الطريق إلى الإنتحار

إعداد: إدغار بو ملهب

تعددت الآراء حول ظاهرة العماد عون وانقسمت بين اقسى المؤيدين وأشد المعارضين ورأيت نفسي في الفئة الثانية محتاراً مذهولاً من تنكر المجتمع الذي انتمي اليه لتضحيات كبيرة قدمتها أحزاب الجبهة اللبنانية خلال فترة الحرب ولما كان من الصعب الدخول في حوار عميق مع مؤيدي الجنرال ولي بينهم أصدقاء كثر وذلك كونه يمثل بالنسبة اليهم المنقذ الذي انتظروه طويلاً بعد سنين طويلة من المعاناة والقهر ومن الصعوبة بمكان ان يتقبلوا اي انتقاد للقائد المنقذ الذي لا يخطئ حتى لو لم يفهموا بعض مواقفه وبعض تحالفاته. وحيث انني اهوى السياسة واتابعها ما قيد لي ان املك معلومات كثيرة تتعلق بهذه الشخصية الجدلية رأيت انه من واجبي ان اكتب عن بعض الحقائق والوقائع التي قد تكون جارحة ومحبطة للآمال لكنها بالتأكيد حقائق دامغة لا بد من ان تقال وتصل الى الوجدان حيث ان "الحقيقة يجب ان تقال مهما كانت صعبة" هكذا علمنا بشير وهكذا سيكون...
وانني اذ اوجه هذا البحث الى الأصدقاء اولاً وبخاصة الى العونيين من بينهم لا لشيء الا لاعلاء مستوى الحوار فيما بيننا بحيث ننتهي من اللغة الخشبية ومن التخوين كما من التجريح الشخصي الى لغة العقل حيث نناقش الفكر وأسلوب العمل السياسي لنخلص الى نتائج عملية وواقعية أثبت من خلالها الأسباب التي جعلتني لا اكون في صفوفكم لا بل اكثر من ذلك جعلتني اكون في موقع الخصومة معكم ويهمني في هذا المجال ان اؤكد على الاحترام الكامل للتيار الوطني الحر سيما المناضلين من بينهم الذين تشاركوا مع مناضلين آخرين شرف مواجهة النظام الأمني اللبناني السوري وما تأتى عن ذلك من تضحيات وعذابات شتى.
ولاضفاء المصداقية على المعلومات الواردة في هذا البحث استعنت بعدد من الكتب سيما كتاب "من ميشال عفلق الى ميشال عون" للكاتب الأستاذ فايزالقزي وهو احد أصدقاء الجنرال من اواسط الثمانينات حتى اليوم وباني علاقة الجنرال مع سوريا اواسط الثمانينات كما كان الممثّل الشخصي للعماد عون في الحوار الذي دار في تونس بين العماد عون والقوات اللبنانية بعد اندلاع حرب الإلغاء وكان الدكتور توفيق الهندي ممثلاً للقوات في حينه.
كما استعنت ببعض المعلومات الواردة في كتاب سيرة البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير "السادس والسبعون" في جزئه الأول الممتد من عام 1986 إلى عام 1992، دعمه مؤلفه الصحافي أنطوان سعد بمقابلات مع سيد بكركي وانطباعات له شخصية ومدوّنة كما يتضمن الكتاب تقييم الكنيسة لاحداث عامي 1989-1990.
كما يحتوي البحث على معلومات كثيرة وردت في مقالات ومواقع إلكترونية وكتب عديدة اذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتب كل من الأساتذة :
- روجيه عزام (مؤسس المكتب المركزي للتنسيق الوطني المؤيد للعماد عون)
âEURoeLiban LâEUR(TM)instruction dâEUR(TM)un crimeâEUR
- ايلي سالم (وزير خارجية ثم مستشار الرئيس امين الجميل) "الخيارات الصعبة"
-آلان مينارغ "أسرار الحرب اللبنانية"
-بول عنداري "هذه شهادتي"
- سركيس نعوم "ميشال عون حلم ام وهم" ...

تعريف
ميشال نعيم عون رقمه العسكري 58020 ولد في حارة حريك في 30 أيلول 1935 ماروني متأهل من ناديا سليم بناته ميراي وكلودين وشنتال كان آمر فصيلة في فوج المدفعية الثاني العام 1959 آمر بطارية في فوج المدفعية الثالث العام 1964 عين بعد ذلك قائد كتيبة مدفعية في العام 1976 ثم قائد لواء الدفاع وقطاع عين الرمانة âEUR"بعبدا في العام 1980 ثم قائد اللواء الثامن في العام 1983 وتم تعيينه في العام 1984 قائداً للجيش على اثر حركة 6 شباط التي اطاحت بالعماد إبراهيم طنوس وادت الى انقسام الجيش بين جيش مسيحي في المناطق الشرقية وجيش مسلم في المناطق الغربية.
ومع بداية الحرب كان العماد عون من الضباط المقربين من حزب التنظيم وهو الحزب الذي اسسه رئيس جهاز المخابرات في عهد الرئيس سركيس جول بستاني وترأسه الأستاذ جورج عدوان وهو قاد بعض المجموعات المقاتلة من الجيش والميليشيات في معارك تل الزعتر ضد الفلسطينيين (كتاب روجيه عزام ص 502 ) ثم تقرب من الشيخ بشير الجميل من خلال صداقته لاحد ابرز مفكري حزب الكتائب في حينه الأستاذ أنطوان نجم الذي وضع الى جانب العماد عون بعض الخطط وأوراق العمل لصالح بشير ونستطيع ايجاد بعض هذه الوثائق في كتاب آلان مينارغ "أسرار الحرب اللبنانية".
واستمرت علاقة العماد عون بالقوات اللبنانية بعد بشير سيما في مرحلة الوزير الراحل ايلي حبيقة وكان جلياً تدخل العماد عون لإنقاذ الوزير حبيقة من داخل مبنى الأمن في الكرنتينا المطوق من قبل الدكتور سمير جعجع وذلك اثر طلب سوري مباشر عبر اتصال اجراه اللواء حكمت الشهابي بالعماد عون وقد ذكر الأستاذ روجيه عزام ذلك في كتابه في الصفحة 448 نقلاً عن العماد عون وذلك في حديث مباشر بينهما كما ورد في الكتاب.

