دولة "فرسان مالطة", ماذا تعرف عنها ؟

فجر الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل قضية على جانب كبير من الأهمية، أثناء أحد حواراته الأخيرة مع قناة الجزيرة، ‏حيث أشار لكتاب بالغ الأهمية بعنوان "بلاك ووتر" للصحفى الأمريكى جيرمى سكيل، موضحاً أن وجود قوات المرتزقة ‏بالعراق ليس مجرد تعاقد أمنى مع البنتاجون تقوم بمقتضاه بمهام قتالية نيابة عن الجيش الأمريكي، بل يسبقه تعاقد ‏أيديولوجي مشترك بين الجانبين، وهو دولة فرسان مالطة الاعتبارية، التي هي آخر الفلول الصليبية التي تهيمن على ‏صناعة القرار في الولايات المتحدة والعالم، والتي وجد قادتها وأعضاؤها الطريق ممهد أمامهم بعدما تعاقدت معهم شركة " ‏بلاك ووتر"، التي تعمل في العراق بموجب عقد مع جيش الاحتلال الأمريكي.‏

دولة "فرسان مالطا" هي دولة اعتبارية بكل المعايير؛ فهي بلا أرض وحكومة أو شعب، وتمثلها 96 سفارة افتراضية حول ‏العالم. ولها في الدول العربية 6 سفارات، هي: مصر والمغرب وموريتانيا والسودان والأردن ولبنان، بينما ليس لها تمثيل ‏دبلوماسي في إسرائيل. ورغم ذلك فهي لا أرض لها ولا سكان بها، الأمر الذي لا يستدعي كل هذا التمثيل الدبلوماسي؛ ‏فمحكوموها عبارة عن أعضاء ومتطوعين في أنشطة خيرية طبقا لما تعلنه.‏

هي إذاً منظمة تقوم بدور دولة، وهي أيضا دولة تحمل ملامح منظمة أو حركة، ولذا يمكن اعتبارها دولة ومنظمة في الوقت ‏نفسه، كما أن لها ثلاثة أعلام رسمية لكل علم استخدامه ودلالاته.‏

يقع المقر الرئيسي للمنظمة حاليا في العاصمة الإيطالية روما، ويحمل اسم "مقر مالطا" ، ويرأس الدولة (البرنس أندرو ‏برتي) الذي أُنتخب عام 1988ويعاونه أربعة من كبار المسئولين وقرابة عشرين من المسؤولين الآخرين.‏

وتخضع دولة فرسان مالطا للقانون الدولي، مثلها مثل الهيئات الدولية العادية، إلا أنها تزيد عنها بأنها تتمتع بسيادة، ومقرها ‏في روما. هذا الكيان يديره 6 مسئولين دينيين ويعاونهم 5 مساعدين بالإضافة إلى 47 جمعية وطنية موزعة على 5 قارات، ‏وتقوم بإصدار جوازات السفر وطباعة الطوابع التي تدر عليها دخلا تستخدمه في أنشطتها، بالإضافة إلى تأسيس مؤسسات ‏عامة مستقلة وتتمتع بالشخصية الاعتبارية ويحكمها رئيس يبقى مدى الحياة حتى وفاته وعملتها هي سكودو.‏

ومن المعروف أن التمثيل الدبلوماسي حق لأشخاص القانون الدولي ـ سواء كانوا دولا أو منظمات دولية، بالإضافة إلى ‏الفاتيكان، الذي يتمتع بوضع خاص في مسألة التمثيل الدبلوماسي خاصة في الدول الكاثوليكية.‏

أما عن فرسان مالطا فهو نظام تاريخي ظل يحتفظ بالصفة السيادية، حتى بعد انهيار النظام ذاته وخروج الفرسان من مالطة ‏وفقدانهم لأية قاعدة إقليمية، وتحولهم إلى مجرد هيئة خيرية، ومع هذا الوضع احتفظ الفرسان بحق إرسال بعثات دبلوماسية ‏من جانبهم، وعلى مستوى السفراء، وهم بذلك يمثلون استثناء فريدًا في مجال العلاقات الدبلوماسية والقواعد والأعراف ‏المنظمة لها.‏

