الكون هولوغرام

حوار مع ليونارد سوسكيند


أصبح مبدأ الكون الهولوغرافي منذ نحو عقد من الزمن مبدأ لا يمكن الاستغناء عنه في الفيزياء النظرية. وينطبق هذا المبدأ على مجالات واسعة متنوعة جداً من فيزياء الثقوب السوداء إلى بنى النوى الذرية.
سؤال: عنوان كتابك الأخير "حرب الثقب الأسود"، أليس مبالغاً فيه بعض الشيء؟
ليونارد سوسكيند: يحكي كتابي قصة معرفة فكرية بين عدد من الفيزيائيين المشهورين طيلة نحو ثلاثة عقود. وقد يبدو العنوان مبالغاً. لكن بدا لي أنه يترجم التحديات التي مرت بهذا الجدل، حيث كان يمكن أن تؤدي إلى انهيار صرح الفيزياء المعاصرة النظري. فقد بدا أن النظريتين الكبيرتين اللتين برهنتا مرات ومرات، النسبية العامة والميكانيك الكمومي، تختلفان في وصف مستقبل المعلومات المحتواة في ثقب أسود. فالنسبية العامة تتنبأ بوجود وخصائص الثقوب السوداء، والميكانيك الكوانتي عبر مبدئه في العكوسية الذي يصف سلوك الجسيمات ما تحت الذرية.
* كيف يتدخل هذا المبدأ، مبدأ العكوسية، في جدل الثقوب السوداء؟
ـ عندما يتفاعل جسيم مع جسيم آخر، يمكن أن يتم امتصاصه أو ينعكس أو يتحلل إلى عدة جسيمات. لكن يمكننا دائماً إعادة بناء حالته الأصلية (الشحنة الكهربائية والكتلة ولفه.. الخ) ابتداء من نتائج التفاعل. وتكون المعلومة التي يحملها هذا الجسيم بالتالي محفوظة دائماً. إنه مبدأ جوهري في الميكانيك الكمومي بل ويمكن أن يكون المبدأ الأكثر أهمية على الإطلاق في الفيزياء كلها، الكوانتية أو الكلاسيكية على حد سواء. لنأخذ مثال الحاسوب. إن المعلومات التي تخزن على قرصه الصلب يمكن أن تُمحى. لكنها في الحقيقة لم تمحَ نهائياً، بل يمكن القول في أسوأ الأحوال إنها قذفت إلى الجو المحيط بنا، على شكل كمية من الطاقة التي تمتصها الجزيئات المحيطة أيضاً. هكذا تكون المعلومات البدئية قد تشوهت تماماً، ولا يمكن استعادتها على الأقل ضمن الوضع الراهن للتكنولوجيا. لكنها لم تختف كلياً وللأبد! وفي عام 1976، رأى ستيفن هوكنغ أن الثقوب السوداء تخرق مبدأ انحفاظ المعلومات هذا، بسبب صيرورة تبخر الثقوب السوداء التي تؤدي إلى اختفائه تدريجياً.

* ما هو المنطق الذي استند عليه هوكنغ؟
إن المعلومات التي تحملها مكونات شيء تؤثر عليه قوة جاذبية ثقب أسود تفقد بشكل نهائي، ما إن يجتاز هذا الشيء المنطقة التخيلية من الفضاء المسمى "أفق الأحداث". ويمثل أفق الحدث هذا بشكل سطح كروي، وهو عبارة عن نقطة لاعودة لا يمكن للمادة أو الضوء الإفلات بعد الدخول فيها. فهو يحدد داخل وخارج الثقب الأسود، الذي تنتهي بنيته الجيوديسية على شكل قمع بنقطة فائقة الصغر والكثافة تسمى الفرادة. فأي جسم ما إن يجتاز أفق الحدث لا يمكنه العودة منه والخروج من الثقب الأسود، إلا إذا انتقل بسرعة أعلى من سرعة الضوء خارقاً بذلك قوانين النسبية العامة. ووفق هوكنغ، فإن الثقوب السوداء تصبح بذلك أشبه بآكلة المعلومات.
*ـ بدأت حرب الثقوب السوداء هذه في عام 1976؟
ـ بعد ذلك بقليل، لأن فرضية هوكنغ ظلت عدة سنوات مقبولة بين الفيزيائيين والكوزمولوجيين. ولم يطرح أحد حججاً جدية ضدها. وفي عام 1983 عرفت بهذه المخمنة، والتقيت بهوكنغ للمرة الأولى. كنا نشارك حينها في مؤتمر نظم في سان فرانسيسكو من قبل الملياردير ورنر إرهارد، الشغوف بالفيزياء والجدالات الكبيرة بين الفيزيائيين. ولم نكن كثيرين، لكن بين المدعوين كان يوجد كبار من شيوخ الفيزيائيين والحائزين على جائزة نوبل، أو الذين حازوا عليها لاحقاً، مثل موراي جل مان Murray Gell-Mann وشلدون غلاشو Sheldon Glashow وفرانك ويلكزيك Frank Wilczek وجيراردت هوف. وكان هوكنغ قد بدأ يعاني في ذلك الوقت من مرضه العضال (شاركو charcot) الذي حرمه من استخدام أعضائه. لكنه كان لا يزال يستطيع التعبير دون اللجوء إلى الجهاز الذي يستخدمه اليوم لتحويل أفكاره إلى معلومات صوتية. وقد شرح عندها لماذا كانت ظاهرة تبخر الثقوب السوداء تقود إلى الاختفاء البطيء إنما الحتمي للمعلومات الماثلة في الكون.