مرحلة 1986_1988 العلاقة مع سوريا
في هذه الحقبة كان العماد عون قائداً للجيش محاطاً بمجموعة من الضباط الأوفياء سيما العميد الركن فؤاد عون الذي كانت له مهمة تدوين المشروع الذي يطمحون اليه فكان كتاب "ويبقى الجيش هو الحل" (صدر عام 1988) عبارة عن مشروع سياسي وعسكري إنما بإدارة عسكرية بحتة وقد يكون لغياب الإدارة السياسية للمشروع الاثر الأكبر في فشله كما ان هذه الحقبة شهدت اتصالات ووعود وعهود بين قائد الجيش والسوريين عمل على انضاجها مجموعة من الوسطاء كان ابرزهم الأستاذ فايز القزي(بعثي سابق) ، ويظهر بوضوح في كتاب الأستاذ القزي "من ميشال عفلق الى ميشال عون" الصادر عام 2003 ان للأستاذ القزي دور كبير في بناء العلاقة بين الجنرال والسوريين على خلفية قناعته بان الجنرال يحمل مشروعاً لبناء الدولة وقد كان لصديق الأستاذ قزي الوزير البير منصور دور كبير في التأسيس لهذه العلاقة ويروي الأستاذ قزي قصة اول اجتماع مع عبد الحليم خدام على الشكل التالي:
" فلم نخرج من الجلسة الأولى للقاء عبد الحليم خدّام الاّ وكان البير منصور يحمل تكليفاً باستطلاع برنامج عون السياسي ليعود في الأسبوع اللاحق يحمل تصور عون الشفهي للعلاقة مع سوريا ومشروعه السياسي الخارجي والداخلي وقد نقل ذلك بصحبة محسن دلول الى بلودان".(فايز القزي-"من ميشال عفلق الى ميشال عون" ص 141)

ويظهر بوضوح من خلال الكتاب ان ابرز مشاريع العماد عون هو القضاء على الميليشيات وان كان هذا الهدف هو أساسي لبناء الدولة إنما الثغرة كانت في اعتبار الميليشيات هم المشكلة بذاتها فيما الميليشيات هم نتاج المشكلة الأساسية للبلد الا وهي تركيبته الطائفية والتوازنات فيما بين الطوائف كما علاقته الملتبسة بمحيطه العربي والإسلامي كما دوره في الصراع العربي الإسرائيلي فالعمل على حلّ المشكلة الأساس كان سيؤدي حتماً لإنهاء دور الميليشيات فيما إلغاء الميليشيات دون حل سياسي كان نوعاً من الانتحار وما يدل على هذا المشروع ما ورد في كتاب القزي :
" خرجنا (فايز القزي والبير منصور) من لقاء عون بقناعة مشتركة واحدة هي ان استمرار الميليشيات المسيحية والدرزية هو الترجمة العملية لنجاح مشروع الفرز الطائفي اهم اركان المؤامرة الإسرائيلية على لبنان".
(فايز القزي-"من ميشال عفلق الى ميشال عون" ص 146)

وفيما كان عون يسعى لاتفاق شامل مع السوريين (بحسب رواية القزي) يتضمن إلغاءاً للميليشيات كان السوريون يحاولون الاستفادة من العماد عون للتخلص من عدوهم اللبناني الشرس الا وهو ميليشيا القوات اللبنانية فنقرأ في كتاب الأستاذ القزي ما يلي :
"لم يتأخر السوريون في الكشف عن نواياهم حيال هذه العلاقة (مع العماد عون) فبدأت دمشق تلوّح بالموافقة على دعم الجيش وقائده في صراعه مع الرئيس امين الجميّل ومع القوات اللبنانية.
غير ان هذه العلاقة التي استغرقت جلسات ولقاءات متتالية لترسيخ دعائمها والداعية الى ضرب القوات اللبنانية فقط او كمرحلة اولى لم يقتنع عون بجدواها وطالب بالتفاهم مع السوريين على المشروع السياسي الكامل والبديل معتبراً ان مصير القوات ودورها على الساحة اللبنانية مرتبط بعلاقة جلية مع الميليشيات الأخرى المتواجدة على الأرض ...
وبدأت فعلاً مرحلة الحوارات المكوكية: وعود من دمشق بتقديم كل الدعم ضد الرئيس الجميّل والقوات اللبنانية مقابل عهد يقطعه عون بإلغاء القوات اللبنانية والتضامن السياسي مع سوريا وكانت وعود من عون شاركت انا في نقلها الى دمشق تحمل تضامناً مع دورها الإقليمي وخصوصاً تجاه إسرائيل...
استمر هذا الجدل شهوراً كان خلالها السوريون يتمسكون بإنهاء دور القوات اللبنانية في المنطقة الشرقية تمهيداً لبسط سلطة الدولة على كامل التراب اللبناني وفقاً لمشروع سياسي يتم البحث فيه والتوافق حوله في مرحلة لاحقة ولم يكن مشروع الحل واضحاً فلا عون ولا السوريون يفصحون الا عن مرحلته الأولى وهي ضرب القوات اللبنانية. (فايز القزي-"من ميشال عفلق الى ميشال عون" ص 159-160)

تجدر الإشارة هنا الى ان الجيش اللبناني كان يتلقى مساعدة شهرية بقيمة 500000$ من المملكة العربية السعودية تسلم مباشرة الى العماد عون من خلال رجل الأعمال رفيق الحريري ما مكنه من تأمين التقديمات الاجتماعية لجنوده في فترة اقتصادية صعبة (كتاب روجيه عزام ص 467).
ولتحقيق مشروعه قام العماد عون بحملة تعبئة منظمة لنفوس ضبّاطه وجنوده ضد من اعتبر انه يأخذ دورهم معتمداً على تجاوزات كانت تحصل من وقت لآخر حيث التداخل الجغرافي المشترك لعب دوراً أساسياً في هذا الامر فيما كانت الوية الجيش المتواجدة في بيروت الغربية تتماهى مع الميليشيات ما لم نقل انهم كانوا جزءاً منها ولم يكن من حضور مستقل للجيش الا في المناطق الشرقية وان كان قد بقي للجيش اللبناني من دور فذلك مرده الى استراتيجية مسيحية تقوم على الحفاظ على دور الدولة ومؤسساتها في مقابل استراتيجية الوحدة مع سوريا والذوبان في المحيط العربي ومنطق الجيش الانعزالي ونتابع القراءة حول هذا الموضوع في كتاب الأستاذ القزي:
"...كثّف عون ندواته ولقاءاته مع الضباط الكبار والصغار واعتمد نهجاً وطنياً في تعبئة النفوس مركزاً على مشروع وحدة المؤسسة العسكرية وتقدمها وتفوقها على جميع الاشكال والتنظيمات شبه العسكرية في كافة المناطق اللبنانية تمهيداً لوحدة البندقية في ظل شرعية قوية وعادلة.
فتكرست ظاهرياً اشكال العداء لكل الميليشيات خصوصاً القوات اللبنانية بسبب التواجد الجغرافي المتداخل المشترك وراحت تأخذ شكل الصدام الكلامي طوراً والمناوشات العسكرية احياناً وبالرغم من ذلك فقد استمر عون متمسكاً بموقفه الرافض لإنهاء دور القوات اللبنانية واعلن ذلك بشكل حاسم لدى المؤسسة العسكرية فرجّح الموقف الذي يعتبر القوات كسائر الميليشيات والمسلحين الآخرين يزيلهم مشروع سياسي وطني واحد يشمل لبنان كله".
(فايز القزي-"من ميشال عفلق الى ميشال عون" ص 161)

