مذكرات معروف الدواليبي (4)

ـ دخلنا معركة انتخابية واحدة ثم وقع انقلاب حسني الزعيم لدعم إسرائيل

عدت إلى سورية بالباخرة وأمر ديغول بأن يعطوني مقصورة من الدرجة الأولى

في هذه الحلقة من مذكراته يروي محمد معروف الدواليبي رحلة عودته من فرنسا الى سورية ويقول انه بعد أن هدأت الضجة حوله لا سيما اثر قضية تهريب الحاج أمين الحسيني طلب السماح له بالسفر. ويقول انه كان على علم بما طرأ على الجو من تطورات ومخاطر، وقدّر خطورة حركة وكيد الصهيونية العالمية، ولا سيما بعد معرفتها باسمه ولذلك كان عليه أن يسافر بأسرع وقت ممكن.
وفي سورية خاض الدواليبي أول معركة انتخابية وبعدها حدث انقلاب حسني الزعيم، وحُلّ المجلس. ولما قُضِي على حسني الزعيم اشترك في الانتخابات للمرة الثانية باسم حزب الشعب لتشكيل هيئة تأسيسية في سنة 1950، وكان رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي. العودة الى الوطن

* عندما هدأت الضجة حولي رجعت إلى باريس، وطلبت السماح لي بالسفر، وكان ديغول في غاية السرور مما جرى. ونبّهني الفرنسيون من خطر الاعتقال، وكنت على علم بما طرأ على الجو من تطورات ومخاطر، وأقدّر خطورة حركة وكيد الصهيونية العالمية، ولا سيما بعد معرفتها اسمي، ولذلك كان عليّ أن أسافر بأسرع وقت ممكن، ولكن لأن سفري غير ممكن إلا بالباخرة، وقد تأخر بعض الوقت.

* هل دخلتم معركة انتخابية بقائمة مرشحين كاملة باسم حزب الشعب في مواجهة الحزب الوطني قبل انقلاب حسني الزعيم؟ ـ نعم، دخلنا معركة انتخابية واحدة. وبعدها حدث انقلاب حسني الزعيم، وحُلّ المجلس. ولما قُضِي على حسني الزعيم، وتنادينا للاجتماع لانتخاب مجلس يضع دستوراً جديداً، اشتركنا في الانتخابات للمرة الثانية باسم حزب الشعب لتشكيل هيئة تأسيسية في سنة 1950، وكان رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي.

انقلاب حسني الزعيم

* حدث انقلاب حسني الزعيم عقب تأسيس دولة إسرائيل سنة 1948، ذلك أن نقمة الشعوب على الحكام كانت شديدة بسبب ضياع فلسطين وانتصار العصابة اليهودية. وظهرت الرغبة العامة بوجوب التغيير، لأن الدول العربية السبع دخلت المعركة ضد إسرائيل بسبع قيادات، ودخلتها إسرائيل بقيادة واحدة، ولذلك كانت الجيوش العربية غير منسجمة ولا مهيأة لمعركة النصر. وظهرت هذه النقمة في الوقت الذي كان رجال وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي ايه» في بدء نشاطهم وتخطيطاتهم عقب الحرب، وبعد قيام إسرائيل، انتهزوا فرصة انتشار النقمة على الحكام لضرب سورية بإحداث انقلاب فيها يمتص نقمة الشعب الناقم.

