آخر الأخبار

الزَّجَلُ اللبنانيّ "مَهرجان دَيـر القلعة"

في العددِ السابق من "صوت داهش" تحدَّثتُ عن الزجَل بشكلٍ عامّ، وركَّزتُ على الزجَل اللبنانيّ وزغلول الدامور بالتخصيص. تطرَّقتُ إلى نشأةِ الزجل وتطوُّره، وبيَّنتُ إسهام اللبنانيِّين في تطوير هذا الفنِّ وإيصالهِ إلى ما هو عليه الآن. حاولتُ مقارنة الزجل بالشِعر الفصيح، وأبرزتُ أسماءَ بعض الأعلام الذين كتبوا بالفُصحى والعامِّـيَّة، مُركِّزًا على مفهوم "الارتجال" عند شُعراءِ المِنبر الكبار. تحدَّثتُ أيضًا عن زغلول الدامور: مقامِه وريادتِه في تطوير الزجل، وإسهامِه الفريد في إرساء دعائم المسرح وبروتوكول الحفلة الزجليَّة، وأوضحتُ كيف أصبح الزغلول صوتَ كلِّ لبنان ومُؤسِّسَ المدرسة الزجليَّة الأُولى. ذكرتُ أنَّه ليس بإمكاننا جَمعَ كلِّ قصائد الزجَّالين وردَّاتِهم لأنـَّها وليدةُ المناسبة وبِنتُ لحظتها، ثمَّ أنهيتُ المقالة بكلمةٍ عن ضرورةِ الموهبةِ وأهمِّـيَّتها في عمليَّة الارتجال مُقارَنـةً مع دور الذاكرة والبديهة، وقدَّمتُ لحفلة بيت مري مؤكِّدًا أنـَّها بقيَتْ قِمَّة الحفلات وذروة اللقاءات.

في مقالة هذا العدد، سأعمدُ إلى تسليط الأضواء على جوِّ الحفلة العامّ ومناسبتها ثمَّ أتدرَّجُ إلى تحليل افتتاحيَّتي موسى زغيب والزغلول تحليلاً كاملاً مع الإشارة إلى بعض الأبيات والمعاني التي وردت في المساجلة الزجليَّة التي تَلت الافتتاحيَّتين. ثمَّ أختتمُ بكلمةٍ عن الفرق بين الشِعر العامِّيِّ والزجل.

تمهيد: جَوُّ الحفلة العامّ ومُناسبتُها.

يوم 21 تمُّوز 1971 كان يومًا غير عاديّ في تاريخ الزجَل اللبنانيّ؛ فيه تعانقَت الشِّفارُ مع الشِّفار، وتلاحمَت السيوفُ مع السيوف، شفارُ الزجل وسيوفُ الارتجال، في لقاءِ جوقة زغلول الدامور مع جوقة خليل روكُز في باحةِ قلعة بيت مري الأثَريَّة بالمَتن. فمُعظمُ لبنان، يومَها، كان مشغولاً بهذا اللقاء، مُترقِّبًا ساعة الحَسم. يومَذاك، مشيتُ من المنصوريَّة إلى بيت مري لأنَّ الطريق العامّ أُقفلَ بسببِ صفّ السيَّارات الذي امتدَّ، بدون انقطاع، من أوَّل المنصوريَّة إلى مدخل القلعة. فمَن أرادَ الوصول إلى الحفلة، بعد الظهر، كان عليه أن يمشي. وأذكرُ أنـَّه، يومئذٍ، وصلَ ثمنُ البطاقة إلى 150 ليرة لبنانيَّة، إذْ بيعَت أمامي بطاقتان بقيمة 300 ليرة في السوق السوداء. حوالى أربعين ألف نسمة اجتمعوا في ساحة دير القلعة، وكان الواقفون أكثر من الجالسين.

جلسَ أعضاءُ لجنة التحكيم في الصدارة يترقَّبون بَدءَ الحفلة؛ وكان من بينهم أحمد مكِّي، سعيد عَقل، جورج جرداق وتوفيق الباشا. أمَّا الشعراء فكانوا قد وصلوا جميعًا إلاَّ الزغلول.

حين قاربت عقاربُ الساعة التاسعة ليلاً، الموعد المُقَرَّر لافتتاح الحفلة، نفدَ صبرُ الحاضرين، وتساءلوا بأصواتٍ عاليةٍ وضجَّةٍ متواصلةٍ عن سبب التأخير، وطلبوا أن تبدأ الحفلة حالاً. وما كان إلاَّ أن سمعنا شخصًا يُذيع عَبر مُكبِّر الصوت أنَّ جميع الشُعراء قد حضروا إلاَّ الزغلول. "إلاَّ الزغلول"؟ لماذا؟ وكيف؟ وأين هو الزغلول؟ هل هو مريض؟ هل حصلَ له حادث؟ ولكي يُزادَ الطينُ بلَّة، انتشرت إشاعةٌ بين الناس مفادُها أنَّ الحفلة يمكن أن تُلغى أو تؤجَّل. عندها عَلتِ الضجَّة، وهاجت الجماهير. وسرعانَ ما سمعنا صوتَ الرجل نفسه -ولعلَّهُ أحد المسؤولين عن تنظيم هذا المهرجان الكبير- يؤكِّدُ أنَّ الزغلول هو في طريقه إلى الحفلة، ويُوضِّحُ أنَّ سببَ التأخير عائدٌ إلى أنَّ شقيق الشاعر كان قد تُوَفِّيَ قبل الحفلة بليلةٍ واحدة، مُعلِنًا أنَّ الزغلول الآن، ولا شكَّ، في حالة حُزنٍ وأسًى عميقَين. فهذه فاجعةٌ كبيرةٌ، والشَاعر كان مع عائلته حتَّى الساعة، وقد تركَ حالما انتهى المأتم، وبعد أن رثى الزغلول أخاهُ بقصائدَ مُبكية. ورغم هذه الكارثة، فقد ودَّع الزغلول أخاهُ إلى مَثواهُ الأخير منذ ساعاتٍ قليلةٍ وهو في طريقه الآن ليكون معنا الليلة كما هو مُنتظر.

وقعَ علينا هذا الخبرُ وقوعَ القنبلة، فما نحن عرفنا هل سنفرحُ بوصولِ الزغلول أم سنحزنُ معه. وكيف يا تُرى، سيستطيعُ الزغلول المُشاركة في هذا التحدِّي الكبير المُنتظَر وهوَ لِتوِّه مفجوعٌ بأخيه. قُرابة الساعة العاشرة، عَلَتْ الهتافاتُ والابتهاجاتُ من ورائِنا مصدرُها مدخلُ القلعةِ الرئيسيّ. وسمعنا أصواتًا تُنادي: "وصلَ الزغلول، وصلَ الزغلول." ونظرنا، فإذا بالشَاعر يدخلُ محمولاً على أكتافِ الجماهير، مُرهَقًا، والحُزنُ بادٍ على مُحيَّاه، وكذلك الدهشةُ من هذا الاستقبال العفويِّ البهيج. وفِعلاً شقَّ طريقهُ إلى المِنبرِ مُتنقِّلاً على أَكُفِّ الناس والدَرَك. وعَلا التصفيق والهُتاف والدعاء له. فكان دُخولُه غيرُ العاديّ دخولَ الظافرين الفاتحين.

