الوثائق الإسرائيلية (الحلقة الخامسة)

ما نشر حتى الآن من الوثائق يكشف ان اسرائيل لم تفاجأ تماما بمبادرة مصر وسورية شن حرب أكتوبر 1973، وانها تلقت معلومات كثيرة، من خلال مصادر استخبارية أو من خلال متابعتها التحركات العسكرية المصرية والسورية بواسطة الصور التي نقلتها طائرات التجسس وغيرها.
لكن أهم مصدر وصلت المعلومات منه كان شخصية عربية أبقت لجنة أغرنات اسمه طي الكتمان، حتى اليوم. فقد سموه تارة «المصدر» وتارة «المصدر الموثوق» واسماه بعض الشهود الذين ظهروا أمام اللجنة بـ«بابل»، وقالوا ان هذا هو الاسم الذي اصطلحوا عليه في جهاز المخابرات الاسرائيلية الخارجية، «الموساد». فهو من المصادر التي تم الاعتماد عليها بشكل كبير ودفعت له أموال طائلة وقدم معلومات في غاية الدقة وطلبت رئيسة الوزراء، غولدا مئير، بأن يتم اطلاعها على كل رسائله حال وصولها الى اسرائيل. وهذا الشخص هو الذي أبلغ اسرائيل أول مرة عن أسرار القرار المصري السوري الخروج الى الحرب ونقل معلومات دقيقة عن الأسلحة التي تزودت بها مصر وسورية وابلغ اسرائيل بالموعد المقرر للحرب وهو السادس من شهر أكتوبر (تشرين الأول) 1973.

وفي حينه اعترض رئيس «الموساد» على ابلاغ الأميركيين بموعد الحرب، كما أبلغه به «بابل»، حتى لا يتم «حرق» هذا المصدر المهم، كما ورد في الوثائق. وأجمع قادة اسرائيل السياسيون والعسكريون على ضرورة عدم احراقه، حتى لو أدى ذلك الى توصيل معلومات جزئية الى الحليف الأميركي. وفي سنة 1993، أي بعد 20 سنة من الحرب، قام رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية ابان الحرب، ايلي زعيرا، بنشر كتاب يدافع فيه عن نفسه ويحاول فيه صد الاتهامات التي وجهتها اليه لجنة أغرنات. وفي معرض الكتاب يفصح زعيرا عن رأيه في «بابل» فيقول إنه لم يكن يثق بمعلوماته وبأنه كان ولا يزال يعتقد بأن «بابل» هو مبعوث من المخابرات المصرية لتضليل اسرائيل. وكشف زعيرا معظم تفاصيل شخصية «بابل»، وتعرض بسبب ذلك الى انتقادات لاذعة في اسرائيل خصوصا من «الموساد»، وكان هناك من طالب بمحاكمته بتهمة الاضرار بمصالح اسرائيل العليا.

فمن هو بابل، وما هي قصته؟

حسب منشورات عديدة في اسرائيل، فإن «بابل» كان شخصية قريبة من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وكان مقربا من الرئاسة ليس فقط في عهد عبد الناصر، بل أيضا في زمن الرئيس السادات. ووفقا لتلك المنشورات فقد ارتبط بالموساد طيلة ست سنوات، من 1969 وحتى 1975. وقد اختفى من الحياة السياسية المصرية لفترة طويلة. وقد تم الارتباط بمبادرته الشخصية، حيث أنه قدم الى السفارة الاسرائيلية في لندن بشكل علني وطلب مقابلة ضابط «الموساد» فيها، وأخبرهم بهويته. لكن السفارة الاسرائيلية لم تتجاوب معه وقالوا له انهم غير معنيين. فأجاب: «حسنا، أنا أطلب منكم أن تبلغوا الضابط وقولوا له إنني أمنحكم مهلة أسبوع. فإذا اتصلتم بي ستربحون كثيرا وإذا لم تفعلوا فإنكم ستخسرون كثيرا».

