نشوء الامم الاثم الكنعاني "2"

نشوء الامم الاثم الكنعاني القسم2

واليابسة عموماً هي أولى إمكانيّات حياة الحيوانات ذات الجهاز التّنفسيّ وأولى إمكانيّات حياة الإنسان. وأشرنا هناك إلى تنوّع البيئات وإمكانيّاتها. فالبيئة الجغرافيّة ضروريّة لحياة المتّحد أو المجتمع ضرورة الأرض للحياة. وأيّ متّحد أخذناه وجدناه محدّداً بالمساحة أو البيئة، لأنّ الإقامة في الأرض والعمران لهما شروط سابقة لا يتمّان إلاّ بها. وقد عرضنا لها في الفصل الثّالث.

وإذا أعدنا النّظر في البيئة الجغرافيّة، في القطر وما يتعلّق به، وجدنا أنّ الحدود ليست من التّمام بحيث تفصل فصلاً تاماً بين أيّ قطر وكلّ قطر، بين أيّ متّحد وكلّ متحد، وإلاّ لوجب أن نسمّي كلّ قطر دنيا قائمة بنفسها. وحيث الفصل تامّ كما في الجزر يلجأ المجتمع إلى إيجاد طرق وأساليب حتّى يجعل الاتّصال على أفضل حالة ممكنة. لأنّ العزلة التّامة منافية للتّمدّن والارتقاء الثّقافيّ. ولكنّ الحدود تقلّل الاتّصال، سواء أكان سلميّاً أم حربياً، وتصعّب التداخل والاختلاط الاجتماعيّين مع الخارج بقدر ما تسهّل اشتباك الجماعات في الدّاخل واتّحادها. فالبيئة المحدّدة هي البوتقة الّتي تصهر حياة هذه الجماعات وتمزجها مزجاً يكسبها شخصيّة خاصّة، كالشّخصيّة الّتي يكتسبها الشّبهان (البرنز) من مزج النّحاس والتّنك والرّصاص، وهي الّتي توجد الإمكانيات لنشوء المراكز العمرانيّة الّتي تتألّب عليها قوّات المجتمع ويحتشد فيها نتاجه الثّقافيّ، فتتكوّن البيئة الاجتماعيّة الّتي تصبح ذات مناعة تكمّل ما نقص من الحدود الطّبيعيّة. والحقيقة أنّ البيئة من حيث هي مركز الاجتماع والتّكتّل هي أهمّ من الحدود لتكوّن البيئة الاجتماعيّة ولكنّ الحدود الطّبيعيّة ضروريّة لوقاية المجتمع وحماية نموّه حتّى يستكمل قوّته الشّخصيّة. فبعض الأمم جنت عليها قلّة حدودها الطّبيعيّة أو رخاوتها وطلاقتها كبولونيا، وأرمينيا وإلى درجة أقلّ الإغريق والأراضي السّفلى (هولندا) وبلجيا. وكذلك سورية فقد جنت عليها كثيراً طلاقة تخومها من جهة الصّحراء، فالصّحراء حدّ للبيئة السّوريّة يقف عنده عمرانها وتمدّنها وثقافتها ولكنّها لم تكن حداً للقبائل المتحيّنة الفرص للاستيلاء على أرض آمن من الصّحراء وأضمن للعيش منها، والاستقرار فيها.

لعلّ سورية أفضل مثال للبيئة الّتي تصهر الجماعات المختلفة النّازلة بها وتحوّلها إلى مزاج واحد وشخصيّة واحدة. فنحن نعلم أنّ سورية كانت مأهولة في العصر الحجريّ المتوسّط ، كما دلّت البقايا المكتشفة في فلسطين، وأنّها على الأرجح مصدر الثّقافة المغالثية(229). ونعلم أيضاً أنّ جماعات شماليّة كالحثّيين وغيرهم قطعت طورس وهبطت سورية لتلتقي فيها بالجماعات الجنوبيّة الخارجة من الصّحراء، فتمتزج هذه الجماعات كلّها وما أضيف إليها ممّا جاء من الغرب كالفلسطينيّين، بعضها بالبعض الآخر وببقايا جماعات العصر الحجريّ وتكوّن مزيجاً خاصاً. ومع أنّنا نتمكّن، بالأدلّة الرّأسيّة والدّمويّة من تقصّي مختلف السّلالات الموجودة حالياً في سورية فإنّنا نرى لها كلّها طابع البيئة الخاصّ الّذي يكسبها تشابهاً قوّياً وتجانساً شديداً(230). وقد رأينا أنّ هذا المزيج السّوريّ تمكّن من إنشاء إمبراطورية قويّة بسطت سيطرتها على مصر واتّخذت مصر قاعدة لها، كما رأينا مصر تبسط نفوذها على سورية، وكما رأينا إمبراطورية الفرس تبسط ظلّها على سورية ومصر. ولكن لم يؤثّر شيء من ذلك على تحديد البيئة المتّحد. وهنا تبدو لنا صحة قول فن ايرن [الأرض هي القوم] وقول رنان في كيف تتكوّن الأمّة ((أنظر قول رنان )) والفرق الواضح بين المجتمع الطّبيعيّ القوميّ والمجتمع المصطنع السّياسيّ. وويدال دلابلاش الّذي أشرت مراراً إلى مؤلّفه الهامّ في الجغرافية الإنسانية. يقول(231) [إنّ الظواهر الجغرافية الإنسانيّة (توزيع البشر) تنسب إلى الوحدة الأرضيّة الّتي لا يمكن تعليل تلك الظّواهر بدونها. إنّها (الظّواهر) تعزى، في كلّ مكان، إلى البيئة الّتي هي بدورها وليدة توافق حالات فيزيائيّة] وهو يوافق [لواصور] في أنّ سكّان أيّة بقعة كانت، يتألّفون من عدد معيّن من النّوى المذرورة المحاطة بمناطق مشتركة المركز تقلّ كثافتها في ابتعادها عن مركزها(232). فكلّ متّحد له مراكز تجمّع مشتركة تضعف عوامل الحياة وظواهرها وتقلّ كثافة السّكان كلّما ابتعدت عنها، فهي الكتل المغنطيسيّة الّتي تجذب ما حولها إليها.

