سورية وحطام المراكب المتعثرة(6)

الملك فيصل اطلق في حلب شعار الدين لله والوطن للجميع ليكسب سكانها المسيحيين
الشيشكلي كان ناصري النهج وبعد سقوطه تحول عميلا امريكيا وصرفت له السعودية معاشا
صقر ابو فخر
في خضم الاضطراب العميم الذي شهدته سورية، ولا سيما بعد استقلالها في سنة 1943، كان نبيل الشويري شاهداً علي بعض جوانب هذا الاضطراب. فهو، منذ يفاعته الأولي، عرف ميشال عفلق كسـاحر وقديس معاً. وتدرج في مدارج السياسة وفي معارج الفكر السياسي علي يديه، وتفتح وعيه علي القومية العربية شبه العلمانية التي صاغها عفلق، ثم تمرد عليه وأسقط هالة القداسة عنه، وانحاز إلي أكرم الحوراني، ثم لم يلبث أن انخرط في التآمر السياسي والانقلابات العسكرية مع سليم حاطوم وبدر جمعة، وحُكم بالإعدام. وقادته مصائره اللاحقة في المنفي البيروتي، والباريسي، إلي إدارة الظهر للسياسة كلها، ثم راح، بهدوء، يعيد النظر في تجربته الشخصية، وأسلم عقله لحقبة من التفكير النقدي الهاديء. ولعل نبيل الشويري كان شبه مرآة عكست البعث نفسه وتجربته العاتية في الاضطراب السياسي والبلبلة الفكرية والتآمر وانقلاب الأحوال والأخطاء القاتلة، فضلاً عن النزوع الرومانسي إلي صوغ مشروع مستقبلي لدولة قوية موهومة.
لم يكن لنبيل الشويري أي شأن مباشر في سلطة البعث التي انبثقت في 8 آذار 1963، ولم يشارك في صنع الأحداث العاصفة التي شهدتها سورية منذ ذلك التاريخ فصاعداً، ولم يكن له أي دور في المصائر التي انتهي إليها البعث بشظاياه الكثيرة، إنما كان شاهداً راصداً لتجربة البعث في سورية، وكان، إلي ذلك، مناضلاً في ذلك الحزب إبان صعوده، ثم راقب بحسرة انحداره وتطايره في جميع الاتجاهات. وهذا الحوار هو خلاصة هذه التجربة. ومهما يكن الأمر، فإن أهمية هذا الحـوار لا تكمن في أنه يؤرخ لحقبة من التاريخ المعاصر لسورية، بل في محاولة إعادة قراءة الأحداث في ضوء التجربة الشخصية.

ألم تغير إصلاحات مدحت باشا من سطوة هذا الثالوث المستبد؟
الإصلاحات التي بدأت في خط كولخانة حتي إصلاحات مدحت باشا جعلت القوي الحاكمة في الشام تتحول، بالتدريج، إلي الموقع المناهض للأتراك، ولا سيما مع ظهور الحركة الطورانية. كان لسان حالهم يقول: نحن والأتراك مسلمون. وعلي الرغم من أن الإسلام منا والخلافة للعرب فقد قبلنا بخلفاء لا يعرفون العربية ولا يفهمون القرآن، لكنهم مسلمون. أما أن تحولوا الدولة العثمانية إلي دولة طورانية وتنصروا غير العرب علي العرب فهذا مرفوض. لتكن القومية العربية مقابل القومية الطورانية. وما فكرة الوحدة عند الثالوث الدمشقي إلاّ ردة فعل علي الطورانية وليست خيارا فكريا أو سياسيا. وهم التحقوا بالثورة العربية الكبري في سنة 1916 ليستعيدوا الحكم من الضباط الأتراك الظالمين أمثال جمال باشا. فكيف يقبلون ملكا من الحجاز أراد الإنكليز تنصيبه عليهم؟ لذلك اقترحوا عبد القادر الجزائري بديلا عن فيصل. ولكن عندما فشلوا في هذا المسعي نجح فيصل مدعوما من الزعامات السورية الكبري.
أمثال سلطان الأطرش مثلا.
سلطان الأطرش في السويداء، وعبد الرحمن الشهبندر وفارس الخوري وبطريرك الروم الأرثوذكس غريغوريوس حداد في دمشق، وفي حلب تلك المدينة العظيمة، قال فيصل كلمته المشهورة: الدين لله والوطن للجميع ، لأن ربع سكان حلب من المسيحيين.
من هو صاحب هذا الشعار؟
الملك فيصل.
قيل أن عادل أرسلان هو الذي صاغه.
أعوذ بالله. عادل وشكيب أرسلان كانا اسلاميي التفكير والتعبير.
هذا الشعار موجود في البيانات الأولي للثورة السورية الكبري سنة 1925 الذي وقعه سلطان الأطرش.
