الشرق كمستقرّ للأحلام

بيار لوتي في أسطنبول في لوحة للرسام لوسين ليفي-دورمر 1896 تحت إسم بيار لوتي استطاع الفرنسي جوليان فيود أن يكون الكاتب الذي نحت صورة الاستشراق المميزة لعصره في شكلها الأدبي. متحف "الحياة الرومنطيقية" بباريس يخصص لهذا الكاتب معرضا ثريا بالانطباعات. بقلم سوزان جواد

"لقد مارس الإسلام عليّ سحرا لن أستطيع الخلاص منه ما دمت حيا." هكذا يكتب الضابط البحري جوليان فيود المدعو بيار لوتي سنة 1892 في رواية له بعنوان "أشباح المشرق"، مجسدا بهذه الكلمات ملامح الانبهار الذي سيظل ملازما له طوال حياته؛ انبهاره بالمشرق كما كان يتراءى له: عميق الأسرار، شهوانيّا وثابتا لا يعتريه تغيير

مع الأسطول البحري في جولة حول العالم

جوليان فيود أصيل مدينة روشفور التي تقع على الساحل الأطلنطي الفرنسي يقرر في السابعة عشر من عمره الانضمام إلى سلك البحرية، وسيظل لمدة 24 سنة يجول مع الأسطول عبر مختلف أقاليم العالم؛ وليست تاهيتي ومصر والجزائر والمغرب والصين واليابان سوى نموذج من المحطات العديدة لرحلاته.

لكن قلبه سيظل متعلقا بصفة خاصة بمدينة واحدة سيكرسها معلما أدبيا ثابتا داخل سلسلة كاملة من رواياته، وهي إسطنبول. وقد خلدت هذه بدورها إسمه الذي ما زال يتشح به إلى اليوم فندق ومقهى ومعهد ثانوي.

الهوى كعنصر استيحاء

في مدينة اسطنبول عاش بيار لوتي علاقة غرامية مولّهة مع فتاة شركسية. وكانت هذه الحلقة الدرامية من حياته مصدر إيحاء لروايته الأولى "أزياديه" التي صدرت سنة 1879.

ابتداء من هذا العمل الروائي الأول برز الأسلوب الأدبي الخاص لبيار لوتي بصفة واضحة وجلية. وببراعة استطاع الكاتب أن يمازج في هذه الرواية بين عناصر السيرة الذاتية والعناصر المتخيّلة داخل حبكة روائية متناغمة تستجيب لمتطلبات المقدرة التخييلية ولمكونات العالم الشعوري لدى القارئ إلى جانب اللعب على عنصر الإنبهار الذي تثيره الغرابة.

في هذه الرواية يقع ضابط شاب من البحرية البريطانية في حب زوجة أحد الأعيان العثمانيين ويقرر الدخول في سلك الجيش العثماني كي يتمكن من حق البقاء في البلاد قريبا من معشوقته. لكنه يغادرها بالنهاية استجابة لنداء واجباته المعنوية تجاه عائلته ووطنه. وفي الأخير يلقى ذلك الضابط حتفه في الحرب ضد روسيا. أما معشوقته فقد هلكت في الأثناء بسبب الغم والحزن.

وفي الحياة الواقعية ينفصل جوليان فيود هو أيضا عن حبيبته الشركسية "أزياديه"، و لعل إسمها في الحقيقة حاقيدجة(أو خديجة؟). وسيعلم عندما يعود للبحث عنها بعد عدة سنوات أنها قد توفيت بالفعل؛ وذلك بسبب الغمّ كما تقول الأسطورة الشائعة.

وبالرغم من تتالي عدد من المعشوقات اللاتي مثلن جنيات القريحة بالنسبة للكاتب فإن "أزدياديه مع ذلك ستمثل العنصر الذي لا غنى عنه في عالم متخيّله الإبداعي، وستظل في نظره وحتى آخر أيامه التجسيد الحي لانبهاره بـ"العالم المشرقي كما يحلم به المولّهون" حسب عبارة ترد في مقدمة الرواية بقلم برونو فيرسييه الباحث المتخصص في كتابات لوتي.

شخصية شاذة غريبة الأطوار

هذا المشرق سينقله الرحالة الجوّال قطعة قطعة إلى بلاده. وهو مثل بطل روايته الأنكليزي ذا روابط عائلية تجعله يظل منشدا على الدوام إلى أرض وطنه وبين رحلة وأخرى يقضي فترات استراحة طويلة في الاستقرار بمدينة روشفور.

وعلى مر السنين قد جعل بيت عائلته يغدو أكثر فأكثر قرابة مع المثال النموذجي للحياة الشرقية الغريبة: فهذا سرداق ياباني في الحديقة، وهذه غرفة صينية، وهنا صالون مؤثث ومزوق على الطريقة التركية العثمانية.

وداخل هذا الديكور يحلو للوتي أن يتزيّن بأزياء تركية حينا وألبانية أو بدوية عربية أحيانا أخرى، وبكل حبور يدع المصورين يلتقطون له صورا ليعرض على عين المشاهد مظاهر غروره والغبطة التي يجدها في التنكر في أزياء غريبة وفي استعراض نفسه وولعه بلعب أدوار وهويات متنوعة.

شهرة ومجد

من مجمل ما يفوق الأربعين كتابا مما حرره خلال حياته ككاتب ذا إنتاج غزير غزارة فائقة لا يوجد إلى يومنا هذا غير جزء صغير مترجم إلى اللغة الألمانية. بينما كان لوتي يحظى في فرنسا منذ سنوات حياته باعتبار وتكريم كبيرين.

وقد توّج هذا المجد بقبوله عضوا في مجمع الأكاديمية الفرنسية ذات الصيت والسمعة التي تعادل أولمب الأدباء الفرنسيين. كما مكنه النجاح الذي لقيته كتبه من إنقاذ عائلته من الضائقة المالية التي وقعت فيها في الأثناء.

أثناء الحرب العالمية الأولى أصبح بيار لوتي نشطا في الحقل السياسي أيضا. وقد أشترك وهوفي سن متقدمة آنذاك في المفاوضات السرية لتي كانت جارية بين فرنسا والباب العالي، وسعى عبثا للتصدي بكل جهوده إلى تقسيم إمبراطوريته العثمانية المحبّبة.

ومع واقعة انهيار "رجل البوسفور المريض" كان على أحلام الحنين الإحيائي بمشرق ثابت قار الهوية وبطيء وشهواني متكاسل أن تعرف بدورها نهايتها الفجائية. ففي سنة 1923 توفي الفرنسي جوليان فيود. أما بيار لوتي فإنه ما يزال يعتبر إلى يومنا من ألمع وجوه الأناقة الأسلوبية في اللغة الفرنسية وأحد الممثلين الرئيسيين للاستشراق الأدبي.

بقلم سوزان جواد
ترجمة علي مصباح
قنطرة