الحزنُ يُفجِّرُ منابعَ الشِعر مثل الفرَح. والتزامُ الشَاعر والفنَّان الأصيل قضايا مجتمعهِ وشعبهِ ووطنهِ يجبُ أن يبقى فوقَ الظروفِ الشخصيَّة والحوادث الفرديَّة. وتوزيعُ المُصيبة يساعدُ الشَاعرَ على إيجادِ المُشاركة الجماعيَّة، فيخرجُ بذلك من بوتقةِ الحُزنِ الخاصِّ إلى ساحة الحُزن الجماعيّ، ويشعرُ على الفورِ بعاطفة الجمهور ومُبادلته له حُبًّا بحبٍّ وإخلاصًا بإخلاص. فحزنُ الزغلول باتَ حُزنَنا جميعًا، وألمهُ ألَـمَنا.

ولِدقائقَ تَلتْ، خيَّم صمتٌ شاملٌ على المِنبر وعلى الحُضور. كانت تلك لحظة تأمُّل استعدادًا "لِبَدء الشَّوط" وافتتاح الحفلة بعد هذا السَّيل من العواطف الجيَّاشة التي استبدَّت بكلٍّ من الحاضرين والشُعراء على السواء. وفجأةً عَلا صوتُ الطبلة والدفِّ والكفِّ إيذانًا بأنَّ كلَّ شيءٍ يسيرُ على ما يُرام، وأنَّ الشُعراء جاهزون والحفلة قد افتُتِحتْ أخيرًا_ والحمدُ لله.

إفتتاحيَّة موسى زغَيب.1

تُعتَبرُ افتتاحيَّة موسى زغَيب من عُيونِ الشِعر الزجَليِّ. وهي تتألَّف من سبعين بيتًا مُوزَّعةً على سبعةِ مَقاطع، كلٌّ منها ينتهي بشطرٍ يُكملُ القافية المُتـَّبعة في ذلك المقطعِ نفسه.

واضحٌ أنَّ موسى هنا بذلَ جُهدًا فائقًا ليُقدِّم أرفعَ ما عندهُ من شعر، لأنـَّهُ يُريد، ولا شكَّ، أن يَبهرَ اللجنةَ التَحكيميَّة، وأن ينالَ تأييدَ الجمهور وإعجابـَه في آنٍ واحد. فموسى مُدرِكٌ تمامًا أنَّ شُهرة الزغلول أبعدُ مدًى من شُهرتِه، وأنَّ بين أعضاء اللجنة مَن لم يُشاهده يُغنِّي من قَبل. فيفتتحُ بـ"أنا إنتو"، أي أنا الشَاعر وأنتم الأنصار والمُستمعون واللجنة شخصٌ واحد، لا فرقَ بيننا. وهكذا أراد أن يردمَ الهوَّة القائمة بينهُ وبين مَن لم يسمعهُ من قَبل، ويوجِدَ بدَلاً عنها الوحدةَ والمُساواةَ والمُشاركة في الهدف. ولقد سمعتُ، بعدَ الحفلة، أحدَ أنصار موسى يُلمِّحُ إلى أنَّ الشَاعر "استعارَ" هاتَين الكلمتَين (أنا إنتو) من مَطلَعٍ لقصيدةٍ غنَّاها قبلَهُ خليل روكز. وأنا لا أستطيعُ أن أؤكِّد هذا القول أو أنفيَه. يقولُ موسى:

أنا إنتو، أنا لا تسألوني

لَشو طَلّ القَسا بعِقدة جفوني؟

يُقبلُ موسى إلى الحفلة "عاقدَ الحاجبين"، ثائرًا، ويعتنقُ مُنذ مَطلعهِ "القساوة" مُقابل "الليونة" التي يتَّهمُ بها الزغلول. ويُضيفُ أنـَّه "فطمَ جودَه"، لأنَّ الشُعراء نهلوا منه دون أن يشكروهُ أو يُقدِّروا عطاءَه. هو كَرْمٌ على درب، بيدرٌ مِعطاء يلجأُ إليه الشُعراء العصافير "ينقدون" عنه الشِعر "حبَّة حبَّة"، ويروحونَ يتباهونَ بأنفُسهم وبأشعارهم التي من عنده بذورها.

لهذا تراهُ يدخلُ والغضبُ ملءُ عينيه. فهو حتَّى الآن لم يُعطَ حقَّه كشاعرٍ كبيرٍ، وهو إنـَّما حضرَ الليلة ليُظهرَ أمامَ الجميع ما هو قادرٌ عليه حقًّا. فالليلُ، على طوله، أقصرُ من حلمِ المَجدِ الذي يُراودُ مُخيِّلة الشَاعر، وهو الذي أعطى الأُمَّ اليقَظةَ والقُدرةَ على السَهر أمام سريرِ طفلِها. فجاءتْ تضحيتُه في سبيل الشِعر أكبر من تضحية الأُمِّ في سبيلِ طفلها. يُخبرُنا موسى أنَّه، منذُ بداياته، أطلق فِكرَه كالنسر الجبَّار مُحلِّقًا في سماوات الشعر:

طلعتْ شكلْ بجوانح نسر أسمرْ

صاروا يرفعوني ويرفعوني

حتَّى صرت شوف الأرض أصغرْ

من اللي عالتحدِّي بيطلبوني

فإذا كان هو، لبُعدِه الشِعريِّ وسموِّ معانيه، كالماردِ لا يَرى الأقزامَ من الشُعراء، فكيفَ نطلبُ منه أن يَرى الزغلول الذي هو، على حدِّ قَصدِ موسى، أقلُّ منه شعرًا وأحطُّ منه مقامًا ورِفعة؟

فكلَّما طلبَه أحدُ هؤلاء الصغار، الذين ليسوا أهلاً "للمباراة الصحيحة"، ولا هُم من مستواه الشِعريّ، إلى مُباراةِ تَحَدٍّ، عَظُمَ غيظهُ وتأجَّج غضبه، فأصبح كحارسي الجحيم كافرًا حانقًا تُجَنُّ العواصفُ من جنون غضبه. الحقيقة أنَّه "لا الزمان ولا القدَر أجبراهُ على الكُفر"؛ هُم الشُعراء الصعاليك الذين جعلوه يكفرُ، لأنـَّهم أكلوا من بَيدرِه ورمَوا حجرًا في بئره، بعد أن ارتوَوا من معانيه، ولم يُعطوه حقَّهُ ولا هُم اعترفوا بفضلهِ وأسبقيَّتهِ عليهم.

