المشاة على رؤوسهم

الوثب العالي

استدعى وزير التعليم العالي الصومالي كل ما في الجامعات الصومالية من أساتذة
حائزين على شهادة الدكتوراه, فهرع الأساتذة إلى مبنى الوزارة طامعين في الظفر
ببعض التكريم المادي والمعنوي,‏ وما إن دخلوا المبنى حتى بوغتوا بحراس غلاظ
يقودونهم إلى قاعات الامتحانات, ويوزعون عليهم أوراقاً مطبوعة تتضمن أسئلة عن
معلومات موجودة في الكتب الدراسية للمرحلة الابتدائية,‏ويطلبون إليهم أن
يجاوبوا خطياً عن تلك الأسئلة, فرفض أحد الأساتذة أن يجيب عن تلك الأسئلة
بحجة أنها إهانة لمستواه الأكاديمي وانتقاص من مكانته العلمية المرموقة,
فضربه الحراس ضرباً وحشياً حتى أغمي عليه وغرق في غيبوبة بينما سارع الأساتذة
الآخرون إلى كتابة أجوبتهم بأصابع مرتعدة, وأسفرت الامتحانات عن أقلية ناجحة
وأغلبية راسبة, ورفعت النتائج إلى وزير التعليم العالي, فرحب بها بحرارة وفخر
لأن الجميع أثبتوا أنهم ليسوا أميين ويمتلكون القدرة على القراءة والكتابة,
وصدر عن وزير التعليم العالي الصومالي في اليوم التالي قرار عاجل يقضي بطرد
الناجحين وتكريم الراسبين, فوثبت الصومال من ليل إلى ليل, أما الأستاذ
المضروب, فقد تبلغ وهو راقد في المستشفى قرار تعيينه مديراً عاماً لأضخم مصنع
نسيج في البلد بغية الاستفادة من غنى معلوماته عن الأدب الفرنسي الكلاسيكي,
فنطت الصومال من وراء إلى وراء.‏

آخر سياحة‏

قال ابن بطوطة :) في سنة من السنين المشؤومة, زرت مدينة عربية بغية التعرف
إلى ما فيها من كتاب وأدباء وفنانين ذائعي الصيت.‏
سألت عن أشهر روائي, فقيل لي إنه اختار السكن في مستشفى للمجانين هرباً من
معجبات مسعورات, وسألت عن أشهر قصاص, فقيل لي إنه يخصص كل أوقاته للعثور على
بيته الذي أضاعه, وسألت عن أشهر كاتب مسرحي, فقيل لي إنه انتحر قبل أيام بعد
أن طلقته زوجته, وسألت عن أشهر كاتب سياسي, فقيل لي إنه مسجون بعد تحرشه
بقاصر, وسألت عن أشهر شاعر, فقيل لي إنه هجر الشعر وتحول ناقداً رياضياً,
وسألت عن أشهر ناقد أدبي, فقيل لي إنه مؤمن بأن النقد هو نقود, ومن يرغب في
مقابلته ينبغي له أن يدفع مبلغاً طائلاً, وسألت عن أشهر صحافي, فقيل لي إنه
هاجر إلى اوغندا وحصل على جنسيتها, وسألت عن أشهر رسام, فقيل لي إنه بصق على
لوحاته وأحرقها, ويعمل الآن مؤذناً, وسألت عن أشهر مطرب, فقيل لي إن جمهوره
عبر عن إعجابه به بأسلوب مهذب, وهو موجود حالياً في المستشفى في قسم العناية
المشددة, وسألت عن أشهر ممثل, فقيل لي إن الممثلين أجمعين مشاهير, ولا وجود
لممثل ناشيء, وسألت عن أشهر مخرج تلفزيوني, فقيل لي إنه معجب بنفسه ومخلص لها
ولا يقابل غيرها.‏
وما سمعته عن هؤلاء الكتاب والأدباء والفنانين جعلني أنبذ فكرة التعرف إليهم,
وقررت التفرج على ما في تلك المدينة العريقة من آثار تاريخية, وبادرت إلى
تنفيذ قراري مستخدماً التاكسيات في تنقلي من مكان إلى مكان, فتبين لي أن
سائقي تلك التاكسيات هم وحدهم الجديرون بأن يراهم السائح, فمن يركب في
سياراتهم محكوم عليه بالإفلاس ونشدان القروض والتسول, واضطررت إلى مغادرة تلك
المدينة العريقة شبه عار متباهياً بأني لم أفقد السروال.‏