ما أصدق هذا القول على سورية فهو يصدق عليها كما يصدق على فرنسا وعلى أيّ بلاد أخرى. خذ النّوى المذرورة في سورية، في التّاريخ القديم، تجد أنّها قد أصبحت كتلاً مغنطيسيّة قويّة كدمشق وبغداد [بابل] وأورفة (اديسه) وحمس وحلب وبيروت والقدس. ألا تقلّ كثافة السّكان ومظاهر الحياة كلّما ابتعدت عن القدس جنوباً وعن دمشق شرقاً وجنوباً حتّى تكاد تنعدم، ثمّ ألا تقلّ عن حلب شمالاً وشرقاً وماذا غرب بيروت ونطاق بغداد أليست حوافيه رقيقة ؟ أو ليست سورية كلّها تجمّعات صغيرة حول كتل مغنطيسيّة كبيرة ؟ ولو كانت القاهرة واقعة بين القدس ودمشق، مثلاً، أو بين القدس وقناة السّويس، وقرى مصر ومزارعها واقعة في شبه جزيرة سيناء وما حولهما بحيث يكون هنالك عمران واحد في بيئة واحدة، هي بيئة القطر السّوريّ، أكان في الإمكان حينئذ التّكلّم عن القطرين سورية ومصر ؟ وإنّ جفاف الإقليم بسبب محق الحرجات والغابات، الّذي ساعد الصّحراء على اقتحام التّخوم السّوريّة الجنوبيّة، وتجويف الصّحراء السّوريّة كاد يفصل بين الشّام والعراق أو بين شرق سورية وغربها لولا النّهران السّوريان العظيمان الفرات ودجلة اللّذان حفظا استمرار العمران السّوريّ وإمكانية تكاثره وتوثيق الحياة القوميّة ضمنه.

لا أمّة على الإطلاق بدون قطر معيّن محدود. أمّا ما ذهب إليه إسرائيل زنويل Israel Zangwill من أنّ الشّعب اليهوديّ تمكّن من الاحتفاظ بنفسه بدون بلاد(233)، فمن الأغلاط الاجتماعيّة الفاضحة. فاليهود قد احتفظوا بيهوديّتهم الجامدة من حيث هم مذهب دينيّ. وقد أكسبهم دينهم الشّخصيّ عصبيّة لا تلتبس بالعصبيّة القوميّة إلاّ على البسطاء والمتغرّضين. اليهود ليسوا أمّة أكثر ممّا هم سلالة (وهم ليسوا سلالة مطلقاً)، إنّهم كنيس وثقافة(234). لا يمكننا أن نسمّي اليهود أمّة أكثر مما يمكننا أنّ نسمّي المسلمين أمّة والمسيحيّين أمّة أو السنّيين أمّة والشّيعة أمّة والأرثوذكس والكاثوليك أمّة الخ. ولجميع هذه المذاهب عصبيّاتها وتقاليدها الّتي تتميّز بها.

الأمّة تجد أساسها، قبل كلّ شيء آخر، في وحدة أرضيّة معيّنة تتفاعل معها جماعة من النّاس وتشتبك وتتّحد ضمنها. ومتى تكوّنت الأمّة وأصبحت تشعر بشخصيّتها المكتسبة من إقليمها وموادّ غذائها وعمرانها ومن حياتها الاجتماعيّة الخاصّة وحصلت من جميع ذلك على مناعة القوميّة أصبحت قادرة على تكميل حدودها الطّبيعيّة أو تعديلها، على نسبة حيويّتها وسعة مواردها وممكناتها. وبقدر ما هي الحدود جوهريّة لصيانة المجتمع من تمدّد المجتمعات الأخرى القريبة منه كذلك هي، إلى درجة أعلى، طبيعة البيئة ومواردها. فالأمّة تكون قويّة أو ضعيفة، متقدّمة أو متأخّرة، على نسبة ممكنات بيئتها الاقتصاديّة ومقدرتها على الانتفاع بهذه الممكنات. وإنّ وجود موارد كافية لتأمين التّبادل الدّاخليّ ومعادلة التّبادل الخارجيّ، أو زيادة الصّادر على الوارد، هو من شروط البيئة الصّالحة لنشوء الأمّة. القطر والجماعة، وإن شئت فقل القطر الصّالح والقوم المؤهّلون، هذان هما العنصران الأساسيّان لنشوء الأمّة.

يعرّف منتشيني العنصر الثاني بوحدة الأصل (العرق) للجماعة، أمّا إيوانوف فيعرّفه بوحدة السّلالة. وفي هذين التّعريفين، على ما بهما من تشابه في المرمى، اختلاف قد لا يكون يسيراً، وهذا الاختلاف هو في اختيار إيوانوف لفظة السّلالة الّتي قد لا تخلو من مغزى في استثارة نعرة معيّنة. يمكن أن تتّفق هاتان اللّفظتان: الأصل والسّلالة، إذا عني بالسّلالة تعاقب أجيال شعب معيّن بصرف النّظر عن الحقائق الأنتربلوجيّة ــ الحيوانيّة (زولجيّة). فإنّ من المؤلّفين في السّلائل كمرتيله (Mortillet) من يميّز بين السّلالات التّاريخيّة والسّلالات الحيوانيّة الفيزيائيّة. وهذه نظرة تذهب إلى أنّ اختلاط سلالات أمّة معيّنة وتمازج نسلها قد يولّدان، على التّعاقب، سلالة فرعيّة أو ثنويّة، بحيث يصبح في الإمكان التّكلّم عن السّلالة السّوريّة والسّلالة الألمانيّة والسّلالة الإنقليزيّة. وقد ورد ذكر السّلالة السّوريّة على أقلام الكتّاب كما جرت على أقلامهم السّلالة الأنقلوسكسونيّة الّتي يسخر منها كثيراً ولز في مجتزأه التّاريخيّ. والفرنسيّون، الّذين ينتقدون الألمان كثيراً في مذهبهم السّلاليّ في القوميّة المؤسّس على نظريّة قوبنو وتشمبرلين الآريّة، يعتنقون هذا النّوع الفرعيّ من السّلالة فتقوم السّلالة التّاريخيّة لهم مقام السّلالة الفيزيائيّة. ومع أنّ هذه السّلالة قد تراوحت عندهم بين أن تكون فرنكيّة جرمانيّة أو جلالقيّة فهي قد رست على السّلالة الفرنسيّة الّتي تتّخذ الجلالقة أسلافاً لها، محافظة على الارتباط التّاريخيّ بين القوم والأرض.

الحقيقة أنّه ليس لأمّة من الأمم الحديثة أصل سلاليّ واحد، حتّى ولا أصل شعبيّ واحد، إذا أردنا أن نعود إلى الأصل الفيزيائيّ أو التاريخيّ. فلست أخال منتشيني يعتقد أن الطّليان من أصل سلاليّ واحد أو من أصل شعبي واحد. فإذا تتبعنا تاريخ تكوّن الأمّة الإيطاليّة كان الأصل الوحيد الثّابت الّذي نتمكّن دائماً من تقريره هو الأرض إيطاليا. أمّا الأصل الشّعبيّ فهو مشترك في عدّة أصول. فقد نشأت رومة من ثلاث قبائل وجدت نفسها محاطة بشعوب قويّة مختلفة اللّغات والثّقافات كالأتروريّين (الأترسكيّين) الّذين أخذ الرّومان عنهم فنونهم واللاّتين الّذين أخذوا عنهم لغتهم واللّوكانيّين واللّيقوريّين والجلالقة أمام الألب وغيرهم، ثمّ جاء فيما بعد اللّمبرديّون. ومن اختلاط هذه الشّعوب في إيطاليا نشأت الأمّة الإيطاليّة (لا الأمّة الرّومانيّة). وقد أشرنا إلى سلالات إيطاليا الأنتربلوجيّة ((أنظر تغير السلائل في الفصل الثاني)) وسواء أأخذنا السّلالات الإيطاليّة من الوجهة الأنتربلوجيّة أم من الوجهة التّاريخيّة، وجدناها غير موحّدة الأصل.

