ملف عن الراحل الكبير "جورج جرداق"

سيرة ذاتية كما يرويها:

اسمي جورج سجعان جرداق، ولدتُ في جديدة مرجعيون بلبنان الجنوبي، في بقعة من أجمل بقاع الأرض وأحفلها بأحداث التاريخ وذكريات السابقين، وفي أسرة غسّانية قحطانية الجذور، وربيت في بيئة عامّة عربية القلب واللسان، وبيئة خاصة طُبعت على الميل إلى طلب المعرفة. وكان لشقيقي الأكبر، العالم اللغوي والشاعر والمهندس فؤاد جرداق، تأثير خاص في توجيهي منذ الطفولة.

تلقيت دروسي الأولى في إحدى مدارس بلدتي التي عرف أبناؤها بميلهم الشديد إلى العلم، ومن بينهم ميخائيل الدبغي أكبر علماء الطب بالعالم في القرن العشرين. وكنت في أثناء ذلك أهرب من المدرسة عندما أستطيع الهروب... وأحمل كتابين اثنين هما ديوان المتنبي، ومجمع البحرين للشيخ ناصيف اليازجي، وألجأ إلى كنف من أكناف الطبيعة الجميلة حيث أجلس تحت شجرة ظليلة أو على مقربة من مياه جارية، وأرضنا هناك ملأى بالمروج الخضراء وبالينابيع المتدفقة التي تعد بالمئات، مما أعطى البلدة، والمنطقة كلها من خلالها، اسم مرج العيون، أو مرجعيون، إشارة إلى وفرة المروج وكثرة الينابيع.

وهناك آخذ بقراءة هذين الكتابين في نهم. وذات مرة رآني شقيقي فؤاد في هذه الحال، فشجعني على المضي في ما أنا فيه ولو اضطررت إلى الهروب من المدرسة أحيانا، ثم جاءني بكتاب «نهج البلاغة» وقال لي: أدرس هذا الكتاب بصورة خاصة، واحفظ منه كل ما تستطيع حفظه فإن فيه الخير كل الخير لمن يطّلع عليه ويحفظ ما فيه.

ولما كانت ذاكرتي جيدة، فإنني لم أبلغ الثالثة عشرة من عمري حتى كنت أحفظ غيباً الكثير من الكتب الثلاثة المذكورة، ومن نهج البلاغة بصورة خاصة، ولا تزال هذه المحفوظات مخزونة في ذاكرتي حتى اليوم.

بعد ذلك شاء نسيبي منصور جرداق أحد كبار علماء الرياضيات في هذا العصر، لا في الشرق العربي وحده بل في العالم، أن يبعثي إلى أوروبا لأدرس العلوم الطبيعية والرياضية. غير أني أبيت ذلك لتعلقي الشديد ببلدتي وبيئتها الطبيعية والروحية، ثم لميلي الشديد إلى الشعر والأدب. وعلى أثر هذا «الإباء» انتقلتُ إلى بيروت حيث تابعت دروسي في الكطلية البطريركية المشهورة بتخريج أقدر الطلاب باللغة العربية وآدابها. وقد حملني علىإيثار هذه المدرسة بالذات ما عرفته يومذاك من تاريخها في هذا الباب الذي أشرت إليه. ومما عرفته أن الشيخ إبراهيم اليازجي، أكبر علماء العربية على الإطلاق على مدى ألفي عام، كان في قديم الزمان أحد أساتذتها، وابن خليل مطران شاعر القطرين الشهير كان من تلامذتها، ومن تلامذة الشيخ إبراهيم اليازجي بالتحديد. وقد شاقني تاريخ هذه المدرسة التي شاع أنها تحافظ على نهجها هذا في تدريس العربية، فضلاً عن شهرة أساتذتها في تدريس اللغة الفرنسية.

في أثناء دراستي بالكلية البطريركية، كان من أساتذتي الأديب المعروف رئيف خوري، وعلامة العصر فؤاد افرام البستاني مؤسس الجامعة اللبنانية وأول رئيس لها، والمرجع الكبير للغة العربية وآدابها. وكان أستاذي باللغة الفرنسية والأدب الفرنسي الشاعر - باللغة الفرنسية - ميشال فريد غريّب.

وفي هذه الأثناء، وكنت في الثامنة عشرة من عمري، ألفتُ كتابي الأول الذي يحمل هذا الاسم «فاغنر والمرأة» وفاغنر هو الشاعر الفيلسوف الألماني الشهير. وقد نُشر هذا الكتاب في «دار المكشوف» للشيخ فؤاد حبيش. ويبدو أن في هذا الكتاب من إشراق البيان العربي ما طاب للعلاّمة الكبير الشيخ عبدالله العلايلي غفر الله له، وحمله على أن يهتف قائلاً: «لا مثيل لهذا البيان في أدب عصرنا كله إنه كما رأى الدكتور طه حسين، غفر الله له، أن يدرج هذا الكتاب في قائمة المؤلفات المعدودة التي ينبغي لطلاب الأدب الجامعيين الاطلاع عليه.

بعدما تخرجت من الكلية البطريركية، بدأتُ عملين اثنين معاً: الكتابة المتواصلة في الصحف اللبنانية والعربية، وتدريس الأدب العربي والفلسفة العربية، في عدد من كليات بيروت.

