1949 - مفاوضات الهدنة بين سورية واسرائيل

1949 - مفاوضات الهدنة بين سورية واسرائيل - الاتصالات الاسرائيلية مع حسني الزعيم - علاقات حسني الزعيم الخارجية

أصبحت مفاوضات الهدنة تجري بين سوريا واسرائيل دون أي رد فعل شعبي كما كان يجري خلال العهد الديمقراطي، بالرغم من أن الانقلاب صور للناس في بدايته على أنه رد على هزيمة فلسطين، وأن الوضع الجديد سيرفض الهزيمة ونتائجها.

على أن مهندسي الانقلاب كانوا يغطون أنباء المفاوضات ويشغلون الانظار عن القضية الفلسطينية بتصريحات حسني الزعيم عن "الاصلاحات الداخلية"(1) وبالأزمات الحادة مع الدول العربية.

وكانوا بين الحين والآخر يسربون بعض الأنباء عن سير مفاوضات الهدنة للتمهيد لقبولها كأمر واقع، مع الحديث عن "تصلب" الجانب السوري، ووساطة أمريكا لتذليل العقبات.. الخ وانقطاع هذه المفاوضات واستئنافها .. وهكذا استمر الحال أكثر من ثلاثة أشهر.

وفي 4 أيار أدلى ناطق رسمي سوري : "لقد قامت حكومة الانقلاب على أساس العدل الشامل والمساواة التامة بين مختلف عناصر الأمة، وعلى هذا فإن اليهود العرب سيتمتعون بما لسائر المواطنين من حقوق. كما أن عليهم أن يقوموا بما يترتب عليهم من الواجبات، وعليهم أن يعودوا إلى مزاولة أعمالهم متأكدين بأن الحكومة ستساوي بين المواطنين".

ولا يخفى مغزى هذا البيان، وهو لا يعني في الواقع إلا إدانة العرب أمام العالم بالتمييز العنصري. بينما الواقع خلاف ذلك، حيث كان ليهود دمشق نائب في البرلمان قبل الانقلاب وكانوا يتمتعون بجميع الحقوق والواجبات كسائر المواطنين على حد سواء.

وفي الوقت ذاته كان إعلام دمشق يهيء للتنازل عن مستعمرة مشمار هايردن. ففي 7 أيار أعلن في دمشق أن سوريا رفضت في مباحثات الهدنة طلبا تقدمت به اسرائيل لانسحاب قواتها الى الحدود السورية كما كانت عليه أيام الانتداب البريطاني على فلسطين.

ثم صرح ناطق يهودي ، في 10 أيار، بأن محادثات الهدنة بين سوريا واسرائيل التي مر عليها ستة أسابيع لم تحرز أي تقدم ملموس. وقال: إن سوريا تقدمت باقتراحات معينة لتخطيط الحدود السورية الاسرائيلية ولكن اسرائيل رفضت حتى مجرد بحث هذه المقترحات وأصرت على وجوب تخطيط الحدود كما كانت على أيام الانتداب.. ومن جهة أخرى اجتمع مندوبا اسرائيل وسوريا للاتفاق على موعد ومكان تبادل الأسرى، وفي 13 أيار أعلن في دمشق أن أمريكا ستتوسط بين سوريا واسرائيل لتحول دون انقطاع مفاوضات الهدنة.

وفي 20 تموز 1949 عقدت اتفاقية الهدنة وحققت اسرائيل ما تريد، فأخلت سوريا مستعمرة مشمار هايردن وما حولها. وأصبح خط الهدنة في منتصف خط القتال والمواقع العسكرية الراهنة، واصبحت المساحة التي تقع بين هذا المنتصف والمواقع العسكرية منطقة مجردة من السلاح تحت إشراف المراقبة الدولية، وأعطي الأهلون الأصليون حق العودة إليها واستثمارها على أن لا تدخلها قوى الطرفين العسكرية.. وسيطلع القارئ على مدى أهمية مرتفعات الجولان ومنطقة الحولة عند بحث تحويل مجرى نهر الاردن واحياء النقب فيما بعد(2)

في 5 آب 1949 ألقيت قنبلة على الكنيس اليهودي في دمشق، فصدر بعد يومين البلاغ الرسمي التالي :

"بلغ عدد المصابين في حادث إلقاء القنبلة على الكنيس اليهودي ثلاثين شخصا، توفي منهم متأثرا بجراحه أحد عشر شخصا، وحالة الباقين حسنة، والتحقيقات تستمر باهتمام زائد".

