مختارات للشاعر الروماني تودرو أرغيزي

داسي(1)

أرى إليك يا إناء الطين الهش

وأنت مثقل بألفيات ثلاث

هذه الآحقاب التي قضيت

تتراكم في قعرك

كل يوم يمضي من الأبدية

تاركا هذه الذرة من الغبار

لتهجع كشاهد فوق هذا الحطام

البرهة تحيا.. والأحقاب وتموت

حافلا بالأسرار مفلوج الفم

كنت مستريحا تحت تراب الحراثة

لا أحد يذكر بقايا عظام

من زخرف لباسك الخزفي

سواك، فأعطاك أصلا

لكن لا الخزاف باق، ولا شيء منه يبقى..

من التراب ذاته انت، أكثر خصبا

أو رداءة

لكنك باق.. تراه أبدا مايزال؟

من دم رطب ومن عرق

ونلمسة خفيفة بقعك أنمل بالأزهار

لافا على ساقك شفة رقيقة

كان يهب حواس للصلصال..

تكون.. هو ما تستطيع ، فيما يمكنه ألا يكون

رقشك مايزال سالما يتلألأ

لست من خلق الإله الواحد

مثلما الصحراء أو القمر او النجم

أنت من خلق شبيهي

اليد ماتت.. ونطاقك المتألق

يعطي اللمسة الرهيفة روعة

محاذرا يحملك الخزاف على راحته

ينفذ منك صدى

الى ألاذان والأصابع

الصوت الواهي الرخيم، الرتيب الرخي

يظل كثيفا ومليئا كما في البداية

ياخزف الأحلام والتراب

هو أعطاك الصوت، وأنا أعطيك الكلمات

إساءة

أيتها العذراء. لم أهو حجر الصوان

حتى أصقله لأجلك

بحثت في الصلصال الروماني

عن قدك الممشوق العابق بعطفه الشمع

من الغابات أخذت الطين الصلب

وبيد خزاف، جبلت جسمك الصغير عضوا.. عضوا

حتى صار من الصوان الهش

سويت بريق عينيك من رعي

الحمام (2)

وجفنيك من أكمام الورد

حاجباك سويتهما من متناثر

عشبة تقتقت في الأحسار

للصدر حاكيت الجرار

إن تباطأت يدي المتهافتة

عند النطاق والنهدين ، فذاك ذنبي

لأنه عند الخصر كان ينبغي لي أن أنتهي

لأني خشيت على التمثال من الحس والحركة

من أن ينثني بالملامسة

من هذا القلق العذب الذي أودعه فينا الإلة

والذي يملؤك نافذا مني إليك

ياأحب أمرأة.. ويا أنعم غواية

ما أثقلك الآن في الغياب

كيف استخلصتك من هذا الصلصال

ولم أترك الطين للآنية؟

أنظر في الزهور..

أنظر في الزهور، وفي الكواكب

أنت أعذب حزن يؤلمني

أنظر في كما لو أني في حجرة راهب

ي ملكوتك أنظر وفي السماوات

في الخلاء، وفي الأوكار

في دغل الحدائق أبحث عنك

أنحي سم الأشواك

--------------------------------------------------------------------------------

على حصان اجوب السهل وحقول الذرة

بعيني أبحث عنك

وسمعي

أحنو على شجرات الورد، أشم

البراعم من أغصانها الدانية

في كل شيء، كنت، وعن كل شيء ابتعدت

جربت زهرة إكليل الملك، فمرقت جانبا

سألت عنك رعي الحمام الرهيف

أجابني: آذان الجدي(3) تعرف

أكثر

لعظاية قلت: كل مرمن هنا؟

فأشارت الى الحيات والحباحب

وإذا لم يجبني قفير النحل

أصغيت للنسور وللذئاب

طفت بأرضي طولا وعرضا

غصت في طبقات الأجيال

أنهكت كثيرا من الحماسة

و القوى

ولم أعثر عليك

حيث أترقبك في مكان ما

اختفى ظلك الأبيض في لمحة

السماء سلك الذهب...

مسكوكات.. طوق

مسكوكات..

ظننتك ثانية من نثار الخبيز البري

لكني سمعت همهمة، فالتفت

هفيف ريح توشوش في حقل

الشعير:

"ما فتيء البشر والصقر يبحثان

عن ملقى الله

نحن في الحقول نراه وفي

البساتين

ووحدهم بعيون لا يرون. "

آه ! قسما بأغلظ الايمان التي لا ترحم

الكل يعرف المولى وما من شيء

يكشف عنه الحجاب.
أركيولوجيا

من عمق روحي أتذكر

كل هذا الذي كان، أبدا أتذكره

هذا الماضي الذي لا أعرف

لكن بقاياه الأنقى. كارية

في غفلة مني، اختبأت في

مثلما نسيها التراب

حيث يرقد التمثال

جنب التمثال والقبر مغلقا جنب القبر

شواهد القبور همهماتها لا تنتهي

بعضها مبحوح وبعضها جهير

عبر الهواء، منفصل هو الوقت عن

الساعات

كما العبق عن القرنفلات

للصمت أصواته الضائعة

في الغابر كانت له الرنات

وحيدا أصغي لغبار الأسلاف

يندثر، ولا يزول

أحيانا.. مثلما عاصفة قوية

تثير كل شيء وتعصف حتى السماء

ترفع القرون الخالية أثقاها

فيما أرعى منها آخر الذرى
الظــل
منذ الآماد والعصور أقتفيك

منذ كنت تمشي على اربع

هائما في خوف، مذعورا من الحيوان

تبحث حيثما كنت عن مأوى أو قوت

رفيقك الصامت، في السكون وفي الحراك

صورة منك صادقة، وعلى مثالك:

