القنبلة البشرية

استراتيجية للموت, بلا حدود.. من سيريلانكا الى كابول, من لندن الى بالي. كما تكشف دراسة تعمل على تحديد الهوية, والاهداف الجديدة.

واحدة من المذابح التي وقعت في الفترة الاخيرة, يعود تاريخها الى السادس من شهر تشرين الثاني الماضي, وكان مسرحها مدينة باغلان الافغانية, الواقعة على بعد 150 كيلومترا من كابول, هجوم انتحاري نفذه احد الارهابيين ضد وفد برلماني, مما تسبب بمقتل ما يزيد على 50 شخصا. انها العملية الاخطر في تاريخ افغانستان الحديث, التي تضاف الى سلسلة الموت والدمار, التي لا تعرف الحدود ولا الامتدادات الجغرافية.

وفي العراق وحدها, اقدم الانتحاريون من حملة الاحزمة الناسفة بمدة تقل عن ثمانية اشهر, على تنفيذ ما يزيد على 800 عملية, متسببين بسقوط ما يقارب 150 الف ضحية من القتلى والجرحى. وتبعا للتقرير الاخير الموضوع من قبل الباحثين بمركز ابحاث الخليج, الذي يعمل في دبي بمجال الامن والمعلومات, فإن الارقام تصبح مرعبة اذا ما تم جمعها على المستوى العالمي. كماشة العنف تدفع الكون الى وضع متفجر الى اقصى حد, الامر الذي يروق للارهابيين, وغالبا ما تكون الاهداف محددة بالمساجد في العراق, والاسواق في اسلام اباد, وشوارع لندن, والمراقص في بالي, والمسارح الموسكوية. والاماكن المزدحمة في كشمير. ولا يستثنى من ذلك الاطفال, النساء, السواح, الحجاج, العسكريين, والمدنيين, الذين يمثلون جميعا اهدافا مباحة بالنسبة للكاميكازي الحروب الدينية والصراعات القبلية.

ووفقا لما توصل اليه العاملون في مركز ابحاث الخليج (GRC), فإن المهاجم الانتحاري, الكاميكازي, الذي يتزنر بالحزام الناسف اللدائني, كان قد تحول ليصبح سلاحا استراتيجيا خطيرا, اطلق عليه اسم "القنبلة المفكرة", ويتم انزاله الى ميدان المعركة ليكون ندا للمدرعات, والكلاشينكوف, والصواريخ, ولكن في الوقت الذي تعتبر فيه الاسلحة التقليدية قابلة للاعتراض والسيطرة, فإن الاولى على العكس من ذلك تماما, حيث تكون غير قابلة للاستيعاب, ولا يمكن ايقافها, وبخلاف القنبلة الذكية, والالغام المضادة للافراد, والقذائف المضادة للدروع, وكذلك القنابل الذكية, فإن "المتقنبلين الانتحاريين يكونون متزودين بفتيل طويل يحتاج عند اشتعاله الى سنين وسنين كي يستنفد ويستهلك".

"لقد شاهدت صورا لاطفال لم تتجاوز اعمارهم 10 اشهر, وقد شدت الاحزمة من حول الخصر, واطفال في السنة الثانية من العمر, وقد تحزموا بها اثناء الاستعراضات التي تقوم بها مختلف الجماعات المتطرفة الشرق اوسطية". هذا ما صرح به جيرالد بوست, مدير معهد السيكولوجية السياسية من جامعة جورج واشنطن ومؤلف كتاب: "Leaders and Their Followers in a Dengerous World"; سيكولوجيا السلوك السياسي: "يتم اعداد الشخص الانتحاري منذ الطفولة". لقد اجريت مقابلات مع عدد لا بأس به من قادة الكتائب الانتحارية; واكدوا جميعا لي انه يتم اختيار قواتهم بعناية فائقة, من بين الاوساط التي تكون فيها عائلات باكملها قد وهبت نفسها وحياتها لنصرة القضية. فيتم فصلهم عن اترابهم. ليقيموا علاقات حميمة مع قادتهم. وكانت الحقيقة الدامغة قد تسربت من هذا التقرير, حيث يمنحهم المجتمع نوعا من القداسة, فيعاملهم كمعاملته لاولئك الذين اختارهم القدر فأصبغ عليهم ثوب التقوى والتفاخر النموذجي للتعصب الرياضي, السياسي, والديني. هم المختارون, المفضلون, الذين اراد القدر ان يكونوا يد الله او يد الحزب العقابية. لذلك ينالون اعجاب واحترام المجتمع المحيط بهم.