لكن جدية العلاقة مع السوريين كانت مرتبطة بدعم السوريين لوصول عون لرئاسة الجمهورية فالعماد عون وضبّاطه كانوا يسعون للوصول الى السلطة حيث يمكنهم تنفيذ مشروعهم ولو كلفهم ذلك تنازلات ووعود للسوريين ولكن فاتهم ان السوريين في مكان آخر وهم ان سعوا للقضاء على القوات اللبنانية فذلك لا يعني ابداً تسليمهم البلد لمن لا يؤمن بأن لبنان هو القطر المسلوخ عن سوريا وهنا ظهر العسكر اللبنانيون كهواة سياسة في مواجهة احد ابرز الشخصيات السياسية المخضرمة في القرن المنصرم حيث تمكن الرئيس حافظ الأسد من التلاعب بهم فأخذ منهم كل ما يريده مقابل لا شيء ويتابع الأستاذ قزي :
" استقرت العلاقة بين عون وسوريا على شبه تفاهم وشبه مشروع نتيجة الوعود المتبادلة التي لم تتحول الى عهود وفي فترة من الزمن كانت تقع في ارتجاج موزون يتعالى طوراً ويهبط احياناً ولكنه بقي في حدود التعامل الجاد دائماً والامل شبه المترجم الى الواقع احياناً أخرى وكدنا نقتنع بأن العلاقة باتت شبه مكتملة وان القليل من الوعود التي اوحى بها عون وأخرجناها نحن كوسطاء بصيغة عامة تكفي للحصول على الموقف السوري الإيجابي المؤيد لسلطة عون السياسية من دون البحث في تفاصيل العلاقة وبقيت الضبابية السياسية دائماً هي المناخ الغالب على العلاقة بين عون والسوريين وكأنها الصيغة المرتجاة من الطرفين وان كنا قد مررنا بمراحل وأوقات حسبنا اننا بلغنا الهدف في هذا السباق المحموم لا سيما مع نهاية ولاية امين الجميّل.
وكان لمحسن دلول دور أساسي برعاية هذه العلاقة فبواسطته اجتاز عون تجربة خطف طائرة الهيليكوبتر الى حمانا من قبل الضابط ماجد كرامه الموالي لوليد جنبلاط من دون ان تسقط الوعود السورية لعون دون ان يتورط عون في حملة عسكرية مجهولة ضد المختارة، لكن إعلان ترشيح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية فاجأنا ولم نع خطورته وأبعاده الا عندما أعلنت سوريا تأييدها له وطلبت منا إقناع عون بالتضامن مع موقفها".
(فايز القزي-"من ميشال عفلق الى ميشال عون" ص 162)

وحيث ان الأستاذ القزي تحدث عن وعود ورسائل بين الجنرال والسوريين دون ان ينشر تلك الرسائل ما يضفي نوعاً من الضبابية على تلك الوعود ما يجعلنا نعتمد على مصادر غير قريبة من الجنرال لنطلع على مضمون تلك الرسائل بانتظار ان تنشر من قبل الجنرال او الأستاذ القزي او من قبل السوريين أنفسهم وبانتظار ذلك نقرأ للأستاذ جوزف حداد رئيس "جبهة الشعب" القريبة من السوريين في مجلة الشراع الأسبوعية في عددها الصادر بتاريخ 29\05\2006 بأن اللواء غازي كنعان اطلعه على رسالة خطية موجهة من العماد عون للسوريين يتعهد فيها الجنرال بإنهاء حالة القوات اللبنانية على الساحة المسيحية وبسط سيطرته على المنطقة الشرقية وبعدها الانطلاق من الشرقية للعمل على ضبط إيقاع المنطقة الغربية.
كما نقرأ للكاتب بول عنداري في كتابه "هذه شهادتي" ص 272 رسالة موجهة من الجنرال الى الرئيس الأسد وجهها صيف عام 1988، اكتفي بايراد بعض ما جاء فيها دون تعليق حيث ان كلماتها تعبر عن نفسها:
"انني عسكري،وبهذه الصفة فانني اتمنى ان يعتبرني القائد الكبير حافظ الأسد ضابطاً صغيراً في جيشه (...) وانا قد عايشت الأزمة واقدر كل التقدير ما قدمته دمشق للبنان عامة وللمسيحيين خاصة وواجبي اذا ما حظيت بتأييدها فوصلت ان ارد لها الجميل.انني اتفهم مصالح سوريا في لبنان واسلم بأن امن لبنان من امن سوريا وعلى هذا فأنا مستعد لان أقدم اي تعهد يطلب مني لضمان امن سوريا في لبنان وانطلاقاً منه ان سوريا تخشى ان يفيد العدو الإسرائيلي من الخاصرة الضعيفة في لبنان ومن حق سوريا علينا ان نوفر لها أسباب الطمأنينة وان نشرع وجودها العسكري في لبنان لمواجهة اي اعتداء محتمل عليها كذلك انا مستعد لعقد اي اتفاقات أمنية إضافة الى تمتين العلاقات المميزة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية كلها. اعرف بحكم موقعي ان لسوريا خصوما يناهضوها ويشاغبون على امنها في لبنان وفي هذا المجال انا مستعد لان اقطع دابر جماعة عرفات ومستعد لان ارسل جماعة العراق الى دمشق معلبين في صندوق السيارة".