فزغَيب لم يحضرْ إلى بيت مِري ليفخرَ بلقائهِ مع الزغلول. هذا لن يرفعَ من مُستواهُ ولن يُرضيَ طموحَه. ولكن لماذا جاء؟

وما جيت برفقة الزغلول إكبَرْ

عا أحلام القساوي والليونه

جايي بجوقتي توِّج المنبر

وخَلِّي بقلب هاللجنة الكريمة

البَعد ما بيعرفوني يعرفوني.

ويُتابع موسى:

كان الشِعر الزجليُّ في مرحلة نسيان، ميناءً مُظلمًا وذهبًا مغمورًا. فما كان من ميشال سماحة (مُنظِّم هذه الحفلة)، إلاَّ أن بعثَه من رُقاده وأضاءَ سبيلَه. لم يكن هدفُ ميشال الكسبَ المادِّيَّ والتجارة، إنـَّما هو أراد هذه الحفلة لقاءً للأحبَّة وعناقًا بين الشَاعر وأنصاره.2 وهنا يُخاطبُ موسى الزغلول وفرقتَه مُباشرةً، فينعتُهم بالجُبن، ويتَّهمهُم بأنـَّهم كانوا دائمًا يتهرَّبون من مقابلته ومُجابهته كأنـَّه المرض والعدوى، وكأنَّ كأسَه مليءٌ بالمرارةِ التي هم أضعفُ من أن يحملوا وِزرَها ويُشاركوا في مُعاناتها. هؤلاءِ جاؤوا اليوم، لسوء حظِّهم، ليتأكَّدوا بأنفُسهم أنَّ الشِعرَ حلمٌ أبيض هم أعجزُ من الوصولِ إليه لأنـَّه حلمُ العذارى وجائزةُ الأبطال.

وهنا يُوجِّه موسى كلامهُ إلى الزغلول مُباشرة، لأوَّل مرَّة في افتتاحيَّته، مُذكِّرًا إيـَّاهُ بلحظة الموت التي عانى منها الزغلول أمس، لِيُثبِتَ له ولنا أنَّ هذه الكأس قد مرَّت عليه من قَبل فذاقَها وعرفَ مرارتَها:

يا زغلول لو الموت امتحنَّا

ضروري نقابل الموت بجساره

أنا علييِّ الفَنا قبلك تجنَّى

وخطَف لي إبن زنبقة الطهاره

طريق الشاعر جروح وأسنَّة

عا تمُّو الضحك وبقلبو المراره

إنَّ المُعاناة وحدها تُلهِبُ العبقريَّة وتُفجِّرُ العطاء. وفعلاً، كان لا بُدَّ من أن يعترفَ موسى بالظرف الدقيق المؤلم الذي يُعاني منه الزغلول.

وما دمنا في الكلام على الجراح والمآسي، يُضيفُ موسى، فلا ضيرَ إن نحنُ تذكَّرنا مأساة فلسطين وقَتْلَ الأطفال والشيوخ. فيذكر أن شِعره طالما تغنَّى بملاحم الأمجاد الفلسطينيَّة وكشفَ "الأقنعة المستعارة" عن وجوه السياسيِّين المُزيَّفين. وها هو الآن يوجِّه باسم الزجل، ومن على هذا المنبر نفسه، كلمةً إلى رئيس الجمهوريَّة والحكومة طالبًا منهم تعييَن شُعراء الزجل سُفراء إلى جاليتنا في المَهجر. فالشَاعرُ الزجليّ وحدهُ يُثيرُ في قلوب المغتربين الحنينَ للرجوع إلى الوطن الأُمّ، وهذا ما لا تستطيع سفارةٌ بكاملها التوصُّلَ إليه.

وفي المقطع الثالث يُعطينا موسى، ضمن إطار الوزن والقافية، لمحةً سريعة عن تاريخ الزجل اللبنانيّ، فتراهُ ينظمُ تاريخه شِعرًا كما نظمَ ابنُ مالك في "ألفيَّته" قواعدَ اللُغة في قالبٍ شعريِّ من قبل. يُشيدُ موسى بمجد الزجَل، ويفتخرُ بأنـَّه فرضَ نفسه في كلِّ موقفٍ ومُناسبة عبرَ تاريخه الطويل. فمن داخلِ صومعةِ الرهبان النائية، انطلق الزجَلُ ليُظهرَ للعالم قِيَمهُ وقيمتَه. وفي سردٍ بديعٍ يُذكِّرُ موسى ببعض الأسماء اللامعة وبفضل أصحابها الذين أوصلوا الزجل إلى ما هو عليه اليوم من شأنٍ ومكانة؛ منهم ناصيف اليازجيّ، صاحب "مَجمع البحرين"، الذي كان مُتضلِّعًا من العامِّـيَّة والفُصحى ورشيد نخلة الذي نظم النشيد الوطنيّ اللبنانيّ ونال لقب "أمير الشُعراء"، وكان كثيرًا ما "يستشهد" بالزجَل.

ثمَّ ينتقلُ إلى الجيل الجديد من الشُعراء المُعاصرين فيبدأ بطليعة التجديد، الشَاعر أسعد الخوري الفغالي المعروف بـ"شحرور الوادي"، الذي أخذ الشِعر عن والده، وأسَّس أوَّلَ جوقة زجليَّة للشِعر الارتجاليّ عام 1927. 3 ومع الشحرور "تنظَّمتْ الحفلات في مواعيد وبطاقات وأسلوب في الغناء، وقُسِّمت الحفلة المِنبريَّة على الشكل التالي: قصيدة، معنَّى، قرّادي، موشَّح غزليّ... وتنتهي بالقصيد".4 فالشحرور، كما نرى، صاحبُ فضلٍ كبير على تطوير القصيدة الحديثة، وله الأسبقيَّة أيضًا في وَضع قوانين حفلة الزجَل على المِنبر. ويُذكِّر موسى بأنَّ الشحرور هو أوَّل من ألَّفَ الجوقة الزجليَّة بمفهومها الحديث المُتعارَف عليه الآن.5 ويُشيرُ إلى زيارة الشحرور لبعض الدوَل العربيَّة، وبالتخصيص مصر، حيث دعاهُ الملك فاروق بنفسه إلى سهرةِ شِعر. ويُروَى أنَّ فاروق لم يكن يُصدِّق أنَّ الارتجال ُممكن بهذا الزخم وهذه النوعيَّة. في مصر تعرَّف الشحرور إلى كبار شُعراء ذلك العصر وأُدبائه مثل خليل مطران وأحمد شوقي وطه حسين وغيرهم. ويُشيرُ موسى إلى أنَّ الملك فاروق نفسَه سهر تلك الليلة حتَّى الصباح مع الشحرور وفرقته. ويُقال إنَّ الملك انتقى بنفسه الموضوعات التي أراد الشُعراء أن يتغنَّوا بها ارتجالاً. ويزهو موسى بذلك:

وعا إيّامو إجا الشحرور أسعدْ

جناحو من سما "بدادون" طاروا

وعينين الملك فاروق جمَّدْ

على كَرّة قصيدو وابتكارو

وطريق الشِعر للجوقات عبَّد

لحتَّى الكلّ يقتِفيوا أثارو.