واتصلوا به في اليوم التالي، وتم ترتيب لقاء له مع الضابط «د.أ.» في فندق معروف في العاصمة البريطانية، وطلب من الضابط أن يعمل في خدمة اسرائيل. وقال انه يريد مقابل كل لقاء كهذا مبلغ ربع مليون دولار، لأنه يحمل معلومات في غاية الدقة والخطورة، وانه يشترط بأن لا يلتقيه أحد من اسرائيل سوى هذا الضابط الذي قابله في الفندق ورئيس «الموساد» بنفسه في بعض الحالات. فأجابه الضابط على الفور بان ما يطلبه خيالي وأنه لا يعتقد بأن قيادة «الموساد» ستوافق على مجرد البحث في عرض كهذا. فأجابه «بابل» بثقة في النفس عالية: «أنت أبلغ قادتك في تل ابيب وسنرى».

وفي تل أبيب تحمسوا للاقتراح بشكل غير عادي، وطلبوا أولا التحقق من شخصية الرجل، فإذا كان صحيحا ما يقوله فإنه يعتبر كنزا للمخابرات الاسرائيلية. وعندما تحققوا، حضر الى لندن رئيس «الموساد» بنفسه والتقاه. وتفاوضوا معه حول المبلغ الذي طلبه وأنزلوه من ربع مليون الى 125 الف دولار عن كل لقاء وحصل خلال السنوات الست على 6 ملايين دولار. وحسب «الموساد»، فإن «بابل» قدم لاسرائيل خدمات جلى في مجالين، الأول في المعلومات الدقيقة عسكريا. وثانيا في الثرثرات عن القادة المصريين والعلاقات بينهم.

ومن المعلومات المهمة التي ذكرت في سجل «بابل»: تفاصيل محادثات سياسية أجراها الرئيس المصري مع عدد من الرؤساء والملوك في العالم، معلومات دقيقة عن صفقات الأسلحة التي وقعت عليها مصر، معلومات عن الخلية الفلسطينية الفدائية بقيادة أمين الهندي (مدير المخابرات العامة في السلطة الفلسطينية حتى ما قبل سنتين)، كانت تنوي تفجير طائرة «إل عال» مدنية في روما ردا على قيام اسرائيل باسقاط الطائرة المدنية الليبية وقد أفشلت اسرائيل العملية بفضل المعلومات التي قدمها «بابل»، تسليم اسرائيل نسخة من الرسالة التي وجهها السادات الى الرئيس السوفياتي ليونيد بريجنيف يطلب فيها تزويد مصر بصواريخ بعيدة المدى من طراز «سكود» ويقول فيها انه من دون هذه الصواريخ لا يستطيع شن حرب لتحرير سيناء.

وفي شهر ديسمبر (كانون الأول) العام 1972 أعطى «بابل» أول معلومة لاسرائيل عن الاستعداد المصري الحقيقي للحرب، وفي شهر أبريل (نيسان) 1973 أعطى معلومة أكثر تفصيلا تفيد بأن هدف السادات من الحرب هو عبور القنال وتحرير مساحة بعمق 20 ـ 30 كيلومترا في سيناء. وفي شهر سبتمبر (أيلول) أعطى معلومة أخرى تفيد بان الحرب ستكون سورية مصرية بتنسيق كامل.

وفي 4 أكتوبر (تشرين الأول) 1973 طلب «بابل» مقابلة رئيس «الموساد» بنفسه، تسفي زمير. فطار اليه هذا خصيصا في اليوم التالي، والتقاه في احدى الدول الأوروبية فوجده غاضبا «لأن اسرائيل تتجاهل تحذيراتي ولا تعمل شيئا لمواجهة خطر الحرب». وفي مساء اليوم نفسه اتصل «بابل» وأبلغ اسرائيل بموعد الحرب «قبل حلول المساء من يوم 6 أكتوبر».

ويقول رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، ايلي زعيرا ان «بابل» نقل معلومات دقيقة الى اسرائيل لكي يحظى بثقتها. ولكن الهدف من تشغيله كان في الواقع التضليل. فهو أبلغ عن رسالة السادات الى بريجنيف فقط لكي يقنع اسرائيل بان السادات لن يحارب إلا إذا حصل على صواريخ «سكود»، وفي الحقيقة انه لم يحصل عليها. ولذلك سادت القناعة في اسرائيل بأن مصر لن تجرؤ على اعلان الحرب، مما أدى الى سواد نظرية «الفرضية» المشهورة لدى الاستخبارات العسكرية («الفرضية» تقول إن مصر لن تحارب إلا إذا تمت الحرب بالاشتراك مع سورية وبالحصول على طائرات حديثة وأسلحة أخرى تضمن تفوقا مصريا على سلاح الجو الاسرائيلي).

