وداعا أسد محمد .. سلاما أسد محمد

انتقل إلى رحمة الله تعالى الطبيب النبيل الدكتور أسد محمد إثر حادث سير فاجع في المملكة العربية السعودية، يوم الاثنين الموافق 4/9/2006م. هذا الطبيب المليء خلقا نبيلا وعلما ومعرفة، وتواضعا إنسانيا نبيلا، شهده فيه كل معارفه.
كان ـ عليه واسع الرحمة والمغفرة ـ مثالا طيبا للأخلاق الفاضلة الحميدة. وفي حي معضمية الشام ـ حي الفقراء في دمشق ـ يعرف عيادته المرضى البؤساء، الفقراء الذين هزمتهم الحياة والمصائب، والذين لا يملكون في بعض الأحيان ثمنا لوجبة طعام ـ لهم ولأطفالهم ـ والذين ما استطاعوا أن يدفعوا أجور المعاينة عند أطباء آخرين، فلجأوا إليه حاملين همومهم وأمراضهم ومصائبهم.
وإذا كانت أجرة المعاينة، كما حددتها وزارة الصحة(300) ليرة سورية في ريف دمشق، فإن الدكتور أسد محمد لم يضع هذا الرقم قاعدة يعمل بها أملا في ك....ب المال، بل اكتفى بمائة ليرة سورية للمعاينة الواحدة، وأحيانا بخمسين ليرة، وأحيانا بخمس وعشرين ليرة، وفي أحيان كثيرة دون أن يقبض ليرة سورية واحدة، ويعرف ذلك جميع مرضاه الكثر.
و في إحدى المرات كنت في منزله المتواضع البسيط في معضمية الشام، وأتت سيدة عجوز، وقالت له: يا ابني لا يوجد معي ما أدفعه لك، فقام بمعالجتها، وإعطائها الدواء، وأعطاها خمسين ليرة سورية أجرة السيارة التي نقلتها إلى منزلها.
كان ـ عليه واسع الرحمة و المغفرة ـ كريما في جميع علاقاته الإنسانية والاجتماعية، ودودا محبا في علاقاته وصداقاته، فقد كان منزله المؤلف من ثلاث حجرات صغيرة مقسوما إلى : واحدة صنع منها عيادة صغيرة، وأخرى جعلها غرفة نوم، وثالثة خصصها لأصدقائه الذين كانوا ينامون بها كلّما وصلوا من المدن السورية البعيدة إلى دمشق قاصدينها لأجل معاملاتهم الإدارية في دوائر الدولة.كانت هذه الغرفة ملاذا رحيما من زحمة فنادق دمشق وأجورها المرتفعة، وقد نمت في هذه الغرفة مرات عديدة عندما كنت قادما من بيروت إلى دمشق، ومن اللاذقية إلى دمشق.
كان الدكتور أسد محمد في أوج نشاطه العلمي والمعرفي، متعدد المواهب والكتابات والأبحاث، كتب كثيرا في الصحافة العربية الورقية والإلكترونية، وقلّما نجد منتدى إبداعيا، أو موقعا إلكترونيا أدبيا أو فكريا إلا ونقرأ له نصوصا متعددة في هذا الموقع أو ذاك. وكان صديقا نبيلا مخلصا لجميع أصدقائه الكثر. وبفقدانه يفقد أصدقاؤه رجلا كريما نبيلا، وتفقد الساحة الفكرية الأدبية كاتبا معطاء مبدعا، ثرّ الانتاج العلمي والمعرفي.
كانت بدايات تعرفي به صيف 1990م، حيث كنت قادما من صنعاء باليمن، وكان ودودا دمثا، و سرعان ما دعاني إلى منزله، و أول من عرفني به الصديق الكاتب عبد الباقي شنان، الذي كان يصدر مجلة النافذة من بيروت ودمشق، وسهرنا معا فوق سطح منزله بالمعضمية، هذا المنزل الصغير الكريم الذي كان يجتمع فيه عشرات الأدباء و المثقفين، و محبي الثقافة والأدب والمشتغلين بهما، و عشرات المرضى.
