أباطرة سوريون حكموا روما

يرأس الأسرة السورية "سبتيموس سيفيروس " الليبي من لبدة، وكان يتكلم الفينيقية وتزوج من جوليا دومنه الحمصية التي تتكلم الآرامية شقيقة الكنعانية، وكانت جوليا ابنة "باسيان" الحمصي الكاهن الأعظم في معبد إله الجبل "إيلاغبال" في حمص، وكانت ابنته جوليا على جانب عظيم من الذكاء والجمال والثقافة، وتزوجت من "سبتيموس" عام 175م وكان من كبار الموظفين. ثم أصبح إمبراطوراً على روما عام 211م، فبنى قصراً على هضبة "البالاتين". وكانت زوجته قد فرضت سلطانها إذ رافقت زوجها في انتصاراته وفي حكمه. فمنحتها روما لقب "أم الوطن" ولقب "أم مجلس الشيوخ" ولقب "أم الجيوش" وفتحت أبواب قصرها إلى السوريين الذين وفدوا إليها كعلماء ومفكرين وفلاسفة ورجال دين(14).
و استعانت "جوليا دومنه" بعدد من السوريين، أمثال قريبها الفقيه "بابيان" ثم "أولبيان" و"ديوجين" كاتب التراجم و"ديو كاشيوس" المؤرخ و"فيلو سترات" السفسطائي.

كما اعتمدت على شقيقتها "جوليا ميزا" _التي جاءت معها من حمص مع ابنتيها الشابتين الجميلتيين.
و ولدت جوليا دومنا ولدين، الأول باسيان وأصبح إمبراطورا تحت اسم "مارك أوريل" أو "كارا كالا" والثاني "جيتا" الذي قتله أخوه بعد موت أبيه ليرث مكانه في الحكم.
وعندما قتل ابنها "كارا كالا" غدراً، حزنت عليه وامتنعت عن الطعام حتى ماتت ودفن رمادها في مدفن أوغست في روما باحتفال مهيب.

و"جوليا ميزا" كانت أكثر تأثيراً في السياسية والعقيدة وتحويل المجتمع الروماني نحو الحياة الشرقية ونشر العادات والتقاليد السورية. وهي أرملة أحد السوريين ولها منه ابنتان جميلتان هما "جوليا سوميا" التي تزوجت ابن خالتها "كارا كالا". و"جوليا ماميا" التي تزوجت ابن "كارا كالا" الإمبراطور "إيلاغبال".
خلدت روما ذكرى الإمبراطور "كارا كالا" بالحمامات الكبيرة التي مازالت آثارها قائمة حتى الآن، وهي تمتد على مساحة قدرها أحد عشر هكتاراً، وكانت تتسع لألف وستمائة زائراً، تمارس فيها جميع أنواع الرياضة وتضم مكتبة ضخمة فكانت مركزاً ثقافياً ورياضياً وليس مجرد حمام للاستحمام.
وكانت الحمامات مزينة بالفسيفساء ومكسوة بالرخام المرمر والتماثيل الرائعة، وتحيطها الحدائق والمنتزهات والمرافق الأخرى.

ويعد "كارا كالا" من أبرز الأباطرة الرومان الذين تركوا آثاراً اجتماعية هامة، إذ اصدر مرسوم "كارا كالا" الشهير الذي جعل بموجبه جميع سكان روما سواسية يخضعون لقانون واحد ضمن حدود الحرية والحقوق الأساسية التي منحت إليهم. وكان "كارا كالا" يضرب المثل بتواضعه وحسن معاملته للشعب والجنود، فيعيش معهم ويأكل من أكلهم ويستمع إلى طلباتهم ويحل مشاكلهم. ولكنه قتل في حران شمالي سورية وهو في ريعان عمره وفي قمة مجده. ولقد حمل "كارا كالا" هذا الاسم لأنه يرتدي الكاراكال، وهو رداء سوري يشبه العباءة.

بعد موت "كارا كالا" قتلاً وموت أمه "جوليا دومنا" حزناً عليه، حصلت في روما اضطرابات تزعزع النفوذ السوري على أثرها، إلا أن الفرقة الغالية الثالثة المؤلفة من الجنود السوريين المرابطة قرب مصياف، وبتأثير "جوليا ميزا" أعلنت "أفتينوس" إمبراطوراً على روما تحت اسم "إيلاغبال" وهو ابن "جوليا سوميا" و"كارا كالا"، وكانت جدته "جوليا ميزا" قد استردت مكانتها وقيادتها للأمور ودعمت الإمبراطور الصغير 14عاماً وابنتها بحامية سورية جديدة.
كان "أفتينوس" قد ورث صفة الكاهن الأعظم في معبد حمص، وكان الحجر الأسود الهرمي الذي يرمز إلى الإله "إيلاغبال" الشكل المقدس في العبادة السورية، فنقل الحجر الأسود إلى روما، وأنشأ له معبداً خاصاً وميزه على سائر الأشكال المقدسة وبنى قربه مذبحاً، وكان الإمبراطور يمارس الطقوس والشعائر في المعبد على الطريقة السورية، ويتبعه في ذلك جميع رجال الدولة.
ثم أنشأ معبداً آخر في ضواحي روما، وجعل الحجر الأسود ينتقل بين المعبدين على عربة محلاة بالذهب والأحجار الكريمة وباحتفال رسمي.
ولقد أثار هذا التحول العقائدي المتعصبين من القادة الرومان، فتآمروا على الإمبراطور وأمه "جوليا سوميا" وكثيراً من رجال الحاشية السورية، وألقوا بجثثهم في نهر التيبر 229م وهدموا المعبدين وأعادوا الحجر الأسود إلى سورية.
لم يكن "إيلاغبال" قد سمع إلى نصائح "جوليا ميزا" الحكيمة القديرة، وكانت تنتظر لحفيدها هذه النهاية المحزنة، وتسعى إلى استبداله بحفيدها الآخر "الكسيانوس" ابن "ماميا" ابنتها الثانية، الذي أصبح إمبراطوراً بعد مقتل "إيلاغبال"، واعتلى العرش تحت اسم "اسكندر سيفيروس".
لقد استمر "اسكندر سيفيروس" على علاقته بسورية كسلفه "إيلاغبال"، وكلاهما كانا يشغلان منصب الكاهن الأعظم في حمص، واستمر ذلك حتى أثناء اعتلائهما العرش.
وكان اسكندر قد أيد الديمقراطية وجعل الأمر شورى معتمداً على مجلس المستشارين. ولعل اعتماده على القانون والعدل وتركيزه على ممارسة الديمقراطية لم يكن يرضي بعض الفئات التي كانت تعيش على المنح والميزات. فقتلوه في خيمته عام 235م مع أمه "ماميا" وكان حكمه قد امتد ثلاثة عشر عاماً.