إنّ الأمّة من الوجهة السّلاليّة أو من وجهة الأصل، هي مركّب أو مزيج معيّن كالمركّبات الكيماويّة الّتي يتميّز كلّ مركّب منها بعناصره وبنسبة بعضها إلى البعض الآخر. وهذه الأمّة السّوريّة فأيّ أصل واحد لها ؟ أهو الأصل الكنعانيّ (الفينيقيّ) والكنعانيّون جاؤوا طبقة فوق طبقة أهل العصر الحجريّ، أم الأمّوريّ أم الحثيّ أم الآراميّ (الكلدانيّ) ؟ أو ليست سورية مزيجاً أو مركّباً معيّناً من هذه الشّعوب مضافاً إليها العرب بعد الإسلام وغيرهم. وإذا أخذنا الوجهة الأنتربلوجيّة من الأصل السّوريّ وجدنا أنّه كذلك مزيج من مفلطحي الرّؤوس ومعتدليها ومستطيليها كما أثبتت ذلك الأبحاث الأنتربلوجيّة(235) وكما سنسهب ذلك في الكتاب الثّاني. وقد رأينا أنّ فرنسا لا تختلف عن سورية وإيطاليا بهذا الصّدد. وإذا وجّهنا نظرنا إلى إنكلترا والجزر البريطانيّة عموماً فإنّنا نجد الحالة نفسها من المزيج. ففي إنكلترا وحدها شعبا [الإنكليز والسّكسون] ثمّ ما جاءهم من رومان ونرمان، وهؤلاء الأخيرون كان لهم التّأثير في تغيير لغة الإنكليز حتّى أصبحت لاتينيّة أكثر منها جرمانيّة، حتّى أنشد تنسون [من نرمان وسكسون ودنمركيّين نحن] وليس الأصل الإنكليزيّ سوى ما جعل شكسبير هنري الخامس يحثّ به جنوده:
Yeomen whose limbs were made in England
[الرّجال الّذين صنعت أعضاؤهم في إنقلترا] وماذا نقول في ألمانيا. أليست هي خليط من نحو ثلاث سلالات أنتربلوجيّة وتختلف أشكالها السّلاليّة في الشّمال والجنوب والوسط ، مع كلّ ما يحكى هنالك عن نقاوة الدّم الآريّ ؟ وهذه أميركا أمامنا، فأيّة وحدة سلاليّة، تاريخيّة أو أنتربلوجيّة لها ؟ أليست الولايات المتّحدة خليطاً من إنقليز وألمان وأرلنديين وطليان وسوريّين وفرنسيّين وأسوجيّين ؟ الخ. والبرازيل أيضاً هي خليط من برتغاليّين وسوريّين وألمان وطليان وزنوج وهنود أصليين وإسبان. وعلى هذا، قس أيّة أمّة أميركيّة أخرى. أكرّر أنّ الأصل الإنسانيّ الوحيد للأمّة هو وحدة الحياة على تعاقب الأجيال وهي الوحدة الّتي تتمّ دورتها ضمن القطر. المزيج المتجانس أصل كاف للأمّة وهذا المزيج هو ما يعبّر عنه أحياناً بلفظة السّلالة.

يضع منتشيني بعد وحدة الأصل وحدة العادات وإذا بحثنا عن مرادفها أو مقابلها في تعريف إيوانوف وجدنا التّقاليد، ولعلّ منتشيني يجعل العادات تشمل التّقاليد ولعلّ إيوانوف يجعل التّقاليد تشمل العادات، والفرق بين العادات والتّقاليد أنّ الأولى لا يجب أن تكون موروثة من الأجيال الماضية والثّانية وراثية في الأجيال. تتناول التّقاليد ما هو بمعنى الطّقس أو القانون غير المكتوب لما يكون لها من المساس بالحالات النّفسيّة العميقة وشؤون الحياة الهامّة كالزّواج وأحواله والمآتم وطريقة دفن الموتى ونظام العائلة، وهي لذلك أثبت وأصلب من العادات. فقد يجوز، في العرف، أن تترك عادة من العادات ولكنّ الخروج على التّقليد يعتبر تمرّداً وثورة. أمّا العادات فتتناول ما هو بمعنى الأزياء والتّصرّف في حالات وظروف معيّنة كحالات الأكل والشّراب واللّباس والمعاشرة والأعياد. فمن العادات عادة تقبيل الأيدي، مثلاً، وشرب قدح من العرق قبل الأكل وعادة التّقبيل عند الوداع أو اللّقاء وعادة السّلام والتّعارف والرّقص. وبالإجمال العادة تتعلّق، على الأكثر، بالذّوق وما هو مستحسن وما هو مكتسب في الحياة الجيّدة اليوميّة، والتّقليد يختصّ بما هو جوهريّ في الحياة الاجتماعيّة وما يتعلّق بالاعتقادات الخفيّة المتوارثة ومنها ما صار اعتقادات دينيّة أو نصف دينيّة. ولا ينفي ما قلته بشأن وراثيّة التّقاليد أن يكون هنالك عادات وراثيّة أيضاً، فإنّ من الأشياء الّتي تصبح مستحبّة ما يظلّ كذلك أجيالاً.