تخرج الراحل الكريم في كلية الطب بـ (( لينينغراد))، وكان مختصا بالأمراض الجلدية، وبالإضافة إلى عمله في عيادته الخاصة الصغيرة، فقد عمل طبيبا متنقلا في عدة مؤسسات وهيئات حكومية: في المشفى العسكري(601)، و في الشركة الخماسية، و في مستوصفات وزارة التربية السورية، وفي دار البعث، وعمل في إذاعة دمشق وتلفزيونها، حيث أعدّ برنامجا طبيا عن تاريخ الطب وعلومه، وبثته إذاعة دمشق في حلقات عدّة، وعمل محررا في برنامج (( شاشة الصحافة ))، و مترجما للمقالات الروسية، هذا البرنامج الذي كان يعدّه ويشرف عليه الدكتور يحي العريضي في القناة الثانية.ثمّ عملنا معا في مجلة النافذة ، وكان يرأس هيئة تحريرها عبد الباقي شنان، وكان الدكتور أسد محمد سكرتيرا للتحرير، وكنت مديرا للتحرير.وعمل ـ رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جنانه ـ محاضرا في كلية الطب بجامعة دمشق، وهناك تعرف بأحد طلابه في الكلية ـ من الجنسية السعودية ـ فدعاه هذا الطالب ـ من خلال معارفه بالمملكة ـ إلى العمل في مشافي المملكة ـ كما صرح لي في لقاء لنا ـ ثمّ انتقل مع زوجته السيدة الفاضلة فائزة أحمد ـ طبيبة الأسنان ـ وولديه، إلى إمارة الجوف، وتحديدا إلى مدينة سكاكا ليعمل هناك.
ولد الدكتور أسد محمد في عام 1963م، في إحدى مناطق طرطوس، المدينة السورية البحرية الجميلة، ونشأ في بيئة فقيرة علّمته أن ينتصر على الفقر بالتفوق والاجتهاد، ونال الشهادة الثانوية العامة ـ القسم العلمي ـ مامتياز أهّله لأن يكون من بين الطلاب المتفوقين الممنوحين لدراسة الطب البشري في الاتحاد السوفيتي ـ سابقا ـ .
وكان ـ رحمة الله عليه ـ نبيلا كبيرا في مواقفه وسلوكه، وفي أسرته وبين أصدقائه ومعارفه الكثر، كريما في ما يملك، فعندما انتقل والده إلى رحمة الله تعالى، وعندما قسم إخوته إرث أبيه المتواضع، رفض أن يرث شيئا من أملاك والده القليلة، وتنازل عن نصيبه إلى أشقائه، وخرج من أرث أسرته بفراش وحيد صنعته له والدته المرحومة, وأصرّت على أن يأخذه معه إلى منزله في المعضمية، حتّى تظلّ ذكراها عميقة عطرة في ذاكرته ـ كما صرح لي ـ
التقيته مرات عديدة في منزله بدمشق، وكنا نتناول طعام العشاء في نادي الصحافيين بدمشق، وفي مطاعم أخرى متواضعة وبسيطة، ونشرب القهوة في مقهى صاخب مليء بالدخان وروائح الشيشة القاتلة، قريب من مبنى البرلمان ـ مجلس الشعب السوري ـ وهو مقهى الروضة، وكنا نزور صديقنا وأستاذنا المرحوم الأديب والمفكّر عبد المعين الملوحي، الذي كان يسكن في جادة الشلاح ـ خلف وزارة الصحة السورية، القريبة من مبنى البرلمان، وكنا نستمع لأحاديثه الأدبية والفكرية، التي يبدي فيها سخطه على المؤسسات الثقافية الرسمية العربية، وعلى مؤسسات دمشق الثقافية المحكومة بالوساطة والمعارف الشخصية، والشللية، والمحسوبيات، والعلاقات الخاصة التي تبتعد في بنيتها العميقة عن الثقافة، هذه المؤسسات التي كانت لا توافق على نشر كتبه الجريئة، فتحاربها وتمنع صدورها، وفي آخر لقائنا كان أستاذنا الفاضل الملوحي ـ رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جنانه ـ يهدينا مجموعة من الصحف والمجلات والكتب المختلفة التي تصله من دول الوطن العربي.
