انقلاب 23 شباط 1966

1966 : انقلاب 23 شباط على القيادة القومية لحزب البعث وسجن أمين الحافظ وصلاح البيطار ومنصور الأطرش وشبلي العيسمي وغيرهم- ازدياد حدة الاستقطاب بين الدول العربية وانحراف حاد نحو الماركسية لدى كثير من الفئات اليسارية بما فيها القومية التي كانت توصف سابقا بالشوفينية.

من الأخبار التي نقلت إلي في باريس، ومن مختلف المصادر الرسمية والصحافية والشخصية عن انقلاب 23 شباط ، يمكنني أن أجمل الوقائع المؤكدة لهذا الانقلاب بما يلي :

لقد عزمت ، أخيرا، القيادة القومية المتحالفة مع أمين الحافظ في أواخر شهر كانون الأول 1965 ، وبعد أن نشر صلاح البيطار سلسلة مقالاته في جريدة البعث عن تسلط العسكر على الحكم والحزب، وبعد أن انضم محمد عمران الى هذا التكتل اثر مجيئه من سفارة مدريد الى دمشق فجأة، على مجابهة صلاح جديد والعسكريين وانتزاع السلطة منهم، وباتفاق بين ميشيل عفلق ومنيف الرزاز وصلاح البيطار وأمين الحافظ أصدرت القيادة القومية قرارا بحل القيادة القطرية الموالية لصلاح جديد ، وإجراء تعديلات في التشكيلات الحزبية والعسكرية ، وتكليف صلاح البيطار بتاريخ 4/1/66 بتشكيل حكومة ألفها على النحو التالي:

صلاح البيطار رئيسا للوزراء والخارجية، اللواء محمد عمران، وزيرا للدفاع، الدكتور عبدالله عبد الدايم وزيرا للتربية، فهمي العاشوري، وزيرا للداخلية، الدكتور صلاح الوزان - وزيرا للزراعة، الدكتور كمال الحصني - وزيرا للاقتصاد ، اللواء ممدوح جابر - وزيرا لشؤون الرئاسة، الدكتور هشام العاص - وزيرا للصناعة، المهندس سميح الفاخوري - وزيرا للأشغال العامة، المهندس محمود النجار - للشؤون البلدية والقروية، موفق الشربجي - وزيرا للمالية، يوسف خباز - وزير دولة لشؤون الحكم والسياحة، الدكتور حنين سياج- وزيرا للصحة والاسعاف العام، الدكتور شاكر مصطفى - وزيرا للاعلام، الدكتور محمد الفاضل - وزيرا للعدل، جميل ثابت (عامل) - وزيرا للشؤون الاجتماعية والعمل، جميل حداد - وزيرا للاصلاح، الدكتور عبد الوهاب خياطة - وزيرا للتخطيط، بشير القطب - وزير دولة للشؤون الخارجية، المهندس نزال الديري - لشؤن الجزيرة والفرات، الدكتور أسعد درقاوي - وزيرا للثقافة والارشاد القومي، محمود عرب سعيد - وزيرا للدولة والأوقاف، الدكتور عدنان شومان - نائبا لوزير الشؤون الاجتماعية والعمل، ريس الفرحان الفياض - نائبا لوزير الدولة لشؤون الجزيرة.

وقد أذاعت القيادة القومية أثر تأليف هذه الحكومة بيانا جاء فيه :

"ان الحزب يراجع تجربته في الحكم لكي يقفز قفزة جديدة ليتفادى ما ارتكب من أخطاء وليصحح الانحرافات وليرسم طريقا جديدة".

"ان شعار القفزة الجديدة هو مزيد من الانفتاح على الجماهير لأن دور الحزب في هذه الجماهير ليس دور البديل أو الوصي".

"ان الأوضاع التي أحاطت بالثورة قد دفعت بالحزب الى مزيد من الانكماش ومزيد من التقوقع، مما أفقد الثورة كثيرا من طابعها الشعبي وألبسها لبوس الانكماش والتخوف وصرف الحزب عن واجبه الشعبي".

"ان قوة الحزب لا يمكن أن تستند الى ما يملك الحكم من قوى مادية أو عسكرية أو بوليسية، وان الانفتاح على الجماهير لا بد أن يكون محسوسا في حريات المواطنين وفي إحساسها بالمساواة والعدل".

