصراع الحاد الدائر في سورية بين الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على النفوذ والمصالح الاقتصادية .

كان هنالك يأس وذل واسترخاء حتى أصبح عقد الهدنة مع العدو حلا لا بديل له، ذل واسترخاء ويأس من تبديل الأوضاع بما يفتح أبواب الرجاء والأمل بإعداد معركة ظافرة قادمة مع اليهود الرابضين على الحدود، المتحفزين للانقضاض على سورية.

في ذلك الجو الكالح الكئيب وقع انقلاب حسني الزعيم.. في ليلة 29-30 آذار 1949.

إنني لا اتذكر بالضبط ماذا كان يشغلني عندما أخلدت إلى النوم في تلك الليلة في بيتي الصغير المعروف باسم "دار اليقظة" في زقاق الصخر، ولكنني أتذكر جيدا أنني افقت، بعد منتصف الليل، على طرق عنيف على باب بيتي، فنهضت مسرعا من فراشي وأطللت من الشرفة فرأيت سيارة جيب عسكرية وضابطا شابا يطرق الباب بشكل عنيف وجنوني.

نزلت الدرج وأنا لا أزال بين النوم واليقظة، وما أن فتحت الباب حتى أقبل ذلك الضابط علي يصافحني بحرارة وعنف ويخبرني بانفعال "أن الجيش قد احتل دمشق وأن حسني الزعيم يود مقابلتك " فاستمهلته ريثما أرتدي ثيابي. ثم ركبت معه السيارة إلى مديرية الشرطة التي اتخذها الزعيم مركزا لنشاطه.

كانت دمشق نائمة، والشوارع خالية إلا من بعض الآليات العسكرية، وكنت خلال ذلك مغتما وجلا من هذا الانقلاب ومما قد يترتب عليه من نتائج. في مبنى الشرطة كان أول من لقيته هناك أديب الشيشكلي فسألته :

ما الخبر يا أديب ؟ قال :

قام هذا المجنون بانقلاب عسكري !

صمت ولم اتكلم، فبادرني أديب قائلا :

ما رأيك أن نلقي عليه القبض ونرمي به في السجن؟ قلت له :

هل أنتم قادرون على ذلك؟

في هذه اللحظة خرج حسني الزعيم من غرفته ورآني في بهو الطابق الاول مع أديب فأقبل علي وصافحني، ثم دخلت معه الى غرفته التي لم أجد فيها انسانا آخر.

قال لي حسني الزعيم :

- نحن قمنا بواجبنا وأنقذنا البلاد من الطغمة الفاسدة (ثم أتبع ذلك بسيل من الشتائم، على عادته) ومنذ الآن مسؤوليتكم بتحقيق الأهداف والغايات التي ناديتم بها وجاهدتم في سبيلها.

قلت له :

ما أنا إلا طرف واحد، وهناك أطراف أخرى من المعارضة لها شأنها ووزنها فعليك أن تتصل بها وتبحث معها.

قال :

لقد أرسلت ضباطا إلى بيوتهم وسيأتون الآن، ولم يكد ينهي كلامه حتى دخل علينا الدكتور سامي كبارة وهو من أبرز زعماء المعارضة في دمشق آنذاك وكان يعتبر نفسه كرشدي الكيخيا في الشمال.

كرر حسني الزعيم للدكتور كباره ما قاله لي، وكان جواب كبارة أن هنالك إخوانا لهم وزنهم وشأنهم ولا يمكننا البحث قبل حضورهم جميعا، فقال له الزعيم:

سوف يأتون تباعا.

دخل علينا أثناء ذلك نائب دمشق زكي الخطيب في حالة يرثى لها، أصفر الوجه معقود اللسان منهار الاعصاب ظانا بأنه معتقل، وعبثا حاول الزعيم اقناعه بأنه غير معتقل مما اضطره لأن يأمر الضابط بأن يرجعه إلى منزله.

وقد سبق لي، عند وصولي الى مديرية الشرطة، أن رأيت صاحب جريدة الانشاء السيد وجيه الحفار بثياب النوم، والضابط يأمره بجلافة أن ينزل من السيارة، ولما رآه حسني الزعيم أمر بإرساله إلى السجن، فقلت للزعيم :

ما الداعي لاعتقال وجيه الحفار؟ قال :

انه خصمي وخصمكم أكثر، ألا تتذكر حملاته في جريدة الانشاء؟

قلت : أرجو أن تخلي سبيله وأن تترفع عن مثل هذه الأمور؟

تم هذا الحديث بحضور من استدعاهم حسني الزعيم ولا بد أنه نقل للحفار الذي لم يكن ينتظر مني أن أقف منه هذا الموقف، لذلك فإنه عندما أفرج عنه فيما بعد، وأصدر كالمعتاد صحيفته، لم يتعرض إلى بما يسيء بالرغم من خلافنا الشديد حول القضايا السياسية.

ولم تمض فترة وجيزة حتى دخل علينا وزير الداخلية والمعارف محسن البرازي وهو بثياب النوم وشعره منفوش. ووجهه ممتقع ودون أن يكلمنا ذهب مع حسني الزعيم الى غرفة مجاورة، ومكث معه حوالي عشر دقائق، ثم غادر بعدها مديرية الشرطة. أما الزعيم فقد عاد إلينا فسألته عما جرى بينه وبين محسن البرازي فقال : لقد أمرت باعتقاله، ولم يدم اعتقال محسن البرازي سوى أربعا وعشرين ساعة، لذلك قيل أن محسن البرازي أتى إلى حسني الزعيم ليطلب إليه اعتقاله أسوة برئيس الجمهورية شكري القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم لئلا يتهم بالتواطؤ معه، وقد اعتقل بالاضافة الى القوتلي والعظم فيصل العسلي وحوالي ثلاثين عضوا من حزبه ووجيه الحفار صاحب جريدة الانشاء وخليل المدرس نائب حلب وآخرون وقد اطلق سراحهم جميعا بعد ذلك ما عدا فيصل العسلي.

ماذا جرى يوم الأربعاء 30/3/1949 .

ذهبت مع طلوع الشمس من مديرية الشرطة الى فندق الأوريان بالاس الذي ينزل فيه نواب حلب عادة، فسألت عن ناظم القدسي فقيل لي أنه في الحمام، فجلست مع بعض النواب في احدى الغرف نتحدث عن الانقلاب، وكان معنا الامير عادل أرسلان وبقينا ننتظر اكثر من ساعتين دون أن يخرج القدسي من غرفته فيئست من مقابلته وانصرفت الى بيت رئيس المجلس فارس الخوري في آخر حي أبو رمانة الجديد آنذاك، وهنالك وجدت عددا من النواب متحلقين في بهو المنزل، وكان البحث يدور حول الانقلاب، وقد فوجئنا بحسني الزعيم يدخل البيت ويختلي بفارس الخوري حوالي النصف ساعة ثم يذهب.