وكنا نلتقي في منزلي كل صيف، خلال إجازاته الصيفية، ثم نسهر في المقاهي البحرية ليحدثني عن كتاباته ومشاريعه وأبحاثه الجديدة.
وأذكر أني اتصلت به مرة هاتفيا من بيروت، وسلمت عليه، فأجاب : يجب أن تأتي إلى دمشق عن طريق المصنع بدلا من أن تذهب من الطريق الساحلي البحري ، طريق العريضة. ودخلت دمشق من بوابة العبور اللبنانية السورية ( المصنع)، والتقينا في منزله، وقال دعنا نذهب لنتناول طعام العشاء في نادي الصحافيين بدمشق. قلت: لا نذهب إلا بعد أن ينتهي وقت العيادة المسائي ـ وكان في تلك الآونة عازبا ـ
قال: حمدا لله، زارني هذا المساء عشرة مرضى, وكانت أجور معاينتي لهم ( 400) ليرة سورية، ويكفيني هذا المبلغ لهذا اليوم، وغدا يفرجها الله. ـ مع ملاحظة أن أجرة المعاينة الواحدة في الحي الذي يسكنه ( معضمية الشام)، وكما حددتها وزارة الصحة في تلك الفترة هي ( 300) ل. س , أما هو ـ رحمة الله عليه ـ فقد اكتفى بـ ( 400) ل . س، أي ما يعادل ثمانية دولارات أمريكية لعشر معاينات، أي أقل من دولار أمريكي للمعاينة الواحدة. وكانت غبطة عميقة تعلو محياه كلّما تنازل عن قسم كبير من أجره لمريض من المرضى، ومن هنا فقد كانت عيادته تغصّ بالمرضى، وكلهم من الفقراء. وقد لامه في ذلك بعض أطباء حيه لأنه يسهم في إفقار نفسه، وفي قطع أرزاقهم، نظرا للأجر الضيئل الذي كان يتقاضاه، إذا كان هؤلاء المرضى يقولون لهؤلاء الأطباء: لماذا تأخذون منا ثلاثمائة ليرة، بينما الدكتور أسد يكتفي بمائة ليرة أو خمسين ليرة؟.
و كان ـ رحمة الله عليه ـ يمدّ يد العون لكلّ من يطلب منه ذلك، ويتدخّل لدى زملائه من الأطباء لكي يساعدوا أصدقاءه ومعارفه. فعندما أصبت بكسر شديد في قدمي، و بعد أن فشل أطباء اللاذقية في شفائي، طلب مني الإسراع والقدوم إلى دمشق، فهناك طبيب من أصدقائه تخرّج في جامعات ألمانيا. وزرنا معا الدكتور النبيل ـ أخصائي الجراحة العظمية ـ محمد أحمد يوسف، وقابلنا منتهى المودة والدماثة واللطف، وأشرف على علاجي سنة كاملة، ورفض أن يأخذ مني ليرة سورية واحدة طيلة فترة معالجته لقدمي، وعلى الرغم من إصراري على دفع أجرة المعاينة، وعندما تأخر شفاء قدمي اقترح الدكتور محمد أن يجري عملية جراحية للقدم ويضع لها صفيحة مساندة، قلت: أنا آسف يا دكتور.. لا أملك أجور العملية الجراحية ولا أملك ثمن الصفيحة. وقال بأدب جمّ: احتراما للكتاب ولمهنة الكتابة سأجري لك العملية الجراحية مجانا، وسأقدّم لك الصفيحة هدية مني ـ على الرغم من ارتفاع ثمنها. وشكرت نبله، ورفضت أن أجري العملية لخوفي منها، ولخوفي أن تظلّ قدمي عرجاء طيلة حياتي، كما أكّد لي بعض الذين أجروا مثل هذه العمليات. وفي ما بعد عالج الأطباء الصينيون هذه القدم، وشفيت تماما، وبمشيئة الله، ومن دون أي عملية جراحية.