وإذا رجعنا إلى كتاب مايلز كوبلاند (لعبة الأمم)، وكوبلاند هذا أحد مؤسسي «سي آي ايه» بعد قيام إسرائيل، فإننا نجده يقول فيه: كنا نفكر بأن نبدأ بالانقلاب في المملكة العربية السعودية، ولكن كنا نعتقد أن لا جدوى في هذا الانقلاب، لأن السعودية كانت لا تزال معزولة عن العالم. والتفكير ببدء الانقلابات في السعودية من تأثير الصهيونية العالمية في «سي آي ايه»، لأن السعودية هي الدولة الوحيدة التي وقفت موقفاً صريحاً حازماً ضد تأسيس دولة إسرائيل، وأفهمت ذلك روزفلت الذي استطاع محادثتها في أثناء الحرب، بخلاف الدول العربية الأخرى، إذ كانت كلها تحت الاستعمار. ويضيف كوبلاند: ولذلك فكرنا أن يكون الانقلاب في العراق، ولكن وجود الانجليز وعرقلتهم لمساعينا من جهة، وحرصنا على ألا نخسر صداقة العائلة الهاشمية من جهة أخرى، كل هذا صرفنا عن العراق ووجهنا إلى سورية، وكان انقلاب حسني الزعيم. وكنت عضواً في المجلس النيابي، فعرض علينا اتفاقيات للتسوية النقدية بيننا وبين فرنسا، لأن نقدنا كان يصدر من البنك اللبناني الفرنسي مضموناً بالذهب، وكنا نطلب حسب النص المكتوب على الليرة السورية أن تعيد فرنسا قيمتها ذهباً حتى تستطيع سورية إصدار عملتها مغطاة بالذهب، ورفضت فرنسا وأصرت على أن تعطينا ما يقابله ونشتري به بضاعة من عندها. وفي الوقت نفسه كانت شركة التابلاين تأسست لضخ البترول من المملكة العربية السعودية ماراً بالأردن والجولان على الحدود التي توجد فيها إسرائيل. وكنت أنا رئيس اللجنة الاقتصادية والاتفاقيات. كانت عندنا اتفاقية التسوية النقدية بيننا وبين فرنسا، واتفاقية التابلاين، فرفضنا بإجماع اللجنة الاتفاقيتين، وحجتنا أن إسرائيل قد قامت فلا يجوز أن يمر هذا الخط ومعه رجال الصيانة من الأميركان في المنطقة العسكرية التي يجب أن تكون مراقبة وسرّيّة، ورفضنا أيضاً مشروع التسوية النقدية التي وقعها آنذاك جميل مردم، على أن يكون الذهب في مقابل البضاعة. وكنا تقدمنا بمشروع إقامة اتحاد عربي كما أسلفت، فجاء رفض هاتين الاتفاقيتين، ومشروع الاتحاد العربي برهان على أن سورية ستكون قائدة معركة المصير والكيان المنتظر، وهذا ما لا يرضي الأعداء المتربصين بنا، فحدث الانقلاب، وكان خديعة لتمرير المخططات التي كنا نقف في وجهها، ففي اليوم السادس من الانقلاب وُقِّعت الاتفاقية مع التابلاين، ووقعت اتفاقية التسوية النقدية مع فرنسا، وتنازلت سورية عن نهر الدان لإسرائيل. وهكذا كان انقلاب حسني الزعيم مخططاً لدعم إسرائيل، وتحقيقاً لمصلحة فرنسا أيضاً، لأنه كان في الجيش الفرنسي ضابطاً له صلات وثيقة بالفرنسيين ـ وعرفوا كيف ينتهزون فرصة النقمة العامة على الحكام التي لم يسلم منها أحد كشكري القوتلي وجميل مردم وغيرهما. وقد بلغت النقمة عليهم أن ظهرت معارضة لتجديد مدة حكم شكري القوتلي التي انتهت في أثناء الحرب مع أن الأكثرية صوتت بالتجديد له. ولكن الخلاف بين الشبيبة والشيوخ كان بارزاً أيضاً، واستغله حسني الزعيم، ولذلك دعانا في صبيحة الانقلاب، وقال: إننا قمنا بالانقلاب لتحقيق رغبة الشباب.

* هل كان رئيس وزرائه حسني البرازي؟ ـ لما جعل حسني الزعيم نفسه رئيساً للجمهورية، كان البرازي أميناً عاماً في القصر الجمهوري، فصار رئيس وزارة. وبعد أن جعل حسني الزعيم نفسه رئيساً للجمهورية بانتخابات مزيفة بدأ يتقرّب من مصر ضد العراق، وكانت العراق تعمل سراً على إزالته وضم سورية إلى العراق، وكان عبدالإله وصياً على عرش العراق، فإذا ضُمّت سورية إلى العراق، كان من الممكن فصلها مرة ثانية، وبذلك يكون عرش لعبد الإله وعرش لابن فيصل. كانت العراق تسعى لهذا الهدف، فهيؤوا سامي الحناوي الذي قام بالانقلاب على حسني الزعيم. انقلاب سامي الحناوي