سألنا فارس الخوري ماذا جرى بينهما فقال :

اتفقت معه، وسوف اجتمع مع القوتلي والعظم لإقناعهما بتقديم استقالتيهما، ليتمكن المجلس من انتخاب رئيس جمهورية جديد وتشكيل حكومة دستورية.

انصرف النواب لعقد الاجتماعات والتداول، وكانت البلاغات تترى من الإذاعة، وكلها تركز على الافكار ذاتها التي كانت تحرك المعارضة الشعبية والبرلمانية، وهذا ما يتضح بشكل أوفى في المنشور السياسي الذي وزعته طائرات الجيش في سماء العاصمة والمدن الرئيسية وهذا نصه :

"اليوم فتحت صفحة جديدة في حياة الشعب العربي في سوريا، وطويت صفحات، فتحت صفحة مجيدة لتسجيل البطولات والامجاد، وطويت صفحات ملأى بالذل والعال.

لقد رأى الجيش السوري الباسل ما آلت إليه حالة البلاد من فوضى واستثمار وخذلان ووجد العهد الحاضر مليئا بالمساويء والمخازي، من خيانات وسرقات، ومن قضاء على الحريات الديمقراطية إلى مخالفة للدستور والقوانين. لقد رأى الجيش كل ذلك وأيقن أن الأمة تسير بخطى متسارعة نحو الموت والفناء، فأبت عليه وطنيته وكرامته أن يقف مكتوف الأيدي، وأبت على أبنائه نفوسهم النبيلة أن يرضوا بالذل والعبودية والفناء مصيرا لأمة عظيمة كتب لها المجد والخلود. فصمم على أن يقف هذا الموقف الشريف، ويتدخل ليعيد الأمور الى نصابها وليعيد الى هذه الأمة شرفها وكرامتها وحريتها، أقدم الجيش الباسل على هذه الحركة بنفوس ملؤها الايمان والتضحية فسجل نصرا للحرية على العبودية، وللشرف على الذل. أقدم الجيش فهز للمعالي همما توشك أن تهمل، وذكر بالمجد نفوسا تكاد أن تنسى، وأضاف اسم سوريا الى اسماء الأمم التي روت من دمائها أصول الحرية والديمقراطية.

إن الشعب العربي في سوريا عبر أصدق تعبير عن إخلاصه لجيشه الباسل الذي أنقذه من الهاوية وأعاد اليه حقه السليب. والشعب السوري الذي أدرك بسائق وطنيته ووعيه فظاعة الكارثة التي جرته اليها الفئة الحاكمة، والتي أنقذه منها جيشه الباسل، يقف اليوم من هذا الجيش موقف الاعجاب بالبطولة الحقة والاخلاص البريء.

اليوم شقت الطريق امام، الشعب العربي في سوريا للسير قدما الى الامام في سبيل تحقيق رسالته الخالدة".

كما صدرت بلاغات أخرى بفرض منع التجول، والتهديد بإعدام كل من يحمل سلاحا، والاعلان عن استلام قيادة الجيش زمام الحكم في البلاد مؤقتا "رغبة منها في تهيئة حكم ديمقراطي صحيح". وكانت بعض البلاغات تندد بالاهانات والمعاملة السيئة التي كان يتلقاها الجيش قبل الانقلاب من رجال العهد السابٌق.

ذهبت من بيت فارس الخوري إلى مجلس النواب فوجدته بحراسة الجيش، ومنه إلى مبنى الأركان المجاور للمجلس، فرحب بي الضباط ولا سيما المقدم بهيج الكلاس الذي كان معاونا لقائد الجيش. وقد ألحوا علي ولا سيما المقدم بهيج كلاس(1) أن أكون بجانب حسني الزعيم ريثما تتألف حكومة دستورية ديمقراطية، وأن ذلك سينتهي خلال أيام، وهم يخشون أن يقع حسني الزعيم بأخطاء لا يمكن تلافيها أو يتورط بأمور تسيء إلى المصلحة العامة.

في اليوم الأول للانقلاب عقد حسني الزعيم مؤتمرا صحفيا في رئاسة الأركان تحدث فيه عن الاسباب التي دعت إلى القيام بهذا الانقلاب فقال :

"ان السبب في الحركة التي قمنا بها هو الهجوم المتكرر على الجيش في المجلس النيابي وخارجه للتشهير به وإظهاره بمظهر غير لائق ولما تعرض له الجيش من معاملة سيئة بعد أن نبهنا المسؤولين الى هذه الحالة أكثر من مرة ولكن دون جدوى.. وقد لمسنا استياء الشعب من الوضع السابق وعدم رضاه. عن الفوضى التي غرقت فيها البلاد وشعرنا بأن سمعة الجيش أصبحت مضغة بالأفواه على أثر اعتقال بعض الضباط بتهمة السرقة والاختلاس وعدم اطلاق سراحهم رغم ثبوت براءتهم".

وكرر القول بانه يسعى لايجاد حكومة دستورية وأن الجيش سيتخلى عن السلطات الى الحكومة الشرعية المنتظرة، وأبرز بإصرار "أن الحركة داخلية بحتة ولا علاقة لها بأية دولة خارجية سواء كانت أجنبية أم عربية". وكان الزعيم في تلك الفترة يريد اقناع الناس بأنه لا علاقة لانقلابه بالملك عبدالله.

كما قال: "قد يجوز إجراء استفتاء للأمة، فيدعى أفراد الشعب من سن معينة إلى الرد على سؤال يتعلق بما حصل بنعم أولا".

ولم ينتبه أحد إلى خطورة هذا التصريح في اليوم الأول للانقلاب. ولكن الزعيم نفذ فيما بعد فكرة الاستفتاء الشعبي العام على شرعية انقلابه وانتخابه رئيسا للجمهورية.

بعد عصر ذلك اليوم حضرت اجتماعا آخر في منزل فارس الخوري رئيس المجلس النيابي، وكان هناك عدد من النواب، ومنهم : لطفي الحفار، صبري العسلي، عادل أرسلان، أحمد قنبر، ناظم القدسي، هايل سرور، معروف الدواليبي، سامي كبارة، عبدالله الفتال، لطيف غنيمة، عادل العجلاني، عبدالقادر برمدا، عبد الرحمن العظم، أديب نصور، حبيب كحالة، نوري الفتيح، محمد المبارك، زكي الخطيب، فرزت المملوك.

فأبلغنا فارس الخوري لدى عودته من زيارة مستشفى سجن المزة أن القوتلي لا يزال ممتنعا عن تقديم استقالته.

وفي المساء قضيت السهرة مع المقدم بهيج كلاس في بيته. وقد تحدثنا عن الانقلاب وعن عنصر المفاجأة والسرية فأخبرنا بهيج بان الزعيم، في يوم 29 آذار غادر دمشق الى القنيطرة بحجة القيام بجولة تفقدية على القطعات ليوزع على القادة أدوارهم التي سيقومون بها في مساء ذلك اليوم ذاته. وهذا هو سبب سرية الانقلاب ومفاجأته. إذ أنه لم يتح لأي من الضباط الذين تربطنا بهم علاقة صداقة الفرصة للاتصال بنا وإخبارنا عن الانقلاب قبل وقوعه.

