مذكرات جورج تينيت «في قلب العاصفة» (4)...

تسيطر هجمات 11/9 بشدّة على الوعي القومي الأميركي بحيث من الصعب التصوّر أنّه أتى وقت، ليس ببعيد، بدا فيه الإرهاب على العموم والحرب على الإرهاب على الخصوص بعيدين عن حياتنا. كان الإرهاب قبل 11/9 بالنسبة الى معظم الأميركيين شيء يحدث «هناك». صحيح أنّه كان يقفز إلى العناوين العريضة بشكل دوري - كما عندما فجّرت ثكنة المارينز والسفارة الأميركية في لبنان في أوائل ثمانينات القرن الفائت - لكن القضية كانت تنحسر بالسرعة نفسها تقريباً. وفي ما يعنيني، كان الإرهاب الموضوع المسيطر لا خلال سنواتي السبع كمدير للاستخبارات المركزية فحسب، بل في أثناء تقلّدي منصب نائب مدير «سي آي أي» أيضاً.
استمرّت كراهية الغرب في التزايد تحت السطح في العالم الإسلامي الأصولي لأسباب عدة. وكان في وسعنا أن نراها تقترب. وكان يمكننا رؤية من يحاولون استغلال هذه العداوة العمياء والتلاعب بها لغاياتهم الخاصة. وقد بذلنا جهوداً جبّارة يومياً لإيجاد طرق لنزع فتيل الانفجار القادم أو تغيير مساره.
لم تبدأ هذه الجهود معي. فعند البحث عن تقنيات جديدة لدفع موظفينا إلى التركيز على تهديدات استخباراتية وشيكة محدّدة في عام 1996، اقتطع جون دويتش، مدير الاستخبارات المركزية في ذلك الوقت، من الأموال المحدودة في موازنتنا الاستخباراتية الشحيحة، وأقام على سبيل التجربة ما دعوناه «محطّات افتراضية». وكانت الفكرة تقوم على إنشاء وحدات في أميركا تعمل كما لو أنّها في عملية في الخارج. غير أنّه لم تنشأ سوى محطة واحدة. وكانت القضية التي انتقيناها لحالة الاختبار تدعى «الارتباطات المالية الإرهابية». واحتفظت الوحدة بالاسم المختصر «تي إف إل» TFL لمدة قصيرة، لكن سرعان ما تحوّلت إلى شيء أكثر تركيزاً.
عام 1993، قبل سنتين من مجيئي إلى «سي آي أي»، أعلنت الوكالة أنّ أسامة بن لادن المقيم آنذاك في السودان، من الداعمين الماليين المهمين للحركات الإرهابية الإسلامية. كنّا نعلم أنّه يموّل التدريب شبه العسكري للمقاتلين العرب المتديّنين في أماكن واسعة الانتشار مثل البوسنة ومصر وكشمير والأردن وتونس والجزائر واليمن.
كان أسامة بن لادن واحداً من أمثلة عدة على الاتجاه المقلق للإرهاب. وكانت التهديدات الموجودة منذ مدّة طويلة مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي المصرية وعشرات من المجموعات الناقمة تتنافس معه للحصول على الاهتمام، لكن في أواسط العقد، أصبح بن لادن محطّ اهتمام الوكالة. ففي آذار (مارس) 1995، على سبيل المثال، أفاد المحقّقون الباكستانيون بأنّ رمزي يوسف، العقل المدبّر لتفجير مركز التجارة العالمي في عام 1993، وكان قد اعتُقل للتوّ في إسلام آباد، أمضى الكثير من الوقت في السنوات الأخيرة في بيت الضيافة الذي يموّله بن لادن في بيشاور.
وسرعان ما تحوّلت محطة «تي إف إل» إلى «محطة قضية بن لادن». وحملت بسرعة الاسم السري «محطة ألِك». فقد سماها قائد المجموعة الأول، مايك شيوِر، باسم ابنه.