ترشيح السوريين لسليمان فرنجيه كان بمثابة الضربة القاضية لطموحات العسكر فاستلام السلطة كان أساسياً في مشروعهم وقد وضعوا الخطط اللازمة لتنفيذ ذلك لا بل اكثر فقد أبلغوا من يعنيهم الامر انهم من سيتسلم السلطة بعد انتهاء ولاية الرئيس الجميل فنقرأ في كتاب "ويبقى الجيش هو الحل" عن الخطة لاستلام السلطة وعن الطريقة "الغير شكل" (العبارة وردت في الصفحة 252) التي ستعتمد فقد ورد في الصفحة 254 ما يلي:
"(...)كيف ستكون تجربة الجيش الجديدة لجعل 23 أيلول 1988 بداية حل(...)؟
أ-احترام الولاية الرئاسية الحالية حتى الساعة 24 من تاريخ 22 أيلول 1988 مهما تكن الصعوبات والضغوط.
ب-عدم اجراء انتخابات رئاسية للحيلولة دون مجيء رئيس تسوية وإطالة عمر الأزمة ست سنوات أخرى والاستعاضة عن ذلك بتشكيل قيادة سياسية جديدة باحدى الطريقتين:
-الأولى على طريقة 18 أيلول 1952 اي ان يشكل رئيس الجمهورية حكومة عسكرية قبل انتهاء ولايته يسلمها السلطة والكاملة.
-الثانية ان يشكل الجيش قيادة عسكرية سياسية تتسلم السلطة عند انتهاء ولاية رئيس الجمهورية، او في اي وقت تخلو فيه سدة الرئاسة، او تشكل حكومة انتقالية من السياسيين، او حكومة او حكومات امر واقع.
ج-في حال تقرر بشكل جدي اجرء الانتخابات الرئاسية يجب العمل على إيصال رجل عسكري يحظى بتأييد الجيش ومحبته وثقته وعند تعذر وصول هذا العسكري دعم مرشح غير عسكري ولكن يحظى بثقة الجيش ويتعهد باتباع الحل المقترح وترك يده حرة لتنفيذ هذا الحل"

يظهر بوضوح من الخطة الموثّقة ان الضبّاط قد اخذوا قرارهم بالقبض على السلطة فلم يحصل في التاريخ اللبناني ان جاهر الجيش بنيته لاستلام السلطة فالمعلوم ان الجيش يخضع للسلطة السياسية ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول تكليف الرئيس الجميل للعماد عون بترؤس حكومة عسكرية انتقالية فهل كان ذلك بارادته؟ ويكفي ذكر الحادثة التالية لتبيان القرار المتخذ بالقبض على السلطة فقد ورد في كتاب "الخيارات الصعبة" لمستشار الرئيس الجميل آنذاك الأستاذ ايلي سالم في الصفحات 514-515 ما يلي:
"دخل عون الى مكتبي وقال لي انه عازم على تسلم السلطة اذا لم يجر انتخاب رئيس، لانه لا يستطيع ان يعرض الجيش للفوضى التي تنشأ في أعقاب ذلك، سألته: كيف ستفعل ذلك؟ فقال: سأستولي على القصر الجمهوري وجميع المكاتب الحكومية في المنطقة الشرقية. ثم اضاف يجب ان يظل الجيش موحداً وان تبقى الشرعية في ايد امينة، سألته: هل يذكر لي ذلك كي انقله الى الرئيس، فقال،اجل اذا شئت ذلك.وحين قلت ذلك للرئيس بدا غير قلق وكان رده:"لن يجرؤ على ذلك"

دليل إضافي على نية الجنرال بالقبض على السلطة كان مساهمته في تعطيل الانتخابات الرئاسية وان كان للقوات اللبنانية الدور الكبير في منع انتخاب الرئيس فرنجية على خلفية العلاقات السيئة بينهما الا ان واجبات الجيش كانت تقضي بتأمين الظروف الأمنية الضرورية لتلك الانتخابات لكن تقاطع المصالح مع القوات في شأن معارضة وصول فرنجية حدى بالعماد عون لإرسال اثنين من كبار ضباطه هما عادل ساسين وفؤاد الاشقر لمقابلة الدكتور جعجع ونقل الرسالة التالية :
" اطلب ما تريد لكن اوقف الانتخابات. فردٌ جعجع "سلموا لي على الجنرال وقولوا له خلص ما يعتل هم".
(سركيس نعوم :"ميشال عون حلم ام وهم" 1992 ص 49)

لكن فات الاثنين ان سوريا كانت قد رشحت الرئيس فرنجيه ليتلهوا بمعارضته بينما هي تفاوض الأميريكيين على مخايل الضاهر فيما كان العماد عون يراهن على الخلاف الأميريكي السوري وعلى قدرته على منع اي عملية انتخابية لا يكون هو الرئيس بنتيجتها كما كان خياره الآخر باستلام الحكومة الانتقالية جاهزاً متى سقط خيار التسوية مع السوريين فكان ان ارسل فايز القزي مجدداً الى سوريا ونقرأ في الصفحة 169 من كتاب القزي ما يلي:
"غادرت منزل رفيق الحريري في دمشق لمقابلة ابو جمال متردداً بنقل الرسالة الأخيرة له من ميشال عون بأنه يتطلع الى التفاهم معهم على موضوع الرئاسة حتى وان كان هذا التفاهم مخالفاً للأميريكيين وعندما سمع ابو جمال هذا الكلام مازحني "ريتك جيت قبل ساعة فلقد تأخرت وتم الاتفاق مع الأميركان على ترشيح مخايل الضاهر" وأضاف هذه المرة:"نرجو ان ينضم الجنرال الى الاتفاق فان كان صادقاً بوعده لنا بالتأييد حتى ضد الأميريكيين فان اضعف الإيمان ان يقف الى جانبنا وقد توحد الموقف".