ويضيف زعير: كيف يمكن لمسؤول مصري رفيع كهذا أن يأتي الى السفارة الاسرائيلية في لندن في وضح النهار، في الوقت الذي يعرف هو وقادته بأن هذه السفارة مثل غيرها من السفارات الاسرائيلية في الخارج مراقبة من عشرات أجهزة المخابرات في العالم؟ ويضيف زعيرا بأن أهم مهمة قام بها «بابل» هي عندما أبلغ اسرائيل بموعد الحرب. فهو قال انها ستتم قبيل حلول المساء وبذلك خدع اسرائيل لأن الحرب بدأت في الثانية من بعد الظهر. فقد فهم منه الاسرائيليون ان الحرب ستقع في السادسة مساء، وخلال الساعات الأربع كانت القوات المصرية قد أتمت عبور القنال. ولذلك فإنه نجح في تضليل اسرائيل.

وقد استمر النقاش في اسرائيل حول مدى مصداقية «بابل»، وأجرت المخابرات الاسرائيلية على اختلاف أجهزتها أبحاثا رسمية حول الموضوع استنتجت منها انه كان جاسوسا لها ولم يكن مبعوثا من المخابرات المصرية بهدف التضليل. ويرى أصحاب نظرية «الصدق»، أي الذين يصدقون ان «بابل» قدم الخدمات المخلصة لاسرائيل، ان تشغيله كان أحد أهم الانجازات في تاريخ المخابرات في العالم، وفي التاريخ الاسرائيلي بشكل خاص. في حين يرى المخالفون، وبينهم زعيرا، بأن تشغيل «بابل» كان أكبر هزيمة تحققت لاسرائيل في تاريخها.

ونعود لننشر في ما يلي حلقة أخرى من الوثيقة، «تقرير لجنة أغرنات» حول الاخفاقات الاسرائيلية في حرب اكتوبر 1973، التي تصور النقاشات في القيادات الاسرائيلية في نفس يوم الحرب. ويلاحظ فيها ان الحكومة انتقلت الى تل أبيب للعمل من هناك، ولم يحضر جلساتها سوى الوزراء الذين تواجدوا في المدينة. وقد تغيب الوزراء المتدينون، باعتبار انهم في «يوم الغفران»، وهو يوم صوم وصلوات لدى المتدينين اليهود يمتنعون خلاله عن القيام بأي نشاط أو عمل بما في ذلك الامتناع عن الحديث بالهاتف. وتجدر الاشارة الى ان كل ما تحته خط من الكلام المدون أدناه هو عبارة عن توكيد من اللجنة نفسها وكل الشروحات التي وردت بين القوسين على هذا النحو ( )، هي شروحات من اللجنة نفسها، بينما الشروحات التي تقدمها «الشرق الأوسط» تم وضعها بين قوسين من نوع آخر على النحو التالي: ( ).

وفي ما يلي النص الحرفي لجزء آخر من تقرير «لجنة أغرنات»:

«الفصل الثالث: في يوم الغفران تجنيد الاحتياط في يوم الغفران:

(تقرير جزئي البند 15 وانظر أيضا في البند 25 (1)، 27 (ج)، 28 (ج-د) الاجراءات التي اتخذها المستوى السياسي والعسكري الأعلى في يوم الغفران حتى بدأ إطلاق النار «في البحث الذي جرى بين وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش، أوصى رئيس الأركان بتجنيد كل قوات الاحتياط، لكي يستعد لهجوم مضاد كبير وواسع النطاق بعد صد قوات العدو. من جهة ثانية، أعرب وزير الدفاع عن تأييد تجنيد الاحتياط بحد أعلى يكفي، حسب رأي رئيس الأركان، لأهداف دفاعية. وقد تأخر تجنيد الاحتياط بالمقدار الذي وافق عليه وزير الدفاع في الصباح مع رئيس الأركان، مدة ساعتين لأن رئيس الأركان انتظر أن تحسم رئيسة الحكومة في مسألة تجنيد جيش الاحتياط بالكامل». كذلك أشاروا في البند 28 «لصالح رئيس الأركان يقال انه طلب تجنيدا كاملا لقوات الاحتياط في صبيحة يوم السبت المذكور (6 أكتوبر، يوم نشوب الحرب)».