* كان الحناوي على صلة مع العراق، ولكنه لما قام بالانقلاب دعا لوضع دستور جديد، وأعلن أنه لن يتدخل. وهنا طالب العراق بضم سورية إليها. واختلفت الآراء ما بين داع إلى انتخابات ووضع دستور جديد، وبين داع إلى الانضمام إلى العراق قبل الانتخابات والدستور. ولما دعانا سامي الحناوي لم نرض إلا بانتخابات جديدة. وتمت الانتخابات وقضت أن نضع الدستور، وتبين لنا أن الحناوي كان على تفاهم مع العراق، وأن حسني الزعيم كان على تفاهم مع مصر. ولما تمت الانتخابات التي جرت على أنها ستفضي إلى هيئة تأسيسية تضع دستوراً للبلاد، كثرت الوفود بين العراق وسورية ذاهبة آيبة من أجل وضع دستور ينص على الاتحاد مع العراق. وكان العراق مرتبطا بمعاهدة مع إنجلترا، ولذلك لم تلق الرغبة بالوحدة مع العراق أي تجاوب في سورية. وحرصنا نحن بعد الانتخابات على وضع مادة وحيدة في الدستور قبل إخراجه: (سورية جمهورية). لكي نغلق الباب أمام الفريق الآخر، وصوّتنا على هذه المادة أولاً، على أن نتمّ مواده الأخرى فيما بعد، وانتخبنا هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية، وكان من أنصار فكرة العمل مع العراق، لأنه كان رئيساً للوزارة في عهد فيصل، ولكن الفكرة التي سادت في سورية أن العراق مرتبط مع إنجلترا، فكيف ننضم إليها؟ وإذا كانت هناك نقمة على الحكم في سورية التي ذهبت فلسطين في عهده، فإن العراق لم يقاتل البتة، وكلمتهم (ماكو أوامر) مشهورة متداولة على الألسنة للتندر!. وبذلك أخفق الحناوي في مهمته، وقطعت الطريق على المساومات والمؤامرات. وتبين لنا فيما بعد أن تفاهماً قام بين الفرنسيين المتخوفين من ضم سورية إلى العراق وبين أديب الشيشكلي الذي جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري أيضاً، على أن يضم العراق إلى سورية، وليس العكس. انقلاب أديب الشيشكلي

* ما تحليلكم لدوافع انقلاب أديب الشيشكلي، هل كانت وراءها فرنسا؟ ـ في سنة 1950ابتدأت الخلافات بين محمد الخامس ملك المغرب وبين فرنسا، وقامت الثورة الجزائرية، وقام تحرك في تونس ضد فرنسا أيضاً، وكانت فرنسا تقابل هذه التحركات كلها بالشدة والبطش والقمع. وكانت سورية الدولة الوحيدة التي ترفع صوتها بمهاجمة فرنسا. وكانت خطاباتي ضد فرنسا شديدة واضحة، فقد هاجمت موقفها من الجزائر، وهاجمت مشروع معاهدة ابن عمار في تونس، وهاجمت موقفها من السلطان محمد الخامس في المغرب. وكنت ما بين سنة 1950إلى نهاية سنة 1952انتقلت من وزير في وزارة خالد العظم إلى رئيس مجلس النواب. وكان هذا التقدم مني يضايق فرنسا ومن كان على مزاجها، حتى إن فوزي سلو في حكومة ناظم القدسي اشتد في الهجوم عليّ، وحجته كيف ألقي خطاباً ضد فرنسا، ولا أحد يعطينا السلاح سواها؟ وتبين بعد ذلك أن فرنسا كانت تهيئ أديب الشيشكلي ليقوم بانقلاب، واشترطت عليه أنه إذا سكت عن شمال إفريقية سهّلت عليه ضم العراق إلى سورية.

