السيرة الشعبية للحلاج (5)

الموت يبتلع الحلاج

قال الراوي: فعند ذلك نادى المنادي، وهو (المنادي) في مدينة بغداد: يا أهل بغداد ، كل من أراد أن يتفرج على قتلة حسين الحلاج فليحضر?. يا أمة محمد العجل ... !.

قال: فما استتم المنادي كلامه حتى حضرت أهل بغداد، ولم يبق في مدينة بغداد كبير و لا صغير، ولا بنت، و لا امرأة، ولا شيخ، ولا رجل، حتى حضروا، وقد خلت بغداد من أهلها، وازدحمت الخلق على بعضها بعضا، حتى بقي على القدم (اثنين و سبعين) قدما?.

فقام الجلاد، أضرم النار حتى وصل (شررها) إلى عنان السماء، فقام الجلاد، وقدم حسين الحلاج، وهو صامت، ولسانه لم يغفل عن ذكر الله. فقال له: مد يدك اليمين، فمدها، (فتكا) عليها فقطعها ألقاها قدامه، فلما وقع الكف على الأرض كتب بالدم: الله ... الله ... حتى كتب أربع وثمانين جلالة، بعدد الشهود الذين شهدوا عليه، ثم قال الجلاد: مد يدك الشمال. فمدّها، فقطعها، ثم قال: مد رجلك اليمين. فمدها، فقطعها، ثم قال: مد رجلك اليسار?. فمدها، فقطعها، ونصب الجلاد الحبال على الخشب حتى يصلبه، فمر عليه الشيخ الشبلي، فناداه: يا حسين ... المحبة أولها حرق، أوسطها غرق، و آخرها قتل.

فأنشد حسين يقول:

من مثلي اليوم في العشاق يا شبلي
وخالقي قـــال لي: عاشقي شبلي
كم عاشق في الهوى ذابت مرارته
في حب من خلق الأرضين و (الجبلي)
و الشيب شافع لمن يهوى لخالقه
في موقف الحشـر (يحفى غاية) الأمل
إن يستحلوا لقتلي في مـحبتهم
فقتلهم في الهوى قــد احل من قبلي

قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره، مر عليه الجنيد، وهو طاير بين السماء و الأرض، فبكى بكاء شديدا، وأنشد يقول:

لاحت من قريب الحي أســرار
أشرقت من وجوه القوم أنــوار
وطاف على القوم ساق لا شبيه له
فرد قديم ولاحت بالحمى نــار
فاستيقظوا يا سكارى عند رقدتكم
واستغنموا الوقت إن الوقت غدار
من باح بالسر كان القتل شيمـته
بين الرجال، ولا يؤخذ له ثــار

قال الراوي: فلما فرغ شيخه، بكى بكاء شديدا، والتفت إلى حسين، فرآه يبتسم، وهو صامت لم يتكلم، ولم يتألم، فقام شيخه، وعانقه، و باسه، وودعه، وقال له: يا حسين لا تنس العهد و الصحبة و التربية بيني و بينك يوم القيامة?.

فقال له: السمع و الطاعة لله، ولك يا شيخي، وأنشد يقول:

قفوا ودعونا نظرة واغنـموا الأجر
فراقكم منا المدامع قد أجــرى
و قد كنت قبل اليوم اكتـم سركم
فلما جرى دمعي تهتك (السـترا)
وكان معي عقلي و سمعي وناظري
وفي اليوم لا عقلا ملكت ولا صبرا
سلوا حادي الأضعان يرفق بسيركم
فأرواحنا ما بين (أضعانكم نسـرا)
تركتم ربوع العز مـن بعد أنسها
خرابا ووحشا و هي مظلمة قفـرا
سألت ديار الحي أين أحبـــتي
عهدناهم في النايبات لنا ذخــرا
و أين وجوه كان نور جمالــها
إذا ما تبدى يخجل الشمس والبدرا
أجاب لسان الحال عنهم قد مضوا
(فناديهم وأبكي) لمقلتك (الصبـرا)
فيا ليت شعري هل (يجيني) مبشر
وقل لفؤادي يا فؤادي لك البشرى
وأنذر روحي في لقاء أحبــتي
وأسجد لربي حين ألقاهم شكـرا

قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره بكى بكاء شديدا، وبكى شيخه، و أنشد يقول شعرا:

رحلوا و في قلب المتيم خيـــموا
فأنا الحزين لفقدهم و المغــرم
ما كان أحلى في العيون جمالكــم
ألذ في سمعي حديثا عنكـــم
ضاقت بي الدنيا لغيبة حسنـــكم
لا أوحش الله المنازل منكـــم
يا بين قد شتت شملي بـــعدهم
أصاب قلبي من سهامك اسـهم
أذقتني التفريـــــق منهم لوعة
كادت له روحي تذوب وتقـدم
قد غاب أقمار الحمى تحت الثرى
فالجو بعد جمالهم قد (أقتـــم)
ولقد عزمت على التصبر سيدي
فوجدت قلبي قد ترحل معكــم

قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره، تركه شيخه، وسار و في قلبه لهيب النار، لأنه ربّاه مثل ولده، وأعز، فقام الجلاد و(رمى) الحبال على الخشب، و قال لهم: اسحبوه. فسحبوه حتى صار فوق الخشب، ففر الخلق من تحته مثل الجراد المنتشر، فدار وجهه إلى القبلة، وزعق، وقال: يا أهل بغداد، ويا حاضرين، الفاتحة، في صحايفكم، و في صحايف من احسن أو من أسا علينا?. فلما سمع الناس منه هذا الكلام ماجوا كما يموج البحر الزاخر، وزاد بهم البكاء و النواح، وزعقت الفقرا، (وثورت) المشايخ وتصارخت الرجال، (وثار) الغبار، وصار الليل كالنهار، و النهار كالليل، وخيل للناس أن السماء وقعت على الأرض، وكادت الفتنة أن تقع بينهم، فقال لهم حسين: يا مشايخ، يا فقرا، لا تعجزوا أرواحكم، فإني قد حاللت كل من (أسا) علي لأجل شيخي الجنيد?.

لما فرغ حسين من كلامه، قال لهم الجلاد: ارجموه. فرجموه بالحجارة، وهو يضحك رضي الله تعالى عنه وأرضاه، و يقول: طيب ...طيب ... في رضا الحبيب، ما احسن المحبوب، ومشاهدة الحبيب. فرجمه شيخه الجنيد بوردة حمرا، فقال حسين: آه يا شيخي، آلمتني، وقتلتني. و بكى منها بكاء شديدا?.

فقال له شيخه: يا حسين، الناس قد رجموك بكل حجر كبير فما تألمت، وأنا رجمتك بوردة فتألمت منها، وبكيت، فما سبب ذلك؟.

فقال له: يا شيخي أما علمت أن جفا الحبيب على المحب شديد?. فودعه شيخه، وذهب، ولم تزل الناس ترجمه، حتى مات رضي الله تعالى عنه، ورحمه رحمة واسعة، ثم بعد ذلك أنزلوه من على الخشب، أضرموا له النـــار، وحرقوه، وانصرفوا، و الله أعلم?.

فلما حرقوه أخذت أخته من رماده، وطلعت إلى البرج كما أوصاها، و كانت الليلة جمعة، فوقفت تصلي و(تقري) وردها، فإذا بالماء قد طلع حتى ساوى (شراريف) القصور، فقالت: أيها الماء، ارجع بإذن الله عز وجل، فإن أخي حسين الحلاج قد حالل كل من ضربه، أو صلبه أو رجمه، أو حرقه، وهو يسلم عليك، و يقول لك: لا تغرق أهل بغداد فإن شيخه الجنيد فيها?.

ثم رمت بالرماد في الماء، فهبط الماء إلى مكانه بإذن الله عز وجل، ثم وضعت رأسها، ونامت فرأت في النوم (أخوها) حسين الحلاج، و هو كالقمر ليلة البدر، و على رأسه تاج من الذهب مرصع بدرّ وجوهر، وعليه أخضر، فقال: (إلى كم تبكي)؟ لقد ضاق بسببك صدري.

فقالت: يا أخي، و كيف لا أبكي، وقد جرى عليك ما جرى?.

فقال: يا أختي لما قطعوني كان قلبي (مشغوف) بالمحبة، فلم أجد ألما، فلما خنقوني، نزلت ملائكة حسان الوجوه، فطالعوني إلى تحت العرش، وقالوا: هذا حسين المحب، فنادى منادي: يا حسين ... رحم الله من عرف قدره، وكتم سرّه.

فقلت: يا مولاي، أردت التعجل إلى مشاهدتك.

فقال: انظر إلى جمالي أي وقت شئت، لا احتجب عنك أبدا، ثم كشف عن الحجاب، فلما رأيت عرش الملك امتلأ قلبي فرحا، وسرورا?.

وأنشد، وجعل يقول ( شعر ):

و كان فؤادي خاليا قبـــل حبّكم
و كان بذكر الخلق يلهو و يمرح
فلما دعــا قلبي هواك أجابـــه
فلست أراه عن وصالك يبـرح
فإن شئت أوصلني، وإن شئت لا تصل
فلست أرى قلبي لغيرك يصلـح

ثم قال: يا أختي، أرأيت لو كان طائر في قفص، فإن أطلق الطاير يرعى في بساتين و أنهار ، هل يضر الطائر كسر القفص.

قلت: لا?.

قال: فذلك أنا، ثم تركني و انصرف.

تمّت . . .