سلطان الأطرش من جماعة الملك فيصل. كانت حلب مدينة مغلقة في وجه فيصل، والنفوذ الفرنسي قويا بين مسيحيي المدينة. فالمسلمون لم يفرحوا لذهاب تركيا، والمسيحيون كانوا يخافون، مثل مسيحيي لبنان، من أي وحدة عربية كبيرة يذوبون في أرجائها. مسيحيو حلب يختلفون عن مسيحيي دمشق فهم كثر في حلب وأغنياء ولهم اتصال قوي بروما مركز البابوية، وفرنسا تؤازرهم. وحتي يكسب الملك فيصل ثقتهم ويستميل قلوبهم أطلق هذا الشعار في تلك المدينة بالذات. ووقف معه الزعماء الكبار في متصرفية جبل لبنان وسار في ركابه حتي الموارنة. وفي جانب آخر كانت هناك شخصيات دمشقية تفاوضت مع الفرنسيين ضد الملك فيصل أمثال علاء الدين الدروبي الذي ذبحه الحوارنة، وجميل الألشي وغيرهما.
وعبد الرحمن اليوسف.
وعبد الرحمن اليوسف. لكن عندما راح نظام الملك فيصل يترسّخ تحولت القوي الدمشقية في مواقفها أيضا. ولعل هذا التحول يفسر قصة معركة ميسلون واستشهاد يوسف العظمة. يوسف العظمة بطل بلا ريب. وهو ذهب إلي القتال وكان يعلم أنه سيموت. لكن الدمشقيين أثاروا المواقف المتطرفة وبالغوا في هذه المواقف حتي أوصلوا الأمور إلي موقعة ميسلون، ولم يفسحوا للملك فيصل في المجال ليعقد ولو اتفاقا مؤقتا مع فرنسا. وفي ما بعد، وجرّاء الثورة السورية الكبري واستمرار نضال المدن والتحولات الدولية، نالت سورية استقلالها، فكانت أول بلد عربي يستقل استقلالاً كاملاً. وبالتبعية نال لبنان استقلاله أيضا. وفي ما عدا سورية لم تنل أي دولة عربية استقلالها الناجز، بل ارتبطت بمعاهدة مع المستعمر.
مثل العراق ومصر.
الجميع.
ألم تكن سورية مرتبطة بفرنسا بمعاهدة؟
أعوذ بالله.
معاهدة سنة 1936.
هذه المعاهدة فشلت، ولم يوقعها الفرنسيون. عندما نالت سورية استقلالها، نالته من غير قيد أو شرط. ستقول ان اليمن كان دائما مستقلاً. اليمن مسألة مختلفة ولم يخضع للاستعمار المباشر. ستقول الملك عبد العزيز آل سعود ومملكة نجد والحجاز. الآن تتكشف اتفاقات سرية عُقدت بين الملك عبد العزيز وبريطانيا وامريكا مثل اتفاقية استقلال الكويت. ولحسن حظ الملك عبد العزيز أن أي عراقي لم يكشف حتي الآن أي اتفاقية مستورة. وأنا أتساءل: متي كان العراق والشام متحدين؟
مرات قليلة.
لنبدأ منذ فجر التاريخ. البابليون والآشوريون احتلوا المنطقة ثم تراجعوا عنها. لكن الممالك السورية الآرامية بقيت. عندما اجتاح الإسكندر الكبير المنطقة واحتلها حتي الهند في خلال ثلاث سنوات، دانت هذه الإمبراطورية المترامية له. وبعد موته، وحتي لا يختلف القادة الكبار في جيشه الكبير، تقاسموا المملكة. وكانوا طلبوا منه، وهو علي فراش الموت، أن يوصي فقال: المملكة للأقوي. لكن الحكمة تغلبت علي الوصية وقالوا: تعالوا لنقتسم المملكة حتي لا نختلف. فأخذ بطليموس مصر، ونال سلوقس سورية؛ فسورية الكبري التي يتحدث عنها أنطون سعادة صارت دولة متحدة مرة واحدة في التاريخ ودامت نحو 200 سنة، وكانت عاصمتها أنطاكية.
دولة موحدة لكن تحت حكم أجنبي.
صحيح، لكنها موحدة. ثم جاءنا الرومان واكتسحوا الدنيا واحتلوا سورية، لكنهم لم يصلوا إلي العراق. بقي العراق تحت سيطرة فارس، وأنشأوا مملكة الغساسنة ليردوا عن أنفسهم غزوات العرب. هنا صارت سورية ولاية، وكانت مصر الفرعونية تتمدد قبل ذلك الزمان نحو الشمال. مع الفتح الإسلامي صار العراق وسورية تابعين للمدينة. واستمرت هذه الحال عدة سنين فقط حتي جاءت الفتنة الكبري، فانتصر فيها الأمويون، ثم قامت إمبراطورية عربية كبيرة في دمشق وضمّت نصف الدنيا في ذلك الزمان. لكن العراق لم يخضع قط لحكم دمشق إلاّ بالسيف. لم تدم دولة الأمويين أكثر من تسعين سنة، وصارت بغداد عاصمة الإمبراطورية العباسية الجديدة. وصارت سورية تابعة للعراق.
