رسول حمزاتوف:قصائد ومقاطع

* يكتب الشعراء القصائد ليحكوا للناس عن «انفسهم وعصرهم» وعن اعمق اضطرابات
الروح، وليبوحوا بأفكارهم ومشاعرهم. ربما يكون الشعراء اكثر الناس على الارض
سخاء، اذ يهبون اغلى ما يكنزون ويجلون: لقد صور لي الشعراء الروس ـ ابتداء من
بوشكين وانتهاء بتفارودفسكي ـ تاريخ ومصير روح روسيا. وكشف لي شيفجينكو
وريلسكي عن أوجاع وافراح أوكرانيا، وقص لي رستافيلي وليونيدز عن رقة وخشونة
جورجيا، واشعر بالامتنان الى اسحاق الارمني لأنه خلف لي الزرقة المرتعشة
لبحيرة سيفان والقمم الثلجية لجبل ارارات. وعندما زرت كاباردنيو ـ بالكاريا،
اخبرني كيسن كولييف قائلا: «قدمت لك المدخل الى البرس وجئتكم حيث ولدت».

لقد حمل الشعراء مختلف الاوطان والعصور الى قريتي الجبلية... سماء اسبانيا
وتربتها، وانغام ايطاليا والوانها، ونذور الهند وصلواتها، وحقيقة فرنسا
وجمالها.

محظوظ انا: فقد حمل الشعراء اليّ العالم كله، انا انسان الجبال المولود في
قرية تسادا النائية، في حين افتقد اجدادي ذلك قرونا عديدة، وحيث كان بمقدوري
سابقا ان اتحدث عن «داغستان بلدي» يمكنني الآن التكلم عن وطني روسيا وجورجيا،
وعن كوكبي الارضي. ان السخاء ـ الذي لا يحط من مكانة وحرية الشاعر ـ لا يسلبه
الخصب والقوة، بل على العكس فهو يعزز منعته واعتداده بنفسه، وبسالة روحه
ونبلها، وتعانق موهبة الشاعر ثروة وطنه الثقافية ليغدو ضياء لتربته، ومن
التراث العظيم الذي تسلمته من اجدادي ـ الشعراء النجوم في ارض وطني ـ وورثت
ثروة ضخمة الا وهي: داغستان.

ان محمود، وباثيراي، وأرجي كازاك، وأتم أمين، وسليمان ستانسكي، ووالدي حمزة
تساداسا، ومعلمي افندي كاييف والآخرين، قد خلفوا لي ولجيلي ارض داغستان
الرائعة، بالوانها وكلماتها واصواتها، وشعرها البطولي وقصائد الحب الغنائية
منها وحقيقتها وخيالها، وعالما رائعا فريدا من الايقاعات والصور.

هنالك قانون غير مكتوب لدى الافاريين، ينص على انه عندما يتكلم الكبار، ينصت
الشباب ويصغون، فكيف باستطاعتي، بعد هؤلاء الشعراء العظام ان اكتب عن بلادي؟

تستوجب العصور الجديدة قصائد جديدة. ويفترض ما استجد من احداث وعلاقات وافكار
وشعراء جدد ـ كمؤرخين وشهود عيان للسنوات الملتهبة، وكشعراء يحتفظون بافكار
ومشاعر خاصة، وبالرغم من ذلك، لا يتغير جوهر واساس الشعر. فالشاعر انسان
تربطه جذوره بشعبه، انسان يكرس حياته كليا الى ارضه وبلده، انسان يكون وزيرا
مطلق الصلاحية يتكلم نيابة عن وطنه امام العالم.

ليس الشعراء طيورا مهاجرة. فالشعر الذي لا يملك ارضا وتربة، وموقدا وبيتا،
شجرة مقطوعة الجذور، وطير من دون عش.

واعتقد ان من الطبيعي ان يهيمن موضوع داغستان على شعري، اني اتمنى اضافة شيء
ما ولو شطر واحد فقط الى الكنز الشعري لوطني، وارغب ان امنح كل امرئ هدية من
اغاني امي ومن حجر بيتي، ومن قريتي «تسادا»، حيث ولدت ومن ضفافها وجبالها،
ويستطيع كل شخص ان يهب ما يملك وما يعرف.