في أفغانستان في آخر الثمانينات، في أثناء الحرب لطرد السوفيات، أجرى أسامة بن لادن اتصالاته الأولى مع العديد من الإسلاميين المتطرّفين الذين شكّلوا في ما بعد أساس ما أصبح «القاعدة». ولم يمضِ وقت طويل بعد ذلك حتى بدأ يستخدم ثروته الشخصية لتدريب «العرب الأفغان» المقاتلين وتجهيزهم للجهاد الذي تجاوز أفغانستان ووصل إلى كل أنحاء العالم في النهاية. (يروّج منظّرو المؤامرة الذين يستندون إلى الإنترنت الإشاعة بأنّ بن لادن عمل على نحوٍ ما مع «سي آي أي» في أثناء الحرب الأفغانية السوفييتية أو كانت لديه اتصالات غير رسمية بالمسؤولين الأميركيين في تلك الفترة. ودعوني أقول بشكل مطلق إنّ «سي آي أي» لم تجرِ أي اتصال مع بن لادن في أثناء المغامرة السوفييتية الفاشلة في أفغانستان).

عاد أسامة بن لادن إلى المملكة العربية السعودية بعد إخراج السوفيات من أفغانستان في عام 1989، وفي عام 1991 انسلّ إلى السودان، ولقي في الخرطوم استقبالاً أكثر دفئاً وبدأ يشغل اهتمامنا أكثر فأكثر. فقد دعاه زعيم البلد حسن الترابي إلى مساعدته في تنظيم المقاومة للانفصاليين المسيحيين في جنوب السودان وبناء شبكة من الشركات التي عملت لاحقاً كواجهات لشبكة بن لادن الإرهابية العالمية. وفي الوقت نفسه كان أسامة بن لادن يقدّم المساعدة المالية للمنظمات المقاتلة في الشرق الأوسط إضافة إلى إقامة مواقع متقدّمة توفّر التدريب شبه العسكري إلى الجهاديين من أنحاء العالم الإسلامي.
في البداية كنّا نعتقد بأنّ بن لادن مموّل بشكل رئيسي، وفي كانون الثاني (يناير) 1996 وصفناه على هذا النحو، لكنّ المحطة الافتراضية بدأت تجمع بسرعة صورة شخص أكثر من هاوٍ سعودي ذي جيوب مملوءة ويكره الغرب. كان أسامة بن لادن الذي بدأنا نتعرّف عليه محرّكاً للشرّ.
أُغلقت السفارة الأميركية في الخرطوم للأسف في أوائل عام 1996 بسبب تدهور البيئة الأمنية والتهديدات التي تعرّض لها المسؤولون الأميركيون. بالنظر إلى الوراء، كان ذلك قراراً خاطئاً، فقد خسرنا نتيجة لذلك نافذة مهمّة على البيئة الإرهابية المتبرعمة.
فتح بن لادن في السودان شركات استخدم فيها محاربين قدامى في حرب أفغانستان ضد السوفيات. وأصبح العديد من هؤلاء الرجال ناشطين في «القاعدة». وكانت الشركات ناجحة جداً وساهمت في مضاعفة ثروة بن لادن الكبيرة أصلاً. غير أنّ ما كان يثير القلق أكثر تزايد الأدلة على أنّ أسامة بن لادن بدأ خطة لتوجيه العمليات بنفسه.
في عام 1996 عرفنا أنّ أسامة بن لادن أكثر من مموّل. فقد أبلغنا منشقّ عن القاعدة أنّ بن لادن رئيس منظمة إرهابية عالمية ذات مجلس إدارة يضمّ أمثال أيمن الظواهري وأنّه يريد ضرب الأراضي الأميركية. وعلمنا أنّ القاعدة حاولت الحصول على موادّ يمكن استخدامها لتطوير أسلحة كيماوية أو بيولوجية أو إشعاعية أو نووية. وأنّها بلغت حدّ استخدام فيزيائي مصري للعمل على المشاريع النووية والكيماوية في السودان. وفي معسكرات «القاعدة» هناك، جرّب الناشطون طرق إطلاق الغازات السامّة التي يمكن توجيهها نحو القوات الأميركية في المملكة العربية السعودية.
