قصة الهندسة(1)

أعرف عن المسلمة الخامسة لإقليدس أن أول لقاء لي بها كان في كتاب الهندسة بتاع صف الثامن، و قد قدمت على أنها "مسلمة إقليدس"، هكذا، بالحرف!



يعني كما لو لم يكن لإقليدس من مسلمات سواها، فواعجبي!

و أعجب من ذلك هو أن هذه المسلمة، كما وردت في كتاب الهندسة إياه، و
نصها هو: "من نقطة خارج مستقيم يمكن رسم مواز واحد لهذا المستقيم"،
هاذي ليست مسلمة إقليدس كما كتبها بخط يده! هذه مسلمة مكافئة و يعود
الفضل بصياغتها لجون بلايفير (John Playfair)!

لكن أكثر ما أزعجني هو تقديمها هكذا و القول: "و نسلم بها من دون
برهان"، لماذا؟ ثم من هم هؤلاء الذين يسلمون بها من دون برهان؟
أنا مثلا لا أرغب أن أسلم بها من دون برهان!

و ما زاد الطين بلبلة هو كتاب الفلسفة للصف الحادي عشر، يعني الثاني
الثانوي -على ما أظن-: ففي هذا الكتاب عرض للهندسات اللاإقليدية (أي
الهندسات التي تختلف مع الهندسة الإقليدية، تختلف عنها تحديدا برفضها
لهذه المسلمة)، فراح كتاب الفلسفة إياه يتحدث عن "هندسة لوباتشيفسكي" و
عن "هندسة ريمان"، كما لو كانتا مكافئتين لهندسة إقليدس، فواعجبي!
لا بل و راح هذا الكتاب يشرح أن هذه الهندسات تنطبق على سطح كرة أو على
سطح كسرج الحصان، فواسخريتي !

استمرت حيرتي و بحثي عن فهم هذه القضية حتى تمكنت، بعد جهد جهيد، من
إدراك العلاقة التي تربط هذه الهندسات ببعضها البعض، و اكتشفت -يعني
هذا اكتشاف عالمي أعلنه عليكم هنا للمرة الأولى- أن هندسة إقليدس و
هندسة لوباتشيفسكي صحيحتان كلتاهما، و أن هندسة ريمان خاطئة طبعا...
يعني على الأقل هي هندسة لاإقليدية جدا، أكثر بكثير من هندسة
لوباتشيفسكي -و لي عودة.

هل ترغبون بمعرفة المزيد أيها الأحبة؟ إذن فاتبعوني لنستعرض معا قصة
الهندسة اللاإقليدية، حيث سنستعرض قصص الرياضيين و الفلاسفة و
المحاربين و العشاق و الشعراء و السكارى، اليونان و العرب و الألمان و
الروس، و على الأخص: سنستعرض مغامرة العقل الإنساني و رغبة الإنسان في
معرفة الحقيقة، هذه الرغبة التي توحد بين البشر في أممية عظيمة واحدة..



بدايات الهندسة...



عرفت الهندسة منذ أيام البابليين: لقد تم اكتشاف ألواح بابلية تحوي
نظرية فيثاغوروث المزعومة(*) و تعود لأكثر من ألف و خمسمئة عام قبل
فيثاغوروث! أما المصريون، فقد تركوا لنا أدلة واضحة ترى بالعين المجردة
في ضاحية الجيزة بالقرب من القاهرة، أدلة لا تدع مجالا للشك بمعرفتهم
لعلم الهندسة و لإنشاء الأهرام المنتظمة.

و هنا لا بد لنا أن نطرح السؤال: لماذا اختفى تراث البابليين و
المصريين، و ظهر التاريخ، خصوصا تاريخ العلوم، كما لو كان قد ابتدأ مع
الإغريق؟

الجواب نجده فيما حصل حوالي 2200 عام قبل الميلاد
ففي مدينة أوغاريت هذه حصل اختراع عظيم: الأبجدية!
هذا الإختراع الذي قدر له أن يسيطر على العالم (**): ففي حين نقول نحن
العرب: ألف باء جيم دال، يقول الإغريق: ألفا بتا جاما دلتا، و يقول
الفرنساويون: آ بي سي دي!