كان الزعيم يعتمد على الصداقة الشخصية التي تربطه بالضباط الكبار، أما الضباط الشبان فقد أوهمهم بأن الانقلاب متفق عليه مع الزعماء السياسيين، فقد ذكر لي الشهيد عدنان المالكي بعد الانقلاب بيومين أنه سأل الزعيم عندما فاتحهم بالانقلاب يوم 29 آذار عن موقف القادة الوطنيين فأجاب الزعيم قائلا: نحن متفاهمون معهم، وهذا ما نفاه في تصريح له في اليوم التالي في مؤتمره الصحفي.

انتهت السهرة وعدت الى البيت بعد ذلك اليوم الحافل، فكان آخر ما سمعته من أنباء إذاعة الشرق الأوسط النبأ التالي :

"سئل الدكتور رالف بانش الوسيط الدولي عن أثر حركة الانقلاب السوري فأجاب :

المفروض أن تسير مفاوضات الهدنة بين سورية واليهود وفق البرنامج المقرر لها".

كنت أتصور بعد أن وقع هذا الانقلاب أن الطريقة العملية لتحقيق أهدافنا المرحلية هي في قيام تعاون بين حزبنا وحزب البعث العربي وحزب الشعب، وهي ركائز المعارضة لحكم القوتلي المنهار، وكان حزب الشعب آنذاك هو الدعامة القوية، ويجب أن يتم هذا التعاون في نطاق النظام البرلماني الدستوري الديمقراطي، لذلك يجب أن يجتمع المجلس النيابي وينتخب رئيسا للجمهورية حسب نصوص الدستور، وأن تؤلف حكومة قومية، وأن يعود الجيش الى ثكناته، ويتلو ذلك تعديل قانون الانتخاب، ثم إجراء انتخابات جديدة لجمعية تأسيسية تضع دستورا تقدميا للبلاد لحل كثير من المشاكل التي خلفها العهد السابق.

كنت أتصور أيضا أن باستطاعة سورية أن تلعب دورا هاما على الصعيد القومي في حشد الطاقات العربية وتوجيهها في خدمة القضية لأن الدول العربية الأخرى كانت غير قادرة على ذلك، فهي ما تزال أسيرة الاحتلال والمعاهدات التي تجعل من مشاريع الوحدة سبيلا لإدخال سورية في مناطق النفوذ وإعادتها إلى الطوق الاستعماري الذي خرجت منه، وأن دور سورية هو مساعدة البلاد العربية الأخرى لتحريرها من السجن الاستعماري، وكان ذلك تصورا خياليا مني يغفل كون حسني الزعيم(2) رجلا مصابا بداء العظمة، وأن وسائل الاستعمار في تحريكه واستخدامه هي أقوى من وسائلنا، وأننا في ظل الحكم العسكري نفقد قوتنا الوحيدة المؤثرة وهي الشعب الذي سيصبح سجين القمع والإرهاب.

بهذا التصور، ولأجل تلك الاهداف، وتلبية لرغبة وإلحاح ضباط الأركان حضرت إلى مبنى القيادة في اليوم الثاني للانقلاب، ولهذا أشاعت بعض الصحف اللبنانية ان الزعيم عينني مستشارا له.

في يوم الخميس 31 آذار اليوم الثاني للانقلاب ألغي منع التجول فتفجرت ردود الفعل الشعبية العفوية في العاصمة وفي جميع أنحاء البلاد تأييدا لحركة الجيش. ففي دمشق انطلقت المظاهرات الشعبية الضخمة بقيادة الطلاب، وبعد أن سمح لهم حسني الزعيم بالتظاهر - حسب تعبير الصحف - للتعبير عن مشاعرهم.

وقد كان لطلاب حزب البعث العربي دور مميز في قيادة هذه المظاهرات والابتهاج بالانقلاب، ولذلك أسباب كثيرة أهمها :

أولا : لأن حزب البعث تعرض في الفترة الأخيرة من حكم القوتلي لاعتداءات النظام الشرسة.

ثانيا : لأن القوتلي كان قد اعتقل ميشيل عفلق.

ثالثا : لأن في البيانات التي أصدرها حسني الزعيم -كما رأينا- عبارات يستعملها حزب البعث.

وقد تجلى ذلك في اليوم التالي بشكل أوضح. حيث أن الدكتور مدحت البيطار، من قيادة حزب البعث صعد منبر مسجد بني أمية بعد صلاة الجمعة، فأثنى على الحركة التحريرية التي قام بها الجيش السوري، "هذه الحركة التي كان يطالب بها البعثيون منذ أمد بعيد لإزالة الكابوس الجاثم على البلاد وإزالة الطاغوت الذي أدعى الألوهية وأراد من الناس أن يعبدوه دون الله".. ثم تابع فطالب بتأليف محاكم عسكرية لمحاكمة الخونة".

كانت دمشق تموج بمظاهرات الفرح والتأييد وهي تردد "عيد يا طالب وفراح عهد الظلم ولى وراح" وكان المتظاهرون من جميع أبناء الشعب وفئاته يمرون أمام وزارة الدفاع، والنساء تزغرد وأفراد الشعب يعانقون الضباط والجنود في الشوارع ويشتركون معا بالرقص والاهازيج والدبكات، والطلاب والضباط يلقون الخطابات الحماسية بجماهير المتظاهرين. التحام تام بين الجيش والشعب، والاذاعة والصحف تنشر ألوف البرقيات الواردة من جميع أنحاء سوريا، ولا سيما من أسر الشهداء الذين ذهبوا ضحية القمع الوحشي للمظاهرات، ومنها برقية أسرة رفيقنا الشهيد ممدوح سلامة التي "تستصرخ ضمائر الأحرار والمؤمنين للانتقام ممن كانوا عثرة في سبيل ازدهار الوطن واستعادة مجد العرب".

كانت البرقيات الواردة من جبل العرب من أهم هذه البرقيات وأكثرها دلالة نظرا للفتنة الدامية التي أيقظها حكم القوتلي في الجبل بين الطرشان والشعبيين مما تحدثنا عنه سابقا. فقد كانت برقية سلطان الأطرش الى حسني الزعيم أول برقية تأييد للانقلاب، وقال فيها: "نحيي فيكم جيشنا الباسل، ونؤيد حركتكم المباركة التي تهدف لخير الوطن وسعادته". أما "الشعبيون" في الجبل فقد قالوا: "نحن أول من ضحى في سبيل العلم السوري والدستور، ونحن سوريون عرب قبل كل شيء، والحكومات السابقة هي التي أساءت إلينا وغمطت حقوقنا فكنا معها على خصام، أما وقد قامت الآن هذه الحركة المباركة فنحن نؤيدها ونعتز بالقائمين بها".