من الصحف التي كتبت فيها بصورة متواصلة: الجمهور الجديد، الحرية، الصياد، الشبكة، نساء، الكفاح العربي، الأمن، بعض الصحف العربية الصادرة في باريس. وقد كتبت سنتين وبلا انقطاع في جريدة «القبس» الكويتية، وسنة في جريدة «الوطن» الكويتية، وبعض الوقت في جريدة «الرأي العام». فضلاً عن صحف كثيرة في مصر وسوريا كتبت فيها بصورة متقطعة. أما اليوم، فإني أكتب بصورة دائمة في صحف دار الصياد، وفي الكفاح العربي، والأمن.

أضف إلى ذلك برامج إذاعية منها ما هو يومي ومنها ما هو أسبوعي، بينها برنامج يومي في كبرى إذاعتنا المعروفة باسم «صوت لبنان» وهو البرنامج الذي يحمل اسم «على طريقتي» والذي بدأتُه منذ خمسة عشر عاما ولا يزال مستمراً برغبة وإلحاح من إدارة الإذاعة ومن المستمعين.

ومن المعروف أن كل ما أكتبه في الصحف وأبثه في الإذاعات لا يخضع لأي نوع من المراقبة. وهذا هو شرطي الأول والأساسي في عملي بالصحف وسائر وسائل الإعلام.

في هذه الأثناء وضعت سلسلة كتبي عن الإمام علي وهي التالية: عليّ وحقوق الإنسان، بين عليّ والثورة الفرنسية، علي وسقراط، علي وعصره، علي والقومية العربية، ثم أتبعتها بملحق كبير بعنوان روائع النهج الذي طبع أربع مرات في ثلاث دور نشر بسنة واحدة، وهي «دار النهار» في بيروت، و«دار الشروق» في مصر، و«دار الغدير» في بيروت.

ومن كتبي الصادرة هنا وهناك، بعد «فاغنر والمرأة» ومجلدات الإمام علي:

قصور وأكواخ. رواية تاريخية من ألف صفحة بعنوان صلاح الدين وريكاردوس قلب الأسد. نجوم الظهر. عبقرية العربية، صبايا ومرايا، وجوه من كرتون، حديث الحمار، حكايات. كما أن لي مؤلفات مسرحية عدة، ومسلسلاً تلفزيونياً كنت كتبت قصته.

------------------------------------------------------
من قصائده:
هذة ليلتي

هذه ليلتي وحلم حياتي
بين ماضٍ من الزمان وآت
الهوى أنت كله والأماني
فاملأ الكأس بالغرام وهات
بعد حين يبدل الحب دارا
والعصافير تهجر الأوكار
وديار كانت قديماً ديارا
سترانا كما نراها قفارا
سوف تلهو بنا الحياة وتسخر فتعالى أحبك الآن أكثر
***
والمساء الذي تهادى إلينا
ثم أصغى والحب في مقلتينا
لسؤالٍ عن الهوى وجوابٍ
وحديثٍ يذوب في شفتينا
قد أطال الوقوف حين دعاني
ليلم الأشواق عن أجفاني
فادن مني وخذ إليك حناني
ثم اغمض عينيك حتى تراني
وليكن ليلنا طويلاً طويلا
فكثير اللقاء كان قليلا
سوف تلهو بنا الحياة وتسخر فتعال أحبك الآن أكثر
***
يا حبيبي طاب الهوى ما علينا
لو حملنا الأيام في راحتينا
صدفة أهدت الوجود إلينا
وأتاحت لقاءنا فالتقينا
في بحارٍ تئن فيها الرياح
ضاع فيها المجداف والملاح
كم أذل الفراق منا لقاء
كل ليلٍ إذا التقينا صباح
يا حبيباً قد طال فيه سهادي
غريباً مسافراً بفؤادي
سوف تلهو بنا الحياة وتسخر فتعال أحبك الآن أكثر
***
سهر الشوق في العيون الجميلة
حلم آثر الهوى أن يطيله
وحديثٌ في الحب إن لم نقله
أوشك الصمت حولنا أن يقوله
يا حبيبي وأنت خمري وكأسي
ومنى خاطري وبهجة أنسي
فيك صمتي وفيك نطقي وهمسي
وغدي في هواك يسبق أمسي
سوف تلهو بنا الحياة وتسخر فتعال أحبك الآن أكثر
***
هلَّ في ليلتي خيال الندامى
والنواسي عانق الخيام
وتساقوا من خاطري الأحلام
وأحبوا واسكروا الأيام
رب من أين للزمان صباه
إن غدونا وصبحه ومساه
لن يرى الحب بعدنا من حداه
نحن ليل الهوى ونحن ضحاه
ملء قلبي شوقٌ وملء كياني
هذه ليلتي فقف يا زماني