ثم نشرت صحف دمشق بعد ذلك نص كتاب المجلس الملي اليهودي التالي: "أذاعت بعض مصادر الأنباء أن ممثلي اسرائيل في مفاوضات لوزان احتجوا على حادث الاعتداء اليهودي واستغلوه ليتعرضوا إلى تشويه حقائق وضع اليهود في سوريا، ونحن هنا ممثلي الطائفة اليهودية في سوريا، نعلن على الملأ ما سبق أن قلنا وأكدنا في مناسبات مختلفة لفخامة المشير رئيس الجمهورية، ولحكومته الرشيدة، أن أبناء الطائفة يتمتعون بحماية الدولة وعنايتها في هذا العهد الجديد، ولا ينسون مبادرة فخامته باتخاذ تدابير فعالة لاعادة الحياة الطبيعية الى مجراها فور الانقلاب، أما موقف الحكومة إزاء الحادث الأخير الذي جرى فيه الاعتداء على الكنيس اليهودي فقد شاهدنا ولمسنا اهتمام فخامة الرئيس ورئيس الوزراء محسن البرازي به".

بعد مقتل حسني الزعيم بأسبوع نشر الأمير عادل أرسلان عدة مقالات في جريدة الحياة البيروتية أشار فيها إلى أن حسني الزعيم كان على اتصال باسرائيل.

وبعد عدة سنوات رأى أحد الأصدقاء (المحامي أسعد الطباع) ابراهيم الحسيني في روما، وكان على معرفة جيدة به، فجرى بينهما استعراض طويل لأحداث سورية الماضية، فسأله الطباع عن صحة ما تردد في مقالات عادل أرسلان، فأجابه ابراهيم الحسيني بأن حسني الزعيم اتصل بشرتوك (أي وزيرالخارجية موشى شاريت) دون علمه ومن وراء ظهره، ولكنه عرف ذلك فيما بعد .

لقد أردت أن استوثق من هذه الواقعة التي ذكرها وزير الخارجية خلال حكم حسني الزعيم الأمير عادل أرسلان في جريدة الحياة، وأن أطلع على المزيد من تفاصيلها، فرجعت إلى مذكرات الأمير عادل أرسلان المخطوطة والموجودة في الجامعة الأميركية، وقد طبعت فيما بعد، التي يشير فيها إلى اتصال الزعيم باسرائيل بما يلي :

"في جلسة مجلس الوزراء قال الزعيم رئيس الوزراء إن اليهود يريدون التفاهم بسبب ضغط ترومان وشومان، وإنه قبل أن يأتي شرتوك بطائرة الى القنيطرة ليذهب ويجتمع إليه فيها. فقلت له: إني لن أعترف بدولة اسرائيل، ولن أقابل وزير خارجيتها، ولن أسمح بأن يقابله موظف في الخارجية.. وحاول فتح الله صقال أن يوهم زملاءنا بأن دخول اسرائيل في الأمم المتحدة يوجب علينا الاعتراف بها، فأسهمت في الرد عليه حتى سكت.. ما كنت أحسب هذا الرجل صقالا إلى هذه الدرجة".

وكتب عادل أرسلان يوم 31 أيار 1949، وكان يدون مذكراته يوما بيوم :

"أخبرني رئيس الوزراء حسني الزعيم أنه لم يعد لنا بد من قبول الاجتماع بشرتوك أو شاريت وزير خارجية اسرائيل. فقلت: دعني أفهم شيئا عن هذا الاقتراح الذي لا تجد مفرا منه".

"رأيت المسيو فيجيه(1) وأنا أدخل الى غرفة الطعام في الفندق فأشرت إليه، وجلس إلى جانبي فسألته عن الاقتراح فقال: "هو كما سمعته من الزعيم" فقلت: إنه دسيسه وخدعة وأنا أربأ بنفسي عن العمل به، وأظن أن اليهود يريدون أولا استدراجنا إلى الاعتراف بدولتهم، ثانيا توقيع هدنة معنا ليحشدوا جيوشهم فيستولوا على القدس.

