طلاس يروي أحداث انقلاب رفعت الأسد-3-

في أوائل نيسان (ابريل) من العام 1984 وقرابة الساعة الرابعة بعد الظهر تلقيت اتصالاً هاتفياً من قائد قواتنا في طرابلس العميد سليمان حسن وأعلمني أنّ علي عيد جهّز مفرزة من اللصوص قوامها نحو مئتي عنصر مع عشرين سيارة متنوعة وهم مسلحون ببنادق كلاشينيكوف ومدافع مضادة للدروع (ر,ب,ج,7) وقنابل يدوية ومسدسات,,

وهناك اتفاق ضمني مع أبو دريد يعني العميد رفعت الأسد بأنّ هذه المجموعة سوف تشارك في نهب محلات المجوهرات وخصوصا في دمشق عندما تحين ساعة الصفر لاستباحة المدينة ثم يهربون بالمسروقات الى لبنان (طرابلس الشام) وهناك تتم عملية الاقتسام.

اتصلت فوراً بقائد فرقة الدفاع الجوي في المنطقة الوسطى اللواء أحمد غميض وأسندتُّ اليه مهمة القبض على اللصوص وقلت له: اذا كنت غير قادر على مجابهتهم فأنا على استعداد لأن أعطي أمراً لمدير كلية المدرعات العميد فاروق عيسى لكي يضع تحت تصرّفك سرية دبابات من فوج البيانات العملية، فأجابني لا لزوم لذلك فأنا قادر على مجابهتهم والقاء القبض عليهم,,, وبعد ربع ساعة اتصل بي اللواء غميض وقال لي: «لقد زمق» (زمق في اللغة العربية تعني فتح القفل، وفي العامية السورية تعني هرب من مكان ضيق) اللصوص الى دمشق ولم نستطع الامساك بهم، قلت لقائد الفرقة: ألم أقل لك اذا كنت غير قادر على التنفيذ أعلمني حتى أسند المهمة لغيرك!, فأجابني: سيدي «زمقوا»,,, «زمقوا» لم نستطع أن نعمل لهم شيئاً.

أنهيت المكالمة واتصلت على الفور باللواء شفيق فياض قائد الفرقة المدرعة الثالثة والمتمركزة في القطيفة وأسندت له مهمة القبض على اللصوص وطلبت اليه أن يحرّك سرية مشاة ميكانيكية من اللواء عشرين وأن يضع عربة مدرعة على مفرق معلولا وعربة ثانية على المحور القديم، وبقية العربات على المحور الأساس, وأن يكون الاتصال بالنظر بين الجميع, وكان جوابه: سيدي اتركوا لي التفاصيل وسوف تسمعون الأخبار الطيّبة بعد أقل من ساعتين.

كان وصول اللصوص الى دمشق سيشكل اهانة لسمعة القوات المسلحة اذ انهم تمكنوا من خرق الحواجز الأمنية كافة على الطرقات, صحيح أنّهم يرفعون أعلام الحزب وشعاراته على سياراتهم وصور رفعت الأسد ولكن هذا لا يغيّر من حقيقتهم، وهو أنّهم لصوص لا يجوز أبداً أن نسمح لهم بدخول دمشق وممارسة مهام التخريب والسلب التي كانوا يمارسونها سابقاً في بيروت عندما أطلقوا على أنفسهم «فرسان البعث» وهم خليط من سرايا الدفاع وعناصر علي عيد، وقد انسحبوا من بيروت الى طرابلس الشام ولم يتصدّوا للقوات الاسرائيلية أثناء اجتياحها للعاصمة اللبنانية في صيف العام 1982. لذلك فانّ قواتنا المسلحة الباسلة لا تحترمهم أبداً، بل تحتقرهم، وبعد ساعة ونصف الساعة تماماً اتصل اللواء شفيق فياض ليعلمني بنجاح المهمة وأنّ اللصوص أصبحوا رهن الاعتقال بعد أنْ تم تجريدهم من أسلحتهم وذخائرهم وسياراتهم، قلت للّواء شفيق: يجب أن يعاملوا باحتقار كما يعامل البدوي الجمل الأجرب، وكما يعامل الفلاحون الكلاب الشاردة, فقال: لا توص حريصاً فهم موضوعون في العناية الثورية المشددة, وسينالون عقاباً وضرباً شديداً على مؤخراتهم بعد رشّهم بخراطيم المياه، حتى لا ينسوا هذا الحدث في حياتهم, وتم احتجاز اللصوص شهراً ونيف ولم يطلق سراحهم الاّ بعد أن انتهت الأزمة وسافر العميد رفعت الى موسكو.