هموم شخصية‏

طرقت باب بيتي صبية في مقتبل العمر, وأخبرتني بصوت وقور أن أختها عقيم, ونذرت
لها إذا حبلت أن تهين نفسها عن طريق الطواف على البيوت واستجداء ثمن ثياب
الوليد, وقد حدثت المعجزة, وحبلت أختها, وباتت مطالبة بتنفيذ نذرها الذي
يعتمد على أمثالي من أصحاب النخوة والمروءة والكرم والعطاء.‏
واعترض طريقي شاب طويل عريض, تكلم بلهجة شامية عريقة, وأنبأني أنه عراقي من
سكان الفلوجة, وعرض عليّ يده اليمنى المخفية في كم جلبابه مدعياً أن الغزاة
الأميركيون هم الذين قاموا ببترها, وما إن ابتعدت عنه خطوات حتى تشبث بي رجل
عجوز, ودسّ في عيني وصفة دواء كتبها طبيب قائلاً بصوت متهدج إن ما لديه من
مال غير كاف لشراء الدواء, وتنقصه مائة ليرة فقط.‏
وأوشكت سيارة مسرعة على دهس ولد لا يتجاوز عمره السابعة, ولم يبال بتوبيخي
النزق له, ووضع على الأرض ميزاناً من الموازين التي تستخدم في حمامات البيوت,
وطلب مني الوقوف على الميزان لمعرفة وزني لقاء ليرة سورية واحدة.‏
وقال لي أحد البقالين :) لا تصدق أن في البلد فقراً, فما إن يعلن عن اكتتاب
جديد في مشروع سكني حتى يتزاحم الناس, وكل منهم يحمل مليوناً أو مليونين
كدفعة أولى).‏
وتنبه البقال إلى أني لم أتحمس إلى رأيه واستقبلته بفتور وتحفظ, فقال لي : )
أنظر إلى هذه الشحاذة التي تقف على الرصيف المقابل لدكاني, فهي تأتي إليّ في
النهار ثلاث مرات, وفي كل مرة تعطيني مئتي ليرة ( فراطة ) وتأخذها قطعة
واحدة.. أي أن دخلها في الشهر أحسن من أحسن أستاذ جامعي نال شهادة الدكتواره
من كمبردج أو السوربون أو هارفارد).‏
وقال لي صديق أجنبي يتقن العربية بعض الشيء إن البلد يدهشه, فسألته:) هل
تدهشك الحرية الجميلة التي تتمتع بها السيارات المنطلقة في الشوارع بغير أن
تتقيد بأي قانون ما عدا قانون واحد سري علني هو ( دبر رأسك) ? ).‏
فقال لي إن ما يدهشه في هذا البلد هو أن في كل شارع من شوارعه عيادات مائة
طبيب وعشرات الصيدليات, فقلت له إن الأمر المدهش حقاً هو أن المقابر قليلة
والقبور باهظة الثمن.‏
وقال لي صديقي الأجنبي إن العاملين في كل مهنة من المهن لهم نقابة, ولكن
الحرامية في البلد لا نقابة لهم مع أن مهنتهم تحظى بالاحترام والتقدير
والتشجيع, فلم أقل له حفاظاً على سمعة الوطن السياحية إن الحرامية أكلوا لحم
الناس, فإذا تألفت نقابة لهم, أكلوا العظام أيضاً.‏

 زكريا تامر