-------------------------------------------------
وهذة قصتها:
وكانت المفاجأة حين أخبرني أنه لم ينشرها في ديوانه، أو في أي مكان آخر إلا عندما شدت بها أم كلثوم عام ,1968.!
عندئذ سألته عن التعديلات التي طلبتها أم كلثوم آنذاك.. فأخبرني بها.. وقال إنها فقط في البيت الأول الذي تم تغييره بناء على رغبة كوكب الشرق أم كلثوم..
وانتهت المكالمة التليفونية.. وعرفت بالفعل الكلمات التي أجريت عليها التعديلات، ولسوف أسوقها.. بعدما نعرف.. كيف تم اللقاء بين هذا الشاعر وبين أم كلثوم؟!
في عام 1968وفي شهر ديسمبر بالتحديد، وفي الحفل الذي أقامته سيدة القصيدة العربية يوم 6ديسمبر.. طلعت علينا أم كلثوم برائعة جورج جرداق "هذه ليلتي" التي وضع لها الألحان الموسيقار محمد عبدالوهاب..
وقيل آنذاك إن هذه القصيدة عرضها محمد عبد الوهاب على أم كلثوم في صيف عام ,
1967.ولكن نظراً لوقوع نكسة يوليو في العام نفسه ظلت حبيسة الأدراج حتى نهاية عام 1968، وفي الفترة التي سبقت الإعداد لهذه الأغنية، طلعت علينا صحف هذه الأيام بتفاصيل كثيرة عن القصيدة ومؤلفها والظروف التي تمت خلالها لقاءات الشاعر بأم كلثوم.. فقد كتب الناقد الفني آنذاك "محمد وجدي قنديل" في مجلة آخر ساعة رداً على سؤال طرحه هو نفسه عن كيفية اختيار أم كلثوم لهذه القصيدة: "والقصة لها جذور أخرى تمتد إلى صيف عام 1967عندما كان عبدالوهاب.. في لبنان، وكان يبحث عن شيء جديد يغنيه بصوته والتقطت اذنه المرهفة كلمات ناعمة ورقيقة يرددها صديقه الشاعر اللبناني جورج جرداق.. وكعادته حينما يستوقف حاسته الموسيقية كلمة أو نغم، فقد طلب من صديقه أن يكرر تلك الكلمات وهو يهز رأسه في إعجاب وشجن".
وقد أكد جورج جرداق ذلك في أكثر من حديث صحفي أجري معه في الفترة نفسها.. حيث قال رداً على سؤال: كيف أعجب عبدالوهاب بقصيدتك ؟! فقال.. طلب عبد الوهاب قصيدة يلحنها لكوكب الشرق، وكنا نجلس في لبنان على شرفة "إمبا سادور".. أمام وادي لامارهتين الشاعر الفرنسي المشهور، وأخذت أدندن بأبيات "هذه ليلتي" فقال لي: كمان يا حبيبي كمان.. ثم حدث بعدها أكثر من اجتماع ثلاثي بيني وبين أم كلثوم وعبد الوهاب..
هذا عن ظروف اللقاء الذي تم فعلاً بين الشاعر و أم كلثوم بواسطة محمد عبد الوهاب.. فماذا عن القصيدة نفسها بعد إجراء التعديلات المطلوبة عليها..؟!
إن كتاب سجل أغنيات أم كلثوم قد نشر لنا هذه القصيدة كما شدت بها كوكب الشرق ونحن هنا ننقلها من ذلك السجل المطبوع. حيث تقول كلماتها:
هذه ليلتي وحلم حياتي
بين ماض من الزمان وآت
الهوى أنت كله والأماني
فاملأ الكأس بالغرام وهات
بعد حين يبدل الحب داراً
والعصافير تهجر الأوكارا
وديار كانت قديما ديارا
سترانا كما نراها قفارا
سوف تلهو بنا الحياة وتسخر
فتعالي أحبك الآن أكثر
والمساء الذي تهادى إلينا
ثم أصغي والحب في مقلتينا
لسؤال عن الهوى وجواب
وحديث يذوب في شفتينا
قد أطال الوقوف حين دعاني
ليلم الأشواق عن أجفاني
فادن مني وخذ إليك حناني
ثم اغمض عينيك حتى تراني
وليكن ليلنا طويلا طويلا
فكثير اللقاء كان قليلا
يا حبيبي طال الهوى ما علينا
لو حملنا الأيام في راحتينا
صدفة أهدت الوجود إلينا
وأتاحت لقاءنا فالتقينا
في بحار تئن فيها الرياح
ضاع فيها المجداف والملاح
كم أذل الفراق منا لقاء
كل ليل إذا التقينا صباح
يا حبيباً قد طال فيها سهادي
وغريبا مسافرا بفؤادي
سهر الشوق في العيون الجميلة
حلم آثر الهوى أم يطيله
وحديث في الحب إن لم نقله
أوشك الصمت حولنا أن يقوله
فيك صمتي وفيك نطقي وهمسي
وغد في هواك يسبق أمسي
هلّ في ليلتي خيال الندامى
والنواسي عانق الخيام
وتساقوا من خاطري الأحلام
وأحبوا واسكروا الأيام
رب من أين للزمان صباه
إن غدونا وصبحه ومساه
إن يرى الحب بعدنا من حداه
نحن ليل الهوى ونحن ضحاه
ملء قلبي شوق وملء كياني
هذه ليلتي فقف يا زمان
******************
ومن أهم ما أجراه الشاعر جورج جرداق على كلمات هذه القصيدة كما أخرنا في الاتصال الهاتفي. وكما اسلفنا من قبل قوله في البيت الأول.
هذه ليلتي.. وهذا العود
بُث فيه سحر ذاود
وقد أصبح بعد التعديل الذي طلبته أم كلثوم:
هذه ليلتي.. وحلم حياتي
بين ماض من الزمان وآت
وكانت صحف هذه الأيام قد أشارت أيضاً إلى قيام جورج جرداق بإجراء هذا التعديل دون أن تشير إليه.. نظراً لحرص الشاعر عن عدم الإفصاح عنه. ومما ذكرته هذه الصحف.. أن أم كلثوم قد أبدت بعض ملاحظاتها من وجهة نظرها على بعض كلمات القصيدة بعد أن عرضها عليها محمد عبدالوهاب..
مما جعله يتصل بالشاعر جورج جرداق في بيروت لكي يحضر إلى القاهرة، لإجراء التعديلات المطلوبة..
كما نشرت صحف هذه الأيام الأبيات التي قام بتعديلها جورج جرداق.. وليس من قبل التعديل.. وجاءت هذه التعديلات مطابقة لما أبلغنا به الشاعر اللبناني في الاتصال التليفوني السابق الإشارة إليه.
وكان علينا وحتى تكتمل الفائدة.. ضرورة الوقوف على بعض الذي نشر عن شاعرنا.. صاحب كلمات قصيدة هذه ليلتي.. ولقد اكتشفنا أن جورج جرداق قد أملاه بنفسه.. لتنشر في موسوعة شعراء العرب الحديثة..
------------------------------------------------------

