من الكسوف إلى الخسوف

زكريا تامر

القتلة الديمقراطيون باختصار خُلق الطير ليطير, وخُلقت الشمس لتمنح النور
والدفء, وخُلق العصفور ليغرد, أما المخططون لاحتلال الأرض العربية, فقد
خُلقوا ليقتلوا الرجال والنساء والأطفال والعجائز, لا فرق بين مخلوق
ومخلوق..الكل لحم صالح للذبح.‏

وهم الذين خُلقوا ليدمروا, فدمروا المدن والقرى والمطارات والموانىء والطرق
والمدارس والمستشفيات, وحلموا بالعثور على أسلوب مبتكر يمكنهم من تدمير البحر
أيضاً وتحويله أنهراً تجري مذعورة طالبة الرأفة ولا تنالها.‏

وهم الذين خُلقوا لينهبوا ويسرقوا, فسرقوا الأراضي والأوطان والمصارف والماضي
والحاضر والمستقبل والمساجد والكنائس والقبور.‏

وهم الذين خُلقوا ليكذبوا الكذب المتمادي في وقاحته, فسارعت وسائل الإعلام في
العالم إلى الترويج لأكاذيبهم بوصفها صدقاً يقطر صدقاً.‏

وهم الذين خُلقوا ليتبعهم البوم لثقته بأنهم القادرون دائماً على منحه ما
يصبو إليه من خرائب وأنقاض.‏

وهم الذين خُلقوا ليتنافس حكام العالم على مؤازرتهم وتأييدهم ودعمهم بينما
تتسابق الشعوب على ابتكار الوسائل لكبت بغضها لهم.‏

وهم الذين خُلقوا ليبيدوا النساء, فأعداؤهم بغير نساء يتناقص عددهم.‏

وهم الذين خُلقوا ليحرقوا الأشجار بحجة أنهم من أنصارها والمدافعين عنها,
والكل يسمع ما يقولون ولا يرى ما يفعلون.‏

وهم الذين خُلقوا ليهدموا, فهدموا المدارس والجامعات لاعتقادهم أن الجاهل
يروّض بسرعة ويستكين ويطيع, ففوجئوا أن الجاهل يحاربهم مثلما يحاربهم العالم,
فحقّ لهم أن يتحيروا.‏

أحرقنا دفاتر الذكريات من غير أسف, فما تشتمل عليه لا يصلح زاداً لأيام آتية
تليق بمخلوق بشري, ونقمنا على حب يحوّل المصابين به دمى وشرايين يتدفق فيها
ماء بارد, وتذمرنا من فقر يرافقنا صغاراً وكباراً ويأبى التخلي عنا وعن
قبورنا, وطردنا الهم والغم ليحل محلهما جوع ذو أنياب ومخالب, وتباهينا بغضب
لا يخيف غباراً, ونبذنا شوارع لا تهب متسكعيها إلا التعب والإعياء والخيبة,
وسئمنا سحباً سوداً تتعمد حجب نور الشمس كأنها متفقة مع شركة الكهرباء على
تكبير فواتيرها المستحقة, وازدرينا كتباً تستهين بنا كأننا بغير عقول زاعمة
أنها صوتنا المدوي والناطقة باسمنا والمدافعة عن حقوقنا غير المعترف بها,
واستسلمنا لجراد مسلح بأحدث الأسلحة يفترس الرجال والأطفال والنساء, ودهشنا
من سجائر ونراجيل ناكرة للجميل ترسلنا إلى أطباء حفاري قبور, ودخلنا مطاعم
يباع فيها الخبز اليابس بأغلى الأسعار, فسخر المؤرخون من دهشتنا قائلين: إن
تلك المطاعم هي التي ستسود في المستقبل القريب, وحذرنا من قمر وشمس يفاوضان
خفية شركة تجارية كبرى لتتولى بيع نورهما, فلم يستنكر أحد سلوكهما بحجة أن
العصر الحالي عصر بيع وشراء, وأمرنا العصافير السجية في الأقفاص بأن تغرد
مرحبة بشمس يوم جديد, فغردت العصافير مطالبة بما يؤكل, واصطدنا دباً, فأحب
الدب صياديه, وبات معلماً للرقص, وظنت أيدينا أنها دفنت موتانا, وتبين لنا
فيما بعد أن الموتى هم الذين دفنوا الأحياء, وتعجبنا من وطن غريب الأطوار
يجوّع أبناءه المخلصين ويهب خيراته لأبناء مجهولي الآباء.‏

تذمرت الخراف ممن يقدمون على ذبحها مكبرين هللين, وابتدأت تخطط لمرحلة جديدة
مختلفة يصبح فيها الآكل مأكولاً.‏

تذمرت الديوك من الناس الهازئين بصياحها المتهم بأنه لا مسوغ له بعد اختراع
الساعات.‏

تذمرت الأرانب من الذين اعتادوا التهامها بأساليب تقليدية لا تجديد فيها,
وتجلب لها ضجراً أكثر قسوة من موتها.‏

تذمرت الجمال ممن يرغمها على أن تشتغل في الربيع والخريف والصيف والشتاء من
دون أن تظفر بيوم عطلة كل أسبوع وإجازة شهر كل سنة.‏

تذمرت الأقلام من أيد تستخدمها لكتابة ما يحرض على القتل, فهي أقلام رقيقة
يغمى عليها حين ترى دماً.‏

تذمرت الذئاب من صيادين حولوا القاتل مقتولاً.‏

تذمرت الأشجار ممن يقطف ثمارها من غير أن يدفع لها أي ثمن ثم يبيع الثمار
بأسعار باهظة.‏

تذمرت جدران المقاهي من مدخني نراجيل ثرثارين هم وحدهم سبب إصابتها بصداع لا
دواء له.‏

تذمر التراب العطشان من غيوم رمادية اللون تحتل السماء مختالة ولا تمطر.‏

تذمرت الغربان من إخفاقها في تعليم العصافير الصغيرة أصول الغناء, فكلما همت
العصافير الصغيرة بالغناء غردت ولم تنعب.‏

تذمرت الدجاجات من رجال شرطة كسالى لا يعتقلون لصوصاً يسرقون بيضها ويحولون
دون أن تحصل على مزيد من الأبناء والبنات.‏

تذمرت الثيران من الشارات الضوئية الحمر والخضر المنتشرة في الشوارع,
فالمخلوق البشري لا يأبه لها ويتجاهلها بينما الثور مرغم على احترامها
وإطاعتها.‏

تذمرت الكراسي من بعض القاعدين عليها منذ أعوام ليست بالكثيرة, ولكنها تمر
متباطئة كأنها قرون.‏

تذمرت الأبقار من حليبها الغبي الذي لاينقطع حزناً على عجول صغيرة تختطف
وتقتل غدراً ويؤكل لحمها مشوياً أو مقلياً.‏

تذمرت القطط من فئران تناست أنها وقعت اتفاقية سلام شامل عادل معتقدة أنها
باتت مؤهلة لاصطياد القطط.‏

تذمرت الضباع من جيف هامدة تجلب لها الاشمئزاز والغثيان, وقررت التهام جيف
جديدة حية تكاثر عددها, وتدب على قدمين.‏