مرة جديدة رأى العماد عون نفسه في مواجهة الخيار السوري في مرحلة من التقارب الوثيق بينهما فوقف محتاراً بين مواجهة سوريا وقطع العلاقة معها فيسقط مشروعه لتولي رئاسة الجمهورية وبين التماهي معها ودعم مرشحيها الرئاسيين فيسقط مشروعه السياسي فاختار الخيار الأول في سابقة معبرة حيث اصدرت قيادة الجيش بياناً عنيفاً عارضت فيه الاتفاق الأميريكي السوري حاسمة فيه تحول الجيش الى حالة خاصة مستقلة بذاتها وغير خاضعة للسلطة السياسية في خطوة متقدمة للقبض على السلطة إنما من خلال حكومة عسكرية يصح فيها كل قول الا ان يقال انها كانت وليدة الربع ساعة الأخير فنقرأ مرة جديدة في كتاب الأستاذ قزي في الصفحة 178 ما يلي:
"ذهبت تواً بعد زيارة الحسيني الى مقابلة العماد عون وبلغته الحوار وعندما عرضت له تصور الحسيني له رئيساً للوزارة ينهي كل اشكال لمحت في عينيه بريقاً كنت المحه كلما كان على وشك اتخاذ قرار او موقف كبير وشعرت انه واثق ومطمئن للنتائج ولا ادري حتى الآن مدى تأييد الإيحاء الذي تركته لدى الجنرال موافقة الحسيني المسبقة على فرضية استلامه رئاسة الوزارة.
ولعل هذا المدخل الى السلطة الذي لم يكن متوقعاً من قبل الجميع كان في خلفية الجنرال ومن بدائله المحتملة والمدروسة".

ولعل ما حصل في تلك الليلة الأخيرة من عهد الرئيس الجميل سيبقى لغزاً معقداً يحتاج فكه فك عقد بعض الالسنة سيما ان الرئيس الجميّل كان من اشد المعارضين لتوزير العماد عون فكيف بتسليمه البلاد وقد وافق الرئيس الجميّل وعلى مضض وذلك قبل يوم واحد من انتهاء ولايته على ما كان يقترحه الدكتور جعجع بتوزير الجنرال عون في حكومة مدنية وذلك لتفادي الصدام بينهما وتصريح الأستاذ كريم بقرادوني لبرنامج "حرب لبنان" الفصل السابع والذي عرض على قناة الجزيرة يؤكد هذه الواقعة لكن الأبرز في هذا الإطار كان ما قاله رئيس جهاز المخابرات في تلك الحقبة العقيد سيمون قسيس للكاتب أنطوان حول موافقة النواب المسلمين المقيمين في المنطقة الشرقية لدخول حكومة انتقالية مدنية (ورد هذا الامر أيضاً في كتاب سركيس نعوم "ميشال عون حلم ام وهم ص 58")
كما يتساءل العقيد سيمون قسيس عن امرين :
" لماذا غيّر الرئيس الجميل رأيه في غضون اثنتي عشرة ساعة في العماد عون؟ اذ بعد اكثر من شهر من النقاش مع الدكتور سمير جعجع حول ضرورة مسألة توزير الجنرال وافق قبل ليلة واحدة على إسناد وزارة الى العماد عون في الحكومة الانتقالية ولكن مع تعيين قائد جديد للجيش.وكان يرفض في السابق مجرد اقتراح اسمه فكيف يصدر قراراً بتعيينه رئيساً للحكومة الانتقالية ولماذا؟ ولماذا أيضاً وافق الضباط المسلمون على المشاركة في الحكومة الانتقالية ثم قدموا استقالاتهم؟ الم يكونوا يعلمون ان ضغوطاً ستمارس عليهم للاستقالة؟ انا اعرف الجواب على السؤالين ولكن الوقت لم يحن بعد لقول كل شيء، ثمة اوان لكل أمر".(أنطوان سعد- "السادس والسبعون" الجزء الأول ص 167)

وبانتظار ان يأتي الاوان المناسب لتوضيح كيفية "إقناع" الرئيس الجميّل بالموضوع يبقى الامر في خانة التحليل والاستنتاج لكن الواقع انه مع نهاية هذه الحقبة كان مشروع "ويبقى الجيش هو الحل" قد قبض على السلطة وان من خلال حكومة انتقالية كانت كافية في تلك المرحلة لبدء تنفيذ مشروع مكلف جداً جداً.

مرحلة 1988-1989 حرب التحرير
بدأت هذه المرحلة مع تسلم العماد عون لرئاسة حكومة عسكرية جمعت الى جانبه ضابطان مسيحييان وذلك بعد ان انسحب الضباط المسلمون المكونون للمجلس العسكري وبدأ عملية "تنقية الجيش" من الضباط "غير الموثوقين" وقد ابعد عن المواقع الحساسة الضباط المقربون من القوات اللبنانية ومن الرئيس الجميًل بالرغم من ان العلاقة مع الدكتور جعجع في حينه كانت جيدة لكن المشروع المنوي تنفيذه كان يتطلب ضبّاطاً كاملي الولاء وقد صنًف الأستاذ قزي في كتابه الضباط المقربين من القوات بأنهم خارجون عن المنأقبية العسكرية غير مدرك ان الجنرال عون كان ينتمي الى هذه الفئة في مرحلة سابقة وقد اورد القزي في الصفحة 183 ما يلي :
" ففي مجال تنظيم المؤسسة العسكرية اجرى تشكيلات فورية...
اما داخل المؤسسة العسكرية فلم يكن الجنرال بحاجة الى اجراء الكثير من التعديلات بل كان يكتفي بابعاد بعض الرموز المناهضة له وذات اللون الفاقع وعلى الاخص الضباط الذين خرجوا عن المنأقبية العسكرية وانحازوا في ممارسة عملهم العسكري الى القوات اللبنانية والميليشيات الحزبية او الرئيس امين الجميل شخصياً...".

مع انقسام البلد بين حكومتين على اثر رفض المسلمين الانخراط والاعتراف بالحكومة العسكرية واعترافهم بحكومة الرئيس الحص تحرك العرب في محاولة لتسوية الأمور وايجاد مخارج للازمة المتفاقمة فكان ان دعيت الحكومتين الى لقاء مع اللجنة العربية يعقد في تونس لكن اللافت هناك كان الاهتمام الكبير بالعماد عون ومرد ذلك الى دعم العراق ومنظمة التحرير الفلسطينية له والتي توجت بلقاء مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ما جعل العماد عون يسقط في فخ الانتصار الوهمي ويبدأ مباشرة بعد عودته من تونس بتوجيه رسائل للعرب والأميريكيين حول قدرته على ضبط الأمور على الأرض وبالتالي تأمين الدعم له ولمشروعه غير مدرك ان الدعم الذي حظيه في تونس كان مجرد رسالة الى السوريين في حسابات المصالح الأميريكية وليس تأييداً للعماد عون للسير قدماً في مشروعه فاندلعت على اثر تونس اشتباكات بين الجيش والقوات بما عرف بمعركة 14 شباط وتحت حجة اشكال قواتي مع ضباط المغاوير في فاريا
ونقرأ في كتاب القزي في الصفحة 199 ما يلي :
"لم يعد العماد عون من تونس مزهواً بالانتصار المعنوي الذي احرزه بوجه خصومه الداخليين في لبنان فحسب بل بوعد عربي قوي وإيحاء اميريكي أيضاً برز اثرهما في القرارات التي بدأ ينفذها على الأرض...".