ومن آخر المقابلات التي أجريت مع الشاعر جرداق ..نقتطف رأيه بظاهرة "البورنو كليب" ....
الى اي حد يمكن القول ان الاغنية المصورة تحولت «بورنو كليب»؟
- الى ابعد حد، في كل حال، عن اي اغنية تتكلمين وليس في معظم هذه «الاغاني» إلا كلمة تافهة ونغمة أتفه وعواء يؤديه مسترزق يسميه الغباء التجاري الاعلاني «مطرباً» او «نجماً» وهو اقل من «نواصة» لا زيت فيها ولا فتيل وحوله عدد منهن يعرضن حركات مصنوعة ومتنقلة باسم الرقص، فضلاً عن انه لا علاقة لهذه الحركات بما نظمه الشحرور ولحنه الزمور وعوى به الصرصور اي المطرب! هذا اذا كان المغني «نجماً»، اما اذا كان «نجمة» فكلمات الاغنية والحانها ومعانيها لا تصلك من طريق صوت النجمة وادائها، بل من طريق اصواتها جميعاً، هذه الاصوات المتمثلة بصدرها وخصرها واطرافها وساقيها وردفيها، وبالنظرات والحركات التي تدعو «المستمع» الى ليلة غرام مأجورة.
ما اسباب ظاهرة «البورنو كليب» والى اين يمكن ان نصل؟
- الاسباب واضحة بالنسبة الى «النجمة» بصورة خاصة، لا شك في ان «البورنو غرافيا» هي اقرب الوسائل واسهلها للوصول الى ما يغري ويثير من دون الحاجة الى الجهد او الموهبة او المتاعب التي تتطلبها صناعة الاغنية السليمة من الشاعر والملحن والمؤدي, وبالنسبة الى المنتج، هي اسهل الوسائل للشهرة والانتشار وربح المال الـ,,, حلال,اما الى اين يمكن ان نصل، فالى اخر الدنيا اذا لم تتبدل مفاهيم بناء المجتمعات والاوطان ولو تبدلاً قليلاً، فتوضع ضوابط وشروط معقولة ومقبولة لكل عمل عام, واول هذه الضوابط والشروط حصر هذا «الشيء» الباطل العاطل الذي اسمه «رجال المال والاعمال» في اقفاص من الرقابة الراشدة الواعية اذا ما «فكروا» في ان يشملوا بنشاطهم المشكور ,,, الاعمال الفنية!.
هل تشكل هذه الظاهرة نوعاً من التنفيس للكبت الذي يعيشه المجتمع العربي؟
- لا شك في ان الخناق الذي يشتد على رقبة المواطن في كثير من المجتمعات يستدعي الحاجة الى التنفّس, ولكن صاحب هذه الحاجة لا يفترض بالضرورة ان يكون تنفّسه من طريق الاقبال على اعمال «فنية» فاسدة ومفسدة، بل الافضل ان يكون من طريق اعمال تعيد الى المرء ايمانه بقيمة الحياة، وتقوي فيه الثقة بالنفس، وتوسع لديه دائرة الامل بأن العمل السليم على هذا الصعيد او ذاك لا بد من ان يستتبع اعمالاً سليمة على سائر الصعد.
وهل تعكس صورة هذا المجتمع؟
-بوصف هذه البورنو غرافيا عملاً تجارياً رخيصاً ومنحطاً يحاول اصحابه ان يربحوا مالاً من طريق تعهير الشخصية الفنية، اي بوصفها عملاً فاسداً، لا شك في انها تعكس صورة عما في المجتمع من نشاطات الفساد والافساد.
كيف تصف الفن العربي انطلاقاً من هذه الظاهرة، وهل يمكن ان يشهد مزيداً من الانحدار؟
- لا يمكن وصف الفن في اي بلد من بلدان الارض الا انطلاقاً مما هو فيه من ظواهر رفيعة او ساقطة, وانطلاقاً من هذه الظاهرة، وظواهر كثيرة اخرى، لا يمكن وصف فن الغناء الا بأنه صورة عن سائر ما في مجتمعاتنا من احوال هابطة على جميع الصعد,اما مزيد من الانحدار، فهل هناك مزيد على ما نشهده من طوفان التفاهات التي تصدر باسم فن الغناء؟
ما موقفك من هذه الظاهرة كرجل؟
- انكر هذه الظاهرة، كما انكر كل ظاهرة تدل على الانحدار في ناحية من نواحي الحياة العامة, وليس في موقفي هذا انكار لجمال العري عندما يكون في المناسبة السليمة الخاضعة لارادة الطبيعة في كشف الجمال في الجسد الانثوي، بل انكار للاحتراف المصطنع المعدّ بوحي الروح التجارية المعادية للجمال ومعانيه، وبتدبير التجار الذين ينظرون الى جسد المرأة الذي يقدسه الفن، شعراً ونغماً ورقصاً ورسماً، كما ينظر الى السلعة المعدة للبيع.
----------------------------------------------------
وأخيرا نثبت آخر نص منشور له وهو بعنوان"المسرحية الخالدة":