ومن الشحرور ينتقل موسى مُباشرةً إلى خليل روكز الذي أعطى جوقة موسى اسمَه. طبعًا لا يأتي موسى على ذكر الزغلول هنا. فالزغلول خصمُه الليلة، وَهَمُّ موسى بل واجبُه، في لقاء التحدِّي، الحَطُّ من شأن خصمه لا إظهار محاسنه. ولكن يُدركُ العارفون والدارسون والأنصار أنَّ موسى تَناسى أنَّ الزغلول عاصَر خليلاً، وأنَّ روكز نفسه انضمَّ إلى جوقة الزغلول ورافقَه وغنَّى تحت رايته، وأنـَّه بعد الشحرور كان للزغلول الفضل الأكبر في قَونَنة وتعميم برنامج سهرة الزجل وتأليف الجوقة الزجليَّة الرُباعيَّة وتطعيمها بعناصر شِعريَّة تجمع مختلف طوائف لبنان ومناطقه.

يقول موسى إنَّ خليل روكز صَعدَ المنبر كالمارد، كالسيفِ الملتهبةِ شفارُه، فأعطى الكثيرَ من روحهِ للزجَل. هو غنـَّاه، ارتجلهُ، طعَّمهُ، طوَّرهُ وجدَّدَ معانيه وقوافيه بثقةٍ بالِغة. ويُضيفُ موسى أنَّ روكز كان أوَّل مَن افتتحَ حفلاتِ التحدِّي ودعا إليها بقلبٍ ثابتٍ وهمَّةٍ أكيدة، وأنَّ النصرَ كان دائمًا حليفَه. فمن لا يُصدِّق، فليسأل مَن تباروا مع روكز آنذاك، وذاقوا مرارة المُجابهة. وهذا طبعًا غَمزٌ من قناة الزغلول الذي غنَّى مع روكز مرارًا. رحلَ روكز وبقيَ اسمُه، وبقي جوقُه، "الجوق الخليليّ" الذي يرأسُه موسى الآن، حُصنًا صامدًا أشبه بقلعة صور المنيعة حين حاصرها الإسكندر المقدونيّ، فصمدَت حتَّى النهاية:

وبقي الجوق الخليلي حصن أصمدْ

من الحُصن الكِعي اسكندر حِصارو

بقفلة حاجبو في ليل أسودْ

عا ها العميان ما بيطلع نهارو.

وإذا موسى، وهو على رأس جوقه المارد الجبَّار المشحونة عيناه بالغضب، يلتفتُ إلى الزغلول مُجدَّدًا، فينصحهُ بالهرب لتلافي الهزيمة والنكسة الثالثة، إذ يدَّعي زغَيب بأنـَّه سجَّل انتصارَين سابقَين في لقائه مع الزغلول في "المدينة الرياضيَّة" وفي "المشرِف" من قبل. واليوم في لقاء بيت مِري سيكون انتصارُه الثالث ثابتًا ومُثَـبِّـتًا لفوزه على "الهاشميّ"، سيكون سيفَ الفَصل على مفصله. فبعد أن "أبكاه" موسى في عقر داره، تراهُ يُنذِرُه بأنَّ الهربَ أشرفُ من الانكسار الثالث، لأنَّ بيرق انتصار موسى الأكيد سيلوح في نهاية هذه الحفلة، على حدِّ قول زغَيب.

المقطع الرابع مُوجَّه إلى الزغلول مُباشرة. فبعدَ أن جالَ زغَيب في ميادينَ وموضوعاتٍ مُختلفة، ليُظهرَ براعتَه وسِعةَ اطِّلاعه وتضلُّعه من تاريخ الزجَل عامَّة، يتوجَّه إلى الزغلول فيقول إنَّ ديرَ القلعة الرومانيَّة الطاعنة في القِدَم يشهد حتمًا على "سطوة جوق بو الخلّ الرُباعيّ". ويعيبُ موسى على الزغلول ما يُمكن أن يكون قد قاله في مُقابلةٍ إذاعيَّة عن الحفلة وعن لقائه المُنتظر معه:

يا زغلول ما بيسوى التجنِّي

الظهر منَّك على البثِّ الإذاعي

عشت حدِّي عواصف مستكنـِّي

وبإيدي كنت أطوع من يراعي

لكن من بعد ما بعِدْتْ عنِّي

استَحَى من لسانك لسان الأفاعي.6

ويُضيفُ موسى أنَّ النصرَ الليلة حليفُه. فإذا كان هدفُ الزغلول امتحانَه، فالنتيجة معروفة سلفًا، لأنَّ أقواس النصرِ تتهاوى وتتشكَّل بين يَدَيْ موسى إذا ما لوَّح بيمينهِ أو يُسراه. فضلاً عن أنـَّهُ مديدُ الخبرةِ في مجالِ الشِعر؛ فقد عجنهُ الدهرُ وخبزتهُ الأيـَّام في مُعترك الارتجال، فصارَ مُتقدِّمًا على الزمان، الذي من امتداد باعِ موسى وطولِ نفسه، استلهمَ مداه واستمراريَّته. ويسأل موسى الزغلول:

وشو بدَّك تغنِّي تا تغنِّي

أنا بحرْ، وأنت صَدْفة بقاعي

وصرت عايِشْ عا هاجس رعْبْ منِّي

طَيفي بيرعبك لو كنت نايمْ

وإسمي بيرعبك لو كنت واعي.

وفي المقطع الخامس يستمرُّ الهجومُ "الزغَيـبيّ" التصاعديّ وموسى كالنسر الكاسر لا يكنُّ ولا يرحم، تتوالى ضرباتُه من كلِّ الجهات. يُخاطبُ الزغلول قائلاً: إنـَّه نظر إليه فتوضَّحت له معالمُ الكآبة والخوف المرسومة على جبهتِه. ويكادُ بطشُ الشباب يُطيحُ بشيبة "الشيخ" المهزوم. فموسى أصغر سنًّا من الزغلول، وتراهُ هنا قد استغلَّ عاملَ الزمن ليعتزَّ بشبابه، فإذا به "يُشفقُ" على "شيبة" مُنافسه وعجزه. فالزغلول، برأي موسى، "عجوز"، ورفاقه "كالحِملان" العاجزة عن حماية أنفسها. لذلك تراهُ ينصحُ الزغلول بأن يُخبئ خرافهُ داخل القلعة تفاديًا للهجوم الصاعق الذي سيشنُّه موسى ورفاقُه، كالذئاب الضارية تلتهمُ النعاجَ وتُفسِّخ جلدَها واحدًا واحدًا.