وفي محاولة لكسب التأييد الشعبي، وتأكيدا لما أعلن من انفتاح على الجماهير، فقد تم اطلاق سراح جميع السجناء من الاشتراكيين العرب وجميع معتقلي سجن المزة وسجن القلعة من جميع الفئات السياسية، كما توجه صلاح البيطار بكلمة للمواطنين جاء فيها :

"ان حكومته ما جاءات إلا بعد أن وثقت من عودة الجيش الى عسكريته، ومن إدراك العسكريين والقواعد العسكرية بضرورة إبعاد الجيش عن السلطة، والتزامه الدفاع عن الحدود".

ولكن البيطار وعفلق والرزاز ومن معهم من المدنيين البعثيين كانوا واهمين في إمكان عودة العسكريين الى ثكناتهم، وكان تسلقهم على أكتاف العسكر للوصول الى السلطة منطبقا عليه قول المتنبي:

ومــن يجعل الضرغام للصيد بازه تصــيده الضــرغــام فيــمن تصـيدا

قبل اسبوعين من انقلاب 23 شباط جرت محاولات للمصالحة بين القيادة القومية وبين صلاح جديد الذي اشترط عليها الشروط التالية :

1- دخوله ومحمد عمران الى مجلس الرئاسة.

2- ألا تتم تنقلات العسكريين إلا بموافقة مجلس الرئاسة.

3- استقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة بموافقة الطرفين.

ولكن القيادة القومية رفضت هذا العرض، وتابعت تحدي صلاح جديد بإصدارها مرسوما (14/2/66) يقضي بإعادة تشكيل المجلس الوطني للثورة الذي سبق أن شكل في 23/2/65 ، واستبعدت من عضوية هذا المجلس اعضاء القيادة القطرية السابقة، وأشركت فيه ممثلين عن مختلف الفئات المهنية الذين بلغ عددهم 143 عضوا، بينهم ثلاثة فقط من العسكريين هم الفريق أمين الحافظ رئيس مجلس الرئاسة، واللواء محمد عمران وزير الدفاع، واللواء حافظ أسد قائد سلاح الطيران.

كانت هذه هي الصورة الظاهرة لما سبق من أحداث 23 شباط، ولكن كلا من الأطراف المتنازعة على السلطة كانت له نواياه المضمرة:

1- لقد ذكرت سابقا ان الدكتور فيصل الركبي زار ميشيل عفلق قبل الانقلاب بعدة أيام وقال له محذرا بأن صلاح جديد وفئة من العسكريين يعدون انقلابا وشيكا، وان هذا الأمر لم يعد سرا، وانما أصبح متداولا ومعروفا لدى رجل الشارع، وكان فيصل الركبي أثيرا عند ميشيل عفلق لأنه الوحيد في حماه الذي انضم لحزب البعث قبل دمج الحزبين، فقال له ميشيل عفلق بصراحة :

إن الصدام بين أمين الحافظ وصلاح جديد يخلصنا من تسلط العسكريين على الحزب والحكم.

ومن الجدير بالذكر أن ميشيل عفلق كان يثني على صلاح جديد بصورة خاصة من بين العسكريين بينما كان ينزعج من الفريق أمين الحافظ ومن تصريحاته التي يظهر فيها ثقته بالاشتراكيين العرب ودعوته لوحدة الحزب.

2- أما اللواء محمد عمران فقد كان يضمر كراهية وشعورا بالخطر على طموحاته من الفريق أمين الحافظ، أكثر مما يضمر لصلاح جديد، ولكنه على كل حال كان يرى في وقوفه على الحياد، عند الصدام بينهما، الموقف السليم الذي سيتيح له أن يحل محلهما في قيادة الحزب والجيش، ومن هنا كان موقفه المتذبذب والبادئ بإشعال شرارة الصدام الدامي بين صلاح جديد والقيادة القومية عندما أصدر، بصفته وزيرا للدفاع، بتاريخ 21/2/66 أمرا بنقل ثلاثة ضباط من أهم ركائز صلاح جديد وهم اللواء أحمد سويداني المدير السابق للمخابرات العسكرية والذي كان عندئذ في إدارة شؤون الضباط، والعقيد عزت جديد آمر سلاح الدبابات والرائد سليم حاطوم الذي كانت وحدته الفدائية تحرس القصر الجمهوري ومحطة التلفزيون ونقاطا استراتيجية أخرى.