إذ سألت شعب الهضاب: «ما أروع شيء على الارض؟» سيجيب «الخطوة الرصينة التي
يخطوها الشاب الى الامام». واذا سألته ثانية: «ما أكثر الساعات بهجة؟» سيجيب:
«اللحظات الاولى التي يغني فيها الشاب اغنية جديدة لم يسمع بها احد من قبل».
وبدون هذه الخطوة واللحظات الاولى والاغنية، فالارض محزنة وقاحلة.

ولدت ونشأت في عائلة شاعر، وبدأت اقرض الشعر في سن مبكرة وما كتبته يبدو لي
رقيقا وسهلا، وطبعت حالا أول اشعاري، وكنت فرحا بشكل لا يوصف وابتهج اصدقائي
ايضا. وكتب الناس عني وامتدحوني. لكن ـ ولا اخفي سرا ـ فمن يكتب لا يملك
اصدقاء فقط، بل حسادا ايضا، وبثوا شائعة مفادها ان الاشعار لم يكتبها رسول بل
والده. وصدق البعض الشائعة. وواساني اصدقائي قائلين: «اذا اعتقد بعض الناس ان
اباك قد كتب لك قصائدك، فيعني ذلك انك شاعر جيد تماما، لذا لا تبتئس وابتهج!»
واخبرني آخرون اني اقلد والدي كثيرا وان عليّ ان اكتب بطريقة مختلفة وقالوا:
«يكفي حمزة واحد في عائلة واحدة وفي كل افاريا ايضا. لكنك يا رسول ظل لوالدك
وملحق له».

وكان هؤلاء بالطبع على حق، ولو اني صراحة لم أؤيدهم في ذلك عندئذ، وواصلت في
كتاباتي استخدام ما كان سائدا على اسلوب والدي ولا حول لي لاتخاذ خطوة واحدة
الى الامام.

سئلت في ندوة اخيرة في مينسك فيما اذا كنت في السادسة عشرة من عمري احلم في
ان اصبح شاعرا. قلت لم اقدر على امتلاك مثل هذا الحلم، لأني وقتها كنت واثقا
تماما بأني شاعر، وبعد فترة من ذلك اخذت تساورني الشكوك في ذلك وازدادت كلما
مضى الوقت، كنت معلم مدرسة في السادسة عشرة وكنت اعتقد ان ايام الدراسة قد
ولت. واعتبرت ان اقصى انجاز لي هو اكمالي دورة تدريب المعلمين في أفار. ثم
عملت في المسرح والصحف والاذاعة، وكان عليّ في كل مكان ان انشد بعضا من
قصائدي. وامتدح البعض اشعاري الاولى، وانتقدوا التالية، بينما انتقد الآخرون
اشعاري الاولى وامتدحوا التالية، واتفقت مع من امتدح اشعاري الاولى والتالية،
واختلفت مع الذين انتقدوها في كلتا الفترتين.

كان هناك شخص واحد، كنت أحلم بالفوز برأيه، وكنت واثقا بأنه وحده فقط يستطيع
تقييمي ووضعي في مكاني الصحيح، الا وهو افندي كابييف الكاتب الرائع الذي كان
جسرا يربط بين اشعار شعب داغستان وروسيا والعالم. وكان من قومية اللاك وهي
مجموعة صغيرة، وكان يعرف ويعشق التراث الثقافي العالمي، ومع ذلك لم ينس ابدا
طوال حياته اغاني المهد التي ترجع صداها هضاب وطنه، ولربما ولذلك السبب كان
يرتدي زيه الداغستاني في مهرجانات الجيل، وهو عبارة عن بنطلون طويل فضفاض،
وجزمة الجبل التقليدية ـ وكان يناسبه ذلك تماما. كان يمثل داغستان بالولادة
والرأي. وكان يلبس في الايام الاعتيادية ملابس اوروبية، ورأيته عدة مرات على
هذه الصورة ايضا، وكانت طلعته تبدو بهية. ثقافيا كان ابنا لعصره، فارسا للشعر
الروسي والعالمي اضافة الى النثر.

ورأيته مرة اخرى يلبس جزمة ومعطفا عسكريا كبيرا، كان ذلك في اعوام الحرب
المريرة، كان افندي كابييف ابنا بارا لوطنه العظيم، جنديا ومقاتلا من اجل
انتصار الشعب السوفييتي، انسانا متعدد الجوانب.

صادفته مرة مع مجموعة من الكتاب في الشارع، واستوقفني واقترح علي الذهاب الى
بيت صديق قديم وهو الفنان والموسيقي محمود يونيلا وانشد هناك الشعراء قصائدهم
بالتناوب وطلب مني ان انشد شيئا ما. قرأت قصائد عديدة مترجمة الى الروسية،
ولم يثر أي شيء قرأته استجابة عند كاييف وسأله احد الحاضرين: «حسنا، ما رأيك
فيها؟».

