المهرّج

صقر: من المسؤول إذن عن هذه الافتراءات والأكاذيب؟
المهرج: المؤلفون؟ الكتاب؟
صقر: الكتاب؟ ومن هؤلاء الكتاب، لأية قبيلة ينتمون.
المهرج: أنا أعلم؟ شبابٌ لا أراك الله يا مولاي. يطلقون اللَّحى والسوالف، ويتحدثون في المقاهي عن الضياع والتمزق.
صقر: (مستغرباً) ضياع؟ تمزق؟
أبو خالد: ماذا يعني هذا ؟
المهرج: متاعب العصر. تعقيدات الحضارة.
صقر: (وقد راح يجنح عن الموضوع الرئيسي) هل عندكم حضارة أيها المهرج.
المهرج: حضارة مخيفة.
عبيد الله: (وقد انتقلت إليه عدوى الاهتمام) كحضارة الروم؟
المهرج: أدوه.
أبو خالد: كحضارة الفرس.
المهرج: أي روم وأي فرس. إن الحضارة التي ننعم بها يا أجدادي تفوق أيّ تصوّر وأي خيال (الأجداد يتحلقون حوله باهتمام وقد بلعوا الطعم)
صقر: هات حدثنا.
عبيد الله: لا تُثِرْ فضولنا.
المهرج: لقد تغير كل شيء وتطور كل شيء . الطعام الشراب، اللباس، الكلام، الحرب، العلم، الأدب، كل شيء، كل شيء، تغيّر وتبدل (وكأنه يبوح بسر) عندنا تكنولوجيا.
صقر: تكنولوجيا؟
الأجداد: (يهمهمون مع حركات وإشارات بالأيدي والعيون)
صقر: وماذا أيضاً؟
المهرج: (يشعل سيكارة فيسعل الأجداد ويتحاشون الدخان بأيديهم) أشياء لا تصدق.
أبو خالد: ما هذا الذي تنفخه؟
صقر: أهو من الحضارة؟
المهرج: هذا اختراعٌ بسيط لتخفيف الهموم
عبيد الله: هل سمعت يا أبا خالد
صقر: دعونا نفهم وماذا عندكم أيضاً؟
المهرج: (وقد اشتعل حماساً بعد أن حرفهم عن الموضوع الرئيسي نهائياً) عندنا عَصَّارات جزر ، ماكنات حلاقة، طاولات فورمايكا. غسالات فريسكو، قداحات غاز، مراوح توشيبا، طناجر بريستو، ساعات أوميغا، أقلام شيفرز (يفتح التابوت ويعرض عليهم بعض النماذج الملونة الباهرة للأنظار، يتكومون حوله غير مصدقين).
صقر: مخترعات عجيبة.
أبو خالد: أشياء لا تصدق.
المهرج: وعندنا كلونيا، قمصان نايلون، بنطلونات شارلستون.
صقر: وهل تنعمون أنتم أحفادنا العرب بكل هذه النِّعم.
المهرج: طبعاً طبعاً. وعندنا أيضاً بفتيك، روستو، همبرغر، شاتوبريان، بوظه توتي فروتي، شوكالامو.. عندنا سيارات تسير.. طيارات تطير.. عندنا صحف مجلات (يعطيهم رزمة من الصحف والمجلات فيختطف كل واحد جريدة أو مجلة ويغرق فيها) خذوا يا أجدادي خذوا.. واطّلعوا على ما تشاؤون من أنباء الحضارة والتقدم في بلادنا. (يجهز نفسه بهذه المناسبة وكأنه سيرحل).
صقر: نزول أول إنسان على سطح القمر.
عبيد الله: اكتشاف دواء للصرع..
أبو خالد: الفريق العربي يهزم الفريق التركي بكرة القدم.
صقر: أنباء لا تصدق.. أنباء لا تصدق
عبيد الله: البطل المصري يهزم البطل الانكليزي في المصارعه
أبو خالد: البطل التونسي يهزم البطل الفرنسي في الجمباز
صقر: انه حفيدي
عبيد الله: عازف سوري يفوز بالجائزة العالمية للموسيقى
صقر: إنه حفيدي.
أبو خالد: حسناء لبنانية تصبح ملكة جمال الكون.
صقر: إنها حفيدتي.. إنهم أحفادي (يعانق المهرج) شكراً يا بني.. شكراً لقد أثلجت صدري بهذه الأنباء..
المهرج: وعندنا أيضاً أبطال في الملاكمة والباسكيت والبينغ بونغ والشطرنج.. في كل شيء، في كل شيء..
أبو خالد: الآن اطمأنَّ قلبي
عبيد الله: وعادت ثقتي بأحفادي
صقر: بوركتم من شعب