وفي المساء دعوت وزير أمريكا المفوض لمقابلتي في الخارجية، وشرحت له أسباب رفضي مقابلة وزير خارجية اليهود، فقال أن الجواب الذي ستسمعه مني سر أرجو أن تكتمه وهو أن حسني بك قال لي إنه يريد الاجتماع الى ابن غوريون لحل الخلاف. وأنا أبلغت حكومتي رغبته هذه. فرفض ابن غوريون مقابلة حسني بك. لكن شرتوك اقترح أن يكون الاجتماع بين وزيري الخارجية.. فقلت: لا هذا ولا ذاك، ولا يسعني أن أسمح لأحد أن يخدع حسني بك فيجره الى الاعتراف بإسرائيل".

وكتب عادل أرسلان في صفحة 6 حزيران 1949 :

"جاءني صلاح الدين الترزي"(2) بجواب تلقاه من المسيو فيجيه من زميل له في تل أبيب فهم منه أن الزعيم اقترح سرا، اجتماعا تمهيديا بين موظف من الخارجية السورية وآخر يهودي، وأن شرتوك يرفض ذلك ويطلب الاجتماع بي شخصيا لبحث قضايا تتعلق بالصلح، ففار دمي". وفي المذكرات ما يشير إلى رشاوى قدمت لحسني الزعيم من اليهود.

إن هذه الحوادث والوقائع التي كانت تجري في الخفاء تفسر لنا أسباب الاخبار الرسمية التي نشرت عن توسط أمريكا بين سوريا وإسرائيل بعد انقطاع المفاوضات، كما تفسر أسباب إخلاء مستعمرة مشمار هايردن وغيرها من المواقع السورية بموجب اتفاقية الهدنة، وتفسر أسباب صدور التصريح الرسمي بتاريخ 14 أيار عن معاملة أبناء الطائفة اليهودية بالمساواة مع المواطنين، كما تفسر التعاطف مع عهد الزعيم الذي يتبدى جليا في كتاب المجلس الملي اليهودي الى حسني الزعيم بعد حادث تفجير الكنيس .

لقد درجت سياسة الدول الاستعمارية كبريطانيا والولايات المتحدة. أن تحتفظ سنين طويلة بسرية الوثائق الهامة التي يضر اعلانها وكشفها بسياستها، إلى أن يصبح نشرها غير ضار بمصلحتها ولا مفيدا للآخرين، فتسمح بنشرها لمصلحة التاريخ، وستفاجأ الاجيال العربية وتدهش كلما خرج شيء من هذه الوثائق من زوايا التاريخ المظلمة، ومنها مفاوضات جمال عبد الناصر غير المباشرة بواسطة الولايات المتحدة مع بن غوريون عام 1956 التي ظلت مكتومة زمنا طويلا حتى كشفها بن غوريون عام 1971 بعد وفاة عبد الناصر، في العدد 8201 من صحيفة معاريف الصادرة بتاريخ 3/7 وكان موضوعها إعادة جزء من صحراء النقب ليكون ممرا بين مصر والمشرق العربي.

وفي 1/4/1972 نشرت موؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت ترجمة خمس عشرة رسالة كان قد بعث بها الياهو ساسون رئيس الوفد الاسرائيلي الى محادثات لجنة التوفيق الدولية في لوزان عام 1949 إلى موشى شاريت وزير الخارجية الاسرائيلية، وقد نشرت هذه الرسائل للمرة الأولى في صحيفة "يديعوت أحرونوت" في شهر آذار 1972.

وفيما يلي نص إحدى هذه الرسائل :

إلى موشى العزيز، تحية طيبة

جاء الى لوزان، لبضعة أيام خلت ، مندوب سوريا المفوض في فرنسا عدنان الاتاسي، نجل رئيس الجمهورية السورية السابق هاشم الاتاسي، ليرئس الوفد السوري الى محادثات لوزان. ومنذ اللحظة الأولى، فكرت في أن أحاول الاتصال به، لكنني، بعد مشاورات مع رؤوبين وطوبيا رأيت ألا أفعل ذلك، وأن أتوجه مباشرة الى رئيس حكومة سوريا، محسن البرازي، وقد حتم هذا التوجه المباشر اعتباران :

- ربما ان الاتاسي غير موال لحسني الزعيم، والاشاعات حول هذا الامر كثيرة.

- ربما خاف الاتاسي وصدني ، من دون أن يستشير حكومته. وهو - بقدر ما أعلم- ليس من اكثر الرجال جرأة واقداما.