فأجاب «ليست رديئة».

وعلق احدهم: «تبدو افضل بكثير بالافارية» وقال افندي وهو مستغرق في تفكيره:
«ربما، لكن هذا زمان يختلف، ونحتاج الى قصائد مختلفة وشعراء مختلفين. عليك ان
تدرس يا رسول، يجب ان تذهب الى موسكو لكي تدرس».

هذه الملاحظة من رجل يدافع عن الشعر، وعن الشعراء الشعبيين وقصاصي الجبال،
رجل ترجم وقدم الى جمهور واسع شعر سليمان ستالكي: «هوميروس القرن العشرين»
الذي كان اميا.

هل درس سليمان في موسكو قبل ذلك؟

وكما لو كان جوابا على سؤالي قال كابييف:

«قبل سنة من وفاته، دعاني الى بيته وقدم لي الته الموسيقية الجنكر التي كان
يعزف عليها لسنين عديدة. صدقوني كانت تلك اثمن هدية تلقيتها. لكني لا استطيع
العزف عليها، لأني لست سليمان. اني افندي كابييف، ويجب ان تكون لي آلتي. كل
شخص عليه ان يغني اغنيته التي يلقنها اياه عصره وربيعه وخريفه».

وبعد اعوام من هذا الحديث، دخلت معهد الادب في موسكو ـ وكان يدرس معا 26
حالما، وكنا نقرأ الشعر بعضنا على بعض في جادة كفير سكوي، وكانت القصائد على
اية حال تافهة، ربما لانه على نفس الجادة وليس بعيدا عنا، ينتصب تمثال الشاعر
بوشكين.

وتحت تأثير مختلف الظروف والشعراء، بدأت اكتب بطريقة مختلفة في موسكو. كنت
اريد ان يفهمني الآخرون ويتفقون معي وينشر لي بأسرع ما يمكن في موسكو. اما ما
يتعلق بالقرية الجبلية التي تحدرت منها، فكنت اعتقد اني بطريقة او بأخرى سأجد
لغة مشتركة معها بعدئذ. واذ كنت اكتب سابقا تحت تأثير شعراء الجبل، بدأت الآن
اكتب تحت تأثير الشعراء الروس.

** قصائد من شعره

* إلى: ب، ي

* أحلم بك بانبهار

كلما نقر المطر النافذة

وجثا ثلج على التل

وعندما تكون السماوات لدى الفجر بلا غيوم

وتزدهي بحنطة الصيف الحقول

أحلم بك بانبهار

حينما يغط السنونو ويثب

واذ نلتقي ونفترق

وعندما لا تمنحني الهدوء

الاوراق التي تطير وتدور

وهي متوهجة بندى العسل

يقيناً انك افضل من عرفتهم

إذ انني

طوال الليل والنهار

أحلم بك بانبهار

* نجوم

* نجوم الليل، نجوم الليل

تحدق باشعاري

مثل عيون، مثل عيون

رجال لم يعودوا هنا

***

وفي هدأة الليل

اسمعهم وهم يقولون:

كن ضميرا متوهجا

لأولئك الذين اخذتهم الحرب بعيدا

***

إنسان الهضاب أنا، وفيٌّ لداغستان

من ترى يعلم، ـ أني ـ ربما

سأكون نجمة يوما ما

***

آنئذ سأحدق بأشعار آخر

نجمة تحتضن الارض

ضميرا متوهجا لأولئك

الذين عاصروني

* صداقة

* عشت طويلا وما زلت ترتضي

ان تختبئ من عواطف الحياة

ليس بمقدورك تسمية صديق واحد

له فقط يحس قلبك بالسعادة

وعندما تمر السنون وتغدو عجوزا

سيلتفت الناس ويقولون

عاشت قرنا هذه الروح المسكينة

لكنها لم تحيا يوما واحدا

* على البر أو البحر

* على البر، كما البحر، اسبح

الى القمة، أو اخترق طريقي الى الاعماق

حيث العبارات الفرحة أو المتجهمة

تنبثق مثل الكثير من النفس المضاع

***

وعندما تغير علينا المتاعب

نحن الى البحر، وفي المأزق المفجع

نسبح بدون يد تمد الينا

وليس على مرأى النظر

ساحل أو سفينة.