حكاية مزارع شبعا

محمود حيدر
مرت خمس سنوات إلاَّ قليلاً على دحر قوات الاحتلال الاسرائيليمن القسم الأعظم من جنوب لبنان. وفي خلال تلك السنوات لم ينته الجدل المحلي والاقليمي والدولي حول طبيعة الزمن الجديد الذي حلّ على لبنان في سياق الصراع العربي ـ الصهيوني. ولهذا أسباب معقدة ومتداخلة لا حصر لها. أهمها وأبرزها ما يلي:
أولاً: بقاء جزء من الأرض اللبنانية أسيرة الاحتلال، في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، فضلاً عن الإشكاليات الناجمة من الطريقة التي جرى فيها ترسيم الحدود من جانب الأمم المتحدة، وهي التي عُرفت يومذاك بـ خط لارسن أو الخط الأزرق ، والتي كانت موضع تحفظات لبنانية جدية تتصل بالسيادة الوطنية.
ثانياً: بقاء لبنان بفضائه، وبرِّه، وبحره، مجالاً مشرعاً على الخروقات والاعتداءات الاسرائيلية، ما جعل سيادته الوطنية عرضة للاستباحة في كل لحظة. ولعل العودة الى التقارير اليومية التي صدرت عن مراقبي الأمم المتحدة، وتلك التي بحوزة المقاومة الاسلامية، إنما تكشف الحجم الهائل للانتهاكات السيادية.
ثالثاً: بقاء لبنان في حالة حرب مع اسرائيل ، شأنه في ذلك شأن سائر البلاد العربية التي لا يزال جزء من أرضها تحت الاحتلال، أو تلك التي لم تفلح التسوية السياسية معها في اقامة منظومة استقرار أمني وسياسي للمنطقة ككل.
رابعاً: بقاء قضية الأسرى والمعتقلين اللبنانيين في سجون الاحتلال ضمن حالة من التجاذب والتنافر، ناهيك عن استمرار النيات الاسرائيلية العدوانية لتحقيق أطماعها بالثروات المائية اللبنانية، والسعي الى فرض معاهدة سلام على لبنان لا تقل خطورة وكارثية عن مضامين اتفاقية السابع عشر من أيار (مايو) 1983. وهي الإتفاقية التي جاءت كثمرة لغزو لبنان، ثم ما لبثت ان أسقطت بفعل مقاومة اللبنانيين وإجماعهم الوطني.
لم تكن هذه الأسباب مجرد أعراض. والذي جعل لبنان محفوظاً من حرب اسرائيل ية مضادة غايتها قلب موازين ما بعد التحرير أو الثأر لهزيمة جيش الاحتلال، يكمن في معادلة الردع التي شكلتها المقاومة الاسلامية كمنظومة دفاعية في اطار الاستراتيجية الوطنية اللبنانية الشاملة.
خلال الاسابيع المنصرمة، عاد الجدل حول المقاومة، والسيادة، وحول مصير لبنان في فضاء الصراع العربي ـ الصهيوني الى دائرة غير مسبوقة. ولقد جاء هذه المرة محمولاً على صهوة القرار الدولي رقم 1559، حيث ذهبت التفسيرات الاميركية والاسرائيلية الى توظيفه بصورة أساسية ضمن دائرة السجال المحتدم حول نزع سلاح المقاومة، مثلما جرى توظيف بنوده الأخرى في الاتجاه الذي يفك ارتباط لبنان بمحيطه القومي، ويمهد الطريق لنظام سياسي لبناني يصبح معه عقد اتفاقية سلام مع اسرائيل أمراً بديهياً.
إنَّ القضية الأبرز، والتي تربط بعروة وثقى مع مصير سلاح المقاومة، هي قضية الأرض المحتلة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. حيث تطرح مساحات شاسعة من التشكيك بلبنانيتها، أو بأن مصيرها يتعلق بالقرار 242 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في حزيران (يونيو) عام 1967 وليس بالقرار الخاص بلبنان رقم 425 الذي صدر عن المرجعية الدولية نفسها، إثر ما سمي بعملية الليطاني في آذار (مارس) 1978.
لكن السجال حول هذه القضية ليس جديداً، وإن كان يتجدد اليوم على نشأة مختلفة. فقد كانت قضية مزارع شبعا تعود الى ساحة الجدل السياسي اللبناني والاقليمي والدولي كلما احتدم الكلام على وجوب وضع حد أخير للجبهة الأمنية ـ العسكرية المفتوحة بين لبنان و اسرائيل .