تنشأ التّقاليد من اختبارات الحياة والاعتقادات بشأنها وتنشأ العادات من ظروف الحياة واستحسان بعض أساليبها ورموزها. وهذا يعني أنّ التّقاليد والعادات تنشأ بعامل الاجتماع في المجتمع، فهي شأن من شؤون المجتمع ونتيجة من نتائجه أي إنّها ليست سبباً من أسبابه، كما يظنّ عادة بعض الدّارسين سطحيّاً، الّذين يتوهّمون أنّ توافق بعض عادات عند عدد من الأمم سبب يكفي لإلغاء واقع هذه الأمم والتّعويض عنه باستنتاج أمّة واحدة موهومة من عادات أو تقاليد معيّنة. فإنّ من التّقاليد والعادات ما هو مشترك بين عدّة أمم أو بين عدد كبير من الأمم، خصوصاً الأمم الّتي كانت قديماً قبائل أو شعوباً متجاورة كالشّعوب الساميّة. فإنّ هذه الشّعوب جميعها تشترك في تقاليد وعادات بعضها دينيّ وبعضها اجتماعيّ، ولكنّ هذه التّقاليد والعادات ليست كلّ تقاليدها وعاداتها موحّدة، بل إنّنا نجد لكلّ من هذه الأمم تقاليد وعادات خاصّة بها ناتجة عن اختباراتها الخاصّة الشّخصيّة وعن نموّ أذواقها بتفاعلها مع بيئتها وباتّصالها بالعالم الخارجيّ. ووحدة هذه التّقاليد والعادات الشّخصيّة، الّتي تظهر وجهاً من نفسيّة الأمّة في مجرى حياتها، هي العنصر الهامّ من عناصر وجود الأمّة.

كلّ أمّة تنشأ بعامل ارتباط جماعة من النّاس، مهما كانت تقاليدها وعاداتها ومهما كان مصدرها، ببقعة من الأرض لا بدّ من أن تكون في مجرى حياتها تقاليد جديدة وعادات جديدة. فالتّقاليد مع أنّها وراثيّة، تنشأ وتندثر بعامل الحياة لتحلّ محلّها تقاليد جديدة وكذلك العادات وهي أسرع تبدّلاً من التّقاليد. كلّ ارتقاء في أمّة يحدث تعديلاً في التّقاليد والعادات. والأمّة الّتي تتحجّر تقاليدها وعاداتها تكون هي نفسها في حالة تحجّر. هكذا الصّين، مثلاً، فإنّ صلابة تقاليدها حرمتها التقدم بقدر ما فصلتها عن تقاليد العالم المتمدن. إن التقاليد تصبح في مثل هذه الحالة كالأغلال والقيود لا يمكن الأمّة أن تحيا حرّة إلاّ بتحطيمها. يجب أن تكون حياة الأمّة أقوى من تقاليدها وإلاّ قتلتها التّقاليد. التّقاليد والعادات تكسب حياة الأمّة لوناً خاصاً تتميّز به ولكنّها لا تكوّن الأمّة.

كلّ تطوّر ثقافيّ في أمّة من الأمم يولّد تقاليد جديدة. وشرط التّقاليد المميّزة الأمّة أن تكون متولّدة من حياة الأمّة. فهنالك تقاليد مشتركة بين عدد من الأمم ولكن ليست هذه التّقاليد هي الّتي تميّز الأمّة.

يشترك منتشيني وإيوانوف في اعتبار وحدة اللّغة عنصراً أساسيّاً في تكوين الأمّة. والحقيقة أنّ اللّغة (أيّة لغة كانت) من حيث هي وسيلة للتّخاطب والتّفاهم البشريّ في المجتمع هي من ضرورات الاجتماع الإنسانيّ الدّاخل فيه العقل والنّفس. وإنّ وسيلة من وسائل التفاهم ضروريّة أيضاً للتّجمهر الحيوانيّ الرّاقي كأصوات بعض الطّيور وتنبيهات بعض الحيوانات الصّوتيّة كنباح الكلاب وهريرها أو الصّامتة كإشعارات العثّ أو الذّئاب.

كلّ مجتمع يجب أن يكون له وسيلة أو وسائل، لغة أو لغات، لهجة أو لهجات يتخاطب بها أفراده ويتفاهمون ويتفاعل تفكيرهم وتزداد ثروتهم العلميّة. وهكذا نرى أنّ اللّغة وسيلة من وسائل قيام الاجتماع لا سبباً من أسبابه، إنّها أمر حادث بالاجتماع في الأصل لا إنّ الاجتماع أمر حادث باللّغة.

ثمّ إنّ اللّغة متى صارت لغة جماعة أو جماعات معيّنة أصبحت حاملة الميراث الأدبيّ الثّقافيّ لهذه الجماعة أو هذه الجماعات. وفي هذه الحقيقة يكمن سرّ أنّ اللّغة عنصر من عناصر الأمّة. فالأمّة من حيث هي متّحد اجتماعيّ ذو نوع من الحياة خاصّ به في بيئته لا بدّ لها من لغة واحدة تسهّل الحياة الواحدة وتؤمّن انتشار روحيّة واحدة تجمع آدابها وفنونها وعواملها النّفسيّة وأهدافها ومثلها العليا. ولا فرق بين أن تكون اللّغة الواحدة مختصّة بالأمّة الواحدة أو مشتركة بين عدد من الأمم، لأنّ الهامّ للأمّة في اللّغة هو ما تحمله من صور حياتها وحاجاتها النّفسية والماديّة وما هو من خصوصيّاتها، لا أشكال ألفاظها القاموسيّة. فليس الفرق عظيماً بين أن يكون اسم الباب [باباً] والحجر [حجراً] وأن يكون اسم الباب door أو porte أو Tuer واسم الحجر Stone أو Pierre أو Stein. وأن يعرف الإنسان أو القوم لغة لا تعبّر عن احتياجاته واشتياقاته كأن لا يعرفها. وبهذا المعنى فقط يجب أن يفهم قول بلنتشلي (Bluentschli): [متى استبدل المرء لغة جديدة بلغته خسر قوميّته] أي متى كانت اللّغة الجديدة لغة راقية غنيّة بأدبها الخاصّ حاملة مجاري نفسيّة وفكريّة قويّة تجرف معها النّفسيّات الجديدة الدّاخلية فيها. أمّا حيث تكون النّفسيّات الدّاخلية في لغة جديدة قويّة فإنّها تفعل في اللّغة وتكسبها من نفسيّاتها وتوجّهها في التّعبير عن احتياجاتها ومثلها العليا شأن السّوريّين في اللّغة العربيّة فإنّهم أخذوها من الفاتحين العرب ولكنهم نقلوا إلى هذه اللّغة علومهم وأدبهم ومجاري فكرهم فأصبحت اللّغة العربيّة لغتهم القوميّة تسيطر نفسيّتهم ومواهبهم فيها في بيئتهم وتجاوزها. وإنّ من الأسئلة الّتي تنبّه الفكر إلى هذه الحقيقة: ماذا كانت تكون الثّقافة العربيّة لولا ما نقله السّوريّون من السّريانيّة واليونانيّة إلى اللّغة العربيّة ؟.

لا يصحّ قول بلنتشلّي المشار إليه إلاّ في الأقوام الغافلة عن نفسها ووحدة اجتماعها أمّا الأقوام المتنبّهة الحيّة الوجدان القوميّ أو الاجتماعيّ فيمكنها أن تقبل لغة جديدة ولا تفقد خصائصها القوميّة الأخرى. وهذه إرلندة يعود إليها تنبّهها القوميّ وعصبيّتّها بعد قرون من سيطرة اللّغة الإنكليزيّة.