مع ظهور الأبجدية اتضح أن كل ثقافة لا تتم "أبجدتها" هي ثقافة آيلة إلى
الإنقراض. و كان ما لا شك فيه أن أول شعب ينشئ امبراطورية "مؤبجدة" هو
من سيحكم العالم.

كان الفينيقيون أول المرشحين للعب هذا الدور: فهم أصحاب هذا الإختراع!
لكنهم، و بكل صراحة يعني، كانوا جماعة تجار، و لم يكونوا محاربين...

و لهذا فلم تجتمع المدن الفينيقية -رغم انتشارها على كافة سواحل
المتوسط - في دولة واحدة، و لا في شبه دولة. و هذا ما فعله، بالمقابل،
شعب من المحاربين: الإغريق.

الإغريق كانوا محاربين -هل تذكر قصة معركة ماراثون؟ و كان مثال الحرب
الأعلى عندهم هو اسبارطة، مدينة ذات نظام فاشي أو بالفاشي أشبه... و كي
لا أتهم بالتجني، فإليكم بعض خصائص مدينة اسبارطة القديمة:

- كان الطفل يؤخذ من منزله بمجرد بلوغه السابعة من العمر حيث يوضع في
معسكرات يتلقى فيها التدريب العسكري حتى سن البلوغ.

- ثم كان يخضع لامتحان التخرج: حيث يطلب منه أن يعيش لمدة عام في منطقة
جبلية مسلحا بسكين لا غير، مع إمكانية قتله من قبل دوريات العسس إن
لاقته.

- فإن نجح في ذلك، يعود للمدينة لكن يجب عليه أن يعيش في الثكنات حتى
يبلغ الثلاثين من العمر.

- و عندها يصبح مواطنا كامل الحقوق... إلا قليلا!

- ذلك أن مواطني اسبارطة كاملي الحقوق كانوا يشاركون بفاعلية في الحياة
السياسية عن طريق مجلس النواب، لكن السلطة الحقيقية كانت بيد مجلس
الأعيان... الذي يضم الأسر الغنية!

بهذا النظام العسكري الفاشي تمكنت اسبارطة من فرض سيطرتها -و من خلالها
سيطرة اليونان- على البحر المتوسط بأكمله خلال القرون ما بين السابع و
الخامس قبل الميلاد.

نشأت الإمبراطورية اليونانية و أصبحت هي الإمبراطورية العظمى. و صارت
اللغة اليونانية هي لغة العلم و الثقافة، و صار علماء اليونان هم
العلماء لا علماء غيرهم، و أهملت أو ضاعت ثقافة من سبقهم من الشعوب...

طبعا ربما صار هذا أحيانا و بشكل مقصود، لكن في الغالب الأعم كان الأمر
يتم بشكل تلقائي: دعني أعطيك مثالا:
حتى اليوم، يصف الأوروبيون أرقامهم بأنها "الأرقام العربية"، مع أننا
نعلم تماما أن هذه الأرقام ليست عربية و لا هم يحزنون، لكنها هندية!
فلمه؟

لأن الأوروبيين أخذوا هذه الأرقام من العرب، فهم إذن يسمونها باسم من
أخذوها عنه...

و ربما هذا ما حصل مع العلوم ما قبل الإغريقية: فحين يأتي عالم إغريقي
فينشر بحثا لعالم سابق عليه، كان الناس ينسون العالم السابق و ينسبون
العمل لهذا العالم الذي نشره...

فماذا كانت الهندسة الإغريقية؟



بدايات الهندسة الإغريقية...

بدأت الهندسة الإغريقية، وفقا لما نعلم، مع تاليس الميلطي، من مدينة
Milet التي تقع على الشاطئ الشرقي لبحر إيجة. يعني في تركيا الحالية.