وإذا كان الزغلول مُصِرًّا على المُجابهة، فيخبرهُ موسى أنَّ هناك شروطًا وأُصولاً مُعيَّنة، إذا راعاها الزغلول فيُمكن أن تساعده على النجاةِ من هذا الموت المُحتَّم. كآلهة الميثولوجيا، يُرسلُ موسى الزغلول في رحلةٍ أُسطوريَّة، فإن تمكَّن الزغلول من إتمام ما طُلبَ إليه، فيُمكنه الخلاص. ولكنَّ كلَّ هذا لن يضمنَ له النصر. فإذا أرادَ الزغلول أن يضعَ جوقتَه في وجه العاصفة، فيقال إنـَّه تبارى مع الجوق الذي لا ينهزم، فعليه، أوَّلاً، أن يُصبح ناسكًا، فيتطهَّر من الذنوب والخطايا؛ عليه أن "يلتجئ لعَذرا العذارى" وأن يُطهِّر نفسَهُ من أدران المادَّة، أن يتعبَّد ويسموَ بالروح فيتمرّد على "الطين الترابيّ." وكأنَّ موسى يُريده أن يُصبحَ في مَصافِّ القدِّيسين والنُسَّاك. ثمَّ على الزغلول أن يقتديَ ببروميثيوس فيسرقَ النار من "البركان". وكالبطل الأُسطوريّ، عليه أن يقترضَ "الصلابة" من الصوَّان، ومن الأسدِ واللبوة يستعيرَ "الجسارة" والصمود، ويشحَذَ "الإهابة" والجلالة من السلطان، ثمَّ من الخيَّال عليه أن يتعلَّم "المهارة" والرشاقة والسرعة. وهكذا، بعد أن يقودَه موسى إلى كلِّ هذه المُستحيلات، يعودُ فيقول له، لو افترضنا أنـَّك أنجزتَ كلَّ هذه الخوارق، وحاولتَ بعدَها أن تهجمَ على القلعة التي استمدَّت صمودَها من صمودي، أو لو أنت "سرجتَ الدهر" لتشنَّ "غارة" عليَّ، سيبقى الدهرُ دون شموخي "وأوطى من رِكابي". فلماذا إذًا تُحاول؟ لماذا لا ترضى بكونك مُطرِبًا جوَّالاً يعتاش من صوتهِ الجميل ومن كلماتٍ يستعيرها من شعرنا نحن؟ أنت، يا زغلول، "مُطرِب"، ورفاقُك شُركاؤك في "التجارة". عملُك الغناء والعزف، وعملُهم "كالكورس" يُعيدون بعدك. ولا غَروَ فأنت مُعجَبٌ بصوتك. منك "الأوف" وتوفيق الباشا -مُلحِّن مشهور وأحد أعضاء لجنة التحكيم- هو الملحِّن، ومن عندنا الشِعر والمعنى.

وكأنـِّي بموسى يُريدُ أن يؤكِّدَ أنَّ الصوت وحدَه لا يضمنُ شهرةَ شاعر الزجل. فالمجدُ للمعنى والصياغة، لا لخامة الصوت المخمليَّة فقط. وهو كغيره من الشُعراء الذين يُعانون من هذا العجز الواضح حين يغنُّون مع الزغلول مقارنة بصوته البديع وحنجرته الفريدة.

ويعودُ موسى إلى رمز "البحر" الهدَّار الوسيع. ويذكر أنَّ الشُعراء في هذه الليلة يقفون تحت مجهر النقد الصارم الذي سيُعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. وكأنـِّي به يذكِّرُ الزغلول بموقف طارق بن زياد يوم فتح الأندلس، آنَ خطبَ طارق في رجاله قبل بدءِ المعركة المصيريَّة. يقول موسى للزغلول: أنا البحر من أمامك واللجنة المؤلَّفة من "ملوك" الشِعر العامِّيّ والفصيح وأسياد النقد من ورائك، فأين المفرّ؟

استحي من البحر يا نبعة شحيحة

ولا تثلِّثْ فضيحة عا فضيحة

العَين مفتَّحة علينا بعنايي

بملوك العامِّـيَّة والفصيحة

أنت بالشِعر مِشْ من مستوايي

ولا خَرْج المباراة الصحيحة.

يَعيبُ موسى على الزغلول غناءَه على شاشة التليفزيون من باب الدعاية وترويج البضائع المحلِّـيَّة مثل "نينكس" وأحذية "باتا" وصابون "كامي". فهذه الشركات الكبيرة كانت قد عقدَت اتِّفاقًا مع الزغلول، نظرًا لشعبيَّته وشهرته، كي يمدحَ منتوجاتها فيتنبَّه إليها الناس ويشتروها. وهذا يُذكِّرنا بما كان للشِعر من قيمة واحترام عبر تاريخ العرب. ألم يطلب "أبو البنات" من الأعشى أن يمدحَ بناتِه فيتزوَّجن بعد أن كُنَّ على وشك أن يُصبحن عانسات؟

هنا يستدركُ موسى فيُذكِّر الزغلول بأنـَّه لن يُلامَ إذا ما أنزل بهِ الهزيمة الثالثة اليوم. فهو قد نصحهُ بالهرب ونبَّهه إلى ضرورة الانسحاب مرارًا، فكيف إذن سيجرؤ الزغلول بعد ذلك على مقابلة شاعرٍ قصائدهُ كالرماح، وكلماتُه كالسيوف، وطموحهُ كوَثبة النَّمِر، وفي عينيه غضبُ اللبوة الجريحة الهائجة؟

في المقطع الأخير من الافتتاحيَّة يفخر موسى بنفسه وبجوقه الذي لا ينهزم. يُخاطب خليل روكز يُطمئنه إلى أنَّ النصرَ لهم، ولا شكَّ، لأنـَّهم ملوكُ مملكة الشِعر وفُرسانُ قلعة النبوغ، ولأنَّ التاج الذي يلبسونه لن يفارقهم:

وهلَّق يا أبو روكز الغالي

على التطمين ببعتلك رسالي

لا تفزعْ تا يروح التاج منَّا

بطانة تاجنا نجوم الليالي

ومتل ما حكيت لمـَّا غبت عنـَّا

سهرنا تا وصلنا للأعالي.

ومرَّة ثانية يُطمئن موسى خليل روكز كي يستريح ويهنأ البال في وادي الفردوس. فأحلام البطولة قد حقَّـقوها ونالوا من الشُهرة ما لَم ينله غيرهم على الإطلاق.

إفتتاحيَّة الزغلول:7

تُعتبَرُ افتتاحيَّة الزغلول في بيت مِري من أروع وأبلغ ما قيل في الشِعر العامِّيّ على الإطلاق. وهذه القصيدة، منذ لحظة غنائها، صارت مضربَ المثل. وقد حفظَها الآلاف من عُشَّاق الزجَل ممَّن حضروا الحفلة أو هُم لم يحضروها. وغالبًا ما يُطلَبُ إلى الزغلول إعادة مَطلعها، في أيِّ لقاء أو مُقابلة معه عبرَ شاشة التلفزيون أو على الراديو، ومَهما كانت المُناسبة. وأنا واحدٌ من الكثيرين الذين غادروا الحفلة وهُم يُردِّدون افتتاحيَّة الزغلول. فقد حفظتُها عن ظَهر قلب لحظة غنَّاها، كما إنّي، ليلتَها، حفظتُ مُعظم افتتاحيَّة موسى، إضافةً إلى الحِوار الذي جَرى بينهما في آخر الحفلة.