الطائفة المرشدية تعلن ولاءها للسيد الرئيس

كان الرفيق محمد ابراهيم العلي قائد الجيش الشعبي قد وضع أوراقه مبكّراً مع العميد رفعت ولم يكن هذا الموضوع ذا قيمة اطلاقاً قُبيل الأزمة لأنّ كثيراً من المنافقين وبخاصة منتسبو «رابطة الدراسات العليا» كانوا يحومون حول العميد رفعت كما تحوم الغربان على بقايا الحيوان.

وكان من عادة الرفيق قائد الجيش الشعبي أنّه كثير التجوال متطلّع دائماً للجديد من الأخبار بعد ثورة الثامن من آذار (مارس)، ولم تزل هذه العادة تسكنه حتى الآن على الرغم من مرور أربعة عشر عاماً ونيّف على الحركة التصحيحية, وكان يمرُّ على مكتبي بمعدّل مرة واحدة في الأسبوع وكان يسأل دائماً عن أحوال الدنيا وكنت أطمئنه أنّها بخير وهي مازالت تدور وللأمانة التاريخية فانّ ضباط القيادة العامة لم يكونوا يقدّرون الرفيق أبو ندى حقّ قدره ولم يكن في القيادة سوى الرئيس الأسد وأنا نعرف نضال محمد ابراهيم العلي وتضحياته في سبيل الحزب والثورة من حركة الضباط الأحرار في حلب الى حركة 23 شباط (فبراير) وكان هذا الموقف يؤلم الرفيق محمد ولذلك لم يكن يزورهم الاّ لماماً.

بعد الحدث الجلل أقفلت مكتبي في وجه قائد الجيش الشعبي، وطلب مقابلتي مرات عدّة وكنت أعتذر دائماً غير أنّه ألحّ على المقابلة فوافقت أخيراً, ولمّا حضر سألني مستغرباً هذا الموقف منه، وقلت له في مثل هذه الأمور لا توجد حلول وسط فامّا أن تكون مع الرئيس الأسد أو أن تكون في الجهة الأخرى: فقال: أنا مع الرئيس حافظ الأسد (شيله,,, بيله) وحتى أقطع الشك باليقين فانّني جاهز لكي آتي بأبناء سليمان مرشد من «حمص» ومن «جوبة البرغال» لمقابلة السيد الرئيس، فقلت له: وما أهميّة الطائفة المرشدية في الأزمة؟، قال لي: ألا تعلم أنّ العميد رفعت الأسد يعطي أهميّة خاصة لهذه الطائفة فبالاضافة لشراكته مع النور المضيء والمهندس فؤاد تقلا بالأعمال التجارية فانّ عدداً كبيراً من أبناء الطائفة انخرطوا في سرايا الدفاع تنفيذاً لتعليمات قيادتهم الروحية وهم يشكلون العمود الفقري لسرايا الدفاع ويأتي ترتيبهم بالأهمية بعد الشريحة العلوية مباشرة، قلت له توكّل على الله ويجب أن أسمع في القريب العاجل أخباراً طيّبة، فأجاب: لا قريب ولا بعيد غداً سوف يكونون خلال ساعات عدّة في القصر الجمهوري.