كما يبرز وبوضوح في كتاب "السادس والسبعون" للكاتب أنطوان سعد خلفية معركة 14 شباط التي انتهت باقفال الحوض الخامس التابع للقوات اللبنانية في رواية للمطران ابو جوده في الصفحة 210 :
"في الثالث من نيسان 1989 وعلى الرغم من القصف المتواصل على المناطق السكنية(حرب التحرير) توجه المطران ابو جوده الى قصر بعبدا بتكليف من البطريرك صفير لمقابلة العماد ميشال عون ....وكشف العماد عون ان بعض السفراء طلبوا منه استرداد مرفأ بيروت(الحوض الخامس) للموافقة على قرار اقفال المرافىء غير الشرعية."

كانت تونس الفخ الأول الذي يقع فيه الجنرال ومشروعه فدخل في صدام مع القوات اللبنانية على خلفية وعود باقفال المرافئ غير الشرعية في المنطقة الغربية لكن العكس هو الذي حصل فكان تنصل من الاتفاق الذي كان الرئيس الحص جزء منه لكن الاخطر كان في معاودة الاتصال بين السوريين وعون بعد ان سدد ضربة موجعة لألد اعدائهم في لبنان ومرة جديدة توهم عون ان هذه العلاقة ستخدم مشروعه الا ان السوريين كانوا ينوون استخدامه للقضاء على القوات اللبنانية ووصل الامر بالسوريين الى توجيه رسائل متناقضة للجنرال مغزاها انهم يؤيدون وصوله لرئاسة الجمهورية لكن العقدة تأتي من جانب القوات اللبنانية ويبدو ان العماد عون تنبه للامر لكنه كان قد أصبح محاصراً بغضب قواتي نتيجة لمعارك 14 شباط كما بحصار بحري من قبل حلفاء سوريا نتيجة قراره باقفال مرافئهم غير الشرعية فكان للفكر العسكري دوره في الخروج من هذه الدوامة بالهرب الى الامام عبر إعلان حرب التحرير في 14 آذار 1989 ونقرأ في كتاب الأستاذ قزي عن تلك المرحلة ما يلي:
" كنت (الأستاذ قزي) في تلك الفترة الممتدة من 14 شباط حتى 14 آذار كلما التقيت عون تعمّد ان يفهمني مباشرة أو مداورة أن العلاقة مع سورية عادت اليها الحرارة باتصالات مختلفة يقوم بها أصدقاء عديدون لكن ذلك لم يحفزني على إعادة احياء وساطتي بل آثرت عدم السقوط في تجربة أخرى فأنا أصبحت متيقناً منذ تسلم الجنرال السلطة ان العلاقة بين الرجل وسوريا مستحيلة كما يفهمها هو وكما يريدها السوريون لكن أصحاب الوساطات والمتبرعين كان عددهم يفوق بكثير حجم الحاجة او الطلب ومهما سقط منهم خلال التجربة كان الباقي وحده كافياً لخلق الوهم بأن الوساطة كانت مستمرة، وكان لبعض الضباط المقربين من عون أمثال فؤاد الاشقر وعادل ساسين الدور الاهم في ذلك نظراً لعلاقتهم الخاصة مع ميشال المر الوسيط الحاضر دائماً لاي مسعى تجاه سوريا.
كنت شخصياً قد انقطعت عن زيارة دمشق التي لم تعد تبدي لي اي اهتمام بملف المهجرين ملفي الأساسي معها بعد انهيار الوساطة مع الجنرال عون.فاستنكفت عن زيارة دمشق لأشهر امضيتها في باريس وعيني وقلبي على هذه العلاقة المستحيلة وصادف أن جئت لزيارة لبنان فقصدت الجنرال عون الذي بدا لي في بداية آذار 1989 شبه مطمئن الى تبدل الموقف السوري السلبي تجاهه ولم افهم هذا الشعور الا لاحقاً فبعد بضعة أيام من لقائي الجنرال التقيت الصديق رياض رعد واقترح عليّ ان ارافقه الى دمشق لنسافر الى باريس من هناك مع السيد رفيق الحريري وبعد وصولنا الى منزل الحريري في دمشق انتظرناه طويلاً ولم يحضر بسبب قيام الرئيس الأسد بافتتاح قصر المؤتمرات الذي شيّده الحريري على نفقته وقدّمه هدية لسوريا في بداية آذار 1989.
لكن الحريري لم يعد ذلك اليوم الى مسكنه بل انتقل تواً الى عمان على ان يعود بعدها الى الشام وفي اليوم التالي ذهبت انا ورياض رعد الى المطار في دمشق حيث استقبلنا الحريري العائد بطائرته من عمان.
وعندما رآنا توجه فوراً نحوي وبحركة ودودة اصطحبنا الى سيارته وقادها بنفسه باتجاه منزله في دمشق،جلست الى جانبه ورياض رعد في المقعد الخلفي،قال:"لن اذهب غداً الى باريس لقد غيّرت برنامجي وذلك مفيد لأنك يجب ان تنقل رسالة الى صاحبك" ويقصد الجنرال ميشال عون وببسمته المميزة ولهجته الصيداوية المحبّبة والمفعمة بالأسلوب المباشر قال:"روح خبّر صاحبك هالمرة الرئاسة الو". وروى لنا ان الرئيس الأسد اصطحبه بعد الحفلة الرسمية في قصر المؤتمرات الى غداء خاص استمر من الثانية ظهراً حتى السابعة مساءً دار الحديث خلالها عن الانتخابات الرئاسية في لبنان.وقد اكد الرئيس الأسد "ان ميشال عون افضل المرشحين المؤهلين للوصول الى سدة الرئاسة فهو بالإضافة الى صفاته الأخلاقية ومميزاته العسكرية لم يقبل قيام اي علاقة او اتصال بينه وبين الإسرائيليين".
بدا الحريري مذهولاً مندهشاً بكلام الرئيس الأسد وثنائه على عون فسأله مستفسراً اذا كان ذلك يعني ان سوريا ستؤيده في طموحه السياسي فأكد الرئيس الأسد كلامه للحريري قائلاً:"يمكنك ان تنقل هذا الكلام عن لساني" فنحن نعتبره افضل المرشحين.
طبعاً كان هذا الكلام مفاجئاً لي و لرياض رعد الذي كان متعاطفاً دائماً مع الجنرال عون رغم تأزم علاقته مع سوريا فلم ندخل الى منزل السيد الحريري بل عدنا فوراً الى بيروت حاملين رسالة رفيق الحريري مع تهنئته للجنرال بالرئاسة المؤكدة.
....وفي أثناء انتظارنا وصول السيارة لتنقلنا الى بيروت شعرت بيد تمسك بمنكبي من الوراء فالتفت فاذا بالعميد غازي كنعان يبادرني:"ولو بتروح على الشام،ولا تمر عليّ؟".اعتذرت منه مؤكداً انني لم اكن في زيارة لدمشق بل في طريق العبور الى باريس وانا الآن عائد الى لبنان لتغيّر الرحلة ولم اطلعه يومها على رسالة الحريري الى الجنرال ولكنه اخذني جانباً وحمّلني رسالة أخرى قال فيها:"لقد ارسلت مع شخص آخر الى صديقك الجنرال،ان يبقى متنبهاً متيقظاً ليوم الثالث عشر من آذار وقل له ان هذه المعلومة مهمة يستطيع هو ان يقابلها بمعطيات أخرى قد تتوافر لديه". وعندما اصررت عليه ان يوضح الرسالة اكثر قال لي :"أنت أخبره وهو يعرف ان القوات اللبنانية تحضر نفسها لمتابعة 14 شباط".عدت الى بيروت وتوجهت فوراً الى قصر بعبدا وأبلغت الجنرال تفاصيل الرسالتين كما سمعتهما.
ولم يكن احد سوى الجنرال قادراً على اكتشاف الهدف الحقيقي من الرسالتين المتزامنتين،
هل كان ذلك إيحاءً بخطة ما تقضي بتلويح قبوله رئيساً مقابل دفعه الى صدام مع القوات اللبنانية وتصفيتها بعد توقف معركة 14 شباط؟ ام كانت رسالة سورية الى أميركا بالتعاون مع عدوها ميشال عون لإقحامه في لعبة التصارع الإقليمي والمصالح الدولية؟
في هذا الوقت كان ميشال عون وبعد الصدام بينه وبين القوات قد وضع مشروعاً يعيد هيبة الدولة ولو نسبياً تجاه الميليشيات وقد سرّبه الى سليم الحص عبر قنوات خاصة.وتم التوافق على اقفال المرافئ غير الشرعية التي كانت مصدراً للشكوى المحلية والدولية وبوابة الحرب والجريمة.
بدلاً من ان يفيق لبنان في 13 آذار على صدام بين الجيش والقوات كما رسم سابقاً وكما توقعته رسالة العميد غازي كنعان،قرعت الميليشيات والقوى في المنطقة الغربية طبول الحرب ضد ميشال عون اذ راحت قذائف متفرقة تتساقط يومياً ابتداءً من 6 آذار على مرفأي بيروت وجونيه دون ان يرد ّ الجيش اللبناني على هذه القذائف حتى صبيحة 14 آذار،في هذا اليوم تساقطت فجأة قذائف مدفعية مجرمة على مستديرة الأونيسكو فحصدت عدداً كبيراً من المدنيين الابرياء وجاء الرد سريعاً ومبرمجاً بقصف وزارة الدفاع حيث اصيب مباشرة مكتب الجنرال عون الذي بادر الى تسمية هذه الحرب ب "حرب التحرير" مختصراً بذلك المسافات السياسية بينه وبين السوريين معلناً انقلابه النهائي على هذه العلاقة التي بدت له ممكنة قبل أيام وبدت لكثيرين غيره انها واعدة ومتحققة حتى يوم الانفجار في 14 آذار وهي في الحقيقة والواقع علاقة مستحيلة.
لم يكن لميشال عون اي شريك او حليف في هذه الحرب لو لم تبادر القوات اللبنانية الى اللحاق بموقفه دفاعاً عن المنطقة الشرقية متجاوزة الآثار السلبية التي تركتها معركتها مع الجيش في 14 شباط".
(فايز القزي-"من ميشال عفلق الى ميشال عون" ص 208-214)