كعادته، عرفَ الزغلول في تلك الليلة، كيف يستغلُّ الظروفَ الصعبة التي كان يمرُّ بها، وكيف يخلع حزنَه على جميع الحاضرين، فيجعلهم شركاءَه في المُصيبة التي ألمـَّت به، والتي جعلَت من حفلة بيت مِري مُناسبة تاريخيَّة. فجاء شِعرُه يومها تأريخًا يُدوِّن حَدثًا لا يزال محفورًا في ذاكرتنا حتَّى الآن.

بعد (الأُوف) المُجلجلة الحزينة التي بدأَ بها الزغلول قجاءت معزوفـةَ أسىً ورنَّةَ "آخ" عميقة مُعبِّرة في آنٍ واحد عن الفجيعة التي نزلَت به ومُظهرةً استياءَه من كلام موسى الجارح، شاءَ الزغلول أن يُخاطب "حروف الأبجديَّة" بدَلاً من مُخاطبة الجمهور مُباشرةً كما فَعل موسى. يعتذرُ الزغلول من الحروف والقوافي، من الشِعر عامَّةً، إن هو لم يتمكَّن، الليلةَ هذه، من أن يُعطيَ أفضل ما عندَه من شِعر، وإن لم يستطع أن يقومَ بواجبه، على عادته، في مُناسبة كهذه مُخصَّصة للتحدِّي وإظهار البراعَة والموهبة. وكأنـِّي به يُريد أن يُفهِمَ الناس أمرَين مُهمَّين: أوَّلاً، الاعتذار عن تأخُّره بالحضور إلى بيت مِري، وثانيًا، في حال أنـَّه عجزَ عن تفجير ينابيع غضبه وعطائه ومُبادلة موسى الكَيل كَيلَين، فليفهم الناس ظروفَه ويعذروه إذا هو لم يُحلِّق، كعادته، فوق النجوم مُصطادًا أروعَ القوافي وأبلغَ الشِعر. وهذا لَعمري جريٌ على عادةِ كبار الشُعراء أمثال كولردج وجبران وغيرهما من الذين، لحظةَ اشتكَوا من جفاف القريحة ورحيل الموهبة، أتحفونا بأبلغ ما جادت به عبقريَّتُهم من عطاء. وهكذا الزغلول، يُنبِّهنا إلى أنَّ ما سيتمكَّن من تقديمه الليلة، ربَّما كان أقلَّ ممَّا ننتظرهُ منه. ويشرح لنا السبب:

أعذريني يا حروف الأبجديِّي

إذا ما قمت بالواجب عليِّي

خسِرتْ خَيِّي اللي مفضَّل عا ولادي

وعليِّي مثل إمِّي ومثل بيِّي

خمس ساعات صارلو مش زيادي

ما حَلُّو يبتدي النسيان فيِّي

بعَزا خَيِّي رجِعت عزِّي فؤادي

لأنـِّي بعتِبِر كلّ شخص منكم

بعد ما غاب خَيِّي محلّ خَيِّي.8

أَثار الزغلول عاملَ الوقت هنا، وهو مُهمٌّ جدًّا، فإذا كان الوقت كفيلاً بتبديد أثر المُصيبة مع مرور الأيـَّام، فمصيبة شاعرنا بنتُ ساعتها، وعاملُ النسيان لم يأخذ مَجراه بعد. يلتفتُ الشاعر إلى الجمهور مُستلهمًا اللحظة، مُؤكِّدًا أنَّ عزاءه لن يكون الزمن والنسيان، بل إنَّ ما سيُعزِّي فؤادَه هو علاقته الحميمة بأنصاره ومُحبّي شِعره. فإذا كان موسى قد قال "أنا إنتو" وسكت، فإنَّ الزغلول يُضيفُ مُلحًّا على أنَّ كلَّ واحدٍ منَّا -نحن المحبِّين لفنِّه، نحن الحضور والغيَّاب- الذين من أجلنا طوى حزنَه وجاء الحفلة مُغنِّـيًا فينا كي لا يُخيِّب ظنَّنا فيه، جميعنا إخوته، وكلُّنا فردًا وجماعةً محلَّ أخيه. هذا ما يُشجِّعه على الاستمرار وما يملأ صدرَه بالعزاء. وأنا لا أُغالي إذا قلتُ إنِّي قَلَّما التقيتُ بلبنانيّ لم يحفظ هذا المَطلع الزغلوليِّ العاطفيّ. فبمجرَّد أن تذكرَ حفلة بيت مِري أو لقاءَ القلعة حتَّى يُجيبَك السامِع مُردِّدًا: "أعذريني يا حروف الأبجديَّة"، فباتَ هذا المطلع على كلِّ شفةٍ ولسان.

تتأَلَّف افتتاحيَّةُ الزغلول من 46 بيتًا موزَّعةً على ستَّة مقاطع، كلٌّ منها ينتهي بشطرٍ مُتناغم في قافيته مع البيت السابق. لكنَّ هذه الافتتاحيَّة، على رغم قِصَرِها مُقارنة مع افتتاحيَّة موسى، تصبُّ كلّها في قالبٍ واحد وتنسجمُ مع موضوعٍ واحد مؤلِّفةً وحدةً عُضويَّة كاملة مُتكاملة تُعتَبرُ جوابًا قاطِعًا ومُباشرًا لما تقدَّم به موسى. فالزغلول لم يشعر أنـَّه بحاجةٍ لمُقدِّمةٍ تاريخيَّة للزجَل ولا إلى تمهيدٍ فرديّ كالذي اعتزمه موسى للتعريف بنفسه وبجوقته؛ فجاء قصيدُ الزغلول شعرًا خالصًا يتفجَّر كالبركان ويقصف كالرعدِ آنًا، وآونةً أُخرى سَلِسًا مُكتسيًا بالطراوة والليونة والانسياب الهادئ، ممزوجًا بالفَخر والاعتزاز وإن كان مُغلَّفًا بالغضب.

يعتبرُ الزغلول نفسَه سيِّد الموقف. هو صاحبُ البيت والمالكُ الشرعيّ لعمارة الشِعر، يُدافعُ عن بيته وتاجه ضدَّ هجومٍ بربريٍّ يشنُّه شاعرٌ تجنَّى على الشِعرِ وعلى أهله، انتحلَ "اسمًا مُستعارًا" وراح يُحاول أن يسطوَ على مملكة الزجل بهدم أسوار الحصن الذي بناهُ الزغلول، كي يتوِّج نفسه مَلكًا مكانه.