سورية لم تخضع أيضا للعراق.
لم تخضع قط.
إنها قصة الجيوبوليتيك.
تماماً هي قصة الجغرافيا السياسية. فإذا كان لا بد من وحدة ما فلتكن مصر. لأن البحر ناقل للثقافة، البحر فاصل واصل مثل الدوبرياج في السيارة. أما الصحراء فهي فاصــــل أكثر من واصل.
إلي أي مدي يمكن اعتبار بادية الشام وبادية السماوة فاصلا حقيقيا؟ فهذه المنطقة ظلت، علي مدي العصور، مسرحا حيويا لانتقال العشائر من العراق والحجاز إلي الشام.
أنا لا أتحدث عن بادية الشام فقط، أنا أقول إن الصحاري تفصل أكثر من البحر. علي أن الطريق البري الساحلي الذي يصل سورية بمصر (قبل وجود اسرائيل طبعاً)، هو أسهل واقصر وأكثر أمناً، من الصحراء الفاصلة بين دمشق والمدن السورية وبين بغداد والعراق.
صحيح نسبياً. الصحراء الافريقية فصلت العرب عن الأدغال.
أهل الشام، وجنوب سورية، إذا ناداهم نداء السفر خرجوا إلي مصر، وربما تحولوا إلي الحجاز. وإن خرجوا شمالاً فإلي كيليكيا، وغربا إلي الساحل السوري (لبنان وفلسطين)، لكنهم لا يذهبون إلي العراق. أهل حلب فقط يتجهون نحو العراق والموصل بالتحديد.
إن أقرب مدينة إلي دمشق هي بيروت.
أقرب من حلب.
أنت تتكلم علي أهل الشام. لكن في العراق الأمر مختلف. العراق كان دائما مسكونا بنداء السندباد، أي الوصول إلي البحر الأبيض المتوسط أو البحر السوري قديماً. نداء البحر عند العراقيين مسألة حيوية جدا. لأن العراق عمليا بلد بري إلاّ من فتحة صغيرة جدا علي شط العرب.
نداء المتوسط أم الخليج؟
المتوسط. أنظر إلي الغزوات، فجميع الغزوات والهجرات كانت تتجه غربا. أما نداء الخليج فهو محسوم. العراقيون موجودون علي أبواب الخليج عند البصرة، وتجارتهم مع الهند رائجة منذ آلاف السنين، وخط التجارة يبدأ من البصرة إلي عُمان حتي الهند، وهذا هو الإطار الحيوي للعراق، أو بلاد ما بين النهرين. أما الاتجاه غربا فهو طموح دائم من سرغون الأكادي حتي الملك غازي.
هذه موجات ليست ثابتة، ولم تتكون حولها طموحات شعبية.
أتحدث عن الجغرافيا السياسية.
في قراءتي للتاريخ أخالفك هذا الرأي تماما. ومن خلال تجربتي السياسية لم أكتشف أن هناك طموحا عراقيا حقيقيا للوصول إلي المتوسط إلاّ لأجل الاصطياف في لبنان.
لقد كانت فكرة الوحدة مع سورية تأتي من العراق لا من السوريين. والوصول إلي البحر المتوسط لا يعني، في نهاية المطاف، ضم الساحل السوري إلي العراق. يكفي أن يكون للعراق السيطرة أو حتي بعض النفوذ. لا تنسَ أن تجارة العراق كلها مع العالم كانت تأتي عبر ميناء بيروت وميناء حيفا. وبعد إقفال ميناء حيفا، انفردت بيروت بهذا الامتياز. ولا تنس أنابيب النفط إلي بانياس وطرابلس وحيفا. المصالح العراقية كثيرة علي المتوسط.
يا أخي الوحدة كان في إمكانها أن تتحقق بوجود حزب واحد حاكم في البلدين. من الذي أفشل هذه الوحدة؟ العراقيون بالطبع. انقلاب صدام حسين في سنة 1979 أطاح الوحدة. وقبله انقلاب عبد السلام عارف في 18/11/1963.

الوحدة والعراق

هل تعتقد أن الوحدة بين العراق وسورية كانت علي الأبواب حقا؟ أظن أن هذا الاستنتاج غير صحيح. وفي أي حال نحن هنا نحاول أن نستكشف التاريخ فقط.
حدثني ابن خالتي زهير فرح وكان كبير مهندسي سد الفرات، أنه لاحظ في المفاوضات المائية المثلثة بين سورية وتركيا والعراق أن الوفد العراقي كان يميل إلي جانب الأتراك إذا اقتضت مصلحته ذلك.
