نصوص غير معروفة للماغوط

ارتــــــواء

كم جف ريقك ايها البطل
وكم لفحت الشمس اللامعة جبينك الاسمر،
ورسم الدخان المتفجر... مخادعه فوق اشلاء زندك...
وانت بعيد عن تفجر القطرات الباردة،
في قلبك الظامىء...
كم... وكم ظمئت يا رفيقي... وفي يمناك تحمل...
اعناق العدو...
وفي يسراك تفتح طريق المجد من خلال الجروح... وتنافر الدماء.
*
واذا ما كفت الهتافات الحمراء عن زعزعة القلوب واستراحت آمالك المتدافعة بين
الدم والرماد
سرعان ما تمد اصابعك الرشيقة الى حقيبة
تناهز جنبك...
لتعب منها الثلج المذاب...
وشفتاك المتلاصقتان بفوهة الوعاء...
تعانق نشيد القطرات بغبطة وانسجام
بعد ان راحت عيناك المغمضة من نشوة الحس الرطيب،
تلمح من خلال الآفاق... آبار المجد والكبرياء
وبعد هذا يستيقظ سيفك المصقول من غمده المظلم
ليرتوي من الأعماق الخائفة... من النبع الاحمر... من اشلاء زندك الممشوق.

16 كانون الثاني 1952

 

 

الأم الــكـــســــــولــة

استيقظي أيتها الأم الكسولة
فالمدينة الصرعى يخنقها الضباب
وأرواح عارية تحت القصور
يجمدها الصقيع الملعون

***

فأورديني النهر يا أماه. لأستقي جرعة باردة من ينابيع الارض
الارض التي ملأناها بالسنابل والزهور.

***

فأنا ظامئ منبوذ
أجوب هذا الشارع المظلم الطويل
لأرشف قطرة من النبع الطروب
حيث تستحم الحجارة البيضاء
الحجارة التي بلون قلبي.
***
ولكن ماذا أسمع أيتها الأم العجوز
رنين الكؤوس
ونشيد قطرات نازفة من جرح العناقيد
تعارك الحناجر
وتسيل على المناضد الزجاجية
فمنذ قليل...
مات أخي ذي العينين الرماديتين
وعلى جبينه الابيض
ناحت فراشة الجمال
فأورديني النهر يا أماه
وإلا رحلت عنك الى الابد
وصنعت نعشي من عظام أخي...

22 شباط 1954

 

 

 

لــيـــــــــالـــي الــمــجـــــــد

إيه يا ليالي...
هل تذكرين رفيف جناحي...
بين سحب ضليلة... طائشة العنان...
الى منفى الغرباء... الى ديار المنفيين...
الى وهدة مظلمة...
لا حدود لها ولا قرار...
حيث اتصال جناحي المرهق...
تنطوي بألم وحرقة!
فاسخري يا ليالي الآن...
من جرحي الشاكي السحيق...
واملأي قلبك الاسود المجنون،
صدى من حفيف جناحي!
اعزفي اعزفي... وانثري في أعماقك البلهاء...
رذاذاً من دمي... فتاتاً من كبدي...!
وانك مهما استلبت...
من صدر الرجولة والشموخ...
لن تطول بك الساعات...
أيتها العرائس القبطية المتفحمة
لن تطول أبداً... تهصرين الاكباد
ظلماً وافتراء...
فسأشعل في أركانك...
صحواً من شرايين القمر.
وأحنو على مهدك الأحمق الشرير...
بجرأة... بجرأة واطمئنان
لأصرع وخزك واشواكك
بشاعرية الجروح
بعبقرية الفنان الشريد
لأنك لن تشعري
بإحمرار القوة الثائرة
إلاّ من أصيل الألم
ولن تتألق نجومك الهزيلة الكابية
الا من دماء الغروب
من أعناق المساء...
فمرحباً أيتها العواصف الزاحفة...
من مغارب القطب الجليدي...
فلن تجمد عروقي...
لأنها فروع مقتطفة...
من حديقة الحب والجمال...
وأهلاً أيتها الوحوش الكاسرة،
فلن تلوثي شفاهك المجرمة...
بنزوات دمي...
لأنها خمرة عذراء...
متقطعة... من عناقيد الحس والشعور!

*

فانطقي ما استطعت... أيتها الاوهام والأخيلة.
وأغرسي في حناياي
أصلب ما في فكوكك...
من انجاذ وأنياب...
لأن قلبي اليوم
أصبح مصرعاً وقاتلاً... للبرد والاسوار
لأن قلبي اليوم
أصبح أعنف مرفأ في العالم
يتحمل مسؤولية التألم والنضال
ضد الأعاصير
ضد الانانيات الجانية
والآهات المجرمة
في هذا المجتمع المخنوق

1 أيلول 1951

 

 

 

مـــنـــــــــــــــــــــــــــام

قصيدة حديثة لعبد الناصر

في الساعة الثامنة بتوقيت غرينتش
رأيتك يا دمشق في المنام
أنام على زندك انا وصائب سلام
سعيداً معطراً كأنني خارج من الحمام
والقمر الوليد... يطل من بعيد
يصرخ بي كأحمد سعيد... يا بني يا جمال
ان عدت ذات يوم... فرموك في سوق الهال
فاجلس على الصندوق... كأنني ساقط في الحقوق
اعد الدقائق والثواني
احلم بالزهور والمدى
وبقبلة من اكرم الحوراني
والدهر يدور... وانا احلم بالعودة
على جناح غيمة او حنتور

*

وعندما ادرك الحقيقة
وان عودتي حلم من الاحلام...
اصرخ كالنائب العام...
وابكي واتمتم كالحسون...
أيها الاخوة المواطنون.
فيجيبني الصدى: نون نون
فيجن جنوني، واكوي بنطلوني
لأنتظر من جديد... كطفل صغير
كقنبلة على مدخل البريد

*

أحلم بالهبوط في المطار... كنجمة او هزار
محمولا على الاكف والراحات... كأنني ناجح في الانتخابات
محمولا على الاكف والجماجم
لأعملك يا دمشق فتة مقادم
انقذني يا يوسف مزاحم

 

الصدى العام" - 8 آب 1962

 

 

 

 

 

الــســـيـــوف الـعــربــيـــة

أيها الحبر، انك جبان
ايها الدم... انك ذليل
الجبل يصير عتبة،
والزهرة جمجمة فوق الاطلال...
يا بريق السيوف العربية!
يا نظرات الدم الاخيرة الى الاشجار
نحن المصابيح الاخيرة
والازهار الطافية فوق المتاريس

* * *

سنقف وسط المياه القاتلة
نقرع الابواب المغلقة بأرجلنا
ونصرخ كزوبعة بعيدة من الطيور الخضر.
ايها التراب العربي الاحمر،
ايتها الصخور المليئة بالكذب
نحن الالم والنصر،
نحن الاقدام التي تربت على رخام الطريق،
حيث الحقد ذو الاسوار العربية
ينفتح امام عير الحرب
وزفرات الخيول...
نحن لبنان،
نحن جرحه وضماده.

 

 

 

محمد الماغوط