على اثر إعلان حرب التحرير تأزمت علاقة الجنرال مع بكركي التي رأت فيها انتحاراً في ظل ميزان قوى مختل وفي توقيت خاطئ جداً ودون تنسيق مع اي من الجهات الدولية التي كانت بمعظمها تعارض هذه الحرب وفي تقييم بكركي لاحداث سنتي 1989-1990 سيما ما يتعلق بحرب التحرير نقرأ التالي:
" وجاءت حرب التحرير وقد اعلنها دون استشارة احد من الناس.فاتصل غبطته بكل المراجع الدولية طالباً النجدة فأجابت انها مع لبنان ووحدته وسيادته واستقلاله بحدوده المعترف بها دولياً.وسأل غبطته بعد ذلك العماد عون-والمعارك حامية-علام يتكل لمواجهة الجيش السوري فأجاب:هناك وراء الخطوط السورية ثلاثة الاف مجموعة ستهب للمساعدة لإخراج السوري. وهي مجهزة تماماً. ولم يتحرك احد.وكان خراب وقتلى وهجرة وتهجير.فكيف الإمكان الموافقة على هذه الحرب وهي خاسرة مسبقاً لعدم تكافؤ القوى؟ افما قال السيد المسيح اي ملك يذهب لمحاربة ملك آخر بعشرة آلاف؟...وقيل بعدئذ:ليس المقصود دحر الجيش السوري بل لفت نظر العالم الى القضية اللبنانية وحمله على الاهتمام بها.واهتم العالم باسره: الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية والمجموعة العربية وحتى المجموعة الدولية.فقادنا هذا الاهتمام الى الطائف.حرب التحرير هي التي افضت بنا الى الطائف"
("السادس والسبعون-الجزء الأول" ص 321).