والواقع ان معظم البرقيات كانت تعتبر هذه الحركة حركة تحريرية لتحقيق أماني الشعب وصيانة الدستور والنظام الديمقراطي الصحيح، كما كانت تعتبر أن هذه الحركة أزالت كابوس الظلم والطغيان، لذلك يضع مرسلوها أنفسهم في إمرة الحركة ورهن تصرفها. مما دعا حسني الزعيم الى توجيه الشكر للشعب شكرا باطنه الخوف من هذه الثورة الشعبية العارمة التي تحمل شعارات الحرية والديمقراطية وتجاهر بمناهضتها الدكتاتورية والطغيان. وإذا شئنا أن نلخص الفعل الشعبي العفوي العام حيال الانقلاب فاننا لا نكون مبالغين اذا قلنا أن سورية عاشت من جديد أعياد الجلاء.

في ذلك اليوم صدرت أوامر عسكرية لم يلتفت الى خطورتها الناس الفرحون المبتهجون. وقد صدرت تلك الأوامر باسم التنظيم الاداري للدولة، بصفة مؤقتة، فأصبحت فيما بعد ذات صفة دائمة. فقد منح الأمر العسكري رقم (1) قائد الجيش مهام الحاكم العسكري للجمهورية السورية وخوله بكافة الصلاحيات الممنوحة لرئيس الدولة. أما الامر العسكري رقم (2) فقد منح قائد الجيش حق إصدار المراسيم اعتبارا من تاريخ الانقلاب، وبذلك اصبحت في يد حسني الزعيم جميع السلطات التشريعية والتنفيذية.

بينما كانت مظاهرات التأييد الشعبية تمر أمام وزارة الدفاع، كان يؤم الوزارة رجال الصحافة وفي مقدمتهم اللبنانيون وعلى رأسهم محييى الدين النصولي وعبدالله المشنوق، حيث عقد الزعيم مؤتمرا صحفيا استهله بالحديث عن حاجة البلاد الى التنظيم في جميع مرافقها وإنقاذها من السياسة الخرقاء التي أوصلتها الى هذه الحالة من الفوضى والضياع.. وقال: ان التأييد الاجماعي الذي لقيته خطوتنا الأولى هذه يجعلنا نمضي لتنفيذ البرنامج الاصلاحي الواسع الذي رسمناه... وأضاف: لقد آن لهذه البلاد أن تتخلص من الحكم الاستبدادي الاقطاعي الذي يقوم به نفر من أشخاص محدودي التفكير احتكروا الوطنية واستحلوا لأنفسهم تنفيذ أغراضهم ومطامعهم غير آبهين بما جروا إليه البلاد، سواء من الوجهة الداخلية أو الخارجية أو العسكرية... ثم قال : إنني سأعمل جاهدا لتأليف حكومة قومية تنفذ برنامجنا الاصلاحي الواسع. وإذا لم ينجح تأليفها لسبب ما فحينئذ يعلن الحكم العسكري ويصير تأمين الادارة عن طريق الامناء العامين عوضا عن تأليف الوزارة .. ثم قال : إن المجلس النيابي الموجود لا انسجام فيه ولا تفاهم، وهو غير صالح وغير جدير بالبقاء، لأنه يجب أن يكون للبلاد مجلس منتخب بطريقة معقولة، وأن يؤلف بجانبه مجلس عشائري يهتم بشؤون العشائر. لأننا نريد أن يكون النظام البرلماني نظاما ديمقراطيا صحيحا، وأن يكون الحكم في سوريا حكما مثاليا تقتدي به الدول العربية الأخرى.. وقال: نحن لا نعمل لصالحنا الخاص ولا نريد جمع الثروات وبناء القصور ولكننا نسعى لتأمين مستقبل أبنائنا وأحفادنا وأجيالنا القادمة.

وتعليقا على قول أحد الصحفيين اللبنانيين من أن بعض الأوساط ترى أن وراء هذا الانقلاب دعما أجنبيا قال حسني الزعيم وهو يشير الى رأسه وقلبه:

- إن هذا الرأس وهذا القلب هما المصدران الوحيدان للانقلاب.. وإن أقرب المقربين إلى من المساعدين لم يعلموا به إلا قبل ساعات معدودات من وقوعه.

وقال : إن هناك ضرورة لانتخاب جمعية تأسيسية تتولى وضع دستور جديد للبلاد يأتلف مع مصالحها ويهيئ لها سبيل التقدم والرقي والازدهار.

في زحمة مقابلات واجتماعات ذلك اليوم في وزارة الدفاع تقدم مني حبيب أبو شهلا، وهو من الشخصيات السياسية اللبنانية البارزة. ولم أكن أعرفه من قبل، وطلب مني الاجتماع على انفراد حيث قال لي انه وكيل شركة التابلاين، وأنه مفوض من قبل الشركة بأن يبحث معي التعديلات التي اقترحها على الاتفاقية، وأن الشركة مستعدة لرفع هذه العائدات بما يحقق مصلحة سورية.

وقد حاول أبو شهلا اقناعي بأن سورية ستستفيد كثيرا من هذه الاتفاقية، وأن لبنان سيستفيد من ذلك حكما، وأنه رجل وطني يرغب مثلي في رفع العائدات التي يستفيد منها البلدان الشقيقان..

قلت له : ليس لي أية صلاحية قانونية للدخول معك بمثل هذه المفاوضات، فالحكومة السورية هي المسؤولة عن ذلك.

سكت حبيب أبو شهلا برهة ثم قال :

انني مفوض ايضا من الشركة بأن أدفع لك المبلغ الذي تراه مناسبا لإبرام هذه الاتفاقية.

رفضت ذلك طبعا، ولكنني لم أشأ أن أرد عليه بقسوة وهو من أبرز سياسيي القطر اللبناني الشقيق.

في مساء هذا اليوم أيضا اجتمع في فندق الأوريان بالاس، أكثر من ثمانين نائبا، وانتهى الاجتماع بتأليف لجنة ثلاثية من فارس الخوري وعادل أرسلان ومصطفى برمدا للاتصال مع حسني الزعيم والبحث معه بتشكيل حكومة قومية.

ومع أن موقف النواب كان مؤيدا للانقلاب، على اختلاف درجة الحماسة والتأييد، فإن حسني الزعيم بدا غاضبا، وأصبح يهدد بحل المجلس، فحاولت اقناعه بخطورة هذا العمل وأن النواب غير مسؤولين عن التأخير في تشكيل الوزارة، إذ كيف يمكن أن تؤلف الوزارة ما لم يكلفها المرجع المسؤول وهو رئيس الجمهورية ؟

في اليوم الثالث للانقلاب طلب مني حسني الزعيم أن اجتمع به في وزارة الدفاع، ودون مقدمات قال لي :

إذا أبقينا على هذا المجلس حتى ينتخب رئيسا للجمهورية، فمن هو الذي سينتخبه المجلس؟ قلت له :

إن الأكثرية النيابية ستنتخب رشدي الكيخيا .. قال :

هذا رجل جبان لا يصلح للرئاسة، فأجبته :

إنها أحكام الدستور التي يجب أن تأخذ مجراها.

لقد شعرت من هذه المقابلة بأن الزعيم يطمع برئاسة الجمهورية، ولكن كان لا بد لي من مجابهته بموقفي، وربما كانت إجابتي له قد عجلت بحل المجلس.