* عالمية الموت: اذا كان يسمى في وقت ما وصنع الكاميكازي الذي يتمثل في صناعة ذات مواصفات عائلية تقليدية, ممهورة ببادرة استعراضية, بالقدر التي هي فيه دموية وفظيعة, فإن اجتياح امريكا للعراق, والسجلات الخاصة بالارهاب الدولي, كانت قد حظيت بمختبر يفيد في تجربة تقنيات ووسائل يصار فيما بعد الى تبنيها على المستوى العالمي. ويلاحظ ذلك الخبير في مجال الامن الدولي, المدير السابق لمركز مكافحة الارهاب في السي. آي. ايه. ينشينت كانيّسترارو, فيقول: "لا يعني ذلك انهم يعمدون الى تداول كتيب ارشادي. ولكن يتم اللجوء منذ عام 2001 الى تفحص وتحليل الكيفية التي يتوجب على مختلف المنظمات الارهابية, وحركات التحرر الوطني, اتباعها في العمل على تنفيذ هذا النوع من الهجمات, بحيث يختتم ذلك بتعلم كل منهم". وقد تم التوصل الى نفس النتيجة كذلك من قبل الباحثين في مركز ابحاث الخليج, الذين اكتشفوا ايضا انه اذا ما اجريت مقارنة فيما بينها, فإن العمليات الانتحارية ما بعد العراق كانت قد تحسنت بشكل جلي. بما يعني ذلك من نجاح, وقوة تدميرية, عن تلك التي نفذت قبل الغزو.. اما في الحالة الافغانية, على سبيل المثال, فيلاحظ حدوث توجه مأساوي الى الترفع, ليس فقط فيما يخص عدد الهجمات. ولكن كذلك بالنسبة لنموذجية الاهداف المختارة, التي يحرص على ان تكون اكثر استراتيجية باستمرار.0

- تميزت العمليات الانتحارية في الشيشان بتنفيذ العنصر النسائي لـ 42% منها, والمشاركة بـ 58% من العمليات التي نفذها الرجال.

* النموذج الافغاني: وفقا لما يقوله حكمت قرضاي, مدير معهد دراسات النزاع والسلام في كابول, فان الهجمات الانتحارية في افغانستان, التي لم تكن معروفة قبل عام ,2001 كانت قد انتقلت من واحدة في عام ,2001 الى ثلاث في عام ,2003 وحتى 118 في عام ,2006 ومن وجهة نظر مصطفى العاني, الذي يشغل منصب مدير شعبة الامن والارهاب في مركز ابحاث الخليج, فان 50% من الاعمال الحربية التي تقوم حركة طالبان بالتحضير لها هي مكونة من العمليات الانتحارية.

ويتحدث كانيسترارو بصدد ذلك قائلا:"علينا عدم الاستغراب, فقد لجأت طالبان لتبنيها نظرا لكونها قد اثبتت نجاعتها في العراق". وكان النجاح الذي حققته طالبان قد بدا جليا في شهر ايلول الماضي, بعد ان قام انتحاريو الحركة بتفجير حافلة وسط العاصمة كابول, حيث اعلن حامد قرضاي عن استعداده لضم حزب الملا عمر الى حكومته. فكان مما قال بهذا الخصوص "اني مستعد للقبول به بكل ترحاب, وذلك عائد الى رغبتي في وضع حد للصراع, والمعارك الدائرة في افغانستان". وماذا بخصوص رد حركة طالبان? هجوم جديد ببداية شهر تشرين الاول, تسبب بسقوط 13 ضحية, واعقب ذلك المجزرة التي حدثت في باغلان في شهر تشرين الثاني.