وصدق محمد ابراهيم العلي في وعده واستقبل الرئيس حافظ الأسد في مكتبه ابناء الطائفة وفي مقدّمتهم النور المضيء واستغرقت المقابلة ثلاث ساعات ونيّف وما تسرّب منها كان الآتي:

قال أولاد سليمان المرشد للسيد الرئيس: نحن لا يمكن أن نكرّس الخيانة كمبدأ للطائفة، ففي الماضي اتّهمنا الانكليز بأننا عملاء فرنسا، واليوم يتّهمنا الوطنيون القوميون في سورية بأننا عملاء اميركا نحن باختصار رجال حافظ الأسد وقد أحببنا أخاك رفعت لشعورنا بأنّه جناحك الأيمن أمّا وأنّه قد شقَّ عصا الطاعة عليك فلا ولاية له علينا ونحن جاهزون منذ هذه اللحظة لأن نتسلم مهمة الحراسة على مكتبك أو بيتك، وكان جواب السيد الرئيس: لا لزوم لكلّ ذلك,,, المهم أن تُفهموا أبناء الطائفة بهذا التوجّه الجديد «واليوم قبل بُكرة»,, وانصرف الاخوة الثلاثة من مكتب رئيس الجمهورية، وبطريقة تشبه السحر تم الاتصال بأبناء الطائفة كافة وأخذوا جميعهم التّوجّه الجديد,,, وبدلاً من قلعة الأسرار التي لا تنتهك أصبحت سرايا الدفاع مثل الغربال يتسرّب منها كل ما يحدث فيها,,, وشعر رفعت بالحدث واستدعى الى مكتبه كبيرهم النور المضيء وبقي يتحاور معه زُهاء سبع ساعات لم يأخذ منه لا حقاً ولا باطلاً.

وأخيراً قال له رفعت بعد أن سئم من المناقشة والمماحكة: أتعرف أنّك لن تكلّفني سوى رصاصة واحدة في رأسك!، فأجابه النور المضيء أعرف ذلك ولكن هل تعرف أنّ الطلقة الثانية ستكون في رأسك أنت، ولمعلوماتك أنّ الحاجب الذي قدّم لنا القهوة والشاي الآن هو من عشيرتي أي باختصار هو مرشدي وليس علويا, هنا أنهى رفعت المناقشة على أمل اللقاء مرّة ثانية للمتابعة، ولكنّه بدا كمن أُصيب في مقتل,,, وطلب الى المسؤول عن التوجيه السياسي في سرايا الدفاع بأن يُجري سبراً عشوائياً لمئة جندي مرشدي ويسألهم سؤالاً وحيداً: هل أنتم معي أم مع أخي الرئيس حافظ الأسد؟، وفي اليوم التالي صُعق رفعت الأسد عندما جاءه الجواب بأن نسبة المؤيّدين للرئيس الأسد مئة من مئة وليس تسعة وتسعين, وبلغ الغضب أشدَّه لدى رفعت ومحازبيه وصمّم على أن ينتقم من الطائفة المرشدية وأمر عناصره بأن يفتشوا عنهم في كل مكان وفي أي تشكيل وجمعهم قرب قلعة «برقش» شمال غرب مدينة قطنا وقام بتجريدهم من أسلحتهم الفردية وأركبهم عربات نقل عسكرية كبيرة وقذفهم على الحدود السورية اللبنانية ـ الفلسطينية وفي مواجهة الجيش الاسرائيلي مباشرةً، ولم ترد اسرائيل على هذا الاجراء لأنّ الجنود الذين في مواجهتم شبه عراة وكان الوقت ليلاً, وعلى الفور أعلمت الرئيس الأسد بالأمر وأرسلت لكل واحد منهم بندقية ووحدة نارية مع كيس بحارة وتعيين عمليّاتي يكفي ثلاثة أيام,,, وطلبت الى اللواء جميل حسن رئيس شعبة التنظيم والادارة أن يوزّعهم على وحدات الجيش كافة، من القامشلي الى صلخد، وكان عددهم ثلاثة آلاف ومئتين وخمسة وعشرين ضابطاً وجندياً.