المسرحية الخالدة
جورج جرداق
15/09/2006

في أحد أشهر الصيف الماضي، حصل عمل «فنيٌّ» ضخمٌ لا يمرّ على رأس الإنسانية عمل من نوعه وفي مستواه ولو مرة كل ألف عام. وإليك موجز في وصف هذا العمل العجيب الذي لا يوصف:
صديقنا الملحن «أ. ع» الممعوط المشعوط الذي يشبه الفروج المشوي على الفحم، يجري حب التمثيل في دمه فوق ما يجري فيه حب الأنغام والألحان كما يعلن ويؤكد! «ولعي هذا، كان هو الداعي والدافع إلى ارتكاب هذه المسرحية»- التي مثلتها فرقة من المشخّصين الذين لا علاقة لهم بالعصر الذي نعيش فيه، ولا بعصور ما بعد التاريخ، وكان هو قيدومهم وخرطومهم وخارب بيتهم. أما إعداد المسرحية وإخراجها، فكانا من عمل السيد توفيق حسون، أمهر سائق كميون بين بيروت والبترون!

عدو الفن
في الطريق إلى حيث تعرض المسرحية بإحدى ضواحي بيروت، لم نشاهد إعلانا واحدا يدل على مكان عرضها وزمانه، فقلنا: «عال! هذه مسرحية واثقة بنفسها لا تحتاج إلى إعطاء علم وخبر!!»
غير أن «أبطال» المسرحية وعلى رأسهم قيدومهم وخرطومهم وخارب بيتهم «أ.ع» الذي هو «البطل» الأول بين الممثلين، استعاضوا عن الإعلان بطريقة أخرى أبدع وأنفع: فقد هرعوا إلى شرطي السير وطلبوا إليه أن يحول السير، إذا أمكن من الطريق العام صعودا إلى اليمين في اتجاه المسرح. حيث يمكنهم أن يتدبروا الأمر مع المارة. ولكن الشرطي رفض هذا الطلب الغريب، والمارة لم يعبروا أمام المسرح. واتهم أبطال المسرحية الشرطي بأنه عدو للفن!
لم يبيعوا بطاقة واحدة من بطاقات الدخول إلى المسرح، لا قبل عرض المسرحية، ولا في أثنائه، ولا بعده. والمدعوون، وهم مئات، لم يحضر منهم إلا عشرات وذلك بعد الملاحظة والمداراة وتأمين الذهاب والإياب والدعوة إلى العشاء بعد العرض!

حاضرون شخصيا
وحضرنا. وعلى باب القاووش الذي نصبوا فيه المسرح، وقفنا بالصف كما يقتضي أدب التصرف على أبواب المواقع التي تجري فيها حفلات عامة. وكنا على الباب أربعة: ماجدة الرومي، وزوجها، وجمانة شقيقة «أ.ع» قيدوم الفرقة التشخيصية وبطل المسرحية، وكاتب هذه السطور، ودخلنا في خشوع، وقعدنا. وفتحنا البطاقات من جديد وقرأنا فيها ما يلي:
«فرقة الجواهر» تفتخر بأن تقدم المسرحية الخالدة «صائغ الجواهر» التي حشدت جميع أسباب النجاح، وهي باللغة الفصحى.
وفي البطاقة نفسها ذكرت فصول المسرحية على الصورة التالية:
«فصل الأول. من المسرحية الخالدة». هكذا: «فصل الأول» لا «الفصل الأول»!
«فصل الثاني من المسرحية الخالدة.»
«فصل الثالث. فصل الرابع. فصل الخامس.»
«مفاجآت سارة. وأشياء أخرى.»
وتساءلت: بعد كل هذا، هل يمكن أن توجد أشياء أخرى؟!
صحيح أنها خالدة هذه المسرحية. وأنها باللغة. ولو لم يكن الله راضيا علينا لما وصلتنا بطاقات الدعوة في الوقت المناسب، ولفاتنا من البدائع والروائع ما نندم على فواته.
وعاودني الشوق إلى بطاقة الدعوة وما تحتويه من توضيحات، فعثرت في أسفلها على ملاحظة لم تخطر ببال أحد من البشر قبل الآن، ولا يمكنك أن تصدق أنها موجودة في بطاقة دعوة إلى مسرحية، وهي الملاحظة التالية:
«جميع الممثلين حاضرون شخصيا على المسرح في «المسرحية الخالدة» الليلة وكل ليلة!»
هل هذا معقول؟
كيف تمكنوا أن يجمعوا الممثلين كلهم لـ «يحضروا شخصيا على المسرح؟»
ثم، إذا كان الممثلون موجودين على المسرح «شخصيا» هذه الليلة. فهل يسهل عليهم أن يكونوا «حاضرين» أيضا كل ليلة؟!
هذه هي المرة الأولى التي يكون فيها الممثلون موجودين «شخصيا» في مسرحية هم ممثلوها. إنها ليلة فريدة حقا!