يُمهِّدُ الزغلول للمقطع الثاني بتوجيه كلامه مُباشرةً إلى قلعة بيت مِري. فهو في المطلع، خاطبَ حروف الأبجديَّة واعتذر لها، وفي المقطع الثالث يفتتح بكلام مُسدّد إلى العام (الواحد وسبعين)، تاريخ حدوث الحفلة، فيُخلِّد تلك السنة، فتصبح أشهرَ من سني الحرب، يعلقُ تاريخُها في ذاكرة كلِّ واحدٍ منـَّا فنعود لا ننسى متى جرت وأين.

قلعة بيت مِري، وإن كانت تجهلُ مَن هو خصمُ الزغلول هذه الليلة، فهي حتمًا لا تجهل الزغلول. تعرفهُ القلعة تمامًا ويدركُ ديرُها مَن هو الزغلول. هو ابنها البارّ الذي نشأ وترعرعَ في حِماها. شاعرنا هو ربيبُ المتن، هو ابنُ جبل لبنان الحبيب، وليس غريبًا مثل (موسى الكسروانيّ)، الدخيلِ على الجبل والمتن والقلعة. فالزغلول، وإن كان والدُه من الدامور وأمُّه من عاريَّا، هو ابنُ المتن. وُلدَ في البوشريَّة-الجدَيدة، ودرسَ في جدَيدة المتن، وكان أستاذاهُ من الفنار ومن رومية المتن.

ويا قلعة بيت مِري ما بتجهليني

أنا ابنك وإنتِ بتعرفيني

حَمَلني والدي من الشوف خلعة

ونقَلني من مَديني عا مديني

خلقت بجدَيدتك وطلِعْت طلعة

تا شِفت الشمس أوطى من جبيني

ومن الشعّار كم شلعة بشلعة

مشوا خواريف عا شمالي ويميني

والزغلول صاحبُ مدرسة، وهو بحقٍّ رائدٌ ومجدِّدٌ ومُطوِّر؛ ومع الشحرور وروكز، يُعتبَرُ أوَّلَ مَن أرسى دعائمَ المسرح وشكَّل أُولى الجوقات الزجليَّة. الزغلول لم يُغنِّ تحت لواء أحد، ولم ينضمَّ إلى جوقة أحد. هو الوحيد الذي غنَّى في جوقه الخاصّ، وكلُّ الشُعراءِ الذين غنَّوا معه هُم الذين انضمُّوا إليه وجلسوا تحتَ رايـتِه. منذ بداياته كان رئيسَ الجَوقة، جوقة الزغلول، ولا يزال. كان دائمًا مَتبوعًا وهو لم يتبع أحدًا.

ويُخاطب شاعرُنا مُجدَّدًا قلعة بيت مِري التي هي حصنُه ومملكتُه قائلاً: إنَّها لو مدَّت موسى بالعَون، وأعطت "الشاعر الدخيل" الظمآن للنصر، الخصمَ الذي تجرَّأ وتحدَّى البطلَ في عقر داره، وأغضب "الأسد" في عرينه، لو أعطته ألف جرعة وجرعة، فالزغلول لن يدَعَه يروي غليلَه ويشنُّ هجومَه، لأنَّه سيُطلق صوتَه زئيرًا مُدوِّيـًا من قلعة ذاته إلى قلعة الدير، وسيُفجِّر غضبَه كالقنبلة التي فجَّهرها الطيَّار الأمريكيُّ قبله فوق هيروشيما الحزينة، فلا يبقى شيء في سماء موسى ولا في كرومه، فتستحيل إلى أرضٍ يباب بلقع. كلُّ ما تقدَّم بهِ موسى سابقًا لن يُفيد فهو سرابٌ بسراب.

هذا لا يعني أنَّ الزغلول، صاحبَ البيت، لا يُرحِّب بضيوفه. العكس هو الصحيح. الزغلول مِضيافٌ جواد، لا يتأخَّر عن نَحرِ ناقته الوحيدة لإطعام ضَيفه أيـًّا كان هذا الضيف، حتَّى لو كان عدوًّا. الزغلول فخورٌ بداره في الدامور كما هو يعتـزُّ بمنزله في المتن. وإن كان قد تنازلَ عن حقِّه مرَّة في المُشرِف، تكريمًا لضيفه، فسمحَ لموسى بكلمة الختام في الحفلة آنذاك، فهو الآن لن يُعيدَ الكرَّة، لأنَّ المؤمن لا يُلدَغُ من الجحر مرَّتين. فلقاءُ اليوم هو "المعركة الفاصلة" حيثُ سيقضي الزغلول على خصمه قضاءً تامـًّا:

مشْ رَح منِنْهي معركتنا الفاصلي

تا شوف روحَك فاصلي وكلّ شي انتهى

في حفلة المشرِف أكرم الشاعر ضيفَه أبلغ إكرام، ولكنَّ الضيفَ لم يكن أهلاً الضيافة، فشرب من البئر ورمى فيه حجرًا. لذلك يؤكِّد الزغلول أنَّه، الليلة، سيُلقِّنُ موسى درسًا في أصول الضيافة قبل أن يُرديَه:

المشرِف يا موسى كان إلي فيها صدى

وضيفي كنت إنت وأنا لضيفي فدى

بتقدر عا بيتي تزورني اليوم وغَدا

بعملَّك من القلب ترويقا وغَدا

لكنْ بحفلة بيت مِري سهام الردى

بدها تصيبك قد ما يطول المدى.

في المقطع الثالث يتوجَّه الزغلول إلى السنة الحادية والسبعين يسألها أن تكون الحَكَمَ والشاهدَ على دمار ما جناهُ موسى حتَّى الآن، ويطلب من التاريخ أن يكونَ الحدَّ الفاصل بين (القساوة) التي اعتنـقَها موسى مبدأً له و(الليونة) والطراوة والعذوبة التي نُعِتَ بها الزغلول وقبِلَها رمزًا لموقفه وشعارًا له. يطلب الزغلول من هذه السنة أن تكون عاطفيَّة وحنونًا مثله، كالأمِّ المُرضِع، فتسهر مع الشاعر وأصدقائه على جوقة المرحوم خليل روكز، تُهدهد سريرهم، وتمدُّهم بالقوت والمؤنة؛ فهم الأطفال اليتامى التائهون الذين باتوا بحاجة إلى الإرشاد للبقاء على الصراط المُستقيم بعد رحيل قائدهم ومُرشدهم الذي كان قد شملَهم بعطفه ورعايته.