أرفق طية نسخة من الرسالة التي بعثت بها اليوم الى محسن البرازي. وقد أكدت عمدا، في حديثي اليه، أن في امكان المحادثات المباشرة مساعدة المفاوضات التي تجريها لجنة التوفيق في لوزان، وربما انجاحها. أردت بذلك أن نصون انفسنا من أي انزلاق، وأن نبرهن للجنة، اذا اقتضت الضرورة، اننا بلقاءاتنا المباشرة مع العرب، لا نسعى الى تعطيلها، بل لتتقدم في عملها.

قال لي بواسانجيه لبضعة ايام خلت، أن أحد رجال المفوضية الفرنسية في دمشق اجرى حديثا وديا وصريحا مع حسني الزعيم حول عمل لجنة التوفيق في لوزان، واحتمالات السلام بين اسرائيل والبلاد العربية. وقال الزعيم انه مستعد من جانبه، بشروط معينة، لاهمال الرأي العام في بلده وفي العالم العربي وعقد سلام منفرد مع اسرائيل.

وسأل الفرنسي عن الشروط المعينة، فأجاب الزعيم : تعديلات في الحدود. ثم أخرج خريطة فلسطين، ووضع اشارة على مطالبه. وكان يقصد نقل حدود بلده إلى اماكن معينة على نهر الاردن وبحيرة طبريا. واضاف الزعيم انه اصدر تعليمات الى وفده في لوزان لعرض هذه المطالب خلال مناقشة الحدود. وبالنسبة الى اللاجئين، فان سوريا مستعدة لاستيعاب عدد كبير منهم بشرطين :

- منح سوريا دعما ماليا دوليا كبيرا يمكنها من تطوير مواردها.

- ان تستوعب اسرائيل قسما كبيرا من اللاجئين.

وطلب بواسانجيه، في نهاية حديثه، ان يعرف رأيي في مطالب الزعيم. وخيل الي أن بواسانجيه يقوم هنا بمهمة معينة. قلت: ليست هذه المرة الأولى التي أسمع فيها عن مطالب الزعيم، فهي غير واردة في الحسبان ابدا، ولا يمكن ان يخطر في البال ان نوافق نحن على اي جزء منها. ومع ذلك، من المهم ان نتحدث الى الزعيم وجها لوجه.

ولم يعقب بواسانجيه على ذلك، وانتقل الى موضوع آخر.

تحدثت اليوم، خلال ساعتين، الى العضو الاميركي الثاني روكويل، فوجدته متشائما جدا. فهو يعتقد أن المحادثات في لوزان دخلت مرحلة الجمود، وانه لا مفر من طرح الموضوع من جديد على الجمعية العمومية لحسمه. وروى، لهذه المناسبة، ان الممثلين الديبلوماسيين الاميركيين في البلاد العربية يضغطون كثيرا في هذا الوقت على رؤساء الحكومات العربية ويحرزون نتائج ايجابية، لكنهم متفقون في الراي أن على اسرائيل ان تقدم تنازلات اخرى بالنسبة الى قضية اللاجئين. ثم أكد من جديد، انه لم يحدث أي تغيير في السياسة الاميركية، بالنسبة الى الارض. الا انه اضاف، انه ليس صحيحا ان بلده مصر على انتزاع النقب منا. انه يؤيد التعويض الاقليمي. ويحتمل ان يكون هذا في النقب، وفي الجليل، وفي اي مكان آخر.

تحية وسلاما المخلص الياس.

وجاء في رسالة ثانية ما يلي وهي مؤرخة بعد مقتل حسني الزعيم :

"16 آب 1949 الى موشي العزيز، وافر التحية تحدثت الى عبد المنعم مصطفى. بالنسبة الى الانقلاب في سوريا، قال انه من السابق لاوانه استخلاص الاستنتاجات. فهو لا يعرف رجال الحكم الجديد، ومن الصعب عليه أن يحدد في هذه اللحظة ما سيكون موقف بلده منهم. ولكن، على قدر ما يعرف، لم تكن الامور على ما يرام، خلال فترة حكم الزعيم القصيرة. فقد ازداد الفساد وتغلغل حتى في منزله. وحصل سكرتيره في فرنسا على رشوة بعشرات الالاف من الليرات لتوقيع اتفاقات لشراء اسلحة. واضاف محدثنا: لكن الاعضاء الاميركيين في لجنة التوفيق في لوزان يأسفون جدا لما حدث في سوريا. ومنذ وقت قصير فقط توصلوا، على حد قولهم الى اتفاق مع الزعيم على استيعاب عدد كبير من اللاجئين، ومن الصعب ان يعرفوا الآن كيف ستتطور الامور."