وخلال ثلاثة أيام تم تصفية ذيول هذه المشكلة، ولكنّ العميد رفعت كان قد أصيب بجرح بليغ، صحيح أنّ نسبة القوى والوسائط لم تكن في الأساس لصالحه لأنّ سرايا الدفاع كانت في ذروة الأزمة تعادل نحو أربعين ألف عسكري (كان العدد الحقيقي لسرايا الدفاع حسب يومية
الوحدة «كشف القوة الشهري» بتاريخ 15/2/1984 (40094) بينما بقية وحدات الجيش نحو 360 ألفاً ولكن خروج الطائفة المرشدية منها بهذا الشكل زعزع كيانها وهزّ بنيانها, ومن هذا الموقف المتشكّل قرّر العميد رفعـت أن يؤدّب أولاد سـليمان المرشـد في عقر دارهم أعني جوبة البرغال, فجهز لهذه المهمة كتيبة مغاوير وأركبها في سبع حافلات ووجّهها باتّجاه اللاذقية,,, وعندما علمت بهذا النبأ اتصلت برئيس فرع المخابرات العسكرية في اللاذقية العقيد أسامة سعيد وأعلمته بالأمر وقلت له عليك أن تومّن حماية النور المضيء بمفارز سريعة من عندك أو من الشرطة العسكرية واذا لزم الأمر يمكن أن تطلب العدد الذي تحتاجه من الجنود من قائد القوى البحرية فقال لي: سيدي لا نحتاج لأي مساعدة لأنّ نحو خمسمئة مسلّح من الطائفة المرشدية أصبحوا متواجدين في جوبة البرغال حول قصر أبناء سليمان المرشد، ومرّة ثانية تؤكّد الحقائق والوقائع أنّ أسلوب الاتصال لهذه الجماعة أرقى من أسلوب اتّصال أي مخابرات في العالم حتى بعد استخدامها لأقنية الاتصالات في الأقمار الاصطناعية.

وصلت طلائع سرايا الدفاع الى جوبة البرغال فوجدت أنّ الحراسة كثيفة حول بيت سليمان المرشد وأنّ المعركة لن تكون في صالحهم أبداً، وبعد أن اتصلوا بالعميد رفعت طلب اليهم أن يهبطوا الى الساحل ويتمركزوا في معسكر تلة الصنوبر التي تبعد عن اللاذقية الى الجنوب بنحو سبعة كيلومترات, ولم يحتاج حلفاؤنا الجدد لأي دعم مادي أو عسكري, وبعودة الطائفة المرشدية الى حمى الرئيس الأسد بدأت تتآكل سرايا الدفاع من الداخل ولم يعد لها تلك الهيبة التي كانت لها أيام زمان.

محاولة فتح جبهة ثانية في اللاذقية

كانت سرايا الدفاع تملك مركز تدريب لعناصر اللواء الجبلي في منطقة جوبة البرغال, واضافةً لذلك فقد احتلّ العميد رفعت تلة الصنوبر التي تقع على البحر مباشرة وكان يتمركز في هذه المنطقة كتيبة أو أكثر من أفواج الانزال الجوي، ولمّا أخفقت التدابير التي نفذّها العميد رفعت ضد الطائفة المرشدية أمر عناصره المرسلة من دمشق لهذه الغاية أن تتمركز في الموقع المذكور لتعزيزه ولأهميّته البالغة لقربه من مركز المحافظة وأعني بذلك مدينة اللاذقية.

ولمّا كان العميد رفعت يعتمد بشكل جدّي على أبناء الطائفة العلوية قرّر نقل الصراع الى هناك لأنّ المنطقة حسّاسة وكان يتصوّر أنّه من الصعب على السيد الرئيس أنْ يأمر سلاح الطيران بقصف الأماكن التي ينشب فيها النـزاع وكذلك الأمر بالنسبة للمدفعية والصواريخ ومن هذا الاحساس الخاطئ بدأت حركات رفعت تتعثّر خطوةً خطوة لأنّ ما بني على باطل فهو باطل,,, كان رفعت يدغدغ أحلام المتعصّبين طائفياً بأن وعدهم أنّه سيقيم الدولة العلوية هناك كما أقام اليهود الدولة العبرية في فلسطين، وكما كان غلاة المتعصبين من الموارنة يحلمون باقامة الدويلات الطائفية التي ستدور بفلك اسرائيل قولاً واحداً, وشجّع رفعت أنّ اميركا سوف ترحّب بالفكرة لأنّها مع أي تفكّك للأمة العربية لأنّ هذا يخدم مصالحها الوطنية ومصلحة حليفتها الاستراتيجية اسرائيل، ونسي العميد رفعت أنّ والده الراحل سليمان الأسد ـ رحمه الله ـ كان من أشدِّ المقاومين الشرسين لانشاء الدولة العلوية وكان في طليعة المناضلين الوطنيين في أواسط الثلاثينيات لمقاومة هذه الفكرة واجتثاثها من جذورها.