الشيء نفسه ربما ينطبق علي سورية وعلي أي دولة عربية أخري.
كان هذا المهندس يردد أن من الأفضل أن نتفق نحن العراقيين والسوريين أولاً ثم نفاوض الأتراك. العراق بلد غني حتي قبل ظهور البترول، والغني لا يحب أن يشاركه أحد في ثروته.
هذه نظرة لا علاقة لها بالجغرافيا السياسية والمفهومات المعاصرة للأمن القومي. مفهوم الأمن القومي يتعدي عنصر الثروة، والثروة هي مجرد عنصر واحد من مجموعة عناصر تشكل معا الأمن القومي لأي بلد. ومهما يكن الأمر، ففي هذه الأثناء، وقع أهم حدثين في تاريخ البعث أي الاندماج مع حزب أكرم الحوراني (الحزب العربي الاشتراكي) ثم الاستيلاء علي السلطة في العراق وسورية سنة 1963. واسمح لي أن استطرد في هذه النقطة بالتالي: عندما وقع الاندماج بين الحزب العربي الاشتراكي وحزب البعث العربي كان ذلك مقدمة مهدت للحزب الجديد كي يصبح حزبا كبيرا في سورية. ألا تعتقد أن تصفية الحزب السوري القومي الاجتماعي في سنة 1955 بذريعة اغتيال عدنان المالكي، وكان هذا الحزب من الأحزاب المهمة جدا في سورية، وتصفية الحزب الوطني قبل ذلك، وهو من الأحزاب التقليدية المهمة في سورية، وكذلك تصفية حزب الشعب بتهمة العمل علي ضم سورية إلي العراق، ذلك كله أفسح في المجال ليصبح حزب البعث العربي الاشتراكي الحزب القوي في سورية؟ هذه القوة لم تأت من قدراته الذاتية بل من القضاء علي الأحزاب المنافسة له بالتتالي.
هل حزب البعث هو الذي قضي علي هذه الأحزاب؟
لا بالطبع. السلطة هي التي قضت علي هذه الأحزاب وساهمت في هذه الحملة المتمادية المصالح المصرية والامريكية. وهذه الظروف الموضوعية المستقلة عن الارادة ساهمت في هذه النتيجة.
هذه الأحزاب هي التي قضت علي أنفسها بأنفسها.
مهما تكن الحال، هل كان ثمة من عارض دمج حزب البعث العربي والحزب العربي الاشتراكي؟
طبعا، وأول المعترضين كان ميشيل عفلق، فضلا عن جلال السيد. قبل الدمج كان هناك تعاون جدّي بين الطرفين. وكان أكرم حوراني ونصف حزب البعث، ولا سيما اليساريين منهم، يتعاونون علي المكشوف. ومنذ سنة 1947 عرض ميشيل عفلق وصلاح البيطار علي أكرم الحوراني القدوم إلي دمشق والعمل معا. وعندما كان الحوراني نائبا في البرلمان، كانت جريدة البعث تنشر أقواله بالتفصيل لأن مواقفه كانت متطابقة مع مواقف قادة البعث. لكن بعد الدمج ظل هناك قطبان فيه: جلال السيد وهو مؤيد للوحدة مع العراق، وأكرم الحوراني الذي اتهم بأنه ضد الوحدة مع العراق. والحقيقة أنه كان ضد الإنكليز وضد فقدان النظام الجمهوري في سورية لمصلحة الملكية. علي أنه ربما كان يقبل الملكية بشرط ألاّ تشوب الوحدة أي شائبة أجنبية. وكان جلال السيد ممن ينافح عن الوحدة مع العراق ويسايره في ذلك ميشيل عفلق وصلاح البيطار. والآن، ألا زلت تعتقد أن الإنكليز ونوري السعيد كانا يريدان وحدة بين سورية والعراق؟
كانا يريدان اتحاداً، أي السيطرة علي العراق وعلي سورية معا.
إنكلترا قدمت عرضاً لعبد الإله ليصبح ملكاً في سورية بحيث يحكمون من خلاله سورية كما يحكمون العراق، وتبقي دولة هنا ودولة هناك.
عرش هاشمي لعبد الإله؟
في سورية.
هل كان هذا المشروع جدّيا؟
الملك عبد الله هو الذي عارض المشروع.
في تلك الفترة كان لا يزال يطمح إلي سورية الكبري.