بينما نشرت جريدة النهار اللبنانية بتاريخ 2/4/1949 تصريحا لفارس الخوري رئيس المجلس ورد فيه :

لا شك أن الحركة الانقلابية هي غير دستورية، ولكنها وقعت، فلا يصح في الحالة هذه، سواء أكانت حركة حق أو باطل الوقوف في وجهها، أو وضع العراقيل في سبيلها لئلا تصبح البلاد بحالة فوضى. أما الدستور والحياة الدستورية فحياة الأمة فوق الدستور وأشكاله، ويهمنا بالدرجة الأولى حياة الأمة وبقاء الدولة واستمرارها وحماية الكيان السوري، ولا ريب في أن الرجل الذي يتولى زمام الرئاسة في مثل هذه الظروف يجب أن يكون رجلا مقداما صلبا.

وقد ترافق هذا التصريح مع حل المجلس النيابي بتاريخ 3/4/1949 .

منذ اليوم الثاني للانقلاب بدأ يظهر على مسرح الأحداث رجلان أحدهما محسن البرازي والآخر شخص مغمور شبه أمي اسمه نذير فنصة كنت أراه منذ عام 1943 لكثرة ملازمته نواب حلب، فقد كان زلمة لأحمد خليل المدرس، كما كان متزوجا من أخت زوجة حسني الزعيم، أي عديلا له، وقد قفز الى الصف الأول بعد الانقلاب فأصبح مستشارا لحسني الزعيم، ولما أطيح بالزعيم غادر البلاد واستقر نهائيا في ايران ليصدر مجلة اطلاعات باللغة العربية، والذي يبدو انه كان من عملاء كوبلاند صاحب كتاب لعبة الأمم الذي لعب دورا خطيرا في انقلاب حسني الزعيم.

ومن الملاحظ أن الانكليز والاميركان أصبحوا يلجأوون إلى المدنيين من أقرباء العسكريين في تدبير مؤامراتهم الانقلابية ، وأن دور نذير فنصة في انقلاب حسني الزعيم الاميركي يشبه دور أسعد طلس في انقلاب عديله سامي الحناوي.

أما محسن البرازي - مدير مكتب شؤون الرئاسة عند شكري القوتلي قبل أيام- فقد ظهر منذ اليوم الثاني للانقلاب خارجا من زيارة فارس الخوري في وزارة الخارجية.

وإذا كان ثمة ريبة في ساعات الانقلاب الأولى بعلاقة محسن البرازي واتفاقه مع حسني الزعيم، فإن ظهور البرازي بعد ذلك أصبح واضحا يشير الى انه وراء انقلاب حسني الزعيم وبالاتفاق معه.

أصبح كل يوم من أيام الاسبوع الأول لانقلاب حسني الزعيم يشير إلى فقدان الأمل بعودة الحياة الدستورية الديمقراطية.

ففي تاريخ 3/4 كلف حسني الزعيم الأمير عادل أرسلان بتشكيل الوزارة الذي بدأ استشاراته وراح يؤكد أنه سيختار أكثريتها من حزب الشعب، وأشارت الصحافة اللبنانية والمصرية ووكالات الانباء الى هذه الاتصالات، ولكن الزعيم في اليوم ذاته أرسل مرافقة الضابط رياض الكيلاني الى رئيس المجلس النيابي فارس الخوري ليبلغه مرسوم حل المجلس النيابي، مع كتاب من الزعيم هذا نصه :

"الى دولة رئيس المجلس النيابي الموقر.

لما كان الجيش السوري الذي ساندته الأمة على اختلاف طبقاتها في الانقلاب الوطني القومي الذي قام به والذي كان يستهدف إنشاء عهد ديمقراطي صحيح يعيد فيه الى الشعب حقوقه المسلوبة وحرياته المغتصبة، وكان المجلس النيابي الحاضر لا يمثل في أكثريته الساحقة رغبة الناخبين وإراداتهم، وإنما جرى انتخابه تحت ضغط الفئة الحاكمة وبشتى ضروب التزوير والعنف والإكراه، وكان قد ثبت بعشرات الأدلة الدامغة تزوير انتخاب النواب والطعن في نيابتهم، وكان الأساس الأول في إقامة حكم ديمقراطي هو القيام بانتخابات صحيحة حرة يعبر فيها الشعب عن ارادته في جو حر تام لا زيف فيه ولا ضغط ولا إكراه، ولما كان المجلس النيابي الحاضر الذي زورت انتخابات أكثر أعضائه والبعض الآخر أقرب الى التعيين منه الى الانتخاب قد ماشى طغيان الفئة الحاكمة ووافق في أكثر من موقف على مخالفات شائنة لدستور البلاد وقوانينها، وكان في أكثريته أداة طيعة في ايدي هذه الفئة تسيرها كيفما تشاء إلى أن أوكل الشعب السوري أمره إلى جيشه الباسل فأنقذه من الأوضاع الشاذة غير الشرعية.. فقد قرر المجلس الحربي الأعلى للقيادة العامة للجيش السوري إصدار المرسوم المرفق ودمتم".

وهذا نص المرسوم رقم (2) :

"ان الزعيم القائد العام للجيش والقوى المسلحة استنادا على قرار المجلس الحربي الأعلى للجمهورية السورية واستنادا على الأمر العسكري رقم (2) وتاريخ 31/3/ 1949 يرسم ما يلي :

مادة 1 - يحل المجلس النيابي السوري وتؤلف لجنة دستورية لوضع مشروع دستور للبلاد وقانون للانتخابات النيابية العامة بالسرعة الممكنة.

مادة 2 - تعين اللجنة الدستورية المذكورة في المادة السابقة بمرسوم يصدر عن قيادة الجيش والقوى المسلحة.

مادة 3 - يعين موعد الانتخابات النيابية فور انتهاء اللجنة الدستورية من مهمتها المبينة في المادة الأولى من هذا المرسوم.

مادة 4 - ينشر هذا المرسوم ويبلغ لمن يلزم.

دمشق في 1/4/ 1949

القائد العام للجيش والقوى المسلحة

الزعيم حسني الزعيم".

لم يصدق الأمير عادل أرسلان، المشغول بتأليف الوزارة هذا النبأ، بل ظن حل المجلس انما هو كذبة نيسان، وقد دون الامير عادل في مذكراته اليومية - التي اطلعت عليها في مكتبة الجامعة الاميركية(3) ، وكانت لا تزال مخطوطة لم تنشر - انه كان في تلك اللحظة قد قطع شوطا بعيدا بانتقاء الوزراء وذكر الاسماء التالية: أكرم الحوراني عبد الوهاب حومد، شاكر العاص.

ولا شك عندي أن محسن البرازي هو الذي وضع صيغة الكتاب بحل مجلس النواب فأعده بمكر وذكاء لأن كل ما ورد فيه من مبررات لحل المجلس، بل حتى معظم العبارات التي وردت فيه إنما هي مجتزأة من أقوال وعبارات المعارضة النيابية.