3- كان اللواء حافظ الأسد الذي عينه صلاح جديد آمرا لسلاح الطيران يطمع أيضا بالانفراد بالسلطة والحكم مستغلا مركزه الهام في الجيش بصفته آمرا لسلاح الطيران، وبالاضافة الى تعيينه وزيرا للدفاع بعد انقلاب 23 شباط، وبعد تسوية ما حدث بينه وبين صلاح جديد من نزاع على السلطة أثر هذا الانقلاب، جرى تعيينه أيضا أمينا عاما للقيادة القطرية لحزب البعث.

4- لقد فجر خلو الساحة في سورية بسبب ما تعرض له الشعب وفئاته السياسية من قمع بعد الثامن من آذار كل المطامع والاهواء في نفوس بعض الضباط من الطامعين بالسلطة. وقد ذكرت سابقا ان حاطوم هو الآخر كان طامعا بالحكم وكان يرى بالفريق أمين الحافظ العقبة الكأداء دون استيلائه على السلطة بينما كان يستصغر شأن صلاح جديد ويعتقد بسهولة التخلص منه.

لقد أصبح حاطوم بعد انقلاب 23 شباط يعتبر نفسه (أبو الانقلاب) وان صلاح جديد لم يفعل شيئا في هذا الانقلاب سوى الاشراف عليه من بعد، فطلب اشراك أنصاره في الحكومة التي ألفها يوسف زعين وقامت بينه وبين صلاح جديد مشادة عنيفة لهذا السبب في مقر وزارة الدفاع، ولكن صلاح جديد حرمه من أن يحوز على المكاسب التي يعتقد أنه يستحقها، لذلك عمد الى تقوية مركزه في الجيش ففتح باب التطوع لمن يريد في قطعته التي هاجمت قصر الضيافة، وبدأ بتوزيع الاسلحة على المتطوعين متحديا أوامر القيادة والقوانين المرعية ومتجاوزا الطريقة المتبعة في الانتساب للجيش والشروط الواجب توفرها.

ونتيجة لهذا التضارب في المطامع والأهواء أصبح الجيش ، بعد انقلاب 23 شباط الذي قضى على ما تبقى من نفوذ القيادة القومية، منقسما الى كتل ثلاث:

1- كتلة اللواء صلاح جديد أمين سر القيادة القطرية واللواء أحمد سويداني رئيس الأركان.

2- كتلة اللواء حافظ أسد وزير الدفاع.

3- كتلة سليم حاطوم قائد المغاوير ويشكل الدروز معظم أفرادها.

أما كيف تم انقلاب 23 شباط فإن الصحافي باتريك سيل وصف ذلك في كتابه الذي أصدره عن حافظ أسد والصراع في الشرق الأوسط إذ جاء في الصفحة 168 ما يلي :

"بتاريخ 22 شباط قامت اللجنة العسكرية بحركة تمويهية لافقاد الخصوم (أي جماعة القيادة القومية) توازنهم وتمت هذه الحركة بواسطة خدعة قام بها قائد الجبهة المواجهة لاسرائيل، الضابط العلوي عبد الغني ابراهيم، الذي اتصل بقيادة الجيش بدمشق ليفيد بأن شجارا قد نشب بين ضباط خط المواجهة، وأنهم سحبوا السلاح وشهروه في وجه بعضهم البعض، وجعلت هذه الخدعة الفريق أمين الحافظ ووزير الدفاع عمران ورئيس الأركان يهرعون ليحلوا هذه المشكلة، وبعد أن طافوا على الوحدات واشتركوا في نقاشات مطولة، عاد الثلاثة الى دمشق منهكين، واتجهوا الى فراشهم في الثالثة صباحا يوم 23/شباط وبعد ساعتين فقط استيقظوا بصدمة قاسية على صوت الرصاص.

فقبيل الفجر قام فدائيو سليم حاطوم، تعززهم قوة رفعت الأسد الضاربة وكتيبة دبابات يقودها عزت جديد، بشن هجوم على منزل الفريق أمين الحافظ. ومن داخل المنزل قام الفريق وحراسه بدفاع شجاع. واستمر اطلاق النار في هذه المنطقة من وسط دمشق حتى الظهيرة إذ كان أفراد المغاوير يأتون موجة بعد موجة للانخراط في القتال. وأخيرا، عندما نفذت ذخيرة المدافعين، وقتل الحراس، وتهدم المنزل بقنابل الدبابات، وجرح أطفال أمين الحافظ (وقد فقدت إحدى بناته عينها فما بعد) استسلم الفريق (وكان قائد حرسه الملازم محمود موسى قد جرح ونقل الى المستشفى حيث لحق به عزت جديد بقصد الاجهاز عليه، إلا أن موسى سبق له أن كان فدائيا لذلك تدخل حاطوم لانقاذه وهربه فيما بعد الى بيروت). وكانت حصيلة القتال خمسين شخصا.