ثورة الدروز

* وماذا عن ثورة الدروز في عهد الشيشكلي وقمعه إياها؟ ـ انكشف للعراقيين أن أديب الشيشكلي اتصل ببعض الضباط العراقيين الذين كانوا ملحقين عسكريين في سورية، وتفاهم معهم على إحداث انقلاب في العراق وضمه إلى سورية، على أن يجعل الضابط الذي يقوم بالانقلاب نائباً لرئيس الجمهورية. وصادف أن الضابط الذي اتصل به الشيشكلي كان من أنصار القصر الملكي في العراق. فبلّغ الخبر إلى القصر وكتمه عن غيره. وطُلِب إليه أن يقبض من الشيشكلي المبلغ المتفق عليه ـ وكنت أنا في المعتقل ـ واتصل العراقيون بهاشم الأتاسي واتفقوا معه على أن يحدثوا ثورة في جبل الدروز عن طريق منصور بن سلطان باشا الأطرش ضد الشيشكلي، برئاسة الحكومة السورية غير المستقيلة، وقالوا لهاشم الأتاسي: أرسل لنا مندوباً بالنيابة عنك وسنقبل به، فأرسل إليهم صبري العسلي ليتفاوضوا معه على تفاصيل بدء الثورة في جبل الدروز. في هذه الأثناء كان أديب الشيشكلي يفاوضني في السجن، بوصفي رئيس الوزارة غير المستقيل، ويسألني: ماذا تريد؟ وأجبته: أن تعيد السلطة إلى الشعب، وبعد ذلك نتحدث في التفاصيل، فأطلق سراحي، وعرفت أن هناك ترتيباً واتفاقاً على القيام بالثورة بين العراق ومنصور بن سلطان باشا الأطرش. ودعينا للاستفتاء على الدستور الذي وضعه أديب الشيشكلي. وكان المؤتمر الأول في حمص الذي تداعينا إليه، ولم يحضره صبري العسلي ولم يعرف سبب تغيبه. وفي مؤتمر حمص اتخذنا قراراً برفض الدستور الذي اقترحه أديب الشيشكلي، وفي آخر المؤتمر جاءني رسول من العراق يقول: إنا قبلنا أن يكون صبري العسلي رسولاً إلينا لأنك كنت معتقلاً، ولما علمنا بالإفراج عنك رددنا صبري العسلي. وبينوا لي هدفهم من التعاون معنا ضد الشيشكلي، لأن فرنسا اتصلت به ليحدث انقلاباً في العراق بالاتفاق مع انجلترا وأميركا فقرَّرنا أن نزيله. فقلت لهم: ولكنكم تعلمون أني خصمكم، وقلتم عني الوزير الأحمر، فأنا لا أقبل بوحدة معكم مع وجود النفوذ الانجليزي في العراق، ثم إن أميركا ضدي. قالوا: لا نريد منك شيئاً، ولقد تفاهمنا مع أميركا وانجلترا على مجيئك ويكفينا أنك لست متهماً بأنك صديق للعراق، وتريد أن يزول أديب الشيشكلي، ونحن نريد أن يزول أيضاً، لأنه يريد أن يقوم بانقلاب علينا بالاتفاق مع فرنسا في سبيل سكوته عن فظائعها في شمال إفريقيا بينما تقف أنت أمام فرنسا وتندد بها. فبيّنت لهم أخطاء الثورة ونقاط الضعف فيها، وقلت لهم: خطتكم لن يحالفها النجاح، وأنا عندي خطة أخرى أفضل منها، وشرحتها لهم فرفضوها. وأخفقت ثورة جبل الدروز. وعندئذ شرعتُ بتنفيذ خطتي، واعتقلنا جميعاً، وانكشف أمر الاتصال بالعراقيين.

* ما الترتيبات التي اتخذتموها بعد إخفاق ثورة جبل الدروز؟ ـ كانت الترتيبات إقلاق الأمن، وكنا نجري اتصالات ونحن في السجن مع رؤساء القطع العسكرية، فاتفقنا مع رئيس القطعة في منطقة دير الزور، ومع رئيس القطعة في حلب فيصل الأتاسي، ومع رئيس القطعة في حمص محمود شوكت، وكذلك في اللاذقية. اتفقنا مع رؤساء المراكز العسكرية الأربعة هؤلاء ألا يتحركوا حتى تقوم الاضطرابات في دمشق ـ وكنا أعددنا للأمر عدته، وقمنا بالاضطرابات وإلقاء متفجرات في دمشق، فاستعان أديب الشيشكلي بالجيش لقمع هذا الاضطرابات، فطلب من محمود شوكت إرسال قوة إلى دمشق، فقال له محمود شوكت: أنا مع دمشق، مع الاضطرابات، وطلب من غيره فقال: أنا مع دمشق مع الاضطرابات ـ وهكذا أذيع بيان الجيش بدعوة الشيشكلي إلى حقن الدماء والتخلي عن الحكم، وعندئذ أحس الشيشكلي أن الجيش قد تخلى عنه، فغادر البلاد إلى بيروت، وكان ذلك في 25/2/1954.