ويأتي مرسوم حل المجلس وتأليف لجنة دستورية ليستمر حسني الزعيم وجماعته في خداع الشعب وليبقوا على بعض الأمل في الحياة الديمقراطية الصحيحة.

هكذا كانت تحاك المؤامرة الخارجية في الظلام، بينما كان الشعب البريء بعفويته يملأ جو سوريا هتافا وتأييدا وأملا ورجاء. فقد انطلقت المظاهرات تشمل جميع أنحاء سوريا في اليوم الثالث بشكل أشد وأشمل مما كانت عليه في اليوم الثاني، وكانت صلاة الجمعة مناسبة لاحتشاد الناس في المساجد لالقاء خطابات الجمعة التأييدية الحماسية، كما كانت مناسبة لصعود الشباب الى منابر المساجد يدعون ويؤيدون الحركة الانقلابية "ففي مسجد بني أمية حيا خطيب الجمعة الشيخ بشير الخطيب الانقلاب الذي أزال عهد الفوضى والرشوات والمحسوبيات وأتى بعهد جديد يستند غلى قوة الحق.. ثم استطرد وقال: إن الله قيض للبلاد منقذا بشخص الزعيم الذي أنقذ الجيش من الانهيار، والبلاد من ثورات داخلية.. وذكر بشكل مطول اسراف الحكم السابق وتلاعبه بأموال الأمة.. وقام على أثره خطيبان أحدهما من الأخوان المسلمين والآخر من حزب البعث العربي.. وعلى الأثر خرج المصلون بمظاهرة ضخمة اخترقت سوق الحميدية الى السنجقدار وساحة المرجة وشارع فؤاد الأول وجادة الصالحية حتى البرلمان". (صحف تلك الفترة)

موفدان من بغداد وعمان يقابلان الزعيم .

في هذا اليوم (الجمعة ا نيسان 1949) وصل إلى دمشق بطائرة عسكرية خاصة جلال بابان وزير الداخلية العراقية موفدا من حكومة نوري السعيد لمقابلة حسني الزعيم والاطلاع منه على حقيقة الحركة الانقلابية وأهدافها. وقد صرح للصحفيين، بعد المقابلة بأنه مرتاح لسلامة الوضع ومطمئن لما سمعه من الزعيم وأنه سينقل ما سمعه الى نوري السعيد.

وفي المساء اتصل بي هاتفيا أكرم الركابي(4) الأمين العام لوزارة الزراعة ودعاني الى منزله قائلا :

- عندي ضيف يحب أن يراك.

وفي منزله عرفني بجلال بابان وكان يرافقه ضابط شاب اثناء الحديث.

سألني جلال عن أسباب الانقلاب فشرحت له أوضاع البلاد قبل الانقلاب، ثم سألني عن موقف حسني الزعيم ونواياه تجاه العراق فقلت له - حسب ما كنت أسمع آنذاك- ان حسني الزعيم يصرح بأنه يريد أن يقيم علاقات ود وصداقة مع جميع الدول العربية.

كان انطباعي عن هذه المقابلة أن حكومة نوري السعيد كانت تخشى أن يكون هذا الانقلاب ضد العراق، وبالفعل فقد ظهر عاجلا أن خشية نوري السعيد كانت في محلها، وان الانقلاب اتجه محوريا الى مصر والسعودية ضد البيت الهاشمي واتجه بعلاقاته الخارجية الى الولايات المتحدة وفرنسا.

وفي اليوم نفسه وصل الى دمشق الضابط عبدالله التل، حاكم القدس، وقائد الجيش الاردني في منطقة القدس موفدا من المالك عبدالله الى حسني الزعيم ويبدو أن عبدالله التل كان يخطط في تلك الفترة لانقلاب ضد الملك عبدالله.

لم يجر أي لقاء بيني وبين عبدالله التل أثناء زيارته الخاطفة لدمشق يوم 1 نيسان 1949 ولكنني أرى من المفيد أن أنقل هنا ما ورد في مذكراته عن هذه الزيارة قال :(5)

"كان في تقديرنا أنه لا بد لنجاح أية حركة تحررية في الأردن من مساعدة دولة عربية أو دولتين ، فبدأت الاتصال بسورية لأنها متاخمة للاردن، وفي مقدورها أن تمد لنا يد المساعدة، ثم مع مصر لأنها زعيمة الدول العربية، وبدون مساعدتها لا يحالف النجاح أية حركة تحررية، وحينما وقع الانقلاب السوري أراد الملك عبد الله أن يوفد رسولا الى الزعيم حسني الزعيم ليجذبه إلى صفه ويبعده عن مصر، واستطعت عن طريق بعض أصدقائي في القصر أن أكون ذلك الرسول، وفي مساء 1/4/1949 أي بعد 48 ساعة من وقوع الانقلاب سافرت إلى دمشق حاملا رسالة الملك عبدالله الى حسني الزعيم، وهذا نصها :

"عزيزي الزعيم حسني الزعيم

لا شك أنا سيساورنا القلق من ناحيتكم مع الأمل الشديد في أن الله سيوفقكم ويثبتكم فيما قمتم فيه من حركة لا بد أنكم حسبتم لها حسابها ووضعتم تدابيرها. طريقنا إلى الساحل يمر بكم. نعتقد أننا من هذه الناحية سوف لا نرى أي تغيير أو توقف. رسولنا ينبئكم بأحسن نوايانا. وإن احتجتم العون فعلينا القيام به. كونوا على ثقة من أننا سنرعى واجبنا نحو هذه البلاد بما عرف عنا من حمية وحياطة. لا ينبغي الركون الى مخادعة هؤلاء(6) . وبعد أن وقع ما وقع فالسرعة قبل أن يتنبهوا فيلموا أطرافهم. وليكن العمل الحازم في يديكم للسلام من شرورهم. فإنا نخاف مكرهم وأن يبتدروكم بحركة أو بأذى على شخصكم. ولقد أصبتم كل الاصابة في جعل نهاية الامر موكولا برأي الأمة على ما تقرره هي.

وتقبل احترامي عزيزي

ويقول عبدالله التل :

"قابلت حسني الزعيم ساعة وصولي الى دمشق، وسلمته الرسالة الملكية وبعد انتهاء مهمتي الرسمية أخذنا نتبادل الآراء عن حقيقة الحالة في الأردن. فأطلعته على الحقائق والأسرار المتعلقة باتصال السلطات الأردنية باليهود. وطلبت اليه أن يساعدنا على تغيير الحالة في الاردن كما غيرها في دمشق. وقد أظهر الزعيم سروره واعجابه، ووافق مبدئيا على الفكرة. ووعد بالمساعدة التي أوجزها بنفسه بما يلي:

1- أن يتسلم منا الملك عبدالله وينفيه الى صحراء دير الزور بدون الاعتداء عليه.

2- أن يقدم لنا بعد وقوع الانقلاب مساعدة مالية للصرف على الجيش إذا أقدم الانكليز على قطع المعونة.