تزايد العنف والهجرة وانسداد الأفق دفع بالبطريرك الى السعي لمبادرة ما فكان ان دعى الى لقاء نيابي يعقد في بكركي وانتهى الى إصدار بيان يدعو فيه الى وقف لإطلاق النار فكانت المواجهة الأولى بين عون وبكركي فمنطق "الامر لي" لا يتقبل رأياً آخر وشعار التحرير لا يقبل وقفاً لإطلاق النار فهل يجوز وقف إطلاق النار أثناء التحرير من الاحتلال؟ شعارات رنانة تحكمت بالناس التواقين الى تحرير بلدهم لكن ما يراه البطريرك لا يراه المواطنون المأخوذون بشعارات التحرير فالواقع انها كانت حرب استنزاف يتبادل فيها الطرفان إطلاق النار على الأرض اللبنانية دون اي محاولة تقدم عسكري على الأرض كما ان المناطق الشرقية محاصرة والمواد الأولية تكاد تختفي والهجرة المسيحية تتفاقم بالرغم من القصف المتواصل على البواخر فكان اجتماع بكركي المواجهة الأولى التي ستليها مواجهات اشد واعنف بين منطق العقل والحسابات الدقيقة وبين منطق الانتحار تحت شعار "الجيش هو الحل".
ونتابع القراءة في سيرة البطريرك عن تلك المرحلة :
" رأى البطريرك الماروني انه لا بد من محاولة إطلاق مسعى جديد يؤكد على الثوابت الوطنية وفي مقدمتها سيادة لبنان واستقلاله وفي الوقت نفسه يفتح افقاً جديداً.فدعا النواب المسيحيين الى اجتماع في بكركي في الثامن عشر من نيسان 1989.شكل هذا اللقاء الاصطدام الأول بين البطريرك الماروني والعماد ميشال عون غير ان هذا الاصطدام لم يكن مباشراً وفضُل الجنرال ان يكون عبر النواب الثلاثة والعشرين الذين حضروا اللقاء.وقد تعرض بعضهم لتهديدات واستهدفت مكاتب بعضهم الآخر بالحجارة او بالحرق".
(الكاتب أنطوان سعد "السادس والسبعون-الجزء الأول" ص 216).
" احصت صحيفة لوريان لو جور بعد ثلاثة أيام على انعقاد اجتماع الثلاثة والعشرين نائباً مسيحياً ثلاثة وعشرين تظاهرة معارضة في بكركي معظمها اتى من كسروان وقد اطلق المتظاهرون شعارات قاسية ضد النواب وهتافات مؤيدة للعماد عون .فرد البطريرك صفير بموقف رفض فيه أسلوب التعامل معه ومع النواب.وبعد ان جدد تمسكه بسيادة الدولة اللبنانية،توجه الى المتظاهرين بالقول :"نحن نعيش في بلد ديمقراطي هذا يعني ان كل فئة من الشعب يحق لها ان تعبر عن رأيها(...) بالفوضى تضيع الأمم.وليس بالشعارات الغوغائية يعاد بناؤها.لا يحق لكم ان تملوا علينا رأياً اياً كان هذا الرأي.ونحن نعلم ما نريد".
(الكاتب أنطوان سعد "السادس والسبعون-الجزء الأول" ص 221).

1000 قتيل،3000 جريح و300000 مهجر ومهاجر نتيجة لحرب التحرير ودمار لم يعرفه لبنان سابقاً ولم يتحرر شبر واحد فتدخل العرب وخلفهم الأميريكيون وطرحوا مبادرة من سبعة بنود تولى الموفد الجزائري تسويقها وبعد اخذ ورد وافق الأفرقاء اللبنانيون على المبادرة العربية بما فيهم العماد عون وتضمنت البنود السبعة بنداً يتعلق بمنع إدخال السلاح الى المتقاتلين كما تضمنت بنداً يدعوا الى ذهاب النواب الى الطائف ليتفقوا حول مشروع حل قائم على معادلة الانسحاب السوري (مطلب المسيحيين) مقابل الإصلاحات الدستورية (مطلب المسلمين)
وذهب النواب المسيحيون الى الطائف بعد ان عقدوا اجتماعاً مع العماد عون كما لاقاهم النواب المسلمون وبدأت المناقشات وكان العماد عون يتابع تطور الأمور من خلال المهندس داني شمعون الذي كان على اتصال مباشر بكل من النواب بيار دكاش وميشال ساسين المحسوبين على حزب الأحرار وتوصل النواب الى تسوية بين الأطراف المتنازعين تنهي القتال وتحل الميليشيات كما تنص على سلسلة من الإصلاحات الدستورية لمصلحة المسلمين وتنص أيضاً على جدولة الانسحاب السوري باتجاه البقاع في مدة سنتان من تاريخ اقرار الإصلاحات وترك امر الانسحاب النهائي للحكومتين على ان يجتمعا بعد سنتين ويحددا عدد الجنود ومدة بقائهم في لبنان.
طبعاً لم تكن تسوية الطائف هي المرتجى بل كانت الحد الأدنى المطلوب لكن في ذلك الزمن ومع وجود سوريا وإسرائيل والفلسطينيين وحراس الثورة الإيرانية في لبنان كما مع وجود عشرات الميليشيات ومناطق النفوذ لم يكن بالإمكان افضل مما كان فللمرة الأولى تلوح في الأفق فرصة ليتنفس اللبنانيون الصعداء علهم يتمكنون من بناء دولة طال انتظارها وان لم تكن دولة الطائف على قدر الطموحات لكنها بالتأكيد افضل من الوضع الذي كان قائما.ًمعظم الأفرقاء اللبنانيين كانت لهم تحفظاتهم لا بل معارضتهم الشديدة سيما عند الطائفة الشيعية وبالرجوع إلى أرشيف الصحافة لتلك الفترة، نجد اتفاق الطائف، في نظر معظم الأصوات الشيعية، "اتفاقاً مارونياً، ومؤامرة خارجية، ونسخة منقّحة من اتفاق 17 أيار، ومجرّد اتفاق لوقف النزاع المسلّح يمكن الالتزام به اضطراراً، إنما ينبغي العمل بكل الوسائل المتاحة لإسقاطه أو تغييره...". هذا الموقف يظهر بوضوح من خلال تصريحات وبيانات لكل من ـ على سبيل المثال لا الحصر: الأستاذ نبيه برّي رئيس حركة أمل آنذاك (النهار 21/10/1989)؛ المجلس المركزي لحركة أمل (النهار 3/11/1989)؛ السيد محمد حسين فضل الله (النهار 4/11/1989)؛ السيد حسن نصر الله (النهار 5/11/1989)؛ السيد عباس الموسوي (النهار 14/11/1989)؛ الشيخ صبحي الطفيلي ـ أمين عام حزب الله آنذاك (السفير 7/3/1991).