غير أن بقاء ملف القضية المشار اليها مفتوحاً كان يعني في المنطق الجيو ـ استراتيجي أن لبنان لا يزال يمضي عميقاً في لجة الصراع العربي ـ الصهيوني، ومن دون أن يترك له القدر فرصة المغادرة. والمسألة من هذا الوجه لا تتعلق بأحكام القيمة حيث يجري الحديث المديد عن عدم جواز استمرار جنوب لبنان ساحة حرب منذ أكثر من ثلث قرن، بل هي تتصل في حقيقتها الواقعية بحقائق تاريخية وجيو ـ سياسية وأمنية لا يبدو لبنان بمنأى من مؤثراتها العميقة منذ نكبة فلسطين قبل أكثر من خمسين عاماً.
هكذا تبدو قضية مزارع شبعا وكأنها الباب المفتوح دوماً على قدر الجغرافيا والتاريخ الذي يجعل لبنان عضواً أساسياً في صراعات المنطقة، وفي تشكل أي نظام للأمن الاقليمي المقبل. فيما ظهر كأن الحدود الجنوبية مع فلسطين يعاد تشكيلها على نصاب جديد.
ما حكاية المزارع المحتلة... ولماذا لم تدخل في نطاق جلاء الاحتلال الاسرائيليالذي حصل في الخامس والعشرين من أيار (مايو) 2000؟.. وهو السؤال الذي طالما عزّز ويعزز من حالة الجدل حول مدى تنفيذ اسرائيل للقرار 425؟
هنا الحكاية التاريخية ـ الجيو ـ سياسية، والأمنية لمزارع شبعا اللبنانية.
حين فرغت اللجنة الدولية لترسيم الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية من أعمالها الميدانية أواخر صيف العام 2000، دأب خبراء الأمم المتحدة ومن جانب واحد على ترسيخ خطاب صارم وجازم، مؤداه أن الجبهة الأمنية المفتوحة بين لبنان و اسرائيل غلَّقت أبوابها الى غير عودة. لم يتنبَّه هؤلاء، ومعهم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان ناهيك عن الاميركيين والاسرائيليين بصفة خاصة، الى أن خط الانسحاب الاسرائيلي المعروف بـ خط لارسن أو الخط الأزرق لم يكن سوى خط هدنة جديدة، وأن اختراقات اسرائيلية للأرض اللبنانية لا تنفك تجعل من أطروحة الاحتلال، أطروحة قائمة في الواقع.
هكذا جاء اندلاع الجدل السياسي ـ العسكري حول مزارع شبعا ليعيد الاحتلال الاسرائيلي لجزء من لبنان الى سياق مستأنف. وهو سياق حاولت اسرائيل أن تقيم عليه الحد، حين توافرت على غطاء واسع النطاق من جانب الأمم المتحدة والإدارة الاميركية. غير أن الموقف اللبناني الذي عبّر عنه رئيس الجمهورية إميل لحود قبل بضع سنوات في مذكرة بعث بها الى المنظمة الدولية، سيفتح ثغرة مهمة في هذا الغطاء، وسينزع أحد أبرز الأسلحة التي سعت اليها الأمم المتحدة، من خلال استدراج لبنان لإعلان موافقته على النتائج الميدانية والسياسية التي توصّل اليها مبعوث الأمين العام تيري رود لارسن لجهة ترسيم الحدود بين لبنان و اسرائيل في صيف العام 2000. ولقد جاء الخطاب اللبناني واضحاً حين اعتبر أن مزارع شبعا هي أرض لبنانية لا تزال تحت الاحتلال، وأن لبنان سيواصل العمل من أجل استعادتها بالوسائل كافة، بما فيها المقاومة المسلحة.
اعتبارات جيو ـ استراتيجية
أخذ الجدل القانوني والسياسي محلاً وازناً في الأوساط المحلية والإقليمية والدولية حول البعد الجيو ـ استراتيجي لمزارع شبعا الواقعة عند مثلث حدودي بين لبنان وسوريا وفلسطين. وربما يكون التعامل الخاص مع موقعها هذا عائداً الى التعقيدات والتداخلات الجغرافية والتاريخية والسياسية التي مرّت بها قضية المزارع في امتداد زمن طويل.
تقع بلدة شبعا على السفوح الغربية لجبل حرمون قرب الحدود اللبنانية ـ السورية وعلى علو 1400 متر عن سطح البحر، وهي إحدى البلدات الكبرى في قضاء حاصبيا. وتعود أهميتها الاستراتيجية الى خمسة عوامل:
1 ـ اتساع ملكيتها العقارية بحيث تقدّر بـ200 كلم مربع، وتمتد من الجسر الروماني على نهر الحاصباني (علو 450 متراً) حتى جبل الشيخ (علو 2600 متر).