* بعد سقوط الشيشكلي ماذا حدث؟ ـ دعيت الحكومة لاستلام زمام الأمور، لأنها غير مستقيلة، ودعي رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي ـ وكنت على صلة برئيس الأركان شوكت شقير، وهو الضابط الوحيد الذي عرض عليه الضباط الأربعة في المناطق الأربعة التي تحدثنا عنها أن ينضم إليهم ويقود الحركة بوصفه رئيس الأركان، فقال لهم: بعد مشورة ـ وجاءني إلى بيروت، وفهم مني، ثم عاد فأيدهم ـ ولما هرب الشيشكلي هتفت له من لبنان وقلت له: ماذا تنتظر؟ قال: أنتظر أن تجتمعوا ـ قلت له: لا، قبل كل شيء تخرج المعتقلين، لأن الشيشكلي لما ضرب الجبل اعتقل رشدي كيخيا وعدنان الأتاسي وصبري العسلي وغيرهم، فأخرج المعتقلين ـ ولما أخرجهم جاء رئيس الشرطة العسكرية التابع للشيشكلي واعتقل شوكت شقير ـ وكنت أنا بعد هتافي له من لبنان في طريقي إلى دمشق ـ ولما وصلت دمشق علمت باعتقال شوكت شقير، وكانت جماعة المعتقلين المفرج عنهم قد مشوا إلى حمص حيث عقدوا مؤتمر حمص الثاني، وجئت إلى بيتي فإذا هو مطوّق، لأن المخابرات التقطت المخابرة التي أجريتها مع شوكت شقير ـ فلم أستطع المبيت في بيتي، وبقيت في أحد المستشفيات عند الدكتور منير السادات ـ وأحضرت السفارة العراقية سيارة رسمية، وركبت فيها باسم عراقي ورجعت إلى بيروت، ومنها عدت في الليل إلى حمص لنعقد الاجتماع هناك، واخترنا حمص لأن آمر المنطقة العسكرية هو محمود شوكت أحد الضباط الأربعة المتفاهمين معنا ـ وتم في هذا الاجتماع تأليف الحكومة برئاسة صبري العسلي، وهاشم الأتاسي رئيس الجمهورية ودعي المجلس المنتخب وقدمت فيه استقالتي التي كنت منذ ثلاث سنوات أرفض تقديمها ـ وعددنا المرحلة السابقة في زمن الشيشكلي كلها غير صحيحة بقوانينها وجميع أشكالها ـ وكان الاتفاق أن يكون رشد كيخيا رئيساً للوزارة، وذهب من حمص على هذا الأساس ليهيئ نفسه، ولكن الحزب الوطني هدد هاشم الأتاسي وأحدث مشكلات ـ فلما رجع رشدي أقنعه هاشم الأتاسي أن يكون صبري العسلي هو رئيس الوزارة ـ ووضعوا اسمي لوزارة الدفاع فاعتذرت ـ فغضب هاشم الأتاسي، وقال لي: إذا اعتذرت عن وزارة الدفاع، وأنت تقود الحركة كلها، فأنا أيضاً أستقيل، وأمام هذا الضغط والإلحاح اضطررت إلى أخذ وزارة الدفاع.

* في أي سنة كانت هذه الوزارة؟

ـ سنة 1954.