طبعا. طموحه كان الأهم، وهو أهم من عبد الإله في العائلة الهاشمية. وعندما حدث انقلاب أديب الشيشكلي بدأ اضطهاد حزب البعث وبدأ اضطهاد أنصار أكرم الحوراني من المدنيين والعسكريين. وفي هذه المرحلة تسلم بعض البعثيين من الصف الثاني التنظيم الحزبي، وتوليت أنا التنظيم في مدينة دمشق بتكليف من صلاح البيطار، وتوسعت في التنظيم السّري. كنت قائدا للتنظيم السّري مع أنني لم أكن سياسيا ولم أتسلّم أي موقع قيادي سياسي، فكانت الأوامر تأتيني من صلاح البيطار وميشيل عفلق. وبدأ التنظيم السري يُرسّخ وجوده، وكان جلال السيد ذا حضور قوي في البرلمان وفي الحياة السياسية وفي الصحافة. لكن عندما سيطر الشيشكلي علي السلطة صار جلال السيد بلا قوة حتي في دير الزور. أما القوة التي يمكنها أن تجابه الشيشكلي فكانت جماعة أكرم الحوراني وأنصاره في الجيش والتنظيم السري.

البعث والشيشكلي

ما كان دور حزب البعث العربي الاشتراكي في إسقاط عهد الشيشكلي؟
إذا علمت كيف سقط الشيشكلي تستطيع أن تكتشف أن الدور الرئيسي كان لحزب البعث. في تلك الفترة تحول حزب البعث تنظيما سريا حقيقيا ومناضلا في جميع المدن السورية والمحافظات. وسأروي تجربتي الشخصية، فأنا كنت مسؤولا عن المنظمة الحزبية السرية في دمشق. وهذه المنظمة ازدادت فاعليتها خلال أكثر من سنتين من العمل السري، ولم تتمكن مخابرات الشيشكلي من اختراقها علي الرغم من أنها اعتقلت جميع القادة السياسيين وعددهم يربو علي 500 شخص. إذن، تحول الحزب إلي حزب سري في عهد الشيشكلي. لكن الضربة المباشرة جاءت من ضابط بعثي معروف اسمه مصطفي حمدون، وكان يساعده ضابط معروف اسمه محمد عمران.
وعبد الغني قنوت؟
قنوت كان مسرّحا من الجيش وفي السجن، وكان عدنان المالكي في السجن أيضا. قام مصطفي حمدون بتمرد علي أديب الشيشكلي وتحول التمرد إلي ثورة في البيانات فقط. عبد الفتاح الزلط رئيس فرع حلب لحزب البعث لعب دورا كبيرا في الإذاعة لأنه كان خطيبا ومحرضا من الطراز الأول. والحقيقة أن العراق دعم هذا التمرد. ولا ريب في ذلك، فالشيشكلي اتهم، من بين اتهامات عديدة، بأنه امريكي الهوي.
كان أقرب إلي السعودية ومصر.
الحقيقة أنه تعاون مع السعودية ومع عبد الناصر، وكان عبد الناصر يعتبره أستاذه. الشيشكلي هادن امريكا لكن لا يستطيع أحد الادعاء بأنه عميل لامريكا. كانت ينهج نهج عبد الناصر في أوائل ثورة يوليو 1952. لكن بعد سقوطه تملكت منه أحقاده وأوصلته إلي أن يصبح عميلا للمخابرات الامريكية بالفعل، وصرفت له السعودية معاشا دائما بعد سقوطه. القوة الفاعلة في تلك الفترة، مدنيا وعسكريا، كان حزب البعث. وكان يقود جبهة وطنية ضمت الكثيرين من رموز السياسة في سورية ما عدا الحزب الشيوعي والحزب السوري القومي. لذلك عندما أعلن مصطفي حمدون عصيانه في حلب ودعا الجيش إلي تأييده، أيدته أكثرية الجيش بالفعل. فالجيش لم يكن إلي جانب الشيشكلي. والبرهان أن الشيشكلي حينما أراد قمع جبل العرب أرسل رسمي القدسي، وهو ضابط كبير، علي رأس قوة من الضباط الصغار أمثال عدنان حمدون شقيق مصطفي. لكن، عندما سمع أفراد هذه القوة بالعصيان في حلب بادر ضابطان صغيران إلي السيطرة علي القوة العسكرية الموجودة في السويداء التي كان من المقرر أن يقودها رسمي القدسي، وأوقفوا المجزرة وأفشلوا الخطة. أعود إلي تجربتي في العمل السري. إن تجربة العمل السري تحدث عنها أكرم حوراني في مذكراته لكنه لم يأت علي ذكر هذه التجربة في مدينة دمشق، لأنني لم أكن من أنصاره، فأبرز دور من كان من أنصاره في المحافظات وأغفل دمشق. وهو اتهمني بأنني من أنصار ميشيل عفلق، وهذا صحيح في تلك الفترة. وفي مذكراته ذكر حكاية اعتقالي. أنا اعتقلت في أيام الشيشكلي أربع مرات، بينها مرتان تلقيت فيهما تعذيبا جسديا وتعذيبا نفسيا متواصلا، وبقي التنظيم السري الذي كنت مسؤولا عنه يعمل كالساعة السويسرية، فلم تتمكن المخابرات من انتزاع أي معلومة مني.