عاش تاليس الميلطي في القرن السابع قبل الميلاد، و أما بشأن ولادته
فتتضارب الروايات: فهناك من يدعي أنه كان ابنا لتاجر ميسور يدعى
إكسميناس و لزوجته كليوبولين، و هناك من يدعي أنه من سلالة الإله زوس و
الأميرة الفينيقية أوروبا... و نترك للقارئ أن يختار بين هذين
الرأيين...

كان تاليس هو أول الفلاسفة الإغريق، و أول عالم هندسة، و أول من حسب
ارتفاع هرم خوفو، و أول بطل أولمبي... باختصار: كان الأول في كل ما كان
يعرفه الإغريق.

هناك كلمة تنسب عادة لتاليس: الماء هو أصل كل الأشياء . و من أشهر نتائج تاليس نظريته في
المثلثات المتشابهة .

في مدينته، ميلطة، أسس تاليس مدرسة للهندسة، كان من أهم طلابها، و
خليفته في إدارتها، ابن مدينته أناكسيماندر الميلطي. و كلا من تاليس و
أناكسيماندر تتابعا على تدريس طالب ذي ذكاء فائق: فيثاغوروس من جزيرة
ساموس، الواقعة بالقرب من الشاطئ الشرقي لبحر إيجة.

فيما يخص فيثاغوروس، الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد، مجددا
تتضارب الآراء:
فهناك من يقول أنه ولد لأب تاجر من مدينة صور، و أن هذا الأب حصل على
جنسية جزيرة ساموس بصفة "مواطن شرف" لأنه نقل إليها شحنة من الذرة في
وقت كانت تعاني فيه من القحط... في حين أن البعض الآخر -و منهم
فيثاغوروس نفسه- يدعون أنه ذو أصل إلهي و أن مجيئه للأرض تم الإعلان
عنه بواسطة عرافة معبد الإله أبولو، و يدعي أن هذا هو تفسير اسمه
(العرافة هي "بيتي" و هو "بيتاغوروس").

بالمقابل فنحن نعرف عن فيثاغوروس أنه كان كثير الترحال في طفولته، حيث
رافق والده في رحلاته التجارية إلى الساحل السوري و حتى إلى بلاد
البابليين (لاحظ !) و مصر.
يقال أنه حين بلغ الثامنة عشرة من عمره شارك في الألعاب الأولمبية و
فاز في بطولة الملاكمة...
لكن أهم أعمال فيثاغوروس هو إنشاءه لديانة سرية ، تقوم على
تقديس الزعيم (فيثاغوروس طبعا) و عبادة الأرقام و اعتبارها ذات دلالة
عميقة! كان الفيثاغورسيون يرون أن العدد 10 هو سيد الأعداد و تجتمع فيه
الخصال الحميدة. و هم من وضعوا تعريف الأعداد المربعة -و أيضا عرفوا
أعدادا سموها مستطيلة و أعدادا أخرى سموها مثلثة- .


كان فيثاغورس رجلا أحمق، و قد سن لأتباعه قواعدا للسلوك الحسن! و
هاكم غيضا من فيض:

1- امتنع عن أكل البقوليات.
2- لا تلتقط ما سقط.
3- لا تأكل من الديك الأبيض.
4- لا تقضم قطعة من رغيف كامل.
5- لا تمش في الطريق العام.
6- عتدما ترفع القدر عن النار فلا تترك له أثرا في الرماد بل
اخلط الرماد.
7- و هكذا دواليك، و هلم جرا، و على ذلك قس!

كانت جماعة فيثاغوروس جماعة دينية متعصبة و منغلقة، و كانت
دراستهم للرياضيات سرا يحتفظون به دون الآخرين... و يروون،
تبريرا لشياع نتائجهم، أي نظرياتهم الرياضية (الجيدة و المفيدة،
و هي بالمناسبة ليست بالضرورة نتائج فيثاغوروس شخصيا و لكنها على
الأغلب نتائج عمل طلابه فنسبت له

يبرر الفيثاغورسيون نشر نتائجهم بأن أحد أعضاء جماعتهم أضاع مالا
كان يعود لها، اي للجماعة، فسمحوا له أن يدرس الرياضيات كي
يسترجع المال الذي فقده...
يتبع...