كن سراجا لعينيّ المائلتين

سراج

كان ثمة في الصين القديمة أزهار أندلسية. أنت لا تصفرُ من اجلي. غصن نذالتـكَ
الملتوي لم يكن سوى الجَمال! بحرٌ أملس ومسرَّح على جمجمة وعرة. منحوتة حبّكَ
لازمةٌ، فاصلةٌ بارعة من فواصل المايسترو الذي يتـقن الاختفاء عن مائدة
خالية.
أرض اليابان القاسية والبعيدة هي وطنكَ. أرض اليابان الوعرة والمتـشابكة هي
الرحلة التي سيمنحني إياها غيابكَ.
العالم كلّه أرمل إن كنت ما زلت تمشي فيه حقا. العالم كله أرمل ان كان
حقيقياً. العالم كله حقيقي ان كنت ما زلت تمشي حقا، العالم كله أرمل ما دمت
لم تمت! العالم كله ملكي ان لم تكن حياً حقا بل محض سراج لعينيّ المائلتين.
ولادتـكَ أعمتـني وأهمية النهار الطالع ليست سوى ليل لـمداك. عمياء أنا لأنك
ما زلت تمشي! عمياء انا لأنك تمشي والعالم أرمل والعالم أعمى ما دمت تمشي
وتمشي متـشبثاً بعينيّ السماويتين.

ابتسامتك

أجهلُ إذا كنتُ سأموت جوعاً أم لا، إذا كنتُ سأموت خوفاً وعيناي مفتوحتان
كمعجزة...
أجهلُ إذا كان الصيف الأخضر مختلفاً عن اختلافكَ الأخضر...
أجهلُ إذا كنتُ أكتب الشعر افتتاناً أو عذاباً، أجهل إذا كنت اكتبُ افتـتاناً
أو حكمةً، وأجهل إذا كنتَ تعرف أنني أكتبُ لأجلكَ، لأجلكَ أنتَ فحسب...
أجهلُ إذا كنتَ تقع أو ترتجف، أنتَ تجهل إذا كنتُ ابكي أو أيأس. اليأس اليأس
اليأس، كلّه اختراع. أنت تجهلُ إذا كنتُ أبكي أو أيأس، تجهل إذا كنتُ اضحك أو
أيأس. وأنا اجهل إذا كانت، بين الصخور الشاحبة، ابتسامتـكَ.

حنين

كانت إقامتي في الجحيم ذات طبيعة سماوية
لكنّ بلاط العناية الإلهية كان يصرخ أسماء مرتجعة
وازدادت تجارب الماضي شراهةً
القمر أيضا تحرّر من حنينه
وصارت ورود الحديقة تذبل ببطء تحت شمسٍ ناعمة
وحين كنتُ الأمس الحديقة كانت نعومتها تخترقني حتى العظم
وحين كنتُ ارتجل أغنية كانت الشمس تـقع
لم تكن إذا طبيعة الأشياء السماوية ما يحرّك روحي
بل الحنين.

جوع

العالم ضرسٌ مقلوع
لا تسألوني لماذا
لي من العمر اليوم سنوات كثيرة
والمطر عقيم...
هل يأسي هذا حبٌّ ؟
أتراه حبٌّ ما يُسمّى حباً
أم أنه الحاجة الساذجة إلى ان نبني في الآخر
ما ينقصنا؟
أتراه حقيقية بديهية
أم اختراع روحٍ تتضوّر جوعا؟

**********

ايتالو كالفينو

القرّاء مصّاصو دمائي

إنّ كل رواية بادئة قبل ان تـبدأ: فالكلمة الأولى من السطر الأول من الصفحة
الأولى من كل قصة تـنتمي الى شيء حصل قبل الكتاب وخارجه.

يمكن كل شيء أن يتغير ما عدا اللغة التي نحملها داخلنا، دنيانا الخاصة تلك
التي تشبه أكثر ما تشبه رحم الأم التي أنجبتنا.

لا شك في أن الأمور التي لا تقولها قصة ما هي أكثر من تلك التي تـبوح بها،
ولكن وحدها بعض الكتب العظيمة يمكن ان تمنحنا عند مطالعتها وهم أننا نقرأ
شيئا ليس مكتوبا.

الغموض يصنع الإنسان.

مصير أجمل الأحلام ان تتحول فجأة كوابيس.

يجب إلا تكون كتابة النثر مختلفة عن كتابة الشعر: ففي الحالين ينبغي البحث عن
التعبير الضروري، الفريد من نوعه، المكثف، الموجز، الذي لا ينسى. طول النص
وقصره ما هما إلا معايير خارجية بالطبع، لكنني أتكلم تحديدا على كثافة من نوع
خاص، على توترٍ من الصعب ان يتحقق في النصوص ذات النفس الطويل، بل هو من
خصائص الصفحة الواحدة.

أن نقرأ يعني ان نذهب للقاء شيء "سوف" يتحقق.

القراء هم مصاصو دمائي.

لا أحد يعلق اليوم أهمية على الكتابة بقدر الأنظمة البوليسية.