والفضل في استمرار هذا الوضع يرجع إلى بعض الدول الأوروبية بالإضافة إلى الفاتيكان ـ حيث مقر الفرسان الآن ـ فقد ‏أحاطوا الفرسان بالحماية بعد طردهم من مالطة، ومنحوهم بعض الامتيازات، ومنها حق التمثيل الدبلوماسي وذلك حفاظًا ‏على "الرمز التاريخي" الذي يمثلونه، ودورهم البارز في العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الماضية. كما أن الدور ‏الإنساني الذي يتخذونه ستاراً في رعاية المرضى والإسهام في بناء المستشفيات، دور له أهميته في هذا السياق.‏

تاريخ دولة "فرسان مالطة"‏

‏ بدأ ظهور فرسان مالطة عام 1070م، كهيئة خيرية، أسسها بعض التجار الإيطاليين، لرعاية مرضى الحجاج المسيحيين، ‏في مستشفى (قديس القدس يوحنا) قرب كنيسة القيامة ببيت المقدس، وظل هؤلاء يمارسون عملهم في ظل سيطرة الدولة ‏الإسلامية، وقد أطلق عليهم اسم "فرسان المستشفى" تمييزاً لهم عن هيئات الفرسان التي كانت موجودة في القدس آنذاك مثل ‏‏"فرسان المعبد" و"الفرسان التيوتون"...الخ ، إلا أنهم ساعدوا الغزو الصليبي فيما بعد.‏

وعندما قامت الحروب الصليبية الأولى 1097 م وتم الاستيلاء على القدس أنشأ رئيس المستشفى (جيرارد دي مارتيز) ‏تنظيماً منفصلاً أسماه "رهبان مستشفي قديس القدس يوحنا" وهؤلاء بحكم درايتهم بأحوال البلاد قدموا مساعدات قيمة ‏للصليبيين وخاصة بعد أن تحولوا إلى نظام فرسان عسكريين بفضل ريموند دو بوي، الذي أعاد تشكيل التنظيم على أساس ‏عسكري مسلح باركه البابا (أنوست الثاني) 1130، حتى قيل: إن الفضل في بقاء مدينة القدس في يد الصليبيين واستمرار ‏الحيوية في الجيوش الصليبية يعود بالأساس إلى فرسان الاستبارية أو الهوسبتاليين بجانب فرسان المعبد.‏

وبقيام الثورة الفرنسية 1789 وغزوها إيطاليا فقد الفرسان الصليبيون ممتلكاتهم وامتيازاتهم في فرنسا وإيطاليا وانتهى بهم ‏الأمر بفقد مقرهم في جزيرة مالطا نفسها وطردهم منها على يد نابليون أثناء حملته على مصر عام 1798م، ودخلوا في ‏مرحلة من الشتات والتفرق.‏

‏ وكان بعض الفرسان الذين تفرقوا عقب طردهم من مالطة على يد نابليون قد اتجهوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية ‏وصادف وصولهم فترة الحروب الأهلية هناك وشهدت هذه الفترة ظهور منظمة الكو ـ كلوكس ـ كلان، الإرهابية ‏العنصرية، التي كانت تطالب في ذلك الحين بالدفاع عن المذهب الكاثوليكي وعن سيادة الرجل الأبيض ومنع مساواة ‏المواطنين السود مع البيض في الحقوق، وتوثقت العلاقات بين فرسان مالطة الفارين إلى أمريكا، وبين (الكوكلوكس كلان) ‏خصوصا أن الطرفين يتفقان في المذهب الكاثوليكي .‏