قضية الأسلحة السوفياتية

* هل في هذه الوزارة أثرتم قضية قبول الأسلحة من الاتحاد السوفياتي؟ ـ لا، هذه القضية أظن كانت في سنة 1950لما كنت وزيراً للاقتصاد في وزارة خالد العظم، عقب توقيع الملك عبدالله الصلح مع إسرائيل، وفي وقتها دُعينا إلى مجلس الجامعة العربية في مارس (آذار) 1950، واصطدمنا مع الوفد الأردني. وكانت الدعوة إلى مجلس الجامعة العربية موجهة من الأردن لأمر يتعلق بفلسطين، وكان الصلح المشار إليه آنفاً موقَّعاً سرا. وسُرِّبت إليّ نسخة صحيحة عن التوقيع، وكنا نتساءل لماذا تدعونا الأردن بالذات؟ وتبين لنا بعد ذلك أن اجتماعنا سيكون من أجل الموافقة على الصلح، كما وافق مجلس الجامعة بضغط من انجلترا على الهدنة الأولى والهدنة الثانية، وما بين الواحدة والأخرى عدة أشهر، ما بين 1948 إلى نهاية 1949، وبذلك توقفت الحرب. وقلت يومها لخالد العظم ونحن ذاهبون إلى الأردن: لقد وصلت إليّ وثيقة تفيد أن المطلوب منا في هذا الاجتماع الموافقة على الصلح مع إسرائيل، وأنت يا خالد العظم ليس لك رصيد في الحركة الوطنية، إذ كان يشتغل في القضايا الاقتصادية، وهذا دورك. قال: ماذا أفعل؟ قلت له: تعقد الآن مؤتمراً صحافياً تعلن فيه: إذا أبرم هذا الاتفاق فإننا سنغلق الحدود بيننا وبين الأردن، ونعده جزءاً من إسرائيل، كما كنا أغلقنا الحدود بيننا وبين لبنان لتصحيح وضعنا. وفعل هذا خالد العظم قبل 48 ساعة من المؤتمر الصحافي. وفي ليلة السفر التي كنا سنسافر أنا وإياه في صبيحتها جاء السفير الأميركي في الساعة الثانية عشرة ليلاً، وطلب الاجتماع مع خالد العظم، فقال له: أنا الآن في غرفة نومي، سأنام، وغداً صباحاً سأسافر، فقابل وزير الخارجية. قال السفير: لا، جاءتني برقية من الرئيس يجب أن تسمعها أنت بنفسك، قال له: إذاً أستقبلك في صالون غرفة النوم. وجاء ومعه إنذار مفاده أن تصريحك بإغلاق الحدود مع الأردن إذا أبرمت الصلح مع إسرائيل تدخّل في شؤون دولة ثانية، لا تسكت أميركا عنه.

