" الأفعى و الجنيداتي " ومندرجاتهما !

حدثني رجل عجوز عن تجربته الكبيرة مع الأفاعي وألتقاطها والإمساك بها ومن ثم اقتلاع نابيها السامين وإطلاقها في الطبيعة مرة أخرى!
هو من يطلق عليه أهل القرى " الجنيداتي " .
هذا الجنيداتي الذي كان يطلبه الناس لنجدتهم من أفعى اتخذت من سقف بيتهم الخشبي( أو من شرفة أحدهم ) مأوى لها فهي لا تبارحه وقد يتطور أمر هذه الأفعى إلى درجة أنها يمكن أن تشاطر أهل البيت الطعام و الشراب و حتى الفراش . فكم من مرة رُفع غطاء السرير وإذ بأفعى تتمدد تحت اللحاف أو تحت الغطاء . وكم من مرة شوهدت الأفعى تلعق بلسانها اللبن أو الحليب أو تأكل البيض وتلتهم الصيصان أو حتى صغار الدجاج !
يقول هذا الرجل " الجنيداتي " , أنه لم يُعَض ولا لمرة واحدة من قبل الأفاعي بالرغم من إمساكه بالآلاف منها وعلى اختلاف أنواعها و ألوانها وأصنافها و حجومها و سمومها لأنه يتعامل معها بكل جدية و حرص و حذر وثقة بالنفس !
كانت قاعدته الأولى و الرئيسة في التعامل معها هي أن الأفعى تستعدي نوعين من الرجال . النوع الأول , رجل يحاول أن يمسح على رأسها تقرباً وتودداً . نوع ثاني يحاول مهاجمتها و الاعتداء عليها وفي كلي الحالين , فإن الأفعى لن تتوانى ولو للحظة عن الهجوم على ذاك الرجل وحقن السم في شرايين جسده !
إن أفضل طريقة للنيل من الأفعى , هو التعامل معها بكل جدية وحذر وحرص والإبقاء على مسافة أمان كافية تحاشياً للمباغتة والمفاجأة !
هكذا لخص " الجنيداتي " العجوز تجربته الطويلة مع الأفاعي .
لقد كان يعزف لها على الناي " الشبابة " فتراها تتراقص أمامه على الاهتزازات الناجمة عن الفعل الفيزيائي للعزف ( حيث أن الأفاعي لا تسمع) , فتنتصب قامتها وتنعقف رقبتها المتماهية تماماً مع جسدها الطري مما يسمح للجنيداتي بمباغتتها بواسطة قضيب الرمان الذي عُرف عنه تأثيره الشّال لحركة الأفعى فيجعلها غير قادرة على الحركة . فيحرك الجنيداتي قضيب الرمان فوق رأس الأفعى ليسترعي انتباهها ويلفت نظرها عن يده الأخرى التي يدفعها إلى خلف رأس الأفعى. وبحركة سريعة خبيرة , يمسك بها بقبضته من منطقة الرأس فلا تعود قادرة على الحركة !
و بواسطة إبهامه وسبابته يفتح فم الأفعى ليضع قطعة قماشية ثم يُرخي جزئياً قوة الضغط عنها كي يتيح لها العض على القطعة القماشية وما أن يفعل حتى تغرز الأفعى أنيابها داخل القماش بشكل قوي . هنا , يشد الجنيداتي القطعة القماشية بسرعة نحو الخارج فتخرج أنيابها التي انغرزت في القماش مع القطعة وتصبح الأفعى الآن بلا أنياب ولم يعد بإمكانها العض حتى آخر يوم من أيام حياتها!!
لم تكن غايته يوماً قتل الأفعى أو سحقها أو تقطيعها بل كان جل همه يتركز على تفادي عضات الأفاعي وتجنيب الناس لسعاتها السامة . فإن كان للأفاعي ضرر واحد , فإن لها عدة فوائد . هذا ما يؤكده أهل القرى الذين يعملون في الأرض .
يندرج تحت عنوان الأفعى و الجنيداتي االعديد من العلاقات البشرية و المجتمعية و السياسية و الاقتصادية بل والحضارية أيضاً .
فهل بالإمكان إيجاد بعض هذه المندرجات والبحث فيها لرؤية ما إذا كانت فعلاً تنطبق انطابقاً جزئياً أو كلياً على هذه القصة ؟
نعم يمكننا ذلك عند رؤية ما يجري من حولنا من تطورات سياسية و اقتصادية وحضارية . !