بدأ تحرّش العميد رفعت بالنّظام هناك بأن أوعز الى أنصاره في اللاذقية بأن يكتبوا على الجدران عبارات تمجّد بشخصه دون غيره مثل (رفعت الأسد الشمس التي لا تغيب)، كما بدأوا بنصب الحواجز الطيّارة لاشعار المواطنين أنّهم موجودون بقوّة على الساحة في محافظتي الساحل (اللاذقية وطرطوس), واتصلت بالرئيس الأسد وأعطيته المعلومات المتوفرة لدينا عن نوايا العميد رفعت باللاذقية وانّه حاول السيطرة على مسقط رأس الرئيس الأسد حتى يقول للعالم: اذا كان أخي لا يستطيع السيطرة على المحافظة التي ولد فيها فهو بالأحرى غير قادر على السيطرة في باقي المحافظات,,.

كانت توجيهات القائد الأسد واضحة وضوح الشمس: لا مهادنة أبداً مع الخارجين على النظام، اضربهم اليوم قبل الغد لأننا كلّما تأخرنا بضربهم وتصفية الحسابات معهم كلّما ازدادوا شططاً في أعمالهم وتصرّفاتهم وتمادوا في ايذاء الناس والمواطنين وأعطوا العالم العربي والخارجي فكرة مغلوطة عن واقع الحال في سورية.

اتصلت بقائد القوى البحرية اللواء فضل حسـين وقلت له: عليك أن تنـذر المتمرّدين في معسكر سرايا الدفاع بالاستسلام خلال ساعة واحدة وبعد ذلك اذا لم يستجيبوا عليك أن تضربهم بالمدفعية الساحلية وأن تحرّك باتّجاههم كتيبة المشاة البحرية مدعومة بالفوج »826» دبابات، كما طلبت اليه أن يحرك كاسحتي ألغام وستة زوارق صواريخ وأن يتم الرمي على المتمرّدين بالمدافع المضادة للطائرات (رمي مباشر) وأن يتم تقرب هذه القوات الى الساحل لضربهم بقذائف الأعماق (المضادة للغواصات) وبالأسلحة الرشاشة الثقيلة المضادة للطائرات والمركبّة على زوارق الصواريخ, وعندما لاحظتُ عليه امارات التردّد والخوف وعدم الحسمية أكدتُّ عليه بأنّني أعطي الأوامر نيابة عن القائد العام واذا كان غير قادر على تنفيذ المهمّة فنحن جاهزون لارسال فوج مغاوير (انزال جوّي) ليتكفّل بتصفية المتمردّين، وأعطيته الأمر أنّه بعد ساعة واحدة تنتهي مهلة الانذار وعليه أنْ يبدأ بقصف المعسكر بالمدفعية, وبعد ساعة من هذا الأمر اتصلت بقائد القوى البحرية وقلت له هل بدأت الرمي، فقال لي: لقد رشقناهم رشقة ونحن الآن نحصي خسائرهم.

وتيقّنت من لهجته أنّه كاذب (عندما انتهت الازمة وجهّ القائد رئيس الجمهورية بانهاء خدمات هذا الضابط من الجيش السوري رمت تعيين اللواء مصطفى طيارة قائدا لسلاح البحرية في نشرة 1/7/1984) ومراوغ وغير جدّي في معالجة الموضوع,,, وخائف,,, قلت له: أين المقدّم علي خضّور قائد الفوج المدرّع؟, فقال لي: انه بجانبي,,, وطلبته على الهاتف وقلت له: اصعد بنفسك على أول دبابة في الفوج واطلب الى الرماة أن يسددوا مدافعهم على العربات المصفّحة (ب,م,ب) التي يضعها المتمردّون على مدخل المعسكر وتدمّرها تماماً بصلية تركيز من سرية دبابات، أي أريد أن ترمي عشر دبابات بآن واحد، وكانت غايتي الأساسية احداث صدمة معنوية ضد القوى المناوئة, وبعد دقائق نفّذ الأمر وتم تدمير ثلاث ناقلات وجرى اخلاء القتلى والجرحى، واستنجد العميد رفعت متوسّلاً الرئيس الأسد بأن نوقف النار لأنّه قرّر أن يُخلي المعسكر وينفّذ تعليمات القيادة العامة, وهكذا تم حسم المشكلة في المنطقة الساحلية وتم استرداد المعسكر وعادت العناصر التابعة لسرايا الدفاع الى دمشق.

