تفاصيل الهروب الإنتحاري من البارد

قال شاكر العبسي لرفاقه: «نلتقي في الجنة.. أو لمتابعة الجهاد»

ما تزال عملية التسلل الانتحارية الجماعية التي نفذها قياديو وعناصر تنظيم «فتح الاسلام» ليل السبت ـ الاحد الفائت على ثلاثة محاور في مخيم نهر البارد، وأسفرت عن قتل وأسر معظمهم فيما فرّ نفر قليل منهم الى جهات مجهولة يعمل الجيش اللبناني وسائر الأجهزة الامنية على تعقبهم، وساهمت بتسريع الانتصار وبسط السيطرة على كامل المخيم، تخضع لكثير من الجدل والتأويلات خصوصا في ظل الغموض الذي ما يزال يكتنف تفاصيلها، لا سيما حول الاسباب الحقيقية الكامنة وراء تنفيذ هذه العملية الواسعة، وماذا جرى في الساعات الاخيرة على صعيد مبادرة الاستسلام؟ ولماذا اتخذ أمير التنظيم شاكر العبسي هذا القرار بالخروج من المخيم؟.
تقول المصادر المطلعة ان مبادرة استسلام كل المسلحين مع الجرحى كسلة كاملة كما طلبت قيادة الجيش اللبناني، كانت «قاب قوسين او ادنى» من أن تبصر النور، وان ساعة الصفر كانت تتطلب إتصالا من الناطق الاعلامي أبو سليم طه لتحديد آلية الخروج وكيفية التسليم، وذلك بعد الحصول على ضمانات من قبل الجيش اللبناني بالدرجة الاولى ومن قبل جمعيات عالمية خاصة بحقوق الانسان، ومن رابطة علماء فلسطين صاحبة المبادرة بعدم الاعدام أو التعذيب الجسدي، وعدم التعرض للدين والعرض، وإجراء محاكمة عادلة، خصوصا أن من بقي في الداخل هو غير متورط بعملية قتل العسكريين التي كانت الشرارة التي اشعلت مواجهات البارد في فجر 20 ايار الفائت.