وبعد مناقشات طويلة بين عبد المنعم مصطفى رئيس وفد مصر الى مؤتمر لوزان مع الياهو ساسون حول القضية الفلسطينة لعرضها على مجلس الأمن أو ابقائها ضمن مباحثات مؤتمر لوزان، ورد في الرسالة ما يلي :

"قلنا اننا كنا نفكر، عند مجيئنا اليوم لنتحادث، في أن نعرض عليه محادثات منفصلة جدية خارج كواليس اللجنة، سواء أواصلت هذه عملها أم أوقفته. اذا استمرت، فان محادثاتنا المنفردة ستسهل عملها. واذا توقفت، فسنضمن لانفسنا مواصلة الاستيضاحات والجهود المشتركة للتوصل الى تسوية نهائية.

وأجاب عبد المنعم، من دون تردد، أنه مستعد لذلك، وحددنا الاستيضاح الاول يوم الجمعة المقبل، 20 من هذا الشهر، الموضوع الاول: المذكرة الاخيرة للجنة حول قضيتي اللاجئين والاراضي، ووافق معنا على انه كان من الافضل اعطاء اجوبة متقاربة او منسجمة اذا أمكن. وهو يرى مثلنا، أن مثل هذه الخطوة قد يرضي اللجنة ويدفعها الى مواصلة عملها.

علاقات حسني الزعيم الخارجية .

"بعد مقتل حسني الزعيم أدلى الأمير عادل أرسلان بحديث لجريدة الحياة (العدد 1422- 21/8/1949) حول علاقات الزعيم الخارجية ورد فيه ما يلي :

كانت كلمات الزعيم دوما "ينصحون إلينا بأن نفعل كذا وكذا.. يقترحون علينا.. يقولون لنا ... يتوقعون منا، وان من يراجع قائمة زوار الزعيم يجد أن وزيرا أو وزيرين اجنبيين كانا يترددان عليه يوميا تقريبا، وإذا غاب أحدهما أرسل وكيله أو سكرتيره أو ملحقه أو موفده، حتى لا تنقطع سلسلة "النصائح" وغايتها الوحيدة تمكين نفوذ هذه الدولة أو تلك مقابل دعم وتمكين حكمه".

كما يتعرض أرسلان إلى علاقة الزعيم بفرنسا وإلى نفوذ الفرنسيين في عهده :

"ان النفوذ الفرنسي ما يزال قويا في بعض العناصر العسكرية، وما تزال هناك فئة نشأت على أيدي الفرنسيين ورسخ أثرهم في تفكيرها. وعلى الرغم من ماضي حسني الزعيم مع الفرنسيين فإنه جد متأثر بعهدهم، حتى أنه يستخدم لغتهم للتعبير عن أفكاره.

وما أن أطل حكم الزعيم حتى كان للفرنسيين اليد الطولى في اقناع الدول الأجنبية بالاعتراف به، وأذكر أننا تلقينا تقريرا من الممثل السوري في بروكسل يقول إن وزير الخارجية البلجيكية أبلغه أن السفير الفرنسي يسعى لاقناع بلجيكا بالاعتراف بالزعيم".

وجوابا على سؤال مندوب الحياة :

- ما هي الاتصالات التي جرت بين الزعيم والفرنسيين ؟

يقول أرسلان :

- لا أستطيع الجواب تماما. لأن هذه الاتصالات كانت تجري مباشرة بين الزعيم وممثلي فرنسا على اختلاف رتبهم، من فوق وزارة الخارجية ومجلس الوزراء.

وكانت الظاهرة الأولى لهذا التقارب بروز كثير من العناصر المعروفة في عهد الانتداب بالتعاون مع الفرنسيين، ومنها عناصر مأجورة ذات ماض أسود قاتم.

وذات يوم وردت علينا برقية من وزيرنا في باريس جاء فيها أن السيد بهيج الخطيب يبلغنا أن أسعار الأسلحة في فرنسا غالية، ولكنه يسعى الى تدبير الأمر.

ولم يتبادر إلى ذهني أن يكون الرجل المشار إليه هو نفسه عميل الفرنسيين الأكبر في عهد الانتداب فسألت أحد أركان وزارتي :

- ومن هذا بهيج الخطيب ؟

فنبهني ذلك الموظف الموظف الى الحقيقة، فهالني أن لا تجد الدولة السورية غير السيد بهيج الخطيب، رسولا لابتياع الاسلحة، واتصلت حالا بالزعيم أسأله عن القضية، فأجاب :

- صحيح، لقد أرسلته منذ مدة ليشتري الأسلحة .

