حافظ الأسد وامريكا:سياسة فقع المثانة




    الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وصف الرئيس حافظ الأسد: (رجل قاسٍ لكنه ذكي جداً). جاء ذلك عقب لقائهما في جنيف 1994. وقال: (لن يتحقق سلام في الشرق الأوسط إلا إذا وافقت سوريا). ويتابع: (حاولتُ وبشدة اقناع الأسد بزيارة إسرائيل كما فعل السادات، لكنني وجدتُ أنه لن يقتنعَ أبداً… بسبب اشتداد مرضه، كان همّه الوحيد؛ إعادة الجولان قبل وفاته.). هذا الحديث من مذكرات بيل كلينتون، حيث أضاف: (أهديتُ الأسد ربطة عنق زرقاء عليها صورة أسد، فهم ما أقصدهُ وقبلها مبتسماً، وكنت أعني بها الإبقاء على شريط حول بحيرة طبريا تسيطر عليه إسرائيل، وستعود الجولان كاملة لسوريا…  لكن الأسد قال لي بحزم: أريدُ أن أجلس على طرف طبريا وألمس ماءها بقدميّ).


    ثعلب السياسة الأمريكية هنري كيسنجر الذي قال في مذكراته عن لقائه الأول بالرئيس حافظ الأسد: (فردتُ عضلاتي الثقافية والسياسية أمام الرئيس حافظ الأسد، ورحتُ أستعرض أحداثاً تاريخية وسياسية لساعتين، والرئيس يصغي بكل اهتمام ودون أن ينبس بكلمة، عندما انتهيت؛ أعطاني محاضرةً استمرت حتى الخامسة صباحاً…)… يتابع: (نعم، لقد كان هذا أوَّل درسٍ تلقيتهُ من الأسد). دامت المفاوضات بين الأسد وكيسنجر 136 ساعة، في 12 لقاء خلال شهرٍ واحد، قال عنها كيسنجر: (كلما اعتقدتُ أننا وصلنا لنهاية الجلسة، يعودُ الأسد في الحديث إلى نقطة الصفر… استطاع الأسد بهذا الأسلوب فرض نفوذه على حساب أيامٍ من القلقِ والتَّوتُّر التي عِشتُها).
    جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركية السابق، ذكر في مذكراته عام 1999، (المذكرات، الطبعة العربية، ص621 و 622).‏‏ عن جلسات تفاوض شاقة جمعتهُ بالرئيس الأسد، ابتدأت بتاريخ 14 أيلول 1990، حتى 23 نيسان 1991، يذكر التالي: (على مدى أحد عشر اجتماعاً أدركتُ أن الأسد رجل يلتزم بكلمته، رجلٌ شديد البأس والصلابة، إذا توصلت معه إلى اتفاق ما، يلتزم به حرفياً، ولكن المشكلة تكمن في أن كل كلمة تأخذها منه تحتاج إلى معركة أعصاب واجتماعات مطولة، تستغرق ساعاتٍ عديدة دون انقطاع، خاصة أن الأسد لا يظهر أي لين على الإطلاق في مسألة الأرض، ومساندة الكفاح الفلسطيني المسلح ضد الاحتلال الاسرائيلي”.

 
الأسد جعلني أرفعُ الراية البيضاء

يذكر جيمس بيكر ما حدث معه في جلسة 23 نيسان 1991، خلال اجتماعه بالرئيس حافظ الأسد، حيث كان برفقته السفير الأميركي بدمشق إدوارد دجرجيان: “كانت تلك أصعب وأشق مفاوضات أجريها على الإطلاق، ووجدتُ أنّ مفاوضاتي الطويلة مع السوفييت للحد من التسلح أسهل بكثير. استغرق الاجتماع مع الأسد تسع ساعات وستاً وأربعين دقيقة دون انقطاع، في غرفة خانقة لا تطاق، لا يسري فيها سوى النذر اليسير من الهواء المكيف، بنوافذ مغلقة بستائر سميكة زيتونية اللون، وبعد مرور ست ساعات على بدء الاجتماع، ألحَّ نداء الطبيعة على السفير الأمريكي بدمشق إدوارد دجرجيان. بينما الأسد يٌسهبُ في حديثه المطول حول اتفاقية سايكس بيكو، وآثارها السيئة في المنطقة. ازداد موقف السفير حرجاً، فكتبَ لي على قصاصة ورقية، ظننتُ أنه يريدني أن أثير قضية سياسية أمام الأسد، ففاجأني بجملة “هل يمكنني الذهاب إلى دورة المياه؟”.

يبدو أن السفير لم يكن وحدهُ بوضع حرج، إذ يتابع جيمس بيكر حديثه بالقول: “كانت كليتاي تعملان بنشاط يستعصي تفسيره، لكنني طلبتُ من الأسد الإذن بخروج السفير بحجة أنه يريد إجراء مكالمة هاتفية ضرورية. رمقني بنظرة انزعاج، ثم أومأ إلى وزير الخارجية السوري، فخرج السفير، وأثناء غيابه كشفتُ للأسد سبب خروجه، فانفجر الأسد ضاحكاً. بعد عودة دجرجيان تظاهرنا بأننا لا نعرف شيئاً.‏‏”

استسلام بيكر: (بعد أكثر من ساعة، سحبتُ منديلاً أبيض اللون ولوحت به للأسد، وأعلنت استسلامي، وقلتُ: عليَّ أن أذهب إلى الحَّمام…).  

ينهي جيمس بيكر حديثه عن تلك الجلسة بالقول: (هكذا كانت مباحثاتي لمدة 63 ساعة مع الأسد، إنها سياسة فقع المثانة).

يتابع بيكر وصف سياسة فقع المثانة التي يتبعها الأسد، فيقول: (كانت جلسات التفاوض مخططة بدقة عالية من جانب الأسد، وتتطلب مني أقصى درجات التحمل، فالأسد صاحب عزيمة قوية وشديد الصلابة. كنّا نجلس دوماً متجاورين على مقعدين كبيرين، فأحسّ بأنني قزمٌ وأمامي أبو الهول. كان يجلس بهدوء مريب؛ قدماه ملتصقتان بالأرض، وركبتاه مضمومتان، ويداه معقودتان في حجره، ولا يغيّر هذا الوضع على الإطلاق… أما أنا فبعد كل لقاء كنتُ أحتاج لجلسة مساجٍ وتدليك، هو يجلس إلى يساري بزاوية 90 درجة، وعليّ الالتفاف نحو  مما يصيب رقبتي بالتشنج، الغريب أنَ الأسد لا يبدي أدنى قدر من عدم الارتياح. ويبدو أن هذه الجلسات المجهدة هي أسلوب تفاوضي مدروس لمحاولة الفوز عن طريق الإجهاد.)

يختم جيمس بيكر حديثه بالقول: (حافظ الأسد أصعب مفاوض قابلته في حياتي الدبلوماسية الطويلة، فهو شخصية ذات إرادة قوية ودهاءٍ شديد، وصلابة عظيمة في الدفاع عن مصالح بلده وأمته، يفرض عليك احترامه، سواء اختلفت معه أو اتفقت.)