زعقة
وسألت ماجدة: - بأي فصل من الفصول الخمسة سيبدأون المسرحية يا ترى؟ هل تظنين أنهم سيبدأونها بالفصل الأول، أو «فصل الأول» كما هو مدون على البطاقة؟
ولم أكد أطرح هذا السؤال وأسمع الجواب حتى زعق أحدهم من على المسرح زعقة مفاجئة ومقطوعة لا يزعقها إلا الخائف المذعور الذي يصرخ بكل زلعومه ويهرب. وقال الزاعق:
- فصل الأول. من المسرحية الخالدة!
وفي الحال رفعت الستارة وهجم المشخصون على المسرح من كل صوب وهم يتدافعون ويتزاحمون لاحتلال المواقع المواجهة للجمهور. وفيما هم على هذه الحال فاجأهم «المخرج» بأن دخل المسرح مثل هبوب الريح وقبض على ثلاثة منهم وجرهم بالدور إلى الكواليس وهو يصيح بهم قائلا:
- دوركم في الفصل الثاني.
وبدأوا في التشخيص،

حَوْرَبة
أخذ الممثلون يدخلون ويخرجون ويقومون ويقعدون ويحفظون وينسون ويتزاحمون ويتلاكمون. وأبرع ما جاء في الحوار هو القسم الذي حفظوه وقالوه.

وانحبكت المسرحية
ودبت النشوة في رؤوس المشاهدين فأخذوا يهتفون بحياة المخرج. فيطل هذا عليهم ويحييهم رافعا يده راسما بإصبعيه، السبابة والوسطى، علامة النصر. ثم راحوا يصيحون إعجابا بالممثلين ويزغردون! والتأم فريق من هؤلاء المشاهدين في دائرة صغيرة بأحد أركان القاعة ما لبثت أن اتسعت، وراح بعضهم يصفق وبعضهم يرقص رقصا شرقيا على إيقاع الأكف!!
وارتاح المشخصون إلى ما كان لفنّهم» المسرحي من تأثير حسن على الحضور، فتدافعوا حتى طرف المسرح الأمامي حيث وقفوا يتفرجون على المشاهدين وما يفعلون! ثم بلغ التأثر بالمشخصين حده الأقصى فأخذوا يحيون الجمهور بالحداء والحوربة (1) وسائر أغاني الفروسية والبطولة!
وانتقلت الحماسة إلينا، نحن الجادين أحيانا في النظر إلى الأمور، فرفعنا أيدينا بالتحية ملوحين بها في الهواء، فرد المشخصون التحية بأحسن منها، ورفع أحدهم صوته وغنى على نغمة «الميجنا» يرحب بنا ويقول: «ضحكت حْجار الدّار طلّوا حبابنا»
فما كان من أحد رفقائه المشخصين إلا أن أسند خده إلى راحة يده وأنشد هذا البيت من «العتابا»:

حلو يا من بصدر الدّار حلَّيتْ
برضا بك كأس مُرّ الصبر حلّيتْ
بلحاظ عينين السّبْع حلّيتْ
وزئيره من طراف الغابْ غابْ!

فجاوبه أحد المشاهدين ببيت «عتابا» جرّ وراءه أبياتا أخرى من هنا وهناك.
وبات الموقف موقفا عاطفيا حارا. ظهر فيه التعاطف والتآلف والإعجاب المتبادل بين المشخصين، دون أن نحدد من منهم هؤلاء ومن هؤلاء!!