وتضيف هذه المصادر ان ما شجع قيادة التنظيم على الموافقة على تسليم انفسهم هي الطريقة الانسانية والحضارية التي تعامل بها الجيش اللبناني مع نسائهم وأطفالهم الذين خرجوا قبل فترة من المخيم، إلا ان المشاكل التي اعترضت إيواءهم في صيدا والتأخير في ترحيل النساء الى بلدانهن شكل ردة فعل عكسية لديهم، ما ادى الى تخوف في صفوف المسلحين لجهة عدم الالتزام بهذه الضمانات، أدى الى عرقلة المبادرة التي ما لبثت أن تلاشت.
وترجح المصادر نفسها ان ثمة ثلاثة احتمالات دفعت المسلحين الى تنفيذ عملية «الهروب الانتحاري»:
أولا: القصف العنيف الذي لجأ إليه الجيش اللبناني من الجو والبر والبحر يوم السبت الأخير، والذي وصفه الناطق الاعلامي أبو سليم طه بانفعال شديد جدا خلال اتصال مع رابطة علماء فلسطين بانه قصف قاتل ومدمر ولا يمكن لاحد ان ينجو منه إذا ما استمر على هذه الحال.
ثانيا: الامراض والأوبئة التي اجتاحت المخيم والتي ادت الى سلسلة إصابات بامراض بالدم ظهرت على عدد من الاطفال الذين خرجوا مؤخرا، واصابت بحسب المعلومات عدداً كبيراً من المسلحين.
ثالثا: إعطاء المسلحين لانفسهم خيارا ثالثا وهو الفرار الى جانب خياري الاستسلام او الاستشهاد.
وتقول المعلومات المتوفرة لـ«السفير» ان قيادة التنظيم وبعد الضغط الذي بدأت تعيشه نتيجة ظروف المعركة، اتخذت قرارا بتغيير إستراتيجيتها العسكرية، لجهة تنفيذ عملية تسلل واسعة الى خارج مخيم البارد والاشتباك مع الجيش اللبناني بأسلحة فردية قد تمكنهم من الهرب، وان أمير التنظيم شاكر العبسي قسم المسلحين الذين يقارب عددهم المئة، الى ثلاث مجموعات: الاولى برئاسته وتحاول التسلل من المدخل الشرقي لجهة مجرى النهر، والثانية برئاسة أبو سليم طه تحاول التسلل من المدخل الشمالي الغربي لجهة منطقة العبدة، والثالثة برئاسة احد المسلحين المجهولين يعتقد انه من العرب للتسلل من المدخل الشمالي الشرقي لجهة المحمرة.
وتقول المعلومات أن العبسي ايضا أبلغ الجميع بأن من يستشهد جزاؤه الجنة، ومن يقع في الأسر فعليه بالصبر، ومن ينجح بالفرار سنلتقي وإياه خارج المخيم لمتابعة الجهاد.
وما يعزز هذه المعلومات أنه عند الساعة الثامنة والربع من مساء يوم السبت، أي قبل ساعات من بدء تنفيذ عملية التسلل، وصلت رسالة على هاتف أحد مشايخ رابطة علماء فلسطين مرسلة من الهاتف الذي يستخدمه الناطق الاعلامي أبو سليم طه، كتب فيها: «إذا حصل للنساء أي مكروه.. فلن نسامحكم». وقد شغلت هذه الرسالة رابطة العلماء التي حاول عدد من مشايخها الاتصال بهاتف أبي سليم طه لكنه أعطى انه خارج الخدمة.
وتشير مصادر مقربة من رابطة العلماء الى ان المشايخ اعتبروا ان هذه الرسالة تتضمن تهديدا او هي محاولة لحثهم على بذل المزيد من الجهود من اجل إيجاد حل سريع لعملية ترحيل النساء الى بلدانهن، لكن بعد تنفيذ عملية التسلل وقتل معظم القيادات والمسلحين، أيقن مشايخ الرابطة ان الرسالة كانت رسالة وداع أو بمثابة وصية للاهتمام بالنساء والاطفال.
وتنفي مصادر رابطة علماء فلسطين أن يكون شاكر العبسي قد وزع المال او الذهب على المسلحين في الاجتماع الاخير قبل تنفيذ عملية التسلل، وذلك انطلاقا من واقع النساء اللواتي خرجن من المخيم والذي كان يدل على فقر شديد، حيث كان الاولى بالعبسي ان يعطي زوجته وبناته ونساء المسلحين هذا المال ليعينهن في محنتهن. كما تعتقد هذه المصادر أنه لم يتم التأكد حتى الآن بشكل نهائي من مقتل أبو سليم طه الذي لم يتعرف احد على جثته بمن في ذلك زوجته، ورجحت ان تكون جثته من بين الجثث المشوهة بالكامل وهي كثيرة في براد المستشفى الحكومي، أو ان يكون نجح في الفرار.
وتقول مصادر الرابطة لـ«السفير» ان ما تم في الساعات الاخيرة قبل عملية التسلل أوحى أن عملية الاستسلام كانت ستتم على أفضل وجه، نافية أن تكون هناك صفقة من الرابطة مع أي جهة، لا لجهة الجيش اللبناني ولا لجهة مسلحي فتح الاسلام، حيث ان الرابطة لعبت دور الوسيط النزيه بعد ان حصلت على موافقة الطرفين وذلك حتى الساعات الأخيرة، مشيرة الى أن المتضررين مما حققته الرابطة يريدون اليوم وبعد انتهاء العمليات العسكرية ان يطلقوا الشائعات المغرضة والسهام عليها، وان يتوجهوا إليها باتهامات هي بعيدة كل البعد عنها.

كانت قيادة الجيش اللبناني في جو أن تطوراً أمنياً أو عسكرياً سيحصل في مخيم نهر البارد في الساعات المقبلة، وتزامنت عملية التبديل الواسعة في محيط المخيم، مع تشديد الإجراءات الأمنية عند المعابر الأساسية وبعض

النقاط الحساسة، فيما كانت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني تتابع ساعة بساعة وقائع العرض المفاجئ الذي وصلها عبر رابطة علماء فلسطين، حيث أبلغها أحد قادة «فتح الإسلام» أبو سليم طه استعداد الحركة

للاستسلام مقاتلين وجرحى وقياديين، ولكن وفق سلة شروط مع طلب الحصول على ضمانات معينة من جهات خارجية.
وجاء عرض «فتح الإسلام» بعدما رفضت قيادة الجيش اللبناني عرض إخراج الجرحى وحدهم، وبرزت ريبة داخل القيادة العسكرية «من أن شاكر العبسي يخطط لعملية فرار في ضوء نجاح مبادرة إخراج العائلات