أصبح بن لادن عبئاً على مضيفيه عندما بدأت الولايات المتحدة تضغط على السودان لطرده. لكن كانت مسألة المكان الذي يذهب إليه هي المشكلة. فقد جرّده السعوديون من الجنسية في عام 1994، وهم لا يوافقون بالتأكيد على عودته إلى المملكة. ولا تزال التقارير الصحافية والإشاعات التي تروّج على الإنترنت تؤكّد أنّ السودانيين عرضوا تسليم أسامة بن لادن إلى الولايات المتحدة، لكنّني لا أعرف أي شيء يؤكّد ذلك.
ما نعرفه على وجه التأكيد أنّ أسامة بن لادن غادر السودان في 19 أيار (مايو) 1996، من تلقاء نفسه في الظاهر، وانتقل إلى أفغانستان. وكان ذلك سيناريو أسوأ حالة بالنسبة إلينا من نواحٍ عدة. فقد كانت أفغانستان في ذلك الوقت ساحة لقتال فوضوي استثنائي - حتى بالمعايير الأفغانية - سرعان ما جعل البلاد تحت سيطرة طالبان، وهي مجموعة من المتعصّبين المتوحّشين والرجعيين. لذا سارع أسامة بن لادن إلى تشكيل تحالف مع الملا عمر وزعماء طالبان الذين سيطروا على البلاد، ويمكن القول إنّه لأول مرة في التاريخ لم يكن لدينا «دولة ترعى الإرهاب» وإنّما دولة ترعاها مجموعة إرهابية.
في عام 1995 نشرنا تقرير الاستخبارات القومي بعنوان: «التهديد الإرهابي الأجنبي في الولايات المتحدة». وقد حذّر من التهديد الذي يشكّله الإسلاميون الراديكاليون وقدرتهم المعزّزة على «العمل في الولايات المتحدة». ورأى هذا التقرير أنّ الأهداف التي من المرجّح أن تتعرّض لهجوم إرهابي هي «الرموز القومية مثل البيت الأبيض والبنتاغون والكابيتول، ورموز الرأسمالية الأميركية مثل وول ستريت». وقال التقرير إنّ الطيران المدني الأميركي على وجه الخصوص هدف غير منيع وجذّاب.
في عام 1997 شدّد تقرير استخبارات قومي آخر، وهو عبارة عن الأحكام المنسّقة لكل أجهزة الاستخبارات، على أنّ «الطيران المدني على وجه الخصوص لا يزال هدفاً جذاباً للهجمات الإرهابية». وعلمنا أنّ الرسالة وصلت. فقد قالت لجنة البيت الأبيض لسلامة الطيران وأمنه، برئاسة نائب الرئيس آل غور، في تقريرها إنّ «مكتب التحقيقات الفيديرالي، ووكالة الاستخبارات المركزية، وغيرهما من المصادر الاستخبارية تحذّر من أنّ تهديد الإرهاب آخذ في التغيّر». ومضى التقرير إلى التشديد على أنّ الخطر «لم يعد مجرّد تهديد خارجي من إرهابيين أجانب. فقد انضمّ أشخاص وأماكن في الولايات المتحدة إلى لائحة الأهداف».