ولابدّ من اعلام القارئ بجوِّ احدى المناقشات التي جرت في القيادة العامة بعد الاشتباك مباشرة، قال العماد حكمت الشهابي وأيّده في ذلك العماد علي أصلان: بعد أن رجع الى حمص وطرابلس أكثر من خمسمئة سيارة أصبحت المشكلة مكشوفة للناس جميعاً ولا نستطيع بعد اليوم أن نتستر عليها,, وكان جوابي: لن تُقدم أيّ وكالة أنباء على اذاعة هذا الخبر اطلاقاً وذلك لسببين:

الأول: أنّ وكالات الأنباء الغربية والموجّهة من اميركا لن تذيع النبأ لأنّه يبرز انتصار الرئيس الأسد وهم لا يرغبون بذلك.

الثاني : وكالات الأنباء التي تدور في فلك موسكو لن تذيع هي الأخرى هذا النبأ حتى لا تسبب لنا أي احراج لأنّنا نحن لم نقم باذاعته.

وصدقت نبوءتي ولم تقم أيّ وكالة أنباء أو صحافة أجنبية باذاعة هذا النبأ، بما في ذلك الصحف اللبنانية المحسوبة على الخط الاميركي.

تزامنات تدل على أنّ المعلّم واحد

كان من أبرز خصائص هذه الأزمة العاصفة أن يتزامن تصعيد الموقف العسكري من قبل العميد رفعت كلّما زارنا الرئيس اللبناني أمين الجميّل ومع أنّ السياسيين في لبنان بعامة لا يحبّون أبداً قطع شعرة معاوية مع اميركا ولكن المنتسبين منهم الى حزب الكتائب اللبنانية وعلى رأسهم أمين الجميّل يعتبرون الولاء لاميركا قضية مقدّسة لا يعلو عليها شيء, ومع أنّهم يزعمون أنّ فرنسا هي أمّهم الحنون ولكنّهم كاذبون لأنّ عينهم دائماً على اميركا,, وخلال ثلاثة شهور ونيّف من عمر الأزمة زارنا الرئيس اللبناني ثلاث مرات ولم يحدث في تاريخ العلاقات المميزة مع أي دولة في العالم أن يقوم رئيسها بزيارة بلد آخر بمثل هذه الكثافة، وهذا ما يؤكّد أنّ الزيارات كانت تتم بايحاء وتوجيه من الادارة الاميركية، ولأنّ اميركا تعرف ما يدور في سرايا الدفاع عن طريق عميلها النقيب جوزيف صنصيل ولكنّها تجهل تماماً ما يجري في دائرة الرئيس الأسد، ومن هنا جاء الطلب الى الرئيس أمين الجميّل بأن يشدَّ الرّحال الى دمشق ليعرف ماذا يدور خلف الأكمة، وللأمانة التاريخية كان الرئيس اللبناني يعود الى بيروت صفر اليدين لأنّ الرئيس الأسد يتمتّع بموهبة خارقة في اخفاء نواياه على خصومه, ومع أنّه لم يلعب «البوكر» ولا مرّة واحدة في حياته فانّ وجهه بالنسبة لمن يقابله وبخاصّة من المحسوبين على اميركا أو الدائرين في فلكها يبدو كوجه لاعب «البوكر» لا يمكن لأحد أن يأخذ منه شيئاً لا بحق ولا بباطل، وهكذا كانت التقارير ترسل الى واشنطن وكلّها تشير الى أنّ الرئيس الأسد في أحسن حالاته، وخاب فأل الادارة الاميركية وأهدافها الخبيثة.