* الارامل السوداء: اصبح ما بعد العراق يُسمع كذلك في الشيشان, حيث كانت حرب التحرير ضد الروس قد دُمغت باحداث دموية على كلا المنحدرين بشكل خاص. وذلك من خلال زيادة ملحوظة فيما يتعلق بالهجمات الانتحارية, ولكن المعطى الجديد الاكبر بالنسبة للصراع في القوقاز, هو ما تمثل بالدور الملحوظ الذي اضطلعت به النساء, المعمدة باسم "الارامل السوداء" نسبة للبزات السود التي يرتدينها, فقد انجزن حتى نهاية 2006 (42%) من العمليات, وشاركن بـ 58% من الهجمات التي كانت من تنفيذ الرجال. اسطوريتان العمليتان اللتان نفذتهما الاختان امانات, وروزا ناغاييفا, اللتان تسببتا بسقوط ما يزيد على 100 ضحية, نتيجة قيامهما بعمليتين منفصلتين: الاولى في شهر ايلول ,2004 واثمرت عن اسقاط طائرة, اما الثانية فاستهدفت قطارات الانفاق الارضية في موسكو. وعرضية كانت كذلك اول عملية انتحارية شيشانية مختومة بماركة انثوية, التي كانت قد نفذت في شهر حزيران عام 2000 في مدينة الخان - يورت من قبل خافا باراييفا ابنة التاسعة عشرة, وتسببت بمقتل 27 عسكريا روسيا.

* نمور التاميل: ان كانت قد تحققت في الشيشان تلك اللحمة ما بين الطموحات العلمانية وتلك الدينية, التي تتسلح بها قوى المقاومة, وتسبب بالجزء الاكبر منها, الغضاضة التي تحلى بها المجتمع الدولي في ممارسته للضغط على روسيا من اجل التوصل الى حل للمنطقة. لاخذ صفة الاستعجال, حيث يؤكد الباحثون في المعهد الشرق اوسطي ان الهجمات الانتحارية لم تكن ذات طابع ديني على الدوام, اسلامي على وجه الخصوص. ويمثل الدليل على ذلك, الوضع الذي يعيشه نمور التاميل الذين تتألف غالبية قواتهم من الماركسيين والهندوس, الذين لجأوا الى استخدام هذا السلاح منذ العام ,1987 وآخر عملية نفذت في شهر تشرين الاول 2006 من قبل مقاتل تاميلي واحد ضد قافلة بحرية تابعة لسيريلانكا, ما تسبب بمقتل 95 بحارا. كما شكل نمور التاميل فصيلين يضمان عناصر مختارة على استعداد للقيام بعمليات انتحارية.

فبدلا من ان تشكل حالة نمور التاميل استثناء, فهي تمثل القاعدة تقريبا. وبتحليل طبيعة العمليات الانتحارية المعاصرة, تلك التي نفذت منذ بداية الحرب الاهلية اللبنانية بمنتصف اعوام السبعينيات كان قد كشف عن ان من بين 362 عملية سجلت حتى نهاية عام 2003 بمناطق مثل سيريلانكا, اسرائـيل, فلسطين, الشيشان, العراق, ونيويورك, التي شارك بتنفيذها 462 كاميكازيا, فان 42% منها فقط كانت من اعداد مجموعات دينية, وهو ما ينفي قضية الطابع الديني بالمطلق لهذا النوع من السلاح, وتساهم في دحض ذلك ايضا الحقيقة القائلة انه قد تم في لبنان تسجيل 70% من الهجمات كانت قد نفذت من قبل اناس ينتمون الى التابعية المسيحية.

ومن المؤكد انه من الواجب الاخذ بعين الاعتبار مسألة الحث على الاستشهاد, التي تستحوذ على بعض المجموعات المتطرفة من كلتا الديانتين, الاسلامية والمسيحية. ولكن ما جعل من العملية الانتحارية ان تكون سلاحا استراتيجيا, كان قد تمثل في فعاليتها. اضافة لما يقوله جون بايك, مدير غلوبال سكيوريتي اورغ, المركز المتخصص بمواضيع الامن, الحرب, والارهاب حيث يقول ان الهجمة الانتحارية هي اكثر فطنة وذكاء من اي سلاح ذكي آخر, فتكلفتها منخفضة نسبيا, وتبعا لما يتم الحكم بشأنه فيما يخص الوضع العراقي, فان هناك احتياطا لا ينتهي من المرشحين الجاهزين للصعود على مذبح الحرب المقدسة.