«لقد جلب هذا الخلاف أمام رئيسة الحكومة في البحث الذي شارك فيه وزير الدفاع ورئيس الأركان ومساعدوهم. وقد صادقت رئيسة الحكومة فورا، الساعة 9:05 على التجنيد المنظم لقوات الدفاع وفي الساعة 9:25 حسمت لصالح التجنيد الكامل، وفقا لاقتراح رئيس أركان الجيش. وفي البحث نفسه لدى رئيسة الحكومة، تقرر، لدوافع سياسية، أن لا توجه ضربة رادعة كما اقترح رئيس الأركان العامة».

الخطوات التي اتخذها المستوى السياسي والقيادة العامة في يوم الغفران منذ تلقي الإنذار وحتى بدء اطلاق النار للقرارات التي اتخذها المستوى السياسي (الحكومة) وقيادة الأركان العليا في يوم الغفران، منذ الساعة 4:30 في الصباح وحتى بدء اطلاق النار في الساعة 14:00 ـ كان لها بالطبع أثر حاسم في استعدادات جيش الدفاع الاسرائيلي قبيل بدء اطلاق النار ـ وذلك على الرغم من التأخير الكبير في اتخاذ هذه الاجراءات ومن عدم اتخاذ قسم منها في وقت مبكر أكثر، كما سيشرح لاحقا (أنظر البنود 218 و219 و229).

بسبب الأهمية الكبرى في تلك الاعتبارات والقرارات، سنفصل في ما يلي الاجراءات والقرارات، كما بدت أمامنا من خلال مراجعة الوثائق التي كتبت وقت الأبحاث واتخاذ القرارات. فمن أجل ذلك، كانت أمامنا يوميات رئيس الأركان، التي كتبها رئيس مكتبه برؤوس اقلام (وثيقة البينات 243)، يوميات وزير الدفاع، التي سجلها رئيس مكتبه برؤوس أقلام (وثيقة البينات رقم 265)، بروتوكول الجلسة التي عقدت لدى رئيسة الوزراء في الساعة 8:05، حسب تسجيل أ. مزراحي (وثيقة البينات رقم 57)، وكذلك التسجيل المختصر لهذا اللقاء، والذي سجله السكرتير العسكري لوزير الدفاع (وثيقة البينات رقم 266)، وأيضا شهادات رئيسة الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الأركان أمام اللجنة.

لقد تركز نشاط رئيس أركان الجيش في يوم الغفران، قبل الظهر، منذ تلقي الانذار في الساعة 4:30 وحتى ساعات الظهر، عمليا على ثلاثة مواضيع أساسية : (أ) الاستعداد لضربة رادعة (تسبق الهجوم المصري السوري) وتجنيد جيش الاحتياط (ب) الاهتمام بجعل القيادة السياسية تتخذ قرارا بالمصادقة على توجيه ضربة مانعة وتجنيد الاحتياط (ج) توجيه التعليمات لقادة الألوية نحو الحرب، في حين يتم التركيز في الجلسة القصيرة في ساعات الظهر (البندان 219 ، 221) على خطوات الهجوم المضاد بعد صد العدو.

وفي ما يلي تفصيل الاجراءات والاعتبارات والقرارات حتى البحث مع رئيسة الحكومة في موضوع جيش الاحتياط، في الساعة 9:00 صباحا.

فبعد ان تلقى رئيس الأركان النبأ ألإنذاري في الساعة 4:30 تقريبا، اتصل مع قائد سلاح الجو وطلب منه أن يكون جاهزا لتوجيه ضربة مانعة. وبعد دقائق معدودات من ذلك، يقيم جلسة مع نائب رئيس أركان الجيش ويبلغه بأنه «ستندلع حرب في الليلة القريبة»، وبأنه يجب التعامل مع هذه المعلومة بثقة. ويطرح للبحث (هذه العناوين): هل توجه ضربة رادعة، تجنيد الاحتياط ، الاستعدادات «في الجبهة وفي العمق». ويشير الى انه «في مستوطنات هضبة الجولان، يتم اخلاء النساء وقسم من الرجال بعد الظهر».