2 ـ موقعها المشرف على المنطقة، وخاصة في مرتفعاتها، حيث بنى الاسرائيليون محطتهم الشهيرة للإنذار المبكر التي يمكن منها مراقبة محيط كبير من منطقة الشرق الأوسط تمتد من العراق حتى مصر. وبحكم هذه الصفة فهي حارسة البوابة الجنوبية ـ الشرقية للبنان.
3 ـ ثرواتها الزراعية وبشكل خاص الثروة المائية. فبالإضافة الى وجود نبعين كبيرين في شبعا يغذيان المنطقة وصولاً الى جديدة مرجعيون (نبع المغارة ونبع الجوز) فإن شبعا تقع على خط المياه الجوفية الرئيسية لجبل الشيخ حيث يوجد ثاني أكبر خزّان مائي في شرق المتوسط (بعد خزان صنين ـ الأرز) ومنه تتفجر ينابيع بانياس واللدان والوزاني التي تشكّل المصدر الرئيسي لمياه نهر الأردن.
4 ـ كونها على مفترق الحدود بين ثلاث دول: لبنان وسوريا وفلسطين. وهذا ما يجعل ملكيتها (خاصة مزارعها الموجودة على مثلث الحدود هذه) عرضة للتجاذبات السياسية الدولية. فترسيم الحدود، في منطقة فقيرة بالمياه، يأخذ في الاعتبار الوضعية المائية كمصلحة حيوية للدولة، ويعرّضها بالتالي للتجاذبات من أكثر من جانب، ومن ثم للقضم وفقاً للتطورات الدولية ولميزان القوى.

5 ـ كونها منطقة سياحية من الدرجة الأولى حيث يوجد فيها أجمل المناخ وأطيب الفواكه صيفاً، وفيها أفضل الأمكنة للتزلج شتاءً.
هذا الوضع المميز لشبعا بالمعنى الجيو ـ ستراتيجي جعل من هذا الحيّز الممتد، من إصبع الجليل الى جبل حرمون، مكاناً مليئاً بالألغاز المتعددة وعدم الوضوح: في الحدود، في الإشارات، في الصور الجوية، في التحفظات، في الترسيم، الى الانتماء والهوية. وكانت مزارع شبعا الأكثر معاناة، ولا تزال، لأنها واقعة في قلب المثلث اللبناني ـ السوري ـ الاسرائيلي(1).
تاريخية الاحتلال
ربما كان من أهم عناصر الجدل الذي لم يحسم بيسر حول مزارع شبعا أن قضية احتلالها سابقة على أول احتلال فعلي لجنوب لبنان في حرب آذار (مارس) 1978، أي أنها لم تكن على صلة مباشرة بالقرار رقم 425 الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي بعد الاحتلال المذكور. وهو ما سيبعث سجالاً متعدد المصادر والاتجاهات ـ سنأتي عليه لاحقاً ـ حول هوية المزارع، وتعلّق قضيتها بالقرار الدولي رقم 242 المتعلق بالتسوية الشاملة في المنطقة. على أن اضاءة الحكاية منذ فصولها الأولى ستفيدنا في جلاء هذه القضية في أبعادها الوطنية والقانونية والسيادية.
يذهب عدد من المؤرخين الى أن اغتصاب أراضي بلدة شبعا وغيرها من الأراضي التي استولت عليها اسرائيل قد بدأ حتى قبل قيام الدولة اليهودية بفترة طويلة، أي منذ حقبة حكم الإمبراطورية العثمانية، مروراً بالحقب التالية التي شهدت على السيطرتين الاستعماريتين الفرنسية والبريطانية. وهي عملية مرّت بأطوار ومراحل متعاقبة:
ـ الأولى: بدأت منذ مؤتمر بال 1897 وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى.
ـ الثانية: منذ نهاية الحرب العالمية الأولى الى نهاية الحرب العالمية الثانية.
ـ الثالثة: من عام 1967 حتى 1970 ثم الى عام 1992.
المرحلة الاولى: بعد المؤتمر الذي عقدته المنظمات الصهيونية والذي اتخذت فيه قرارها النهائي، بإقامة دولة اسرائيل في فلسطين، بدأت هذه المنظمات تشجع اليهود على شراء الأراضي في فلسطين كعملية تمهيدية للسيطرة عليها وإقامة دولتهم فيها، وقد أصدر السلطان عبد الحميد فرماناً (أي مرسوماً) يقضي بمنع تطويب الأرض وبيعها لليهود في فلسطين. وكان ذلك سبباً لخلعه على ما تُبين ملفات الأحداث آنذاك. وفي هذه المرحلة لم تتمكن المنظمات اليهودية من الاستيلاء أو شراء أي قطعة أرض من اراضي مزرعة المغر، ولكنها استطاعت شراء بعض الأراضي في فلسطين، كما نالت وعداً من بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى، هو الوعد الذي أصدره اللورد بلفور وزير الخارجية البريطانية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، المعروف بوعد بلفور.