‏"فرسان مالطة" في العراق

بعد قرار الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر، بالاستعانة بشركات الحماية الأمنية الخاصة ومنعهم الحصانة ضد أية ‏ملاحقة، حصلت "بلاك ووتر" على عقد بقيمة 27.7 مليون دولار يتضمن قيامها بتأمين الحماية الشخصية زائد مروحيتي ‏حراسة لبريمر، فقامت على إثره هذه الشركة بالتعاقد مع فرسان مالطا المشبوهين، الذين ترتبط معهم برباط ديني صليبي. ‏

‏ ثم قامت الشركة فيما بعد بحماية السفراء الأمريكيين التاليين وهما جون نيغروبونتى، وزلماى خليل زاد إضافة إلى ‏الدبلوماسيين الآخرين والمكاتب التابعة لهم.‏
‏ ‏
وتسعى "بلاك ووتر" حالياً، مستخدمة ما لديها من جماعات ضغط، لكي تحصل على عقود في إقليم دار فور بالسودان ‏لتعمل كقوة سلام، وفى مسعى من الرئيس جورج بوش لتمهيد الطريق أمامها للبدء في مهمة تدريبية، هناك قام برفع ‏العقوبات عن الجزء المسيحي من جنوب السودان. وفى شهر يناير الماضي أشار ممثل إقليم جنوب السودان في واشنطن أنه ‏يتوقع أن تبدأ شركة "بلاك ووتر" أعمال تدريب قوات الأمن في جنوب السودان في وقت قريب جداً.‏

‏ وعلى الرغم من الدور الأساسي الذي تقوم به شركة "بلاك ووتر" في العراق، فقد كانت تعمل في الظل حتى 31 مارس ‏‏2004 عندما تعرض أربعة من جنودها في الفلوجة للهجوم وقتلوا، حيث قامت الجماهير بجر جثثهم في الشوارع وحرقتها ‏وتعليق اثنين منها على ضفاف نهر الفرات، ومن هنا بدأ يحدث تحول في الحرب على العراق حيث قامت بعد عدة أيام ‏القوات الأمريكية بمحاصرة الفلوجة وقتل مائة ألف عراقي وتهجير مائتي ألف من أبناء الفلوجة، مما أشعل مقاومة عراقية ‏شرسة استمرت حتى اليوم في اصطياد أفراد قوات الاحتلال حتى اليوم.‏

المحاربون في جيش فرسان مالطا علي أرض العراق يقدر عددهم بـ 100 ألف مقاتل أي ما يقارب من نصف قوة الجيش ‏الأمريكي المعلن في العراق، وهؤلاء في الواقع هم الذين يتولون مسئولية الحرب المباشرة في أراضي العراق ويرفعون ‏العلم الأمريكي لكنهم لا يتبعونه، بل يتبعون المال الذي يتقاضونه عبر شركة "بلاك ووتر" التي أبرمت عقدا مع جيش ‏الاحتلال الأمريكي للقيام بمهام قتالية خطرة نيابة عن الجيش، وبمعنى أصح فإن وراء كل ذلك تحوم أجواء حرب صليبية ‏يفسرها وجود "دولة فرسان مالطا" الاعتبارية، آخر الفلول الصليبية التي تهيمن على صناعة القرار في الولايات المتحدة ‏والعالم.‏

‏ فرسان مالطا يعملون في العراق ودارفور كقتلة مأجورين من الولايات المتحدة من خلال شركة "بلاك ووتر"، التي تمتلك ‏من العتاد مالا تمتلكه دول كثيرة مجتمعة، وتسيطر علي مراكز صناعة القرار في أمريكا، ويعمل بها قتلة مأجورون، من ‏بينهم أولئك الفرسان بعد إعطائهم مسحه تبريريه صليبية لما يقومون به من أعمال تخريبية لم تأمر بها أية شريعة، ولذلك ‏فهم يرتكبون أبشع الجرائم التي تفوق جرائم أجدادهم إبان الحروب الصليبية.‏