(النساء والأطفال)، وهو يسعى للتحرر من الجرحى، وإلا لماذا الإصرار على خروجهم طالما أنه يبدي الاستعداد للاستسلام؟».
ولدى إلحاح ابو سليم طه على إيجاد حل عاجل لقضية العائلات، توجه عضو رابطة علماء فلسطين الشيخ محمد الحاج إلى دمشق وأنهى مسألة الأوراق الثبوتية، لا بل أكثر من ذلك، سهّلت قيادة الجيش عملية انتقال زوجة

طه من صيدا إلى الشمال لمقابلة بعض أفراد عائلتها، كما سهلت أموراً مماثلة لبعض نساء المسلحين وأطفالهم من باب إبداء حسن النية و«اختبار» حقيقة نوايا قيادة «فتح الإسلام».
وفي الوقت نفسه، وبعد إلحاح من الجيش، سلم ابو سليم طه عرضاً لـ«الرابطة» يتضمن عدداً من العناصر، تبدأ بإقفال ملف انتقال عائلاتهم الى خارج لبنان، ومن ثم تتم عملية الاستسلام بعيداً عن الإعلام، على أن تتوفر

ضمانات لاحقة تقضي بعدم إساءة المحققين أو أعضاء المحكمة لاحقاً، لهم ولمعتقداتهم الدينية، كما طلبوا ضمانات تتعلق بحدود العقوبات وهل يمكن أن تصل الى الإعدام؟، فضلاً عن طلب الحصول على ضمانة إحدى الدول

العربية في بيروت.
وفيما كان العرض محور «مداولات إيجابية» بين عدد من القيادات السياسية والأمنية، كانت قيادة الجيش اللبناني تقيم المعلومات الاستخباراتية والميدانية، فضلاً عن الاستمرار برصد الاتصالات بين قياديي «فتح

الإسلام» وعائلاتهم، ودائماً وفق فرضية مفادها أرجحية أن يكون القرار السياسي بالفرار قد اتخذ من لحظة إخراج العائلات، ولذلك طلب من وحدات الجيش أعلى درجات الجهوزية والحذر، «استعداداً لأمر ما»، وهو

الأمر الذي أظهرته وقائع فجر الأحد في الثاني من أيلول.
فقد هاجم مسلحون انتحاريون في سيارة «مرسيدس» بيضاء اللون، عند الثالثة والنصف فجراً حاجزاً للجيش اللبناني على اوتوستراد المنية ـ العبدة لتليها مباشرة محاولة فرار جماعية في ثلاثة اتجاهات أحبطها الجيش

اللبناني ودارت مواجهات عنيفة استخدمت فيها كافة أنواع الأسلحة الرشاشة والقنابل الهجومية.
وتمكن الجيش من القضاء بشكل كامل على مجموعتي المحمرة والعبدة، في حين تمكنت المجموعة التي سلكت طريق مجرى النهر من الفرار والوصول إلى بلدة عيون السمك في قضاء الضنية ومن بعدها الى بلدات وادي

الجاموس، ببنين والمحمرة في قضاء عكار، لتبدأ المطاردة في الوديان والجبال الوعرة في تلك المناطق، بمشاركة المروحيات العسكرية وعدد كبير من الجنود الذين انتشروا على طول الطرقات وقاموا بعمليات تمشيط

واسعة وإحراق العشب بحثاً عن عناصر التنظيم بمساعدة أبناء تلك البلدات حيث تم تمشيط المحمرة، تلال ببنين، وادي الجاموس، جديدة القيطع، وادي نهر البارد، عيون السمك، وقد نجح الجيش في قتل عدد من المسلحين

وإلقاء القبض على آخرين في حين لاذ البعض بالفرار.
وفي الوقت ذاته، أغلق الجيش الطريق الدولية التي تربط طرابلس بمنطقة عكار والحدود الشمالية مع سوريا، وأقام نقاط تفتيش ونفذ حملة دهم واسعة شملت المنازل والبساتين المحيطة بالمخيم. وتحدّثت المعلومات مساء

عن مقتل ما لا يقل عن 34 مسلحاً من تنظيم «فتح الإسلام» واعتقال حوالى 20 عنصراً بينهم عدد من الجرحى الذين كانوا داخل المخيم، فيما سقط للجيش خمسة شهداء بينهم الملازم علي مصطفى نصار من منطقة

إقليم التفاح في الجنوب.