و عندما عدت من الصين، قال لي: ماذا ستعمل الآن؟ ولم أكن أعرف ماذا سأعمل في ظلّ موجة بطالة الخريجين الجامعيين التي اجتاحت سورية، وأرهقت شبابها المثقف، فأسرع بنبله المعهود، و قال: لي صديقان مخلصان في الهيئة العامة للمؤسسة العاملة للتلفزيون وهما: الدكتور يحي العريضي، والأديب توفيق أحمد، وهما مسؤولان في هذه الهيئة، دعنا نذهب إليهما، و نطلب منهما المساعدة، و لن ترجع خائبا، غير أن ظروفا صعبة منعتني من زيارتهما، والتعرف بهما حتى الآن. ولم تطل أيام بطالتي ، إذ استطعت بفضل الله أن أجد عملا تدريسيا في إحدى الجامعات العربية الافتراضية في لبنان.
كان الراحل الكريم الدكتور أسد محمد ـ رحمه الله ـ متعدد المواهب، فقد كتب في القصة والرواية والشعر والمسرح وأدب الأطفال والنقد الأدبي، ، والترجمة، والدراما التلفزيونية، والدراسات والبحوث العلمية والطبية، بالإضافة إلى اهتماماته بالفيزياء وكتاباته فيها. وهنا أثبت بعضا من كتاباته، كما دوّنها في سيرته الذاتية المنشورة على شبكات الانترنت، إذ يقول:

أعددت برنامجا إذاعيا - علميا - ثقافيا لإذاعة دمشق لمدة ثلاث سنوات ، وعملت في التلفزيون السوري - القناة الثانية..
أكتب الرواية : لي خمسة أعمال روائية ، وثلاث مجموعات قصصية ، وستة أعمال مسرحية ، ومجموعتان قصصيتان للأطفال ، وثلاثة كتب في مجال الدراسات ، وأكثر من مئة مقال علمي وطبي منشور في مختلف الصحف العربية
صدر لي :
في مجال النصوص الأدبية :
1- لغة الألم.
2- أمريكا - الحب - النار.
خواطر :
1- نزهة البراعم .
المسرح :
1- العالم الثالث .
2- الشركة رقم- 5-
3- كل ألفية والعالم بخير .
4- قبيل بعاث - بعد جنين
قصص الأطفال :
1- ريم والصياد .
دراسات :
1- ميكانيكا المعرفة . وهو دراسة-علمية حول المنجز العلمي وعلاقته بالتطورات الاجتماعية - العالمية ، وانعكاسات المعرفة كنتاج فكري على الواقع الاجتماعي الذي تتغير بنيته من مجتمع مقطع الأوصال إلى مجتمع معرفي مختلف كليا
الرواية :
1- حب أخضر .
.
- .
المسرح :
1- العالم .
2- ظل التراب .
.
قصص:
1- الجولة الأخيرة .
2- بحث وحنين .
3- نجوم متفرقة .
قصص أطفال:
1- أنا النمر .
دراسات :
1- نعي أمريكا .
2- الشركات المتعددة الجنسيات .

بإلاضافة إلى مقالات ، وأعمال إبداعية أخرى منشورة حديثا على شبكات الانترنت، ولم يمهله الموت حتى ينتهي من طباعتها ورقيا.

رحل الدكتور أسد محمد، وبقي كثير من أعماله لم ينشر بعد. أليس من حقه علينا ـ نحن أصدقاؤه وأقرباؤه والسيدة الطبيبة فائزة أحمد ( زوجته) ـ أن نعمل معا لطباعة أعماله الباقية ورقيا؟ ونسهم في إخراجها من أدراجه حتى ترى النور؟ وهذا أبسط مفاهيم الوفاء. وأرى أنه من حقه علينا أن نطبع أعماله، و من واجبنا كعربون وفاء لهذا الرجل النبيل أن لا نتأخر في طباعة أعماله التي لم تطبع بعد.
وداعا أسد محمد .. سلاما أسد محمد . الرحمة والمغفرة لروحك .. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لك ، ويسكنك فسيح جنانه، و الصبر والسلوان لأصدقائك ومحبيك وأهلك وأسرتك جميعا.