في شهادة عامة علنية في شباط (فبراير) 1997، أبلغت الكونغرس، «على رغم تحسّن مساعينا لمكافحة الإرهاب، فإنّ المجموعات الدولية توسّع شبكاتها، وتحسّن مهاراتها وحنكتها، وتعمل على شنّ هجمات أكثر إثارة». وفي كانون الثاني 1998، في جلسة استماع علنية أخرى، شدّدت على أنّ «التهديد للمصالح الأميركية ومواطنيها في العالم لا يزال مرتفعاً... كما أنّ هناك اتجاهاً نحو زيادة قدرة الهجمات على القتل، لا سيما على الأهداف المدنية... وثمة تلاقٍ لتطوّرات حدثت في المدة الأخيرة يزيد من خطر قيام أفراد أو مجموعات بمهاجمة المصالح الأميركية».
أصدر بن لادن فتوى بعد شهر، كما لو أنّه يعيد التأكيد على رأيي، يذكر فيها أنّ الواجب الديني يفرض على كل المسلمين «قتل الأميركيين وحلفائهم، مدنيين وعسكريين على السواء» في أنحاء العالم. وأعقب أسامة بن لادن تلك الفتوى بمقابلة مع وسائل الإعلام أوضح فيها أنّ الأميركيين كلهم أهداف مشروعة لأنّهم يدفعون الضرائب للحكومة الأميركية.
حمل أحد اطلاعات الرئيس اليومية المقدّمة إلى الرئيس كلينتون في 4 كانون الأول (ديسمبر) 1998 العنوان، «بن لادن يعدّ لخطف طائرة أميركية وهجمات أخرى». وبين 1 نيسان (أبريل) 2001 و 11 أيلول (سبتمبر) 2001، أعدّت وكالة الطيران المدني ما يصل إلى 105 تقارير استخبارية موجزة يومية لقادة صناعة الطيران. واستندت هذه التقارير إلى معلومات تلقّتها من أجهزة الاستخبارات. وذكر نصفها تقريباً القاعدة أو أسامة بن لادن، أو كليهما.
كان من الضروري العمل عن قرب مع الحلفاء في الخارج لمكافحة الإرهاب.
في يوم الجمعة 7 آب (أغسطس) 1998، رنّ الهاتف في غرفة نومي قبل الساعة الخامسة صباحاً. كانت هذه المكالمات المتأخّرة في الليل أو في الصباح الباكر حدثاً عادياً في ذلك الوقت، لكن لم يكن في هذه المكالمة شيء عادي. فقد كان المتحدّث كبير الضباط المناوبين في مركز عمليات الوكالة. قال لي: «انفجرت قنابل للتوّ في سفارتينا في العاصمة الكينية نيروبي، والعاصمة التنزانية دار السلام. الدمار هائل؛ وأعداد القتلى كبيرة». وتبيّن أن كلمة كبيرة تبخس التقدير، وفق تعابير ما قبل 11/9 على الأقل. فقد سقط 240 قتيلاً وجرح نحو 4000 في الهجومين. لم تكن وضعية المسؤولين الأميركيين في الموقعين معروفة على وجه اليقين عندها ارتديت ثيابي وتوجّهت إلى المكتب. وسرعان ما اتضح أنّ تفجير السفارتين من عمل القاعدة.
جمعنا لائحة بالأهداف ذات الصلة بالقاعدة التي يمكن ضربها. من مصاعب محاربة خصم إرهابي ندرة الأهداف التي يمكن استخدام القوة العسكرية ضدّها. وفي مناقشات أجريت على نطاق ضيّق في مجلس الأمن القومي، قرّرنا ألا نلاحق بن لادن في أفغانستان فحسب، وإنّما أن نظهر أيضاً أنّنا مستعدّون لملاحقة منظمته في العالم أجمع. كان يوجد على لائحة الأهداف المحتملة شركات في السودان وسواه لديه صلة بها. ولم تكن هذه الشركات جزءاً من شبكة تمويل إرهابي فقط وإنّما لديها صلات محتملة بمحاولات القاعدة الحصول على أسلحة كيماوية وبيولوجية. لكن في حين أنّ مهاجمة اجتماع قمة الإرهابيين في خوست لم يتطلّب نقاشاً، فإنّ الأهداف الأخرى تطلّبت جدالاً كبيراً.