ويبحثون في ما أن يكون تجنيد الاحتياط علنيا أم لا؟ وإذا ما كان التجنيد سيكون كاملا؟

رئيس الأركان يشير الى ان مشكلة أسلوب التجنيد تتعلق بقضية الضربة الرادعة: «فإذا لم نفعل (أي إذا لم تكن ضربة مانعة) يكون التجنيد علنيا». ويقول رئيس الأركان: «أستطيع أن أعطي سلاح الجو أمرا بأن يكون مستعدا، وعندها يكون الأمر جيدا أيضا للرد على عملية من طرفهم في المساء». في هذه المرحلة يدخل قائد سلاح الجو ويتم «وضعه في الصورة».

في الساعة 5:30 يعقد رئيس الأركان جلسة ما قبل الحرب، وفيها تبحث مرة أخرى القضايا المذكورة أعلاه. الجنرال زعيرا يبلغ بأن (عملية) الاخلاء الروسية (كانت) واسعة النطاق وشملت الرجال وتمت بصورة سريعة للغاية. «تمت عملية تقديم (طائرات) في سورية وتوجد اشارات عسكرية واجراءات ومعلومات يجب أخذها بالاعتبار بكل تأكيد. سياسيا، السادات لا يحتاج ذلك».

في هذا اللقاء يتم الاتفاق نهائيا على أن «يستعد سلاح الجو لمهاجمة سورية اليوم».. وعلى ان يعلن قائد سلاح الجو متى يكون مستعدا لذلك (ليس قبل ساعات الظهر وليس بعد الساعة 3:00). ويقترح قائد سلاح الجو أن «تتم الاستعدادات لتجنيد (الاحتياط) بشكل علني». في هذا اللقاء يصادق رئيس الأركان على قيام دائرة القوى البشرية في الجيش بتجنيد الاحتياط: ما يلزم بالضرورة القصوى لعمل الدوائر/الأذرع بغية استكمال الاستعدادات وبما لا يمس بشبكات التجنيد. والحجم حتى عدة ألوف من الجنود. سلاح الجو: كل الطيارين والمضادات الأرضية. والقيادة والمراقبة. في الساعة 6:00 (حسب وثيقة البينات رقم 265، وفي الساعة 5:50 حسب وثيقة البينات 243) تعقد جلسة لدى وزير الدفاع. موضوعا البحث الرئيسيان (بعد أن اتفق على اخلاء النساء والأولاد من مستوطنات هضبة الجولان، وبعد أن بحثت باختصار تفاصيل الاستعدادات المختلفة) هما: توجيه ضربة مانعة وتجنيد جيش الاحتياط.

رئيس أركان الجيش يوصي بتوجيه ضربة رادعة (قبل الهجوم المصري السوري). وزير الدفاع يعلن انه على اثر المعلومات الحالية التي تفيد بان الأميركيين يعتقدون بأن العرب لن يقدموا على شن الحرب ـ يجب ألا توجه (اسرائيل) ضربة رادعة. وبأنه واثق من أن رئيسة الحكومة لن تصادق وبأنه شخصيا لا يوصي بذلك. من جهة ثانية، فإذا بدأ المصريون في اطلاق النار، بالإمكان توجيه ضربة رادعة الى سورية حتى لو لم يفتحوا النار. فمن غير المستبعد «فتح النار قبل خمس دقائق قبلهم». حسب رأيه، فإنه ما عدا الاحتمالات المذكورة أعلاه، وفي حالة تلقي أنباء «تقشعر لها الأبدان» أو انفلات صاروخ سكود أو ما يشبه ذلك، من الممكن المجيء الى رئيسة الحكومة وطلب مصادقتها (على توجيه الضربة).