إنّ وحدة اللّغة لا تقرّر الأمّة ولكنّها ضروريّة لتماسك الأمّة. وحيث تتّخذ اللّغة أساساً للقوميّة يكون القصد من ذلك التّعبير عن حاجة التّوسع والامتداد، كما هي الحال في ألمانيا الّتي يلجأ مفكّروها أحياناً إلى وحدة السّلالة وأحياناً إلى وحدة اللّغة(236) لسدّ حاجاتها إلى التّوسّع ولضمّ أقليّاتها الدّاخلة في أمم أخرى تعمل على إذابتها.

وإنّ من أكبر الأغلاط تحديد الأمّة باللّغة. فليس عالم اللّغة العربيّة أمّة واحدة وليس عالم اللّغة الإنكليزيّة أو اللّغة الإسبانيّة أمّة واحدة. وكلّ أمّة من أمم هذين العالمين تنشئ أدبها الخاصّ الّذي يعالج حاجاتها ويظهر نفسيّتها وذوقها بلغة هي مشترك بينها وبين غيرها. وبعض الجماعات لا تفتقر إلى لغة واحدة لتكوين أمّة. فهذه سويسرا يطلق عليها كلّ ما يطلق على الأمّة إلاّ وحدة اللّغة ولكنّها بدون لغة واحدة تظلّ ضعيفة الوحدة الرّوحيّة، قابلة للتّفسّخ بعامل التّأثيرات الثّقافيّة الّتي تمتدّ إليها بواسطة لغاتها المتعدّدة المتّصلة وراء الحدود بأمم عظيمة ذات مراكز ثقل ضخمة وجاذبيات قويّة.

إنّه ضروريّ أن تتكلّم الأمّة لغة واحدة وليس ضروريّاً أن تنفرد بهذه اللّغة. على أنّ أهمّ ما في اللّغة للأمّة الأدب الّذي تنشئه هذه الأمّة ليعبّر عن روحيّتها ويحفظ روحيّتها ومثلها العليا.

يزيد إيوانوف على عناصر منتشيني عناصر منها الدّين فهو يرى الدّين لازماً للشّخصيّة القوميّة ومن صفاتها الأساسيّة وما يقصده من الدّين هو الاعتقاد الدّينيّ الواحد العامّ في المتّحد الاجتماعيّ.

ممّا لا شكّ فيه أنّ الدّين ظاهرة نفسّية عظيمة الخطورة من ظواهر الاجتماع البشريّ. إنّه ظاهرة قد نشأت وارتقت بعامل تطوّر الإنسانيّة نحو سيطرة النّفس وحاجاتها في شؤون الحياة. وهو قد تطوّر مع تطوّر البشريّة ولن ينّفكّ يتطوّر بتطوّرها. ولكنّ تطوّره بطيء جدّاً وفي هذا البطء سرّ خطورته.

إذا مثّل الدّين وحدة العقيدة في شعب كان من العوامل على تقوية التّجانس الدّاخليّ الرّوحيّ فيه. وكلّما كان الشّعب متأخّراً في الارتقاء الفكريّ الفلسفيّ كلّما كان الدّين أفعل في السّيطرة على العقليّة.

الحقيقة أنّ الدّين في أصله لا قوميّ ومناف للقوميّة وتكوين الأمّة، لأنّه إنسانيّ ذو صبغة عالميّة. ففي التّعاليم الدّينيّة، المسيحيّ أخو المسيحيّ باعتبار المسيحيّين جماعة واحدة، والمسلم المحمّديّ أخو المسلم المحمّديّ باعتبار المسلمين المحمّديّين جماعة واحدة. ورابطة المسيحيّين دم الفادي وتعاليمه ورابطة المسلمين المحمّديّين القرآن المنزل. وكلّ دين إلهيّ في العالم يزعم أنّه للعالم كلّه لا فرق بين سوريّه وإغريقيّه ويسعى لتوحيد العالم تحت ظلّه.

ولكنّ الدّين، إلهيّاً كان أو غير إلهيّ، لم يشذّ عن قواعد الشّؤون الإنسانيّة ولم يخرج على مقتضيات أنواع الحياة البشريّة وحاجاتها المتباينة أو المتقاربة. فحيثما تضاربت مصلحة المجتمع، الدّولة أو الأمّة، ومصلحة الدّين كانت مصلحة المجتمع هي الفاصل في النّزاع. هكذا أخذت السّور القرآنيّة المدنيّة تتطوّر لتوافق حاجة الجماعة فصارت جهاداً وتشريعاً، بينما كانت السّور المكّيّة فكراً متسامياً إلى [الله] وروحاً متجرّدة من الأصنام والدّنيويّات. وهكذا صارت تعاليم لوتر المصلح وسيلة لتحرّر ألمانيا من ربقة رومة. والكنيسة الأنقليكانيّة (الإنقليزيّة) الّتي أنشئت وأزيلت ثمّ أعيدت لتفي بغرض المجتمع الإنقليزيّ فظلّت في طقوسها كأنّها كاثوليكيّة أو أرثوذكسيّة ولكنّها استقلّت عن هذين المذهبين.

إنّ الدّين واحد ولكنّ الأمم متعدّدة. وفي احتكاك الأمم بالأمم تتمسّك كلّ واحدة بكلّ عقيدة أو بأية عقيدة، سواء أكانت دينيّة أو غير دينيّة، لتحافظ على استقلالها الرّوحيّ فلا تخضع لأمّة أخرى بواسطة السّلطة الرّوحيّة الدّينيّة ولذلك ظلّت إسكتلندة كاثوليكيّة لكي تحتفظ بشخصيّتها القوميّة فلا تذوب في إنقلترا، وما يقال في إسكتلندة يقال في إيرلندا. وهكذا لجأ الفرس إلى الشيعة ليحدثوا انقساماً يتخلّصون فيه من سيطرة سورية الأمويّة وليستعيدوا استقلالهم ونفوذهم الرّوحيّين والماديّين، لتصبح السّيطرة فيهم، وتمسّكت سورية بالسّنة لكي لا تخضع للفرس.

أمّا الدّين من الوجهة العقليّة فهو نوع من أنواع الفلسفة في تعليل مظاهر الكون وتقدير نهايته ومصير النفّس البشريّة. ومع أنّ جميع الأديان الكبرى تجمع على فكرة أساسيّة واحدة، هي فكرة اللّه وخلود النّفس والعقاب والثّواب فهي تختلف في جزئيّات تتعلّق بالمناقب والأخلاق بالنّسبة إلى البيئة الّتي ينشأ فيها كلّ دين وحاجة الحياة لتلك البيئة. ثمّ تأتي المذاهب والشّيع لتعدّل الدّين من هذه الوجهة ليلائم حاجات ومصالح مجتمع خاصّ أو مجتمعات خاصّة ونحن نعتقد أنّ إيوانوف قصد المذهب حين قال الدّين فجعل المذهب ديناً قائماً بذاته وهو من باب تسمية الجزء بالكلّ أو الفرع بالأصل.