وتحدى الناس منع التجول وشقوا طريقهم عبر الركام ليحدقوا بذهول الى المنزل المتهدم وأثاثه المطل بجنون من الطوابق المنهارة، والماء يتدفق من الأنابيب المنفجرة. ووقعت صدامات مماثلة في المدن الأخرى. وصمد في حماه بعض الضباط الموالين للقيادة القومية حتى أخضعتهم قوة من حمص يقودها مصطفى طلاس. وفي حلب سيطر الموالون لعفلق على محطة الاذاعة فترة قصيرة بينما قيل إن هناك مقاومة رمزية تم التغلب عليها بسرعة في اللاذقية ودير الزور.

واقتيد أمين الحافظ ومحمد عمران والقادة الموالون لهما الى سجن المزة، كما اعتقل في قصر الضيافة في شارع حلب ثلاثون من قدامى البعثيين بينهم صلاح البيطار ومنصور الأطرش وشبلي العيسمي وكذلك أعضاء في القيادة القومية لبنانيون وسعوديون واردنيون، بينما أصبح منيف الرزاز متنقلا من مخبأ الى آخر وهو يصدر البيانات التي تهاجم الانقلاب حيث كان مريضا وفي رجله عرج فلم يستطع الهرب الى لبنان كما فعل آخرون".

أما ميشيل عفلق فقد ظل في بيته ولم يقدم صلاح جديد على اعتقاله، نظرا لما بينه وبين جديد من مودة سابقة فاتخذ بحرية طريقه الى لبنان ومنها الى البرازيل ومنها الى العراق حيث أصبح أمينا عاما لحزب البعث بعد انقلاب 17 تموز 1968، وفي أواخر السبعينات أصبح منيف الرزاز نائبا للأمين العام ميشيل عفلق، ولكن الاقامة الاجبارية فرضت عليه في بغداد عام 1980 بعد أن اتهم بالمؤامرة التي قيل أن حافظ أسد قد حاكها ضد النظام في العراق والتي أمر صدام حسين اثر ما أذيع عنها بإعدام عدد من صفوة قادة البعث في العراق، أما منيف الرزاز فقد توفي مريضا في الاقامة الجبرية، ولم يشفع له مرضه ولا وساطة الملك حسين.

بعد بضعة أيام من انقلاب شباط وبتاريخ 2/3/1966 عين الدكتور نور الدين الأتاسي رئيسا للدولة وكلف الدكتور يوسف زعين بتشكيل الحكومة فألفها على الشكل الآتي :

يوسف زعين رئيسا للوزراء، ابراهيم ماخوس نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للخارجية، جميل شيا وزيرا للاعلام والثقافة والارشاد بالوكالة، صلا ح المحاميد- وزيرا للشؤون البلدية والقروية، مصطفى حداد - وزيرا للتربية، اللواء ممدوح جابر - وزيرا للاشغال العامة، العقيد عبد الكريم الجندي - وزيرا للاصلاح، مشهور زيتون - وزيرا للتموين، محمد عيد عشاوي - وزيرا للداخلية، موفق الشربجي - وزيرا للمالية، عبد السلام حيدر - وزيرا للعدل، غالب عابدون - وزيرا للأوقاف، عبد الحميد الحسن - وزيرا للتخطيط، سميح عطية - وزيرا للمواصلات(شيوعي)، عبد الرحمن الاكتع- وزيرا للصحة والاسعاف العام(شيوعي)، أحمد مراد - وزيرا للاقتصاد (شيوعي)، العقيد محمد رباح الطويل - وزيرا للشؤون الاجتماعية والعمل، اسعد تقلا - وزيرا للصناعة، عبد الله واثق شهيد - وزيرا للتعليم العالي، اللواء حافظ أسد - وزيرا للدفاع.

كما تشكلت القيادة القطرية على النحو التالي :

نور الدين الأتاسي ، يوسف زعين، ابراهيم ماخوس، اللواء أحمد سويداني، اللواء حافظ أسد، جميل شيا، اللواء صلاح جديد، العقيد عبد الكريم الجندي، العقيد محمد رباح الطويل، محمد عيد عشاوي، فايز الجاسم، كامل الحسين، مروان حبش، مصطفى رستم، محمد الزعبي.