رنّ الهاتف بجانب سريري ثانية في وقت مبكّر من صباح 20 آب. كان هذه المرة الرئيس كلينتون متّصلاً من مارثاز فنيارد، حيث يمضي إجازة ويحاول اجتياز عاصفة مونيكا ليوِينسْكي. كان الرئيس يريد التحدّث عن الأهداف المحتملة، وبخاصة مدبغة للجلود يمتلكها بن لادن في السودان، ومصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم الذي يشارك فيه ونعتقد بأنّه متورّط نوعاً ما في إنتاج عوامل كيماوية. فقد كشف ملء ملعقة من التربة التي استُحصل عليها خلسة من خارج بوّابة المصنع آثاراً شحيحة من حمض أو-إثيل الفسفونوثيونِك، وهو سلف كيماوي للعامل الكيماوي القاتل «في إكس». وفي النهاية قرّر الرئيس إسقاط المدبغة من لائحة الأهداف. فقد كانت احتمالات حدوث أضرار جانبية كبيرة والمردود صغيراً. لكن تقرّر ضرب مصنع الشفاء ومعسكر خوست بالصواريخ الجوّالة.
إنّني أتفهّم السبب الذي جعل السياسيين يفضّلون الصواريخ الجوّالة. فهي لا تحتاج إلى تعريض الطيّارين للخطر، ولا تحمل أياً من أعباء أو معدّات إنزال قوات مقاتلة. لكن في نظرة استرجاعية، لست متأكّداً من أنّنا في ذلك الوقت كنّا ندرك حدود الصواريخ تماماً. فالصواريخ البطيئة خيار جيد لضرب الأهداف الثابتة مثل مصانع الأدوية لكنّها ليست ملائمة لاستهداف الأفراد الذين يتجوّلون في أثناء الساعات الكثيرة التي يستغرقها الصاروخ بين وقت إطلاقه ووقت سقوطه على البقعة المبرمجة مسبقاً.
أطلقت عشرات من الصواريخ الجوّالة على معسكر الإرهابيين في خوست عند حلول ليل 20 آب. وكان على صواريخ توماهوك التي تطلق من البحر الطيران مئات الأميال للوصول إلى أهدافها، بما في ذلك عبور المجال الجوي الباكستاني للوصول إلى أفغانستان التي ليس لها منفذ على البحر. وللتثبّت من أنّ الباكستانيين لن يظنّوا أنّهم يتعرّضون لهجوم بالصواريخ من الهند، أرسل نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال جون رالستُن، إلى هناك لتنبيه المسؤولين قبيل عبور الصواريخ مجالهم الجوي بأنّ هذه عملية أميركية.
نعتقد بأنّ اثني عشر إرهابياً أو أكثر قُتلوا في الضربة التي تلت بالصواريخ الجوّالة، لكن يبدو أنّ أسامة بن لادن غادر المعسكر قبل وصول الصواريخ بقليل، متملّصاً ثانية من مصير يستحقّه كثيراً. ولم نستطع أن نحدّد إذا كانت مغادرته مصادفة أم تلقّى تنبيهاً بطريقة ما.
سوّي مصنع الشفاء بالأرض كما هو متوقّع. مع ذلك أثيرت أسئلة لاحقاً عن مدى ارتباطه بأسامة بن لادن وإذا كان هناك تفسير بديل لآثار حمض أو-إثيل الفسفونوثيونِك التي جعلت المصنع على لائحة الأهداف. ولا يزال هناك جدال في أجهزة الاستخبارات بشأن حسن اختيار مصنع الشفاء كهدف. وما وراء الجدال هو أنّ إفلات بن لادن شجّعه على القيام بعمليات لاحقة.