كم كان عدد أعضاء التنظيم السري في دمشق؟
بدأ التنظيم باثني عشر عضوا ثم ازداد إلي أربع وعشرين.
إنه عدد محدود جدا في أي حال.
نعم. لكنه فاعل جدا. الخلايا الصغيرة توزع المنشورات والشائعات وتستقصي الأخبار وتجمع التبرعات. كنا نعمل كالسمك في الماء، أي كالنواة الصلبة في بيئة صديقة. إن إسقاط عهد الشيشكلي جري من خلال النشاط السياسي العلني والمظاهرات الطالبية في المدارس وفي الجامعة خصوصاً. ذلك كله أسقط هيبة الشيشكلي أولاً، تمهيدا لسقوطه الأخير لاحقاً. ولست مبالغا في القول إن الدور الرئيسي في إسقاط الشيشكلي كان لحزب البعث. حتي سلطان الأطرش، مع ما يمتلك من هيبة بين الدروز، كان مع حزب البعث وليس مع العائلة الأتاسية أو مع حزب الشعب والحزب الوطني. إن اثنين من أبناء سلطان الأطرش كانا بعثيين، هما منصور وناصر. وربما بسبب انتماء ابنيه إلي الحزب، فضلا عن صلتنا نحن به ومواقفه الشريفة الدائمة ضد الأجنبي وضد اضطهاد الشعب، ذلك كله جعل سلطان الأطرش يدعم البعث. وعندما عُقد مؤتمر المعارضة في حمص كان جلال السيد في السجن، ولم يخرجه الضباط الانقلابيون الجدد من سجنه، فاعتقدَ أن عدم إخراجه مؤامرة من بعض ضباط الجيش الذين يرغبون في منعه من الذهاب إلي حمص، ولأن ميشيل عفلق وصلاح البيطار لا يفقهان كثيرا في السياسة. وقد تأخر إطلاقنا نحن أيضاً من السجن 48 ساعة حتي انتهاء مقاومة أنصار الشيشكلي. والحقيقة أنهم لم يخرجونا من السجن بل فتحنا الباب ونزلنا من طريق الجبل حتي الشارع الرئيسي.
كنتم في سجن المزة؟
نعم، في سجن المزة. وفي تلك الليلة توزعنا علي عدة بيوت، منها منازل معروفة لنا في باب المصلّي وفي بيت خالي في القصاع، لأننا خشينا أن يعود عبد الحق شحادة ويعتقلنا مجددا في بيوتنا. لهذا لم ننم في بيوتنا تلك الليلة. وفي أثر هذه الأحداث اكتشف جلال السيد ضعف الموقف الحزبي، فالحزب نفذ العملية الانقلابية ولم يتمكن من المشاركة في الحكم الجديد. وعندما أدرك الجميع أنها كانت غلطة هائلة، بدأوا يمارسون ضغطاً شعبياً وعسكرياً علي الحكم الجديد إلي أن تغيرت الوزارة وجاءت وزارة جديدة لتشرف علي تنظيم انتخابات حيادية. وبالفعل كانت هذه الانتخابات أول انتخابات نظيفة في سورية.
في أي سنة حدث ذلك؟
في سنة 1954.
أي بعد سقوط الشيشكلي فورا؟
سقط في آذار (مارس) 1954، وجرت الانتخابات في أواخر الصيف. لا يوجد اثنان يختلفان علي أن الذي أسقط عهد الشيشكلي هو حزب البعث. لكن الحزب لم يكن مُهيئاً لتولي الحكم. لذلك تقدم الآخرون وقطفوا الثمار.
من هم جماعة العراق في تلك الفترة؟
صبري العسلي ومعروف الدواليبي ورشدي الكيخيا وناظم القدسي وغيرهم. وهذه الأسماء ظهرت كلها في محاكمات المهداوي في العراق.

العصر الذهبي للبعث

بعد سقوط الشيشكلي بدأ العصر الذهبي لحزب البعث في سورية. وفي هذه الفترة بدأت فروع الحزب تتكون أو تقوي خارج سورية: في لبنان والأردن وفلسطين والعراق واليمن. هل تتذكر تلك الفترة؟
لا أتذكر مثل هذه الأمور بتاتاً. أعني فروع الحزب خارج سورية، لأنني بدأت نضالي التنظيمي في حزب البعث إبان عهد الشيشكلي. قبل ذلك كنت طالبا يساهم في الإضرابات ويتولي بعض المهمات الحزبية. في ما بعد كلفت بتأسيس التنظيم السري. وعلمني صلاح البيطار، إبّان مرحلة حل الحزب، كيف يجب أن يبني التنظيم السري علي أساس خلايا لا تعرف الواحدة الأخري.
تنظيم عنقودي.