قلت : ألم تجد سواه بين الخمسة ملايين سوري؟ أجاب :

- لقد وقع اختياري عليه لأن الفرنسيين أرادوا تنفيعه بهذه العملية.

ونصحت اليه ان يستبعده قبل أن ينتشر الخبر في دمشق، ثم انقطع ذكر الرجل حتى جاء في ذات يوم مدير المطبوعات السيد كامل أشرفيه وقال لي :

- هذا بلاغ صغير ورد إلى الأمر بإذاعته، ففضلت أن أعرضه عليك قبل نشره،

وقرأت البلاغ فإذا هو يعلن أن الزعيم أقام مأدبة غداء على شرف السيد بهيج الخطيب. ودهشت لهذا النبأ. لا سيما وأنني لم أعرف بعودة السيد الخطيب إلى دمشق، فاتصلت بالهاتف حالا بالزعيم وسألته مرة أخرى عن القضية فأجابني :

- وشو عليه؟? إن الخطيب خدمني لدى بعض المراجع ويهمني أن يبقى مقربا إلي.

وفي الآونة الأخيرة سمعت انه أراد تعيينه أمين رئاسة الجمهورية بالوكالة. وظهرت في الوقت نفسه أسماء لم أتوقع يوما أن تعود إلى الميدان السوري، وماضيها مع الفرنسيين على الوطن معروف.. وظهر لنا بعد حين أن الصفقات المتعلقة بالأسلحة والذخيرة للجيش قد عهد بها إلى أناس قدموا عروضا ضارة بسبب رشوات ضخمة، بينما أهملت عروض مهمة سريعة.

ونمي إلي مرارا أن ثمة مفاوضات تدور في طي الخفاء لعقد معاهدة بين الزعيم وفرنسا. فأبلغت الزعيم أن عقد هذه المعاهدات خطر على البلاد وعليه".

________________________

(1) في 9 نيسان طبلت أجهزة الدعاية بنبأ جلد اثني عشر فرانا أمام أفرانهم ليرى الناس بأعينهم أن "الزعيم" ساهر على نظافة خبز الشعب. كما تحدثت طويلا عن انشاء ديوان المظالم" الذي لم يحقق بأية مظلمة، وعن قانون "من اين لك هذا؟" الذي أصدره الزعيم دون أن يطال أحدا.. والأطرف من كل ذلك أن صحف دمشق نشرت، يوم 3 حزيران 1949، نبأ يفيد بأن أفواجا من الشبان والشابات الأميركيين يفدون الى دمشق، لأنها أقدم مدينة في العالم، لإجراء عقود قرانهم فيها وقضاء شهور العسل في ربوعها، وأشارت الصحف إلى مدى الفوائد الاقتصادية التي تجنيها البلاد من ذلك.

(2) بتاريخ 21 تموز 1949 نشرت جريدة "النصر" الدمشقية وبعض الصحف العربية الأخرى أن وزير خارجية الولايات المتحدة المستردين أتشيسون هنـأ سوريا واسرائيل بتوقيع اتفاقية الهدنة الدائمة فيما بينهما، كما جاء من تل أبيب أن وزير الخارجية موشى شاريت قدم اتفاقية الهدنة السورية الاسرائيلية للبرلمان الصهيوني في هذا التاريخ قائلا : "لقد استغرقت المفاوضات مع سوريا وحدها ثلاثة أشهر ونصف، وقال أن الصعوبة الرئيسية في هذه المفاوضات أن الجيش السوري كان الجيش الوحيد من بين الجيوش العربية الغازية الذي احتل منطقة هامة من اسرائيل ولا تنحصر أهمية هذه المنطقة في مساحة تلك الأراضي وإنما أهميتها القصوى من النواحي العسكرية والسياسية والاقتصادية والزراعية جميعا. وأضاف : والجيش السوري لم ينسحب من المنطقة لأنه قد غلب ولكن لأن الحكومة السورية رضيت بوساطة الأمم المتحدة.

(1) فرنسي من القوات الدولية .

(2) من موظفي الخارجية والمشاور الحقوقي للوفد السوري في مفاوضات الهدنة.