طلبت من كوفر بلاك، الذي أصبح رئيس مركز مكافحة الإرهاب، وضع استراتيجية جديدة لمهاجمة القاعدة. وسميناها ببساطة «الخطة». لكن لم يكن هناك شيء بسيط حيالها.
أقرّت الخطة أنّ أولى أولوياتنا الحصول على معلومات استخبارية عن بن لادن باختراق منظمته. ومن دون هذا المسعى، لن يكون في وسع الولايات المتحدة وضع برنامج عمل عسكري سرّي لوقفه أو وقف عملياته. ولهذه الغاية، حدّدت الخطة مسعى قوياً ومركّزاً باستخدام مواردها، وشركائنا الأجانب، والتكنولوجيا المحسّنة لجمع المعلومات الاستخبارية التي تمكّننا من العمل ضدّ بن لادن وشركائه في ملاذات الإرهابيين، بما في ذلك السودان ولبنان واليمن، والأهم من ذلك أفغانستان. لتنفيذ الخطة، طوّر مركز مكافحة الإرهاب برنامجاً لانتقاء الضباط وتدريبهم ووضعهم حيث يوجد الإرهابيون. وأطلق المركز برنامج تجنيد في كل أنحاء البلاد باستخدام مصادر برنامج التدريب المهني التابع لـ «سي آي أي» لتحديد الموظّفين المؤهّلين لمهمّات مكافحة الإرهاب في بيئات عدائية، وتفحّصهم بدقّة، واستخدامهم. سعينا إلى الحصول على إتقان العربية واللغات الأخرى المرتبطة بالإرهاب كإتقان أهلها لها، فضلاً عن الخبرة الشرَطية والعسكرية، والخلفية الإثنية الملائمة. بالإضافة إلى ذلك، وضع المركز مقرّراً لعمليات مكافحة الإرهاب المتقدّمة مدّته ثمانية أسابيع لتعليم «سي آي أي» الدروس المستقاة بالتجربة والمنهجية العملانية لمكافحة الإرهاب.
وفي مراجعة سجلّنا ضدّ القاعدة، توصّل كوفر إلى أنّ مساعينا قد أوقفت هجمات عدة مخططة على السفارات الأميركية. كما أنّنا ألحقنا ضرراً كبيراً بالبنية التحتية لأسامة بن لادن وأدخلنا لديه بعض الشكّ بشأن أمنه وعملياته. لكنّ كل ذلك أعاقه من دون أن يوقفه. وما لم نغيّر تكتيكاتنا، فسنجد أنّ من الصعب في المستقبل تحقيق النجاح العملاني ضدّ القاعدة. فقد كانوا يتعلّمون عنّا مثلما كنّا نتعلّم عنهم.
من دون اختراق منظمة بن لادن، ومن دون الوصول إلى أفغانستان، فإنّنا نقاتل في معركة خاسرة. في هذه الفترة قرّرت أنّ تقارير الاستخبارات المعتادة على شكل الاطلاعات الرئاسية، وتقارير الاستخبارات الجاهزة، وتقديرات الاستخبارات القومية، وما شابه ليست كافية لنقل خطورة التهديد. لذا بدأت أرسل رسائل شخصية إلى الرئيس ومجموعة الأمن القومي بأكملها، أبسط فيها بصراحة لماذا يساورني القلق بشأن الهجمات الوشيكة.
في الرسالة الأولى بتاريخ 18 كانون الأول 1998، كتبت:
إنّني قلق جداً من المعلومات الأخيرة التي تفيد بأنّ أسامة بن لادن يخطّط لشنّ هجوم آخر على الأفراد أو المنشآت الأميركية عما قريب... وربما في الأيام القليلة القادمة. لقد استخدم أحد نوّاب بن لادن كلمات سرّ ربطناها بعمليات إرهابية لتوجيه أوامر إلى الزملاء في شرق أفريقيا بإتمام عملهم.