المرحلة الثانية: حيث انتهت الحرب العالمية الأولى بسقوط الدولة العثمانية وزوال سيطرتها على بلادنا، إلا أن هذه النعمة لم تدم طويلاً، فقد جاء جور الانتدابين الفرنسي على سوريا ولبنان والبريطاني على فلسطين والأردن والعراق، ليضع السيطرة المستأنفة على نشأة جديدة. وخلالها بدأ رسم الحدود وفق اتفاقية سايكس ـ بيكو، البريطانية ـ الفرنسية. وقد تطورت الحدود وتغيّرت لتخدم الحركة الصهيونية وأطماعها حيث كانت حاضرة ومتنبهة لتستعمل أشكال النفوذ والضغط كافة، لرسم الحدود التي تتوافق مع أهدافها. وبعد أن كانت منطقة الحولة بكاملها تابعة للنفوذ الفرنسي، والتي غالبية مُلاك الأراضي فيها من قضاءي مرجعيون وحاصبيا اللبنانيين في أول الأمر، ضمت هذه الأراضي الى النفوذ البريطاني بين عام 1920 و1923 وذلك بموجب اتفاقات بين الدولتين المنتدبتين، ولا سيما في مؤتمر سان ريمو 1920 واتفاق 29 تموز (يوليو) 1920، ثم اتفاق تعديل الحدود الذي جرى في 23 حزيران (يونيو) 1923. وبموجب هذه الاتفاقات تمّ سلخ قسم كبير من الأراضي اللبنانية وضمها الى فلسطين، بالإضافة الى أراضي الحولة، حيث اقتطعت الاتفاقات المشار اليها شريطاً حدودياً شمل عدة قرى مع أملاكها، وهي المعروفة بالقرى السبع وهي: إبل القمح، هونين، النبي يوشع، قَدَسْ، المالكية، صلحا، طيربيخا. وبذلك حصلت القطيعة النهائية بين هذه الأراضي والأراضي اللبنانية. وعند قيام دولة اسرائيل بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بفترة أي في العام 1948 خسرت بلدة شبعا جزءاً من أراضيها في سهل الحولة لا سيما تل القاضي وسواها من الأراضي. ومما تجدر الإشارة اليه أن المنظمات الصهيونية حاولت مراراً شراء الأراضي من أهالي المغر والحولة من أبناء شبعا، لكنهم رفضوا بيع الأراضي رفضاً قاطعاً.
المرحلة الثالثة: وهي الأخطر بالنسبة الى اغتصاب مزارع بلدة شبعا، فبعد الحرب العربية ـ الاسرائيلية التي جرت عام 1967 بفترة وجيزة بدأت اسرائيل تستولي على مزارع بلدة شبعا بالتدريج، وذلك تحت حجج واهية للاستيلاء على الأرض وضمها اليها. وقد فعلت ذلك مستغلة ضعف وجود الدولة في المنطقة بعد توقيع اتفاق القاهرة بين الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية، فكانت تدمر بيوت هذه المزارع وتزيلها لا سيما بين عامي 1970 و1986.
وقد ضمت اسرائيل أراضي هذه المزارع اليها بصورة تدريجية كما أشرنا، وأقامت الأسلاك الشائكة ومنعت أصحابها الشرعيين من استثمارها وحرمتهم من أملاكهم، وعلى هذا النحو فقد أهالي البلدة أملاكهم وأراضيهم الزراعية ومراعي الماعز وسائر المواشي، كما فقدوا مصادر الرزق الأساسية ونزحوا في كل اتجاه طلباً للرزق.
في هذا السياق يبيّن النائب اللبناني السابق منيف الخطيب في عدد من مطالعاته البرلمانية أن المزارع التي اغتُصِبَتْ، هي بكاملها أملاك لأبناء بلدة شبعا منذ القدم، باستثناء مزرعة المغر التي اشتراها حمود الخطيب في مطلع القرن التاسع عشر ووزعها ابنه علي أفندي الخطيب على أبناء بلدة شبعا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بالتساوي. خصوصاً على آل برغش وآل زليخة وآل عساف وآل هاشم وغيرهم من عوائل المسيحيين.
يتبع.....