رئيس الأركان يعلن أنه يستعد لهذا الخيار «أو لقرار بالهجوم الرادع أو إذا استبقوا هجومهم وقدموه الى الساعة 17:00 أو لأية أحبولة أخرى». حول هذا ستكون هناك حاجة بقرار في الصباح (أنظر الفصل الخامس الفقرة «ب»).

ب. تجنيد الاحتياط بعد أن أعلن رئيس اركان الجيش عن إجراء الاستعدادات لتجنيد الاحتياط، إن كان ذلك بشكل علني أو بشكل سري (ربما في «مثل هذا اليوم مريح أكثر (تجنيد الاحتياط) بشكل سري»)، فهو يطلب تجنيد حوالي 200000 شخص.

هنا يبدأ نقاش بين وزير الدفاع وبين رئيس الأركان. رئيس الأركان يطلب تجنيد ما يقرب من 200000 شخص. وزير الدفاع يشير الى انه بناء على المعلومات المتوفرة اللحظة، لا ينبغي اجراء تجنيد شامل. رئيس الأركان يطلب تجنيد كل تشكيلات الألوية «يبدأون الليلة، يدخلون هنا وهناك. أريد أن أكون مستعدا في الحد الأدنى من الوقت للانتقال الى الهجوم المضاد وتدمير الجيش السوري». فقال وزير الدفاع «أشك في ضرورة تجنيد الاحتياط لهجوم مضاد على حرب لم تبدأ بعد»، ولكنه من الجهة الثانية اضاف «من المؤكد ان هناك ضرورة لأن نجند احتياطا لهدف الدفاع إذا كان ذلك (الهجوم السوري المصري) مؤكدا. فهذا يكفي لاثارة الرعب لدى السوريين».

بعد البحث مجددا يوافق وزير الدفاع على تجنيد ما هو ضروري للدفاع الفوري «دفاع لا بد منه» (وثيقة البينات رقم 265)، ويقترح طلب مصادقة رئيسة الحكومة على تجنيد «سلاح الجو، لواء في الشمال ولواء في سيناء. 50 - 60 الف شخص». وعلى اثر اصرار رئيس الأركان على ضرورة تجنيد كل التشكيلات القتالية (من جيش الاحتياط)، يلخص الوزير: «نطرح أمام رئيسة الوزراء اقتراحين. أنا أوصي بتجنيد الحد الأدنى الضروري للدفاع. ونراقب التطورات والأنباء وفي المساء نتصرف وفق التطورات». رئيس الأركان: «أنا كنت لأعلن عن تجنيد كامل حتى يرى العالم كله أننا مستعدون للحرب». وزير الدفاع: «ممكن أن نعلن هذا للعالم من دون أن نقوم بالتجنيد (الفعلي)».

بعدئذ ينضم الى الجلسة الجنرال ايلي زعيرا (رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش)، ليبلغ بأن المصادر الأجنبية «تقول إن كل شيء هادئ وبأنه لن تنشب حرب». يجري البحث في كيفية ابلاغها (أي المصادر الأجنبية) بالتفاصيل الاضافية التي جمعت حول الإخلاء الروسي. الجنرال زعيرا يقدم تفاصيل جديدة.

بعد لعلعة اللاسلكي بالتعليمات لاخلاء النساء والأطفال من أبو رودس (منطقة في سيناء المصرية)، يعلن الوزير لرئيس الأركان (حسبما هو مسجل في وثيقة البينات رقم 265): «أنت سترى الأولاد، تعال نلخص حول الأولاد من هضبة الجولان وأبو رودس، وأنت تحصل مني على موافقة بالنسبة لـ(تجنيد) سلاح الجو ولواء في الشمال وآخر في الجنوب». وحسب وثيقة البينات رقم 243: «موشيه: لواء في الشمال يكون جيدا وكذلك لواء في سيناء وسلاح الجو. أما لواء هيئة رئاسة الأركان فسنرى كيف تتطور الأمور في المساء، بعيد الطلقة الأولى». رئيس الأركان يكرر مطلبه تجنيد التشكيلات القتالية (في جيش الاحتياط) بكاملها. وبهذا تنتهي الجلسة في حوالي الساعة السابعة، ليتم البحث القادم في هذا الموضوع، لدى رئيسة الحكومة في الساعة التاسعة».