وفي الرسالة لاحظت أنّ لمنظمة بن لادن تواجداً في أكثر من ستين بلداً وأنّها نسجت روابط مع متطرّفين سنّيين في كل أنحاء العالم. وتابعت الرسالة لتقول إنّ أسامة بن لادن يبدي اهتماماً في شنّ هجمات داخل الولايات المتحدة أو ضمن أراضي حلفاء مثل المملكة المتحدة وفرنسا وإسرائيل.
بعد عشرة أيام كتبت ثانية، محدّثاً الرسالة السابقة وناقلاً عن جهاز شرق أوسطي قوله إنّهم يوافقون على تقويمنا بأنّ أسامة بن لادن يسعى إلى توجيه ضربة عما قريب ضدّ هدف أميركي واحد على الأقل. وأفدت عن أنّ بن لادن اشترى عشرة صواريخ أرض - جوّ من أمراء الحرب الأفغان للدفاع عن معسكراته الإرهابية لكنّني لاحظت أنّ الصواريخ نفسها يمكن استخدامها لمهاجمة الطائرات في الأراضي الأميركية. وكتبت ثانية في 30 كانون الأول ثمّ في 14 كانون الثاني 1999، وقدّمت مزيداً من التفاصيل الملتقطة من العديد من المصادر.
وأبلغنا الرئيس كلينتون أنّ أسامة بن لادن يخطط لشن ما بين خمسة وخمسة عشر هجوماً في أنحاء العالم في أثناء الألفية، وأنّ بعضها قد يكون داخل الولايات المتحدة. أثار ذلك نشاطاً محموماً. فأطلقت «سي آي أي» عمليات في خمسة وخمسين بلداً ضد ثمانية وثلاثين هدفاً منفصلاً.
أخطرنا زملاءنا في الشمال بوجود إرهابي جزائري في كندا. وفي ذلك الوقت تقريباً لمح مسؤول يقظ في الجمارك في بورت أنجلس، واشنطن، بعض العصبية على أحمد رسام وهو يحاول دخول الولايات المتحدة. خاف الجزائري البالغ اثنتين وثلاثين سنة وحاول الهرب لكنّه اعتقل. وجدت كمية من النيتروغليسيرين وأربعة أجهزة توقيت مخبّأة في سيارته. وقد اعترف لاحقاً بأنّه مشارك في مخطط لقصف مطار لوس أنجليس الدولي. بالعودة إلى الوراء، كان يجب أن تقدّر أهمية هذا الحدث أكثر من ذلك بكثير. فعلى رغم إحباط مخطط رسام، كان يجب أن يشير اعتقاله إلى أنّ القاعدة قادمة إلى هنا.
شهدت القدرة التكنولوجية ارتفاعاً دراماتيكياً في عام 2000 عندما نشرت فرق «سي آي أي» في أواسط آسيا وبدأت العمل على تجربة نموذج أولي جديد من الطائرة من دون طيار «بريديتور». بدأت هذه الطائرة الصغيرة المتحكّم بها عن بعد التحليق فوق أفغانستان وإرسال أشرطة استطلاع فيديوي فورية رائعة. وكان في وسعك وأنت جالس في مركز قيادة في واشنطن، أو تمبا، أو أي مكان في العالم أن تشاهد بوضوح كبير ما يجرى في مجمّع إرهابي في نصف الكرة الأرضية الآخر.