إنّ في المجتمعات الإنسانيّة نزعة إلى إكساب العقائد العامّة صبغات وألواناً وأذواقاً من خصوصيّات شخصيّاتها. فكلّ مجتمع يحبّ أن يرى نفسيّته وشؤونه الخصوصيّة في معتقداته ومذاهبه، أي أن يطبع المذهب العامّ أو المشترك بطابع شخصيّ. فالمجتمع الرّوسيّ، مثلاً، قد أدخل في الأرثوذكسيّة الشيء الكثير من شخصيّته وخصوصيّاته الاجتماعيّة، فالتّرانيم والأجواق الكنسيّة وتقبيل الأقارب والأحباب ثلاثاً، والأعياد ومظاهرها القوميّة، هذه الأشياء الثّانويّة بالنّسبة إلى الاعتقاد باللّه والخلود والمسيح لها الشأن الأوّل في نفسيّة المجتمع وهي هذه الأشياء الّتي لها قيمة قوميّة في حياة المجتمع، أشياء تقليديّة صبغ المجتمع الدّين بها فأصبحت تقاليد دينيّة قوميّة.

أرادت الجامعة الدّينية أن تحول دون نشوء الأمم ولكنّ الأمم عدّلت الدّين ليوافق نزعاتها القوميّة. وبهذا المعنى صار الدّين ويصير عنصراً من عناصر القوميّة. وفي الأمم، الّتي تتعدّد فيها الأديان أو المذاهب تكون القوميّة الدّين الجامع ويعود الدّين إلى صبغته العامّة وعقائده الأساسيّة المتعلّقة بما وراء المادة.

إنّ شرط كون الدّين عنصراً قوميّاً أن لا يتضارب مع وحدة الأمّة ونشوء روحها القوميّة فإذا فقد هذا الشّرط زالت عنه صبغته القوميّة وعادت له طبيعته العامّة.

ومن العناصر الّتي يعدّدها إيوانوف الوحدة السّياسيّة والتّاريخ والأدب وطريقة الحياة والمظاهر الثّقافيّة العامّة. أمّا الوحدة السّياسيّة فهي التّاج الّذي تتوّج به الأمّة نفسها وتحصل به على اعتراف الأمم الأخرى بحقّها في الحياة وكرامتها الشّخصيّة. ولكنّ الوحدة السّياسيّة ليست شرطاً للأمّة ولا عنصراً من عناصرها ولكنّها ضرورة من ضرورات الأمّة ليكون لكيانها الاجتماعيّ ــ الاقتصاديّ قيمة حيويّة عمليّة. كلّ أمة تتجه بطبيعة وجودها إلى إنشاء دولة تضمن لها سيادتها وحقوقها الأنترنسيونيّة.

وأمّا التّاريخ فهو سجل مجرى حياة الأمّة، وخطورته هي في القوميّة، في روحيّة الأمّة ووجدانها، لا في الأمّة بعينها فإنّ ذكريات ما قامت به الأمّة وما عانته تقوّي الوجدان القوميّ. ووحدة الأمّة هي الّتي تعيّن التّاريخ القوميّ. فلولا ما حدث من وحدة الإغريق بعد الإسكندر لظلّ تاريخ الإغريق تواريخ أثينا وإسبرطة وطيبة ومكدونيا أو تواريخ الدّوريّين واليونانين والهلينيين الخ.

وأمّا الأدب فقد ذكرناه في باب اللّغة(237).

وأمّا طريقة الحياة فمن مميّزات الأمّة النّاشئة في بيئة معيّنة تقدّم إمكانيّات معيّنة من زراعة وصناعة وسلك بحار وتجارة وتفصيلها في باب العادات والتّقاليد.

وأمّا المظاهر الثّقافيّة العموميّة فتشمل جميع ما ذكر من لغة ودين وعادات وتقاليد وتاريخ وأدب وهي كلّها من مظاهر المتّحد الاجتماعيّ الأتمّ الّذي هو الأمّة.

ومع أنّ تفصيل المظاهر الثّقافيّة قد مرّ معنا فيحسن بنا أن نعرض هنا لشيء أدقّ من المظاهر الثّقافيّة ولم يذكره إيوانوف ولا منتشيني ولكنّ الكتّاب الاجتماعيّين يوردونه في أدلّتهم على الأمّة وهو الثّقافة أو وحدة الثّقافة. والثّقافة هنا بمعنى Culture وهي مجمل العلوم والفلسفات الّتي تتناول الحياة وما له علاقة بها، وما يحصل من ذلك من مستوى عقليّ واتّجاهات فكريّة واعتقادات مناقبيّة وإدراك للشّؤون النّفسيّة والمادّيّة.

الحقيقة أنّ طبيعة الثّقافة عامّة كطبيعة الدّين. وإنّما قد مرّ على العالم أدوار ثقافيّة سمّي كلّ دور منها باسم الشّعب الّذي قام به أو اللّغة الّتي كانت واسطته. فإذا تكلّمنا عن الثّقافة السّوريّة عنينا بها الدّور الذّي قام به السّوريون في ترقية الثّقافة العامّة وهو دور الجمع بين الزّرع والغرس وسلك البحار والتّجارة وإنشاء الحروف الهجائيّة والدّولة المدنيّة وخصوصاً العناصر الأربعة الأخيرة، كما تقدّم معنا آنفاً. وإذا تكلّمنا عن الثّقافة الإغريقيّة عنينا بها الفلسفة والفنّ اللّذين أنشأهما الإغريق وأعطوهما للعالم. وإذا تكلّمنا عن الثّقافة العربيّة عنينا بها ترقية العلوم التي اشتركت فيها العناصر الداخلة في نطاق اللغة العربية، كالحساب والهندسة والطّبّ والكيمياء. وإذا تكلمنا عن الثقافة الحيّة كلّها مع الاحتفاظ بالألوان أو الصبغات القومية لبعض نواحي الثّقافة.

إذن، ليست الثّقافة شيئاً خاصّاً، بل شيئاً عامّاً يتفاوت في الدّرجات بين الأقوام. فالسّوريّون والإنقليز والألمان والفرنسيّون والمصريّون وجميع الأقوام المتمدّنة يشتركون في ثقافة واحدة عامّة دورها هو الدّور العصريّ. ولكنّ كلّ أمّة من هذه الأمم تحتفظ لنفسها بإسلوبها الأدبيّ أو الفنيّ الخاصّ في ما تعطيه لهذه الّثقافة. ويجوز أن يكون لكلّ أمّة بعض مظاهر ثقافيّة خاصّة.