من البدائع!
ولبث المشخصون يتفرجون علينا بعدما نسوا أدوارهم كلها من شدة تأثرهم بما أظهر لهم الجمهور من دلائل المودة والإعجاب.- وقد كان لتبديلهم أماكنهم على المسرح، كما تقررت في أثناء التمارين بالأيام السابقة، - عمل في هذا النسيان. وأذكر أن «المخرج» الذي اسمه توفيق حسون. حاول مرارا أن يعيد كلا من الممثلين إلى مكانه المحدد، ولكنهم رفضوا أن يطيعوه إذا اختار كل منهم لنفسه الموقع الذي يناسبه ويجعله في مواجهة الجمهور، فهز «المخرج» رأسه بالموافقة وتوارى عن الأنظار.
كما ساعدهم في الوقوف على المسرح موقف المتفرج على الجمهور، مهندس الإضاءة الذي أطفأ النور على المسرح وأداره على المشاهدين.
وعلى هذه الصورة انتهى «فصل الأول».
ومن جديد جعجع صوت من وراء الستار وزعق زعقة منكرة وقال:
- والآن نشاهد المسرحية الثانية.
لقد بلغ التأثر و»التطور» بصاحب هذا الصوت الزاعق أفقده القدرة على ضبط أفكاره وأقواله فقال «المسرحية الثانية» عوضا من أن يقول: الفصل الثاني. أو «فصل الثاني» وفق ما هو مدون في البطاقات.
وما كاد المشخصون يتدافعون إلى المسرح بعد هذه الزعقة ويتصادمون، ويهدد بعضهم بعضا إذا لم يترك هذا لذاك وذاك لهذا المكان الأفضل لمواجهة الجمهور. حتى دبت النخوة في رأس صديقنا الصحافي سليم مكرزل، وفي قدميه الاثنتين، فعزم على أن يصعد المسرح في الحال ليقدم المسرحية كما سبق أن جرى الاتفاق بينه وبين المسؤولين عن المسرحية وفي طليعتهم «المخرج» حسون. وقيدوم الممثلين الملحن «أ.ع».
نعم، لقد عزم أخونا سليم مكرزل أن يقدم المسرحية بعدما انتهى «فصل الأول» منها وبُدئت «المسرحية الثانية.»، وهذا من بدائع ما جرى في تلك الليلة الفريدة! غير أننا استوقفناه واسترضيناه، ولولا القليل لضربناه. وأخذنا نطيب خاطره ونداريه، حتى هدأ واستكان!

القيدوم والجرادة
وظهر بين المشخصين هذه المرة قيدومهم وخرطومهم وخارب بيتهم «أ.ع» بطل المسرحية، وراح يهد ويقد وفق ما يقتصه دوره، ويصيح ويستريح، ويتوقد غضبا والعياذ بالله!
وفيما كان المشخص القيدوم في أوج اندماجه بدور «البطولة» الذي يؤديه، طارت ثلاث جرادات لم يعلم أحد من أين أتت، وحطت على المسرح وراحت تتمشى على مزاجها.
وفرح الأولاد الموجودون في القاعة مع الكبار من ذويهم بهذه الجرادات، فطلع ثلاثة منهم المسرح وراحوا يطاردونها ضاحكين فرحين. وكان فيهم ابن شقيق المشخص القيدوم، الذي تمكن من إمساك إحدى الجرادات وهجم بها على عمه محاولا أن يحطها على كتفه وهو يضحك وينط ويصيح:
- «الجرادة بدها تاكل عمي!!»
واستعان برفيقيه، وبأولاد آخرين صعدوا هم أيضا على المسرح فرحين برؤية الجراد، فهجموا جميعا على المشخص القيدوم متعاونين على إطعامه للجرادة. فأسرع المخرج لإنقاذه من هذه الحال. إلا أن التصفيق الذي ملأ القاعة انتصارا للأطفال وللجرادة وإعجابا بهذا المشهد الطريف، جعل المخرج يبدل رأيه وينضم إلى الجمهور ويصفق في حماسة واندفاع.
في هذه الأثناء فوجئ الحضور بالستارة تسدل، وبالمذيع يزعق من ورائها مقدما هذه البشري:
- سيداتي وسادتي، انتهى «فصل الثاني» من المسرحية الخالدة. والآن «فصل الرابع.»
أعوذ بالله! كيف انتهى الفصل الثاني ولم يعرض منه شيء حتى الآن؟! ثم، انتقل من الفصل الثاني إلى الفصل الرابع؟! وأين الفصل الثالث؟
ولما سألنا عن السبب في ذلك، قيل لنا إن الوقت قد طال، فقرر المخرج الاستغناء عن الفصل الثالث:
وسألناهم: لماذا استغنيتم عن الفصل الثالث ولم تستغنوا عن الفصل الخامس، مثلا؟ فقالوا:
- لا. المسألة بالترتيب. والعمل له نظام! وعلى هذا، ليس في إمكاننا أن نستغني عن الفصل الخامس قبل الاستغناء عن الفصل الثالث.