في التجربة الأولى لطائرة بريديتور، في 28 أيلول 2000، لاحظنا رجلاً طويلاً يرتدي ثوباً أبيض يسير محاطاً بمفرزة أمنية. لم تكن الاستبانة كافية لتحديد وجه الرجل، لكنّني لم أسمع عن أي محلّل لم يخلص لاحقاً إلى أنّنا كنّا نشاهد أسامة بن لادن. أخيراً أصبحت لدينا قدرة فورية حقيقية ولم يعد علينا الاعتماد فقط على معلومات ثانوية ينقلها إلينا مساعدونا القبليون أو تلتقطها استخبارات الإشارات وتحلّلها بعد أيام. فما نتفحّصة، أياً كان مشوّشاً، ربما يكون شكل الشرّ. مع ذلك بقدر ما كان مذهلاً من الناحية التكنولوجية، فإنّه كان محبطاً. صحيح أنّنا ربما كنّا نشاهد أسامة بن لادن، لكنّنا لسنا في موقف يتيح لنا عمل أي شيء حيال ذلك. وفي وقت لاحق، بعد إجراء كثير من الاختبارات والتعديلات، أصبحت طائرة بريديتور تحمل أسلحتها الخاصة، لكن في الوقت الحالي كان أفضل ما يمكن أن نفعله إطلاق مزيد من الصواريخ الجوالة على أمل ألا يغيّر أسامة بن لادن مكانه.
في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2000، انتقلت الحرب غير المعلنة التي نخوضها مع القاعدة إلى مستوى جديد تماماً. فقد تعرّضت المدمّرة الأميركية يو إس إس كول، الراسية في مرفأ عدن باليمن، لهجوم بزورق انتحاري صغير محمّل بالمتفجّرات. وقد أحدث الانفجار فتحة هائلة في جانب المدمّرة الذي التفّ مثل غطاء علبة تنك، وأوقع سبعة عشر قتيلاً في صفوف البحارة الأميركيين. وقد تمكّن الطاقم من إنقاذ السفينة من الغرق بجهد بطولي.
في أعقاب الهجوم، اتضحت مشاركة ناشطين معروفين في القاعدة، لكن لم تتمكّن استخباراتنا ولا التحقيق الجنائي لمكتب التحقيقات الفيديرالي من إثبات أنّ لأسامة بن لادن وقيادته السلطة والتوجيه والإشراف على الهجوم. كان ذلك عتبة عالية لم نستطع تخطيها. وكانت المسألة النهائية التي على صنّاع السياسة تحديدها ما هو معيار الإثبات الذي يجب استخدامه قبل أن تقرّر الولايات المتحدة نشر قواتها؟ وينبغي لصنّاع السياسة أن يضعوا المعيار دائماً لأنّهم هم من يتحمّلون المسؤولية عن الإجراء المتخذ في نهاية المطاف. وكان من المهمّ من وجهة نظرنا في «سي آي أي» أنّ تحقيق أف بي آي اتخذ موقع الصدارة في الوصول إلى لبّ المسألة.
في التحقيق الذي أجرته لجنة 11/9، أثير الكثير عن أنّ الولايات المتحدة لم تنتقم على الفور من الهجوم على كول. فقد كان البلد وسط انتخابات رئاسية تحوّلت في ما بعد إلى أزمة دستورية عندما لم يبرز فائز واضح. ربما كان من الصعب القيام بمغامرات عسكرية جديدة فيما عيون البلد بأكملها شاخصة على عدّ بطاقات الاقتراع وأصوات المحكمة العليا. ولا يقلّ عن ذلك أهمية أنّنا لم نكن نملك أهدافاً جذّابة. في ذلك الوقت لم نكن في حاجة إلى أعذار إضافية لملاحقة أسامة بن لادن أو منظمته. لكن إطلاق الصواريخ الجوّالة على الصحراء لن يحقّق شيئاً. علينا دخول الملاذ الأفغاني.
اعتقد العديدون بأنّنا أصبحنا مهووسين. ولم يدرك آخرون تمام الإدراك كيف يمكن أن يقوم الإرهابيون في بلدانهم بالتخطيط لهجمات في بلداننا. وكانت ثمة قيود واضحة على ما يمكننا القيام به من دون مساعدة حكومات ذات عقلية مماثلة. أوحت لجنة 11/9 بأنّ صنّاع السياسة في الإدارتين لم يدركوا تماماً في الفترة المؤدية إلى 11/9 حجم التهديد الإرهابي. وذلك هراء.