* كيف كان رد فعل هذا الاجتماع العلمي؟
ـ كنا أنا وجيراردت هوف الوحيدين اللذين أبديا حيرتهما حول المخمنة، وليس أكثر من ذلك، وربما يشير ذلك إلى براعة البرهان الرياضي الذي قدمه هوكنغ وقوة حجته. لم نكن مختصين بالنسبية العامة، بل بفيزياء الجسيمات. وكنت أهتم من جهتي بأسس وجوهر الميكانيك الكمومي، وكنت لا أزال أعمل على نظرية الأوتار الفائقة، وكانت آنذاك نظرية افتراضية تتكون وفقها كافة الجسيمات من أوتار لامتناهية الصغر في حالة اهتزاز. ولم نكن في الواقع نعرف الكثير حول بنية وفيزياء الثقوب السوداء. لا يمنع مع ذلك ورغم أننا لم نجد أخطاء في برهان هوكنغ أننا كنا مقتنعين بأن هذا الأخير أخطأ في زاوية ما، وإلاّ فإن المبادئ الأساسية في الفيزياء كانت معرضة كلها للسقوط!
* في كتابك، تقارن ستيفن هوكنغ بموبي ديك، وتقارن نفسك بالكابتين آخاب...
ـ منذ هذا اللقاء في سان فرانسيسكو لم أنفك أفكر بهذا التعارض الذي طرحه هوكنغ: فهل تخرق الثقوب السوداء أم لا مبدأ انحفاظ المعلومات؟ لقد أصبحت مستلباً لإيجاد حل لهذه المسألة، حتى أصبحت أشبّه الوضع بمطاردة الكابتين آخاب لموبي ديك. وليس ثمة حاجة للتأكيد بأنني لم أرد بذلك الإساءة إلى هوكنغ، الذي أكن له الكثير من الإعجاب والاحترام، والذي ألهم مسيرتي العلمية، إنما كان هدفي أن أقنعه بأنه مخطئ. أردت منه أن يرى إلى كافة نتائج مخمنته. وأن أقنعه بأن حلّ التعارض لا يأتي من البحث في أخطاء الميكانيك الكمومي، بل في الجمع بين هذه النظرية ونظرية النسبية التي تصف سلوك الثقوب السوداء. ومع ذلك كان من الصعب جداً إقامة حوار مع هوكنغ بسبب مرضه. وخلال سنوات كثيرة كان جدالنا يتم عبر المؤتمرات والمحاضرات والمنشورات. وفي عام1994، زرت جامعة كامبريدج لشهر وكان هوكنغ لا يزال يشغل كرسي الرياضيات فيها. لكنه كان في غاية المرض ولمرة أخرى لم نستطع اللقاء والحوار حول وجهتي نظرنا. وقبل العودة إلى ستانفورد قررت أن أزور زميلي وصديقي جيراردت هوف في هولندا. وكانت فرصة أدت إلى تبلور حل كان في بدايته.
* ما هو هذا الحل؟
ـ سميتُ هذا الحل "المبدأ الهولوغرافي". ولا أذكر بالضبط من طرحه أولاً، أنا أم صديقي. لنقل إنها فكرة بلورناها معاً. وهي تختصر على النحو التالي: إن الكمية القصوى من المعلومات المتضمنة في حجم من الفضاء لا يمكن أن تكون أكبر من التي تخزن على سطح هذا الحجم، حيث تشغل كمية أولية (أو "بت") من المعلومات ربع مساحة بلانك. ومساحة بلانك هي واحدة قياس دنيا في الميكانيك الكمومي توافق طول بلانك. والاسم المعطى لهذا المبدأ يأتي من التشابه مع الهولوغرام، حيث يتم وفقه بناء صورة ثلاثية البعد انطلاقاً من إسقاط التفاصيل المشفرة في فيلم ثنائي الأبعاد. ووفق المبدأ الهولوغرافي هذا فإن أفق الثقب الأسود يشتمل على مجمل المعلومات المتضمنة داخله. فالأفق يحفظ المعلومات التي تحملها كافة المكونات التي أدت إلى نشوء الثقب الأسود، بل وكافة الأشياء التي مرت عبره وقد جذبتها قوة ثقالته. يعاد تشكيل هذه المعلومات بواسطة فوتونات يتم إنتاجها خلال صيرورة التبخر. وهكذا فإن المعلومات المرتبطة بالثقوب السوداء تعود فتحقن في الكون إنما بشكل فائق التشوه. ولهذا لا يجب اعتبار الثقوب السوداء بالعة للمعلومات بل خزانات لها.