من الأفضل عدم التعرف الى الكتّاب لان شخصيتهم الحقيقية لا تتطابق قط مع
الصورة التي نرسمها عنهم عند قراءتهم.

الحياة مجموعة من الأحداث يمكن آخرها ان يغيّر معنى كل التي سبقت.

المكان المثالي للعيش هو ذلك الذي من الطبيعي فيه ان نكون غرباء.

المدن كالأحلام مصنوعة من رغبات ومخاوف. وما يبهرك في مدينة ما ليس روائعها
السبع أو السبع والسبعين، بل الجواب الذي تعطيه عن احد أسئلتك.

قد يكون فعل الحب الشكل الأوحد من العلاقات الايجابية بين شخصين.

ليست جهنم الأحياء مكانا "سنذهب" اليه: إذا كان هناك من جهنم، فهي تلك
القائمة هنا، هذه الجهنم التي نسكنها كل يوم، والتي نصنعها معا. أما الوسيلة
الفضلى كي لا نعاني جراءها، فأن نرصد ما ومن ليس جهنما في جهنمنا، وان نفسح
له ونجعله يستمر.

**********

أنا الملاك النجس

بيير باولو بازوليني

الى الراية الحمراء

كان يكفي أن يعرفوا لونكِ فحسب
أيتها الراية الحمراء
ليتيـقّنوا من وجودكِ بحمرتِـه
لكنّ ذاك الذي كان مغطّى بالقـشور
استبدل قـشوره بالجروح
صار المزارع طبـيباً
وابن نابولي الكالابري
وابن كالابريا الإفريقي
وكلّ أميّ
جاموسةً أو كلباً.
وذاك الذي كان بالكاد يعرف لونكِ
أيتها الراية الحمراء
قريباً لن يعود يعرفكِ
ولا حتى بحواسه
فأنتِ التي تـتباهين بأمجادٍ بورجوازية وعمّالية
سوف ترجعين خرقةً
يلوّح بها الفـقراء.

الملاك النجـس

ها أنا إذاً
في جلسة بوحٍ سامية
مع ذاتي
ذاك الملاك النجس الذي أحبّ.
كم من اليباس الآن
في ملمس هذا الجسد
الذي كنتُ أعـشقه شاباً
لأني كنتُ مؤمناً بالحبّ.
لكني لن أخاف
ولن أسـتسلم
بل سأطلب من الله الذي لا يعطي حياةً
ألا يدعني أموت.

لمعان

كان دمكَ أيها المسيح
قطرة ندى عارية
على وردة عذابكَ
وكنتَ ترانا
يا شاعراً مطمئناً
يا أخاً جريحاً
بأجسادنا البهيّة
في أعشاش الخلود!
ثم متـنا.
فهل كانت قبضاتـنا
ومساميركَ السوداء
لتـلمع
لو لم يكن غفرانكَ ينزل علينا
من نهار رأفتكَ اللانهائي ؟

توسّـل الى أمّي

كم يصعب أن أعبّر بلغة الأبناء
عمّا يعتمل في قلبي ولا يشبهني
أنتِ الوحيدة في العالم التي تعرفين
حقيقة هذا القلب، قبل أي حبيب آخر
ولذا يجب أن أقول لكِ ما هو فظيع معرفته:
من لدن نعمتكِ يا أمّي تولد مخاوفي
لا بديل منكِ
وملعونةٌ هي الحياة التي أعطيتـنيها
محكومٌ عليها بالوحدة.
لكني لا أريد أن أكون وحيداً
جائعٌ الى الحبّ أنا
الى حبّ أجسادٍ من دون أرواح
وجوعي بلا حدود
أما الروح فهي فيكِ، الروح أنت
وحبّكِ عبوديتي.
لقد أمضيتُ طفولتي عبداً
لهذا الحبّ الهائل، العالي، الذي لا شفاء منه
تلك كانت طريقي الوحيدة الى الحياة
ولونها وشكلها الوحيدين
كل هذا انتهى الآن
وبتـنا نكتفي بالصمود في فوضى حياةٍ
ستولد من جديد خارج حدود العقل
أرجوكِ، آه، أرجوكِ: لا تـنـشدي الموت
بل دعيني أكون هنا، وحدي معكِ، في نيسانٍ آتٍ...

وهم

لن يكون للذكاء يوماً أي قيمةٍ
في حكم هذا الرأي العام
ولا دماء معسكرات الاعتقال
يمكنها أن تستـفزّ روحاً واحدة
من أرواح الملايين في هذه الأمة
لكي تصرخ سخطها بلا لبس.
وهمٌ هي كلّ فكرة، وهم كلّ شغف
لدى شعبٍ انقسم منذ قرون
وبات يستخدم حكمته
ليعيش فحسب، لا ليربح الحرية.
لم يعد ثمة أي جدوى
من أن أكشف وجهي وهزالي
من ان ارفع صوتي الأعزل الطفولي
فالجبن مرّنـنا على رؤية موت الآخرين
بلا مبالاة فظيعة
لذا أموت بدوري
وهذا يؤلمني أيضا.

أميليا روسيللي
 (شعر إيطالي )

      ترجمة : جمانة حداد