عنقودي، ورأسه يجب أن يكون موصولاً بآخر حتي إذا أمسكت المخابرات بالثاني يستطيع الأول أن يهرب. المهم أن أول شخص عينوه ليكون مسؤولا عني هو جلال فاروق الشريف. سلمني جلال فاروق الشريف المهمات، وتمكنت أن أجمع اثني عشر عضوا.
هل تتذكر أسماءهم الآن؟
لا. واحد فقط كان نائبي في التنظيم السري اسمه خيري الشالاتي الذي أصبح ناصريا في ما بعد، وانتخب نائبا في مجلس الأمة. والبقية كانت من الطلبة، وأكثرهم هاجر إما للدراسة في الخارج وظلوا في المهاجر، أو لضيق ذات اليد. وهؤلاء، بعد حل الحزب، لم يتابعوا نضالهم ولم يحترفوا السياسة. في أي حال تمكنت من تأليف أربع خلايا من اثني عشر شابا. وعندما ازداد عدد أعضاء التنظيم السري صار عدد الخلايا ثمانية.
أي أن الخلية الواحدة تضم 3 عناصر؟
نعم. في السنة الأولي كنا أربع خلايا، 12 شابا وخيري الشالاتي وأنا، أي 14 شخصا. في السـنة الثانية صار عددنا 26 وانقسمنا إلي ثماني خلايا. في بداية عهد الشيشكلي، قبل أن يبادر إلي حل المجلس النيابي والأحزاب، كان الشيشكلي يتفاوض مع حزب البعث، ويلتقي أكرم الحوراني وميشيل عفلق وصلاح البيطار في منزله. وبعد عدة اجتماعات يئس الثلاثة من الشيشكلي، فبادروا إلي إتمام دمج الحزبين أي دمج حزب البعث العربي والحزب العربي الاشتراكي. هنا سارع الشيشكلي إلي انتهاج الدكتاتورية، وبالتحديد عندما أيقن أن الدمج صار نهائيا. فهذا الإجراء مسألة حموية وحماة هي قاعدة الشيشكلي، فهو من مدينة حماة أيضا. ارتعب الشيشكلي من عملية الدمج، وصار الحزب الجديد يمتلك قاعدة كبيرة بين الضباط البعثيين وبعض الضباط الحوارنة مثل أحمد عبد الكريم الذي كان، في الأصل، بعثيا. وكان هناك أيضا عدنان المالكي، وهو غير بعثي لكنه قريب من البعث. واستباقا لأي تحرك مضـاد من الضباط البعثيين والقريبين منهم في الخط السياسي بادر الشيشكلي إلي اعتقال عدد من الضباط وتسريح آخرين بذريعة اكتشافه مؤامرة كان يعد لها حزب البعث. وأراد اعتقال عفلق والحوراني والبيطار، فقد خاف من بقائهم أحرارا. لكنه فشل في اعتقالهم بعدما اختبأوا في دمشق أولا ثم تسللوا إلي لبنان.
من هم الذين هربوا غير هؤلاء الفرسان الثلاثة؟
شبلي العيسمي، وهو من المؤسسين لحزب البعث، وهو رجل نظيف وجدّي وشجاع وعاقل وذكي. خبأه التنظيم السري في البداية. ثم قمت بنفسي بتأمين وسيلة لتهريبه إلي لبنان بمساعدة أقاربي. وأمكننا تهريبه عن طـريق دير العشـاير ـ حلوة حتي منزل آل الداود. وآل الداود أصهار منصور الأطرش وسلطان الأطرش. وقد التحق العيسمي بالأساتذة الثلاثة في بيروت. لكن، بعد فترة، كلف بالعودة إلي دمشق ليتولي القيادة المركزية للحزب. وقمت أنا شخصيا بتأمين مخبأ له في دمشق لا يعرفه أحد. وكان في هذا المخبأ أحد البعثيين الأساسيين من غير أعضاء التنظيم السري، وغير مكشوف للأجهزة الأمنية في دمشق، اسمه نايف جربوع من جبل العرب.
الذي صار وزيراً؟
كان نائباً قبل ذلك، فهو انتخب في العهد الديمقراطي نائبا عن السويداء. المهم، أن العيسمي سـكن مع نايف جربوع في بيت إمـرأة شامية لا علاقة لها بالسياسة أو بالحزب. ومنذ ذاك الوقت انقطعت صلة جلال فاروق الشـريف بالتنظيم السري. كانت مهمات التنظيم السري توزيع البيانات والمناشير وبث الشائعات وجمع الأخبار وجمع التبرعات والاشتراكات وإرسال ذلك كله إلي القيادة. وكل عضو في التنظيم السري عليه ألا يظهر علي أنه رجل حزبي. في المرحلة الثانية عندما توسع التنظيم السري، جاءتنا من بيروت قنابل صوتية مثل تلك التي يستخدمها صيادو السمك. وصرنا نجهز إلي جانب المناشير القنابل الصوتية، وأنا بنفسي سافرت إلي بيروت وتدربت علي تصنيعها، وصرتُ أصنعها في دمشق.