3- أن يحشد قسما من قواته على الحدود الأردنية لتكون تحت طلبنا إذا وقع علينا عدوان بريطاني أو يهودي.

وبعد اتفاقنا المبدئي طلب الزعيم أن ننتظر ونمهله قليلا ريثما تستقر أوضاعه".

في ذلك اليوم أطلع حسني الزعيم بعض ضباط الجيش على رسالة الملك عبدالله اليه، وتوقف عند عبارة "طريقنا الى الساحل يمر بكم" وتساءل :

ماذا يقصد الملك عبدالله بهذا الكلام؟ هل يظنني لا أفهم ؟

انه يريد أن ينفذ مشروع سورية الكبرى، والله لا فعلن به ما فعلته بشكري القوتلي وكان عرض كتاب الملك عبدالله على ضباط الجيش تطمينا لهم بأنه لا علاقة له إطلاقا بالملك عبدالله.

كان التناقض الاستعماري بين بريطانيا والولايات المتحدة قد بلغ أشده في المنطقة، والذي يلفت النظر أن وكالات الانباء نشرت قبيل قدوم عبدالله التل الى سورية النبأ التالي تحت عنوان: ما هو هدفه ؟

"عمان 30/3/1949 وصل عمان الليلة مدير دائرة المساعدات الأميركية لتركيا واليونان قادما من القدس، بعد أن زار القسم الصهيوني من المدينة واجتمع ببعض المسؤولين اليهود، كما زار المدينة القديمة واجتمع بمتصرفها الكولونيل عبدالله التل".

وفي 15/6/1949 نشرت الصحف النبأ التالي :

"أشيع ان الكولونيل عبدالله التل اعتقل في قريته اربد، ونقل منها الى عمان مخفورا، وكان قد عين ملحقا عسكريا في لندن فاعتذر عن قبول هذه المهمة.".

الحرب مستمرة بين أجهزة المخابرات الغربية .

ذكرنا في فصل سابق حادثة الهجوم المسلح على المفوضية الأميركية بدمشق، وكيف ان كوبلاند - الذي ظهر فيما بعد أنه الموجه لانقلاب الزعيم (كما ذكر هو في كتابه لعبة الأمم) كان من أبرز المدافعين في تلك المعركة.

وبعد الانقلاب بثلاثة أيام نشرت الصحف النبأ التالي :

"تدهورت سيارة جيب في طريق المزه فسقطت في حفرة فوق سائقها الذي خلصته سيارة عسكرية ونقلته فورا الى المستشفى العسكري حيث لفظ أنفاسه هناك. وقد تبين أن سيارة الجيب هذه كان يسوقها المستر وليم ليونور باركر السكرتير الأول في المفوضية الأميركية".

وبعد إبرام اتفاقيتي التابلاين والنقد ظهرت بوضوح هوية الانقلاب الفرنسية الأميركية كما ظهرت بوضوح أغراض الانقلاب ومراميه فقد نشرت جريدة "وطن" التركية تصريحا لحسني الزعيم بعد أيام قليلة من انقلابه جاء فيه ما يلي :

"إنني أرى الصداقة مع تركيا فوق كل شيء. وقد اتفقت مع وزير تركيا المفوض قبل التدابير الأخيرة على إرسال ضباط سوريين لمتابعة دروسهم في الأكاديمية العسكرية التركية، فعارض رئيس الجمهورية ووزير الدفاع.. خالد العظم أما الآن فلم يبق من حاجز أمامي، وسأدعو بعثة عسكرية تركية للاشراف على تنظيم الجيش وتدريبه. إن تركيا تستعد لحرب كبيرة، وهي في الصف الأول، فعلى سوريا والعراق الموجودين وراءها ان يكونا قويين، وإنني سأرسل جميع الشيوعيين الى معسكرات الاعتقال".

الأمناء العامون بدلا من الوزراء .

أصدر حسني الزعيم، في اليوم الثاني للانقلاب، مرسوما يقضي بأن "يؤلف الأمناء العامون مجلسا مؤقتا للقيام مجتمعين ومنفردين بأعمال ووظائف الوزراء ومجلس الوزراء وفقا للقوانين المرعية الاجراء" وفي اليوم الثالث عقد في مكتب رئيس الوزراء بدار الحكومة أول اجتماع لمجلس الأمناء العامين برئاسة حسني الزعيم، وبحضور كل من :

الزعيم عبدالله عطفه - الأمين العام لوزارة الدفاع الوطني.

الدكتور ابراهيم الاسطواني - الأمين العام لوزارة الخارجية.

الدكتور فؤاد شباط - الأمين العام لوزارة الداخلية.

جمال الفرا - الأمين العام لوزارة المعارف

رفيق الاحدب - الأمين العام لوزارة الزراعة

الدكتور أسعد الحكيم - الأمين العام لوزارة الصحة والشؤون الاجتماعية

أسعد الكوراني - الأمين العام لوزارة العدل

جميل الدهان - مدير الأوقاف العام

وقرر المجلس تعيين المحافظين التالية أسماؤهم :

حسني البرازي - محافظا لحلب

خالد الخاني - محافظا للاذقية

عارف العنبري - محافظا لحمص

عارف النكدي - محافظا لجبل العرب

خليل رفعت بك - محافظا لمدينة دمشق الممتازة

كما قرر المجلس أن يبقى كل من :

خالد الداغستاني - محافظا للجزيرة

جواد المرابط - محافظا للواء دمشق

غالب ميرزو - محافظا لحوران

صالح صادق - محافظا للفرات

وقرر المجلس تعيين حسن جبارة مستشارا عاما لوزارتي المال والاقتصاد ومشرفا على الشؤون المالية والاقتصادية للدولة.

ولم يلبث حسني الزعيم أن أصدر بعد يومين أمرا عسكريا بتعيين حسني البرازي محافظا لحلب نائبا للحاكم العسكري في المنطقة الشمالية، كما أصدر مرسوما بتعيين نذير فنصة سكرتيرا خاصا له، وأمينا لسره، وبعد فترة أصدر مرسوما آخر بتعيين الدكتور أسعد طلس مستشارا حقوقيا لوزارة الدفاع الوطني بالاضافة إلى وظيفته الأصلية في وزارة الخارجية، وسوف نرى كيف سيلعب أسعد طلس دورا أساسيا في انقلاب سامي الحناوي على حسني الزعيم فيما بعد.

المستغلون والاقطاعيون يعودون الى الحكم .

لم يمض الأسبوع الأول على الانقلاب إلا وكانت جميع أبعاده الداخلية قد توضحت بصورة نهائية، وذلك بقيام الحكم العسكري والقضاء على أي أمل بحكم دستوري ديمقراطي، بل والقضاء على كل معالم الحياة الديمقراطية وإقامة أقسى أنواع الدكتاتوريات العكسرية. وأصبحت البلاد تدار بشكل يشبه - حتى بالأشخاص- ما كانت تدار به في عهد مجلس المديرين أيام الانتداب الفرنسي، فأصبح حسني الزعيم يتمتع بصلاحيات المفوض السامي ويدير البلاد بواسطة مجلس الامناء العامين.