بدأ شاكر العبسي قائد حركة «فتح الاسلام» حياته المهنية بقيادة طائرات «ميغ»، ثم تحول الى مدرب يجوب العالم ليدرب الحركات الثورية والمتمردة من نيكاراغوا الى اليمن قبل ان يعتنق الاسلام المتطرف.
ولد العبسي في عام 1955 في مخيم عين السلطان قرب مدينة اريحا الفلسطينية، ثم لجأ مع عائلته الى الاردن بعد احتلال اسرائيل الضفة الغربية في .1967
وقال شقيقه عبد الرزاق العبسي الطبيب الجراح في عمان متحدثا لوكالة «فرانس برس» «بعد المدرسة حيث كان متفوقا في دروسه، توجه الى تونس من اجل متابعة دروس في الطب». وأضاف: «لم يكن الطب طموحه، كان يريد ان يشارك بشكل مباشر اكثر في تحرير فلسطين».
وتابع عبد الرزاق العبسي: «انتسب شاكر الى حركة فتح التي ارسلته الى كلية الطيران في ليبيا ليصبح طيارا»، مضيفا «لقد نجح في ذلك، وكان يقود طائرات من طراز ميغ .23 عندما خاضت ليبيا حربا مع تشاد، قاد طائرته دفاعا عن الارض الليبية».
ويشير عبد الرزاق الى ان شقيقه زاره عام 1980 عندما كان طالبا في الطب في كوبا، وكان في حينه في طريقه الى نيكاراغوا حيث «كان يفترض ان يساعد في تدريب قوة جوية ساندينية. وبقي في نيكاراغوا اربعة او خمسة اشهر على ما اعتقد».

ويتابع شقيق قائد فتح الاسلام روايته فيقول: «خلال الاجتياح الاسرائيلي للبنان في ,1982 حارب في البقاع كون منظمة التحرير الفلسطينية لم تكن تملك طائرات (...). ثم عاد الى ليبيا في سلاح الجو والى اليمن الشمالية كمدرب على الطيران. بعد ذلك، استقر في دمشق. وغالبا ما كنا نلتقي».
في 2002 وضعته السلطات السورية في السجن بتهمة الانتماء الى مجموعة اسلامية محظورة والتحضير لاعتداءات. وقضى في السجن ثلاث سنوات حكم عليه خلالها غيابيا في الاردن بالاعدام لادانته بالمشاركة في تنظيم اغتيال الدبلوماسي الاميركي لورانس فولي في 2002 في عمان. وأفرج عنه في 2005 فتوجه الى لبنان حيث تولى قيادة مركز لحركة «فتح الانتفاضة» في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت.
وبعد بضعة اشهر من وصوله الى لبنان اختار طريق الاسلام المتطرف واستقر مع حوالى مئة رجل مسلحين تسليحا جيدا في احد اطراف مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين قرب طرابلس في شمال لبنان. وأعلن تأسيس فتح الاسلام التي تبنت افكارا اسلامية متطرفة.
وقال في حديث الى صحافيين من صحيفة «نيويورك تايمز» الاميركية في آذار/مارس ,2007 انه يؤيد افكار زعيم تنظيم القاعدة اسامة بن لادن، مضيفا «لا نخشى ان نوصف بالارهابيين».
ورأى ان من حقه استهداف المدنيين الاميركيين او الاسرائيليين اينما كانوا. وقال «من حقنا القيام بذلك. الا تأتي اميركا الى منطقتنا لقتل الابرياء والاطفال؟ من حقنا ان نضربهم في منازلهم كما ضربونا في منازلنا».
وقال شقيقه ان شاكر العبسي اختار الاسلام المتطرف بسبب اليأس والاحباط. واضاف «تربينا على الدين الاسلامي الحنيف مثل باقي الناس. نحن متدينون لكن شاكر اختار طريق التطرف الديني بسبب الاحباط».
وقال شاكر العبسي في مقابلة بثتها قناة «الجزيرة» الفضائية القطرية في 26 ايار/مايو «لن يكون اهل السنة الا ضد أمريكا".