هل كنتم ترمونها في الأحياء؟
كنا نرميها في الأماكن التي تسبب الإزعاج الشديد للشيشكلي مثل مكاتب حركة التحرير العربي ورئاسة الأركان ومديرية الشرطة العسكرية. وكنا نحرص علي ألا تسبب هذه القنابل أي أذي للأفراد. رمينا عشرين قنبلة ولم تتسبب أي واحدة في الإيذاء. وفي آخر عهد الشيشكلي أرسل التنظيم السري إنذارا إلي مدير الشرطة جاء فيه أنه إذا لم يفرج عن المعتقلين فسنضرب المديرية بالقنابل. لم يصدق مدير الشـرطة. لكن لم يطل الأمر حتي دوي انفجار كبير في المديرية، فأصيب بالرعب هو والضباط والجنود، وظلوا إلي فترة لا يعرفون أين وقع الانفجار، وبالطبع لم تنجم عنه أي أضرار. إحزر ماذا جري؟ قام أعضاء التنظيم السري المكلفون بهذه العملية باحتساب سرعة جريان مياه نهر بردي الذي يمر إلي جانب مقر مديرية الشرطة.

منصور الاطرش

لماذا اعترف منصور الأطرش؟ هل عذبوه؟
القصة فيها تفصيلات كثيرة، وخلاصتها أن رجال المخابرات أحضروا منصور الأطرش إلي منزل عمه زيد الأطـرش بلباقة وكـرامة. وأحضروا إليه شخصا من رفاقنا. وهذا الشخص هو الذي اعترف ببعض الوقائع تحت التعذيب. لقد صمد ثلاثة أيام متتالية واعتقد المسكين أننا هربنا في هذه الأثناء. لكننا نحن كنا سذجاً ولم نكن قد أتقنا الصنعة بعد، فاعتقلنا الواحد تلو الآخر: منصور الأطرش وشبلي العيسمي وناصر الأطرش وكنت أنا الأخير. ومع ذلك تعرضت لتعذيب حقيقي علي يدي رقيب في الشرطة العسكرية اسمه إسماعيل الشيشكلي. بعد ذلك رموني في سجن المزة إلي أن أصدر الشيشكلي، وكان رئيسا للجمهورية، عفوا وخرجنا جميعا. المرة الثانية أمضيت فترة أطول في السجن وفاتني امتحان السنة الثانية في كلية الحقوق، فرسبت. وقبل ذلك في عهد حسني الزعيم خسرت سنة دراسية قبل صف البكالوريا. في أواخر عهد الشيشكلي ألقوا القبض علي كل من هو بعثي. المئات اعتقلوا في دمشق، ولم يكن أي واحد يعرف شيئا عن التنظيم السري غيري. وتعرض الكثيرون للتعذيب لكنهم ما كانوا يعرفون شيئا بالفعل، واعتبروني مثل بقية البعثيين لا أعرف شيئاً. وهنـاك حادثة طريفة حدثت لي في الاعتقال الأول. لقد خاف جلال فاروق الشريف أن أنهار في أثناء التحقيق قبل أن يتمكن من الاختباء. وكان شديد الاضطراب لأنه معلم والامتحانات بدأت وكان عضوا في لجنة التصحيح. وفي هذه اللجنة أيضا كانت أختي. وعندما فُتحت سيرة السجون في أحد الأيام انفجرت أختي بالبكاء ولم تستطع السكوت. وانتظر جلال فاروق الشريف أول مناسبة لا يكون فيها أحد من أعضاء لجنة التصحيح وقال لها: أشكري ربك أن أخاك هو المعتقل وليس غيره. فوجئت أختي بكلامه، بل صدمت. فقال لها: ستفهمين ما أقصد في ما بعد. وقد ذكرت لي هذا الحديث في ما بعد، وكان جلال فارق الشريف شرح لها مغزي كلامه عندما سقط الشيشكلي قائلا: بعد اعتقال نبيل الشويري لم يلقَ القبض علي أحد بعده. ولو كان غيره هو من اعتقل أولاً لكان اعترف عن الجميع، وفي جملتهم هو، أي جلال فاروق الشريف.
في تلك الفترة كانت هناك قوتان سياسيتان مهمتان في سورية: القوميون السوريون والشيوعيون.
نعم، لكن فاتني أن أقول لك إن القوميين السوريين لم ينضموا إلي الجبهة الوطنية التي كان يقودها حزب البعث لأنهم كانوا مع الشيشكلي قلبا وقالبا، وكانوا يعتبرونه منهم وفيهم. لكن الشيشكلي كان يخدعهم.