كما كان بين المحافظين من تعاون مع الانتداب الفرنسي ولا سيما حسني البرازي الذي عين محافظا لحلب ونائبا للحاكم العسكري في المنطقة الشمالية وهو معروف بعدائه للحركة الوطنية، وتعاونه الوثيق مع الانتداب الفرنسي، حيث تقلد المناصب الوزارية مرارا، وتولى مناهضة أماني البلاد في أحلك الظروف التي مرت بها خلال نضالها ضد الاستعمار الفرنسي، كان عدوا للشعب شديد الوطأة والجرأة، وكان يعتبر في سورية عدو الاستقلال رقم واحد، وخلال حرب فلسطين 1948 كانت إذاعة اسرائيل تنشر تصريحاته المتتالية التي يدعو فيها للتفاهم مع الاسرائيليين ويستنكر "الفاشية" العربية التي تضطهد اليهود، وكان يرى ضرورة قيام مجتمع أوروبي اسرائيلي عصري في قلب المنطقة لتعمل على تمدينها وتحضيرها، وقد استمر على هذا النهج فيما كان يكتبه من مقالات في جريدته "الناس" بل في خطاباته في مجلس النواب.

وهكذا التفت حول حسني الزعيم، بعد افتضاح الانقلاب كل الطبقة الاقطاعية والرأسمالية المستغلة التي كانت ركيزة العهد السابق. قد أظهرت الوثائق بعد مقتل حسني الزعيم أنه حول للصناعي الرأسمالي الحاج وهبي الحريري بورقة عادية من الخزينة السورية مبلغ نصف مليون ليرة، وقد استرجعت الحكومة هذا المبلغ من الحريري بعد مقتل الزعيم، ورغم كل ذلك فقد استمر حسني الزعيم يوجه الرسالة تلو الرسالة الى الشعب واعدا إياه بأنه سيقيم نظاما تقدميا جديدا، ويحقق العدالة الاجتماعية، ويوزع الأراضي، ويضع حدا للثروات الضخمة.

بعد اليوم الثالث من ترددي على وزارة الدفاع، يوم أشرت على الزعيم باتباع الطريق الدستوري ورشحت الكيخيا للرئاسة، لم أعد أقابل الزعيم إلا في مناسبات نادرة سيرد ذكرها فيما بعد، وكنت في تلك الفترة على اتصال وثيق مع صديقنا فريد الكيلاني فاتفقت معه أن يكتب مقالا فيه التحذير المكشوف لحسني الزعيم فكتب في جريدة النصر بتاريخ 7/4/1949 أي بعد عشرة أيام من الانقلاب المقال التالي :

"لم أر في حياتي، ولم ير التاريخ في حياته، حاكما صرعته خواطيء الأقدار والحظوظ وسيئات أعماله أكثر مما صرعته سيئات أعمال حاشية السوء. كانت الحاشية وحلقات السوء دائما تحاول أن تطوق الضحية وتوجه الدفة فتأخذ عليها مسالك الفكر الصحيح والتدبير السليم.. هذا يقول : ابطش وذاك يقول: اسفك: وذاك يوسوس : بلاش حرية ودستور وبرلمان، ورابع: أنت القمر، وخامس ما شئت لا ما شاءت الاقدار فاحكم فأنت الواحد القهار.

ثم يتلقف كل منهم الدريهمات ثمن النصيحة، أو بالأصح ثمن المتفجرة يضعها في طريق الحاكم المسكين، فيسير هذا ثملان في المنحدر ويغور في المنزلق وينحدر نحو الهوة، وكلما زاد الانحدار صورت له الحاشية هذا الانحدار صعودا في افلاك السماء وقبضت منه ثمن الاكاذيب.. فاذا وقع الرجل في حفرته مصابا بالغرور والعربدة والسكر الشديد أسلمته الحاشية الى مصرعه فكان وحيدا في مثواه الأخير، وانتقل النصحاء نحو باب الحاكم الجديد يتدافعون بالمناكب ليقوموا بالدور نفسه شاتمين السلف نافخين في خياشيم الخلف آيات العبودية والتغرير والتهوير.

يا حضرة الزعيم: ليس لمثلي أن يقدم المواعظ لرجل لم يمض على نسفه هيكل الجبروت غير اسبوع واحد.. لقد خاطرت بحياتك لانقاذ شعبك من كابوس مروع، ومفروض أنك أعرف الناس بمن يمثلون أماني هذا الشعب الذي ينام على الحلم الوردي لا يبغي بديلا عن : الحرية، الحرية، والعدالة العدالة، والخبز يناله المواطن بالجهد الشريف، ولم تجد شعوب الأرض حتى اليوم سبيلا للحصول على ذلك كله أضمن من الحياة الديمقراطية الصحيحة".

_____________________________________

(1) بهيج كلاس، هو شقيق رفيقنا خليل كلاس، من عائلة عرفت بالوطنية والنضال، ولد في حماه عام 1907، تخرج من المدرسة الحربية بحمص عام 1926، وعندما وقع العدوان الفرنسي على سوريا عام 1945 كان برتبة رئيس ويشغل وظيفة قائد بطارية مدفعية بحلب. كان أول الملتحقين بالقوات الوطنية مع مدافعه وضباطه وجنوده وتسلم قيادة القوى الوطنية في الشمال. وبعد الجلاء أصبح قائد فوج المدفعية للمنطقة الشمالية مع رئاسة أركان المنطقة. وفي عام 1947 رفع إلى رتبة مقدم، وإلى رتبة عقيد في مايس 1949.

(2) من هو حسني الزعيم؟؟

بعد الانقلاب الذي قام به حسني الزعيم بتاريخ 29/3/1949 نشرت الصحف بموافقته المعلومات التالية:

"ولد حسني الزعيم في مدينة حلب سنة 1889 وتلقى علومه الابتدائية فيها. التحق بالجيش التركي ورقي إلى رتبة ملازم أول في سنة 1917 وبعدها نقل الى المدينة المنورة. اشترك في الحرب العالمية الأولى ووقع أسيرا في مصر. وبعد اطلاق سراحه تطوع في الجيش العربي تحت قيادة الملك فيصل بن الحسين. وبعد الاحتلال الفرنسي التحق الزعيم بالكلية العسكرية. وبعد تخرجه منها خدم في مختلف قطعات الجيش الفرنسي في سوريا. (ويظهر من ذلك أنه اشترك في قمع الثورة السورية عام 1925) ورقي الى رتبة رئيس (كابتن) عام 1928 وإلى رتبة مقدم عام 1934. والى رتبة عقيد عام 1941.

حارب حسني الزعيم مع قوات حكومة فيشي عندما هاجم الديغوليون سوريا بمساعدة الجيش البريطاني، فاعتقله الحلفاء وحكم عليه بالسجن عشر سنوات. وبعد أن أمضى في السجن سنتين وثلاثة أشهر أطلق سراحه، وقد تقدم مرتين، عام 1945 و 1946، للالتحاق بالجيش السوري فلم يجب الى طلبه.