* من كان الرئيس الأميركي؟ ـ كان الرئيس ترومان، وذلك في سنة 1950. وأكد هذا الاحتجاج صحة الوثيقة التي تسرّبت إليّ. وأجابه خالد العظم: أوليس احتجاجكم هذا تدخلاً في شؤون دولة ثانية؟. لقد سبق أن أغلقنا حدودنا مع لبنان لتصحيح أوضاعنا، وما جئتم محتجين قائلين: هذا تدخل. فلماذا جئتم الآن؟ ألأن الإغلاق مع الأردن يمسّ إسرائيل؟ هذا تدخّل. ولم يستطع التفاهم مع السفير الأميركي. وفي الصباح أخبرني بما دار بينه وبين السفير الأميركي. وبعد العصر كان اجتماع مجلس الجامعة العربية في وزارة الخارجية في القاهرة. وكنا سبع دول في ذلك الاجتماع. وقد استقبلنا النحاس باشا وأبلغناه بما كان بين خالد العظم والسفير الأميركي. وكانت هناك اتفاقية صادرة من الجامعة العربية بعد قيام إسرائيل بحلّ جميع الأحزاب في فلسطين، وتأليف حزب واحد منها أسموه الهيئة العربية العليا. وألّفوا حكومة عموم فلسطين، على أن تحضر هذه الحكومة مجلس الجامعة كلما كان الموضوع يتعلق بفلسطين. وبما أن هذه الدورة عقدت من أجل فلسطين بناء على طلب الأردن. افتتحت الجلسة بحضور حلمي باشا رئيس حكومة عموم فلسطين، وكان الحاج أمين في ذلك الحين رئيس مجلس النواب، فرفض الوفد الأردني افتتاح الجلسة بحضور حلمي باشا، فقال له النحاس باشا رئيس المجلس: أنتم طلبتم الاجتماع من أجل القضية الفلسطينية والاتفاق الذي وقعناه كلّنا يقول: إذا كان الموضوع يخص قضية فلسطين يجب أن تحضر الحكومة الممثلة للفلسطينيين. قالوا: ولكن هذا الموضوع بالذات لا نقبل بحضورها. فقال النحاس: ونحن لا نستطيع أن نخالف القرار. قال ممثل الأردن: إذاً أنا أنسحب وانسحب. وتكررت القصة وانسحب الممثل الأردني في اليوم الثاني والثالث. وتعقدت الأمور، وخرجت الصحافة بلا بلاغ ولا بيان، وراحت تتحدث عن هذه الأزمة. وهنا بدأ الضغط عليّ من أميركا، إما أن توافقوا على الصلح مع إسرائيل، وإما أن تبتلعكم الشيوعية. فعليك أن تختار إما صهيونية وإما شيوعية. قلت للسفير الأميركي: أليس هناك خيار ثالث؟ قال: لا. فقلت له: أنا أختار الشيوعية لأنها تريد أرضاً وسكاناً، أما الصهيونية فتريد أرضاً من غير سكان. وبعد ثلاثة أيام من اجتماع مجلس الجامعة العربية لم نصل فيها إلى قرار، والتصريحات ممنوعة، قررت أن أفضح موضوع الصلح والمساومة التي نتعرض لها، فانتظرت حتى خرجت كل الوفود، ولم يبق في وزارة الخارجية سوى أنا والفرّاش، واستبقيت الصحافيين، وقلت لهم: ما دار بيني وبين السفير الاميركي. وقد أحدث هذا التصريح ضجة عالمية. وانهالت عليّ البرقيات من العالم العربي كله بالآلاف. ولما عدت إلى سورية ومعي خالد العظم استقبلنا استقبال الفاتحين. وأقامت جمعية العلماء المعروفة بميلها إلينا حفلة كبيرة في المطار ضمت السلك السياسي ووجوه دمشق والغرف التجارية. وهنا التقيت بالسفير الأميركي في الحفلة. وبينما كنا داخلين في المطار، والازدحام شديد رأيت سكيلي هذا الذي كان هدّدني، يشق الصفوف، ويسحب بيده شخصاً، حتى إذا أوصله إليّ قال له: أقدم لك زبوناً جديداً حاملاً كرافات حمراء، فقلبتها له قائلاً لكن هذه مصنوعة في الغرب، ثم قلت له: من هذا؟ فقال مندهشاً؟ ألا تعرفه؟ قلت: لا. قال: هذا هو السفير السوفياتي، ثم تركتهم والحفلة قائمة وكأني عروس الحفل. وجاءني السفير السوفياتي مرة ثانية وقال: طلب مني ستالين أن أقابلك وأسألك بعض الأسئلة. فواعدته في مجلس الوزراء. ولما حضر سأل: ما سبب التصريح الذي أدليت به؟ فأجبته: ان الأميركان جاؤوا يفاوضوننا ويهددوننا بعد توقيع الملك عبدالله الصلح مع اليهود، ويزعمون أنهم يريدون إنقاذنا من الشيوعية بقبولنا الصلح مع اليهود، وإنا لنذكر جواب ستالين لروزفلت في يالطة عندما طلب لليهود وطناً قومياً، وقال: نضم الحكومة السورية ونضم الحكومة الفلسطينية، قال له ستالين: لا للوطن الثقافي لليهود، وإنما لدولة يهودية أنا أتعهد بحمايتها. والآن حملوا الملك عبد الله على توقيع الصلح، من أجل الاستعداد للحرب ضدكم. ولكن ليس لديّ ثقة أنكم ستستفيدون من هذا التصريح ومن ظروفنا الخاصة. فأنا الآن أريد سلاحاً منكم، ولست شيوعياً. وأنتم مخطئون في موقفكم المتحفظ من الإسلام والأديان قاطبة. وكلما اختلفت الأديان وكان قيصر مع الشعب مشت الكنيسة والجامع معاً مع الشعب. ولما يحدث التصادم بين الشعب وقيصر تمشي الكنيسة والجامع مع الشعب. ونحن صدّرنا لكم الأديان ففسدت عندكم الكنيسة، لأنها ماشية مع قيصر ضد الشعب. وأنتم لا تستطيعون تصدير الأديان إلينا، ومصلحتكم بالتفاهم مع الإسلام. وقلت له أيضاً: أنتم شاركتم في زرع اليهود في بلادنا، وهذه هي النتيجة. والآن أريد منكم سلاحاً، لأننا مهددون. قال: لا يمكننا أن نعطيكم سلاحاً، لأننا خرجنا لتوّنا من الحرب، وكل إنتاجنا من السلاح يجب أن يكون لبلادنا. وطلب مني نسخة من اتفاقية الصلح، فأرسلتها إليه، وبعث بها إلى ستالين، فجن جنونه، وبعد أربعة أيام أصدر أمراً بإعطائنا ما نريد من السلاح. وبذلك فتح باب السلاح. وبعد ثلاثة أشهر أصبحت رئيساً لمجلس النواب. وبعد ذلك توالى على الحكم عدة حكومات.