إذن لا تعيّن الثّقافة الأمّة ولكنّ الثّقافة تكون فارقاً بين أمم وأمم. والسّبب في هذا الفارق اقتصاديّ جغرافيّ قبل كلّ شيء، حيثما وجدت المؤهّلات الرّوحيّة.

بقي في تحديد منتشيني عبارة قويّة هي كون الأمّة مجتمعاً طبيعيّاً من أبرز صفاته خضوعه للاتّحاد في الحياة والوجدان الاجتماعيّ.

هذه هي نقطة الابتداء الحقيقيّة الأساسيّة لوجود الأمّة ولتعريف الأمّة. شرط المجتمع، ليكون مجتمعاً طبيعيّاً أن يكون خاضعاً للاتّحاد في الحياة والوجدان الاجتماعيّ، أي أن تجري فيه حياة واحدة ذات دورة اجتماعيّة اقتصاديّة واحدة تشمل المجموع كلّه وتنبّه فيه الوجدان الاجتماعيّ، أي الشّعور بوحدة الحياة ووحدة المصير فتتكوّن من هذا الشّعور الشّخصيّة الاجتماعيّة بمصالحها وإرادتها وحقوقها.

كلّ ميزة من ميزات الأمّة أو صفة من صفاتها تابعة لمبدأ الاتّحاد في الحياة الّذي منه تنشأ التّقاليد والعادات واللّغة والأدب والدّين والتّاريخ ((أنظر تحديد المتحد)).

الأمّة متّحد اجتماعيّ أو مجتمع طبيعيّ من النّاس قبل كلّ شيء آخر. وكلّ ما مرّ آنفاً من العناصر هي أوصاف للأمّة ناشئة من مجرى حياتها وتاريخها وهي قابلة التّطوّر والتّكيّف، فقد تتعاقب الأديان ويتحوّل الأدب وتتبدّل العادات وتتعدّل التّقاليد وترتقي الثّقافة في أمّة من الأمم من غير أن يشوب سنّة نشوء الأمم شائبة ومن غير أن ينتفي وجود الأمّة، إلى أن تزول الأمم والقوميّات من الوجود ويصبح العالم كلّه متّحداً اجتماعيّاً واحداً لا تفصل بينه فواصل أرضيّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة.

لقد عرّفنا المتّحد الاجتماعيّ في مكان آخر ((أنظر تحديد المتّحد)) فراجعه هناك. وممّا مرّ في بحثنا في تعريف الأمّة وعناصرها يمكننا أن نستخلص قاعدة عامّة لتعريف الأمّة تعريفاً غير خاضع لتأثير واحد معيّن من تاريخ أو أدب وهي:
الأمّة جماعة من البشر تحيا حياة موحّدة المصالح، موحّدة المصير، موحّدة العوامل النّفسيّة ــ الماديّة في قطر معيّن يكسبها تفاعلها معه، في مجرى التّطوّر، خصائص ومزايا تميّزها عن غيرها من الجماعات.

الإثم الكنعانيّ:
ما دمنا قد بلغنا حدّ الوجدان القوميّ الّذي هو أبرز الظّواهر الاجتماعيّة العامّة العصريّة فقد بلغنا هذا الدّين الاجتماعيّ الخصوصيّ الّذي أعطى الكنعانيّون فكرته الأساسيّة للعالم ونعت في بعض الظّروف بالخديعة الكنعانيّة(238) أو الإثم الكنعانيّ.

ومن الهامّ جداً للعلم الاجتماعيّ أن نستقصي سبب نسبة الرّابطة القوميّة المؤسّسة على فكرة الوطن إلى السّوريّين الكنعانيّين، لأنّ هذا الاستقصاء يساعدنا على فهم هذه الرّابطة الرّوحيّة المتينة. ولا بدّ لنا من الاعتراف بأنّنا لم نقف في ما طالعناه من كتب التّاريخ والاجتماع على سوى هذه الإشارة السّريعة إلى أصل الوطنيّة الكنعانيّ ومع ذلك فلن يصعب علينا اكتشاف السّبب بدرس أحوال الكنعانيّين الاجتماعيّة والسّياسيّة.

إنّ الكنعانيّين، من بين جميع شعوب التّاريخ القديم، كانوا أوّل شعب تمشّى على قاعدة محبّة الوطن والارتباط الاجتماعيّ وفاقاً للوجدان القوميّ، للشّعور بوحدة الحياة ووحدة المصير، فارتحلت جماعة منهم من حوالي البحر الميت إلى الشّمال الغربيّ ونزلت على السّاحل أمام لبنان وعرفت في التّاريخ باسم الفينيقيّين(239) الذي أصبح أشهر من اسم كنعان ولكنّها ظلّت محافظة على نسبها الكنعانيّ فظلّ الفينيقيّون يسمّون أنفسهم كنعانيّين.

أنشأ الفينيقيّون (الكنعانيّون) الدّولة المدنيّة فكانت طرازاً جرى عليه الإغريق والرّومان. ومع ما نشأ عندهم من الدّول فإنّهم لم يتحاربوا وظلّوا محافظين على صفة الشّعب الواحد المتضامن في الحياة وكانت زعامة فينيقية تنتقل من مدينة إلى مدينة، من دولة إلى دولة بعامل التّقدّم والكبر وازدياد المصالح والنّفوذ كانتقال الزّعامة من مدينة صيدا إلى مدينة صور الّتي أسّست أوّل إمبراطورية بحريّة في التّاريخ.

وباكراً أسّس الفينيقيّون الملكيّة الانتخابيّة وجعلوا الملك منتخباً لمدّة الحياة فسبقوا كلّ الشّعوب والدّول التاريخيّة إلى تأسيس الدّولة الدّيمقراطيّة. وما الدّولة الدّيمقراطيّة سوى دولة الشّعب أو دولة الأمّة. هي الدّولة القوميّة المنبثقة من إرادة المجتمع الشّاعر بوجوده وكيانه.

وإنّ المحافظة على الرّباط الوطنيّ القوميّ عند الفينيقيّين ظلّ ملازماً لهم في انتشارهم في طول البحر السّوريّ وعرضه وفي المستعمرات والإمبراطوريات الّتي أنشأوها فظلّت الحقوق المدنيّة في الزّواج والاختلاط وجميع المظاهر الاجتماعيّة والثّقافيّة واحدة لهم جميعاً ولم يكن هنالك استثناء إلاّ في الحقوق السّياسيّة.