على دلعونا
وبدأ المشخصون يعملون في الفصل الرابع، وتتابعت المشاهد. وصال المشخص «أ.ع» الذي أوشكت الجرادة أن تأكله وجال. ثم «أكل بدنّا(2)» من سائر المشخصين كما يقتضي الدور الذي يؤديه. غير أن صوت المخرج لعلع من وراء المسرح وهو يصيح ويقول للمشخصين:
- «البدن ليس الآن وقته. بل في آخر الفصل!»
فرد عليه أحد الممثلين من على المسرح وقال:
_ «آخر الفصل أو أوله مثل بعضه. ما عاد نقدر نهديه، مش شايفه كيف عم يتمرجل علينا؟!»
فاقتنع المخرج بهذا المنطق ولزم الصمت!
وسألتني «جمانة» شقيقة الممثل القيدوم الذي «يأكل البدن» على المسرح وهي مستغرقة في الضحك:
- ألا تزال طويلة. هذه المسرحية؟
قلت: الأبدع والأمتع أن تطول، فأين يمكن للإنسان أن يحظى بمشاهدة مسرحية كهذه المسرحية، وسهرة كهذه السهرة؟!
وانقطع الكلام على مشهد المذيع يظهر فجأة على المسرح والستارة لا تزال مفتوحة والممثلون لا يزالون في كامل نشاطهم واندفاعهم. وعطس مرتين زعق بعدهما زعقة واحدة وقال:
- سيداتي وسادتي، انتهت المسرحية الخالدة!
ولكن نهاية «المسرحية الخالدة» لم تأت على الصورة التي خطط لها المخرج. فإن المشخصين ما كادوا يخلصون من تأثير المفاجأة بإعلان انتهاء المسرحية وهم ما يزالون في بداية الفصل الرابع يتحركون ويتحاورون ويتلاكمون، حتى أخذوا يلوحون بأيديهم لجمهور المشاهدين، وأخذ الجمهور يلوح لهم. ثم تناول أحد الحضور من أحد جيوبه آلة المجوز(3) وأخذ ينفخ فيها على نغمة الـ «دلعونا» المعروفة وهو يتجه إلى المسرح ووراءه حوالي عشرة أشخاص، فيما كادوا يصلون إلى المسرح حتى شبكوا أيديهم في أيدي الممثلين وألفوا معهم حلقة واحدة وأخذوا يدبكون - أي: يرقصون رقصة «الدبكة» اللبنانية المعروفة (4)- على أنغام المجوز وصوت أحد الممثلين وهو يغني قائلا:
على دلعونا على دلعونا
إجوا حبايبنا لْعِنّا وشافونا
وحتى نكِرّمهم ونرحّب فيهم
للصبح الليلة دبكة ودلعونا

الحسناء الفهيمة
المشخصون في «المسرحية الخالدة» بتلك الليلة الفريدة كانوا جميعا من الصناديد، كما رأينا. أما الجنس اللطيف، فلم يسعده الحظ بأكثر من دور واحد أعطي للحسناء الفاتنة «نينا السّخن»، وهو دور هام. تدور حوله الأدوار الباقية كلها كما هو مرسوم. ولكن الممثلة الفاتنة «نينا» لم تظهر تلك الليلة في أي مشهد على المسرح. ففي اللحظة العابرة الوحيدة التي دخلت فيها المسرح لبضع ثوان، لم تجد أمامها أصحاب الأدوار المواطنة لدورها في المشهد الذي دخلت المسرح عند ذاك لتأديته، بل وجدت ممثلين آخرين يتحاورون ويتصايحون، فتخلت عن دورها في الحال، وتركت المسرح وانضمت إلى المشاهدين، وقعدت تضحك من كل قلبها مما جرى ويجرى على المسرح وهي تشعر بأن شيئا كثيرا أو قليلا لن يتغير في هذا العمل «المسرحي». سواء وقفت على المسرح وأدت دورها. أو انضمت إلى المشاهدين وشاركتهم الهتاف بحياة المخرج والممثلين إعجابا بما ترى وتسمع!!
وقالت لي عند ذاك:
- لقد كنت أتوقع أن يحصل ما رأيتم وسمعتم. ومن اللحظات الأولى التي رفعت فيها الستارة عن المسرح هذه الليلة، هيأت نفسي لأن ألغي دوري وظهوري على المسرح، وأجلس هنا إلى جانبكم وأشاطركم إعجابكم بما تشاهدون وتسمعون.!
وراحت تضحك في فرح وارتياح وخفة ظل!!
لم يشاهد البشر، ولن يشاهدوا مسرحية من هذا النوع!
أين شركات الإنتاج «الفني» في العالم تتعاقد مع أصحاب «فرقة الجواهر» هؤلاء، منفردين ومجتمعين، وتحتكر جهودهم لعشرات السنين الآتية، وتأخذهم إلى خارج البلد. حرام أن يُحرم العالم مشاهدة ما شاهدناه في تلك الليلة!

ملاحظة
معاني بعض الكلمات:
(1)- الحَوْرَبة: من أغاني البطولة والفروسية والاستعداد للحرب في الفولكلور اللبناني. تستخدم أيضا للترحيب بالضيوف.
(2)- أكل بدنّا: تعبير باللهجة العامية في لبنان وسورية يعني: أنه تلقى اللكمات والضرب الموجع بالأكف والعصي وما إلى ذلك.
(3)- المجوز: آلة موسيقية لبنانية شعبية من آلات النفخ، تستخدم في الأعراس وحفلات الغناء والرقص الشعبي المعروف بـ «الدبكة» وفي صوت المجوز ما يدل على أنه أصدق الآلات في التعبير عن مشاعر أبناء الجيل اللبناني الذين يعايشون الطبيعة ويخلصون الولاء للأرض، وأنه أكثر الأصوات ملاءمة للأغاني الفولكلورية اللبنانية.
(4)- رقصة جماعية فولكلورية لبنانية فيها الدلالات الساطعة على أنها رقصة جبلية خالصة. وقد أعجبت هذه الرقصة الجميلة جميع الذين شاهدوها من شعوب العالم بعدما تألفت فرق عدة للدبكة من أبناء الريف وطافت معظم بلدان الأرض، وأشهرها: فرقة كركلا، وفرقة فهد العبد الله، وفرقة الأنوار.