كنا نتراص جنبا الى جنب، نرصد

خطو البهائم الثقيل تحت الاغصان

هكذا، أنا وأنت كنا نختبيء في عمق

المغارات

هل تدري؟! كنا- نحن الاثنين-

شخصا واحدا

على هذي الأرض، يجمعنا أصلان

متحدان

بغشاء من هواء رقيق يفاقنا

أنا هذا الظل الذي عنك لا ينفصل

أبدا أرسم لجسمك صورة

على الرمال الحارة؟ وعلى اخشن من

الحصى

كآني خيط عنكبوت يلفك

قطعة من الليل أنا، هدية لميلادك

أخرج منك، وأدخل إليك في البكور

والآصال

تهرب مني ، وفي البهيم الحالك إلي تعود

أنا قرين البشر وما يملكا من

النهارات

قدرك كله في لايرى

خمن إذن ، إن كان سيفرغ الوقت أو يمتليء

في الخفاء تدور الآسوار صامتة

ووحده يعلو خيط من دخان

خطبة

هل تكون لي أرضا

من البذار والكروم والبرك

--------------------------------------------------------------------------------

من الينابيع والغاب ووحشي الحيوان؟

تأتينا الأبقار حقل الضروع

تخور أمام باب الأكاسيا

بزهراته الزرق

في الباحة يلعب الجميع ، بنات عرس

صغار الخنازير والبطات

والفراخ بزغبها الحريري

تحصي حب الزؤان الصغير

وتصيد البراغيث

في باحتنا يهتز نهجر القيقب

المتماوج ويصدح الديك بالنشيد

نحمل الزهر في سلال القصب

نسوي منه ضفائر المهر

من صوف الخراف

ننسج أسرة لصغار القطط

هل تكوني لي حديقة

من وريف العشب والمخمل؟
يدها

هي ذي الآن يدها هذبها

النافي، العود والمزمار

زهرة هي، خبيء وجهك وأشرب

الأريك من راحتها، الذكرى والحلم

هي تحسن الملاطفة، والشفاء والهدهدة

دائما تذكر رهيف الملامسة

تهمس بالكلام، هي أشبه بخاتم

نقشت في قلبه زنبقة وأحرف سرية

عديني بأن تعطيها للأقرب منك

مقدس عهدى، وإن نسيت

كم مرة في حياتنا لم نذرف الدموع

الكبار

حتى التعب ولم نشذ بدفء على

اليدين؟

كم من الأحلام لم تمست ومن

الآعمار

في عمق روحنا مع خاتم الوعود

ظاهرا تحثنا الحياة على القوة

التي ليست في العمق سوى

إشارات ومجاهيل

تتلألأ الكتب المذهبة العناوين

كي نفتح فيها مغاليق الأفكار

لكن، كل عنوان حفر على كتاب

محكم الغلق

له من الأقفال ما لا مفتاح له

المنجـل

قيل إنه سقط عن السماء

هلال في البساتين

فاتخذوا له ذراعا خشبية

لتزيده قوة

وفيما هو لمجوس القهقرى

بين سنابل القمح الهيفاء

كأغصان الأسل

يخال حقا أن القمر

هو من، يبدأ بالحصيد

يحصد " ليانا " ويجز

يربط الحزم من الوسط

من موضع لآخر تتراكم

حمسا خمسا في أكداس

فيما الأمير السماوي الجميل

يغتبط في الهزيع الأخير

بما أتاه صنوه الفضي من أعمال
أجيـال

المملكة كلها أربعون عربة

مخازنها أربعون

الأسلاف والأحفاد

بين العجلات يتدارسون الخطط
زحفا على البطون

امتطاء للخيل عل عجل

ركوبا.. ونزولا

كأن الخطى الصامتة نسج قطيفة

خفوت حافر الحصان

سري أكثر من رسائل مختومة

قلقله قي الآثار

كسر للقفل بالأسنان

كما الخبز المقدس

النرد

أول الأبجدية

هم جميعهم

حتى الخيول، سارقون
الساعة الأخيرة

في السماء

تدق ساعة الحديد والنحاس

في نجم

تدق الساعة المخملية

الساعة الملبدة تدق

في برد المدينة

في ساعة الصوف

يرى الوقت العتيق

تتمزق الساعة الورقية

بالقرب من شاهدة القبر الملكي

تدق أجراس ساعة الغيار

أختاه يا هذه الليلة

ما من ساعة تدق

هوامش:

1- داسيا أو داقيا اسم لرومانيا قديما.

2- بنات عطري تزييني متعدد الألوان.

3- جنس نبات عن الأعشاب الطبية.

الترجمة: الخضر شودار (شاعر ومترجم من الجزائر)