ومع أنّ الفينيقيّين (الكنعانيّين) أنشأوا الإمبراطورية البحريّة فإنّ انتشارهم كان انتشاراً قوميّاً بإنشاء جاليات استعماريّة تظلّ مرتبطة بالأرض الأمّ وتتضامن معها في السّرّاء والضّرّاء. كان انتشارهم انتشار قوم أكثر منه اتّساع دولة. وإنّ هذا الانتشار مع بقاء الاشتراك في الحياة بالرّوابط الوطنيّة والدّمويّة والاجتماعيّة كان الظّاهرة القوميّة الأولى في العالم الّتي إليها يعود الفضل في نشر المدنيّة في البحر السّوريّ والّتي خبت نارها قبل أن تكتمل بما هبّ عليها من حملات البرابرة الإغريق والرومان. ومن دلائل هذه الظاهرة الّتي امتاز بها الكنعانيّون أنّهم لم يدخلوا الأقوام الغريبة الّتي أخضعوها بالفتح كاللّيبيين والإسبان القدماء (الأيبريين) في نظام حقوقهم المدنيّة والسّياسيّة. ومع أنّ ذلك كان من مصادر ضعفهم تجاه تقدّم رومة فإنّه كان دليلاً على روحهم القوميّة ومحافظتهم على وحدة مجتمعهم.

القوميّة، إذن، هي يقظة الأمّة وتنبّهها لوحدة حياتها ولشخصيّتها ومميّزاتها ولوحدة مصيرها. إنّها عصبيّة الأمّة. وقد تلتبس أحياناً بالوطنيّة الّتي هي محبّة الوطن، لأنّ الوطنيّة من القوميّة ولأن الوطن أقوى عامل من عوامل نشوء الأمّة وأهمّ عنصر من عناصرها. إنّها الوجدان العميق الحيّ الفاهم الخير العامّ، المولّد محبّة الوطن والتّعاون الدّاخليّ بالنّظر لدفع الأخطار الّتي قد تحدق بالأمّة ولتوسيع مواردها، الموجد الشّعور بوحدة المصالح الحيويّة والنّفسيّة، المريد استمرار الحياة واستجادة الحياة بالتّعصّب لهذه الحياة الجامعة الّتي يعني فلاحها فلاح المجموع وخذلانها خذلانه.

القوميّة هي الرّوحيّة الواحدة أو الشّعور الواحد المنبثق من الأمّة، من وحدة الحياة في مجرى الزّمان. ليست القوميّة مجرّد عصبيّة هوجاء أو نعرة متولّدة من اعتقادات أوّليّة أو دينيّة. إنّها ليست نوعاً من الطّوطميّة، أو نعرة دمويّة سلاليّة، بل شعور خفيّ صادق وعواطف حيّة وحنوّ وثيق على الحياة التي عهدها الإنسان. إنّها عوامل نفسيّة منبثقة من روابط الحياة الاجتماعيّة الموروثة والمعهودة، قد تطغي عليها، في ضعف تنبّهها، زعازع الدّعاوات والاعتقادات السّياسيّة، ولكنّها لا تلبث أن تستيقظ في سكون اللّيل وساعات التّأمل والنّجوى أو في خطرات الإنسان في بريّة وطنه أو متى تذكّر برّيّة وطنه.

وإنّ الوطن وبريّته، حيث فتح المرء عينيه للنّور وورث مزاج الطّبيعة وتعلّقت حياته بأسبابها، هما أقوى عناصر هذه الظّاهرة النّفسيّة الاجتماعيّة الّتي هي القوميّة. ماذا تعني القوميّة للسّويسريّ إذا أزلت جبال الألب وبحيراتها ؟ وماذا تعني القوميّة للفرنسيّ إذا اختفت سهول فرنسا وتحوّلت أنهرها عن مجاريها ؟.

والسّوريّ هل يخفق قلبه لجبال الألب أو لصحاري بلاد العرب على ما فيها من مشاهد جميلة ؟ أليست سورية هي الّتي ترتاح إليها نفسه ويحنّ إليها فؤاده إذا غاب عنها ؟.

إنّ شاعراً سورياً مهاجراً ظنّ أنّه قد وجد قوميّته في الدّعوة السّياسيّة ــ الدّينيّة إلى الإمبراطورية العربيّة أو الوحدة العربيّة أو إعادة مجد العرب. ولكنّه، في ساعة سعيدة من ساعات يقظته النّفسيّة، تنبّه شعوره الدّاخليّ المجرّد عن العوامل السّياسيّة فأدركه الحنين إلى الوطن. على أنّ هذا الحنين لم يكن إلى وطن لا عهد له به، إلى الصّحراء أو مصر أو المغرب، بل إلى سورية. هو الشّاعر الياس فرحات فانظر كيف تتدفّق عواطفه الصّادقة وشعوره السّليم الفطريّ:
نازح أقعده وجـــد مقيم في الحشا بين خمود واتّقاد
كلّما افترّ له البدر الوسيم عضّه الحــزن بأنياب حداد
يذكر العـــهد القديم فينـــــادي
أين جنّات النّعـــيم من بلادي
زانها المبدع بالفــنّ الرّفيع منصفاً بين الرّوابي والبطـاح
ملقياً من نسج أبكار الرّبيع فوق أكتاف الرّبى أبهى وشاح
حبّذا راعــي القطيع في المراح
ينشـــد اللّحن البديع للصّبـــــاح
موطني يمتدّ من بحر المياه ممعناً شرقاً إلى بحر الرّمال
بين طوروس وبين التّيه تاه بجمال فائق حدّ الجمــال
ذكره يغري فتاه بالمعــالي
أنا لا أبغي سواه فهو مالي

وأيّ سوريّ لا يشعر بهزّة نفسيّة حين يقرأ قصيدة [ربّ صن سورية] لأمين تقي الدّين وبأنّ في هذا المقطع روعة الحقيقة:
يا بلادي نعشي غداً سيســير فتغطّيه من ربــاك الزّهور
ومتى حثّ بي لقبري المسير فلنعشي على الأكفّ صرير

كلّ معناه : ربّ صن سورية

وهنالك شاعر سوريّ آخر كبير هو سليمان البستانيّ مترجم الإلياذة. هذا الشّاعر اغترب وساح كثيراً وأدركته أوصاب الهرم فذهب يستشفي في سويسرة الجميلة. ولكنّ سويسرة لا ترتبط بحياته فهو لا يرى فيها صور نفسيّته ومزاجه وروابط حياته وروحيّته. تأمّل حنينه إلى سورية ومقابلته بين تلول لبنان وجوّه وجبال الألب وهواء سويسرة.
أفق ولو حيناً قبيل الرّحيل لم يبق من صحوك إلاّ القليل

أفق فذي شمسك رأد الأصيل

إن آذنت بالعـبور عمّ الظلام
ونمت عاري الشّعور بين النّيام
وفاتك الحسّ وسمع الكلام والمنطق العذب ومرأى الجميل