* كيف استقبل مجتمع الفيزيائيين هذه الفكرة؟
ـ نشرت هذه الأعمال في عام 1995 في مقال بعنوان: "الكون كهولوغرام". وكانت الفكرة فيه تبدو غامضة، ومعاكسة للحدس تماماً، لكنها سرعان ما لفتت الانتباه إليها. وبدأت أعمال نظرية كثيرة تنشر لتدعمها. في عام 1966، قام كل من كومروم فافا Cumrum Vafa وأندرو سترومنجر Andrew Strominger من جامعة هارفرد بنمذجة حسابية لنمط معين من الثقوب السوداء المسماة "المتطرفة" أو "الشديدة"، (وهي ثقوب سوداء مشحونة كهربائياً وتوازن فيها الثقالة بالضبط التفاعلات الكهرمغنطيسية)، وذلك بمساعدة نظرية الأوتار الفائقة، وأدوات رياضية أخرى، تسمى "البرين"، وتقع في أطراف الأوتار المهتزة! واستنتج هذان العالمان أن كمية المعلومات المتضمنة داخل ثقب أسود كانت متناسبة بالضبط مع تلك الموجودة على سطح أفق الحدث. بعد ذلك، حصل فيزيائيون آخرون على نتائج مشابهة مع ثقوب سوداء من نمط مختلف قليلاً. ثم توصل كل من كورت كالان وخوان ملدسينا من جامعة برينستون إلى نمذجة صيرورة تبخر الثقوب السوداء باستخدام مبادئ نظرية الأوتار الفائقة فقط مع الميكانيك الكمومي، مبرهنين بذلك بشكل ضمني، أن المعلومة كانت تنحفظ خلال هذه الصيرورة. عندها بدأ عدد كبير الفيزيائيين الذين كانوا في صف هوكنغ يعيدون النظر في رأيهم.


* وهوكنغ نفسه؟ لماذا غير رأيه في النهاية؟
ـ السبب في ذلك كما أعتقد إثبات آخر غير مباشر للمبدأ الهولوغرافي، طوره مالدسينا في عام 1998. فقد برهن أن قوة الجاذبية، الموصوفة وفق نظرية الأوتار، ضمن حجم في الفضاء الزائدي رباعي الأبعاد، كانت مكافئة على المستوى الرياضي لنظرية كمومية في التفاعلات بين الجسيمات الموجودة على سطح هذا الحجم. فكل ما يظهر في الداخل يكون عبارة عن هولوغرام، وإسقاطاً للواقع المرتبط بسطح هذه المنطقة. وكان لأعمال ملدسينا وقع وأثر كبيرين. فقد أثبتت من وجهة نظري، أن المعلومة المتضمنة في الثقب الأسود لا تُفقد نهائياً بحيث لا يمكن استعادتها، بل تسجل وترمز إن صح التعبير على سطح أفق الحدث. لقد وجد هوكنغ بعدها نفسه وقد أصبح أكثر عزلة. وانتهى به الأمر إلى الإقرار في عامي 2004 و 2005 بأنه كان مخطئاً.
* هل ينطبق المبدأ الهولوغرافي بالتالي على مجالات أخرى غير فيزياء الثقوب السوداء.
ـ منذ نحو عقد من الزمن، أصبح عدد أكثر فأكثر من الفيزيائيين يعملون على المبدأ الهولوغرافي وتطبيقاته، وخاصة في إطار نظرية الكروموديناميك الكوانتية، وهي نظرية تفسر التحام الجسيمات في قلب النوى الذرية، وحتى في فيزياء المادة الصلبة. وأنا مقتنع اليوم أن المبدأ الهولوغرافي هو مبدأ جوهري للقوانين التي تحكم الكون وفهمه. فنحن نعرف مثلاً منذ عام1998 أن كوننا خاضع لتوسع متسارع. فإذا نظرنا إليه بعيداً جداً بما يكفي، أي نحو 15 مليار سنة ضوئية في كافة الاتجاهات، سنلاحظ مناطق من الفضاء حيث توجد مجرات تبتعد عنا بسرعة الضوء. إن إحدى الخصائص الأكثر تميزاً في كون متسارع التمدد هي أن المسافة بين المراقب وهذه المناطق البعيدة تظل دائماً هي نفسها. فنحن هكذا نكون محاطين بأفق كوني هو سطح كروي تخيلي إلى ما ورائه لا يمكن لأي إشارة أن تصلنا. هكذا تبدو المجرات والنجوم وكأنها تُبتلع في هذا الأفق ما إن تتجاوزه. فكل شيء يجري كما لو كنا في مركز ثقب أسود معكوس، بدلاً من أن يمتص المادة يلفظها. وتشير أبحاث حديثة بالمقابل إلى أن خصائص الأفق الكوني مشابهة لخصائص أفق الثقوب السوداء. فأي وصف أو نظام يجب أن نعطي بالتالي للأجسام التي توجد إلى ما وراء الأفق الكوني؟ وهل هي حقاً أجسام حقيقية؟ وما هو الدور الذي تلعبه في وصف كوننا؟ إنني أشعر أن هذه الأسئلة سوف تحتل مكانة مركزية في علم الكونيات المعاصر.