***

صقر: وفلسطين.. فلسطين الملوَّنةُ كأزهار الربيع.. كيف جفَّتْ وذَبُلَتْ؟
المهرج: في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتوقيع وعد بلفور.. راح الاستعمار البغيض...
صقر: يافا.. حيفا.. القدس .. بيت لحم.. من يقرع أبوابها؟ من يعبر دروبها؟
المهرج: الصهاينة (مطمئناً) ولكن وضعهم في الداخل متضعضع.
صقر: (ساخراً) وأنتم؟
المهرج: (بحماسة) نحن نرصُّ الصفوف ونحشرُ الطاقات لزجها في المعركة.
صقر: أحقاً؟
المهرج: طبعاً يا مولاي طبعاً. لقد تنبَّه الرأي العام العالمي لخطورة هذه القضية وأخذ ينظر إليها نظرة جدية. ونحن بدورنا أقمنا الدنيا وأقعدناها وبرقيات التأييد تنهال علينا من كل حدبٍ وصوب، ومشاعر الاستنكار تعمُّ أرجاء العالم.. فهناك نقابة النجارين في غواتيمالا تعطفُ على قضيتنا، واتحاد النحاس والألمنيوم في ساغالي ماغالي يؤيد نضالنا وكفاحنا.
صقر: ساغالي ماغالي؟
المهرج: نعم. وجمعية مربيي الدواجن في الدانمارك تندّدُ بالمؤامرات الاستعمارية علينا.
عبيد الله: تنتظرون العون من الدجاج؟
المهرج: لحظه. وثوار ايرلندا وبوليفيا وموزمبيق.
أبو خالد: موزمبيق؟
المهرج: نعم موزمبيق وانغولا وفييتنام ولاوس .. كلهم كلهم دون استثناء يؤيدوننا ويعطفون على نضالنا.. فماذا تريدون أكثر من ذلك..
صقر: إنه مهرج.
عبيد الله: إنه غراب.

***

كيف ضاعت فلسطين؟
المهرج: ضاعت بالخُطب؟.
المهرج: هكذا ضاعت فلسطين.. يا أجدادي.
صقر: الأندلس.. الاسكندرون. فلسطين .. سيناء .. ماذا بقي من أمة العرب بحق السموات؟
المهرج: بقيت جبال من التخلف
صقر: أزيلوها يا أحفادي أزيلوها..
المهرج: ومن يزيلها يا مولاي.. الآلهة لا تزيلها
صقر: الشعب. أين الشعب؟
المهرج: هذا هو شعبك يا صقر قريش (يُسلَّط ضوءٌ أزرق حيث يشير المهرج إلى إحدى الزوايا الفارغة حيث يظهر شخصٌ بائس من عامة الشعب في الوقت الحاضر وهو يحمل بضعة أرغفة ويسير ملتصقاً بالحائط).
الشخص الأول: امشي الحيط الحيط وقول يا رب السترة (يختفي ويظهر شخص آخر يحمل سلَّه).
الشخص الثاني: مين ما أخذ أمي بقللو يا عمي.
الشخص الثالث: لا تنام بين القبور ولا تشوف منامات وحشه.
الشخص الرابع: العين ما بتقاوم مخرز..
المهرج: (يختفي الضوء باختفاء الأشخاص) هذا هو شعبُكَ . هؤلاء أحفادك يا صقر قريش.
صقر: لا أصدق عيني، لا أصدق أذني..
أبو خالد: مستحيل.. مستحيل العربي أشجع إنسان في التاريخ.
المهرج: كنا شجعاناً يا أجدادي.. شجعاناً وأبرياء ومغامرين.. ولكنهم جردونا من كل شيء.. الشجاعة.. الشرف.. الكرامة .. الكبرياء.. لقد حوَّلونا إلى أرانب.
صقر: أرانب؟
المهرج: وصراصير أيضاً.