يقول الزغلول لموسى إنـَّه بعد أن كان (المشرِف) قد جمعهم في لقاء سابق، فأعطى الزغلول وصحبُه أطفالَ جوقة موسى اليتامى زادًا ومُؤنة كَفَتهم لمدَّة عشرة أشهرٍ خَلت، يبدو أنَّ الوقت قد حانَ لمدِّهم بزادٍ طازجٍ جديد؛ فالمؤونة قد نفدَت، وها هي بيادر موسى ورفاقِه قد أمحلَت، وجاع الأطفالُ اليتامى مُجدَّدًا، فجاءوا الزغلول طالبين تزويدَهم بمادَّة جديدة وشِعرٍ جديد. ويُضيف الزغلول: أبشِرْ، يا موسى، ها نحن قد عُدنا. ما عليكم إلاَّ أن "تطلبوا فتجدوا،" وأن "تقرعوا فيُفتَح لكم." أنا هنا لأنـَّكم طلبتموني ثانيةً. فأنا الطريقُ إلى مملكةِ الشِعر، وأنا الشَاعرُ الحقُّ وأنا شاعرُ الحياة. وليس من أحدٍ يدخلُ ملكوتَ الزجَل إلاَّ بي. جئتُكم مُلبِّيـًا دعوتكم، أيـُّها اليتامى! أيـُّها الأطفالُ القاصرون، الذين كان من الأَولى لكم أن تأكلوا وتشبعوا وتناموا بدلَ أن تطلبوني إلى حفلةِ تحدٍّ جديدة، وأنتم لستم أهلاً للنِّـزال، وأكفرُ من أن أغفرَ لكم هذا الذنب الجديد. نحن (أي هو وجوقه)، يقول الزغلول، نريدُ أن تشبعوا مِمَّا رزقناكم. فنحن قد شبعنا قبلكم وأبصرَت عيونُنا النورَ الأبديّ. كُلوا وأنفقوا من طيِّبات ما أعطيناكم في المشرِف وما سنجود به عليكم الآن. هذا من فضلنا وسخائنا. حَرِيٌّ بكم بعد ذلك أن تلبسوا مجدَنا تاجًا على رؤوسكم، أن ترتدونا، نحن أولياءَ الشِعر، نحن عذارى الوحي والارتجال، نحن الذين تمرَّدنا على الشهوات وعلى ضعف الجسد الترابيّ، وشمخنا بالروحِ الخالدة إلى أعلى الدرجات؛ نحن الذين كنَّا في البَدء كلمةَ الشِعر، والكلمة كانت الحق،ّ والكلمة كانت الجوهر. من الأفضل لكم أن ترتدونا "أيقوناتِ" طهارة على صدوركم، وأن تُعلِّقوا رسمَ كلٍّ منَّا -الزغلول وأفراد جوقته- أيقونةً في أعناقكم تردُّ عنكم الحسدَ والشرّ، وتُبعدُ عنكم أذى إصابة العَين، أيقونةً تستعيذون بها عمَّا سيُصيبكم الليلةَ من بَلاءٍ لو تماديتم في غيِّكم. أنتم الفقراء الضعفاء ما عليكم إلاَّ أن تحصدوا. فنحن كرامةً لكم ولوالدكم المرحوم، وتلبيةً لجوعكم الصارخ قد حَرثنا كرومَ الشِعر، وبذرنا بذارَ الزجَل، وروَينا تُرابَ الارتجال بعرقِ جباهنا ونضالنا. أنتم أيـُّها الكافرون، يا قليلي الإيمان، قد عشتم معي وعاينتم في الشِعر وعلى المِنبر عجائبي، وعرفتم أنـَّني الشَاعرُ المنتَظر. لكن تغلَّبَ فيكم ضعفُ الإيمان والخوف، وغلبَتكم خطيئةُ الكبرياء، فصرتم جميعُكم (بطرس) الذي اعترفَ بالمُعلِّم سِرًّا وأكلَ على مائدته، ثمَّ عادَ فأنكرَه ثلاث مرَّات قبل صياح الديك. فإذا كان هذا موقفُ بطرس الرسول من "السيِّد"، فما بالي أُعاتبُكم وأنتم الأطفالُ اليتامى؟ أنتم الجاهلون الجاحدون؟

اعتَدتوا تاكلوني بليل أعمى

وعلى صياح الديوك بتنكروني.

في المقطع الرابع، يعود الزغلول بالذاكرة إلى حفلة المشرِف السابقة، فيُذكِّرنا بأنـَّه إذا كان قد سمحَ لموسى بأن يختتمَ الحفلة بقصيدةٍ أخيرة، فهذا ليس بالأمر الغريب. فالزغلول قد فعلَ ذلك عن وَعيٍ وقناعة، وكان موقفُه وليدَ شعورٍ بالرأفة والرحمة. فهو قد تنازل عن حقِّه وسمح لموسى بكلمةِ الختام لسببَين: أوَّلاً، لأنَّ موسى كان ضيفَه، وثانيًا، كي يُساعدَ موسى على التخلُّص من الشعور بالدونيَّة، هذه العُقدة النفسيَّة التي حاول الزغلول أن يشفيَ ضيفَه منها. لكنَّ المُحزِنَ أنَّ موسى استغلَّ الظرف وراحَ يصفُّ المعاني على مزاجِه، ويُطلق الكلام على عواهنهِ دون مُراعاةٍ لحقِّ الضيافةِ وأُصول الكرَم الذي مَنَّ عليه الزغلول به. وعندما اقتربَت الحفلة من نهايتها، والتفَت الُمضيفُ فشاهد ضيفَه "كالطفلة الوحيدة" المُدلَّعة المِغناج "تُدَبدب" على المسرح، تسرح وتمرح مزهوَّةً بنفسها، تستجدي عطفَ السامعين، التهبَت في صدره عاطفةُ الحنان والأبوَّة، فعصَرَ قلبَه شرابًا في كأس الشفقة، وأعطى الطفلة اليتيمة لتشربَ فتروي ظمأها؛ وهكذا تغلَّب على شعوره بالغضب، وتمنَّع عن إسقاط "الطريدة" الطريَّة العود، بعد أن تبيَّن له أنَّ قيمةَ الطريدة أقلُّ من ثمن الرصاصة التي لو أطلقها لَنالَ بسهولة من الطفلة الوحيدة. بعد هذا الإحسان لا يُخفي الزغلولُ شعورَه بالخيبة. فبدلَ أن يشكرَه موسى ويُقدِّر عملَه وعاطفتَه، راحَ ينفشُ ريشَهُ ويتعَالى حاسبًا نفسَه نسرًا جبَّارًا وهو العصفورُ الصغير القاصِر؛ هو "أبو الِحنّ" ذو الجناح الأحمر النبيذيّ، صعلوكُ العصافير. وعوضًا عن أن يُمنِّيَ نفسَه بالخلاص ويشكرَ الحظَّ وعاطفةَ الزغلول وحنانَه، دأبَ يشمخُ "ويُعرِّم" على أطفال فرقتِه اليتامى مثله مَزهوًّا بذاته، وكأنـَّه مُطرِبٌ "بأيـَّام الحصيدي." إنـَّه "الجيز"، جيز الحصاد، وقريبُ الجرادة، جرادةِ المحْل والشؤم، هذه الحشرة التافهة التي تمضي أيـَّام الصيف ولياليه الجميلة بين النوم والتصويت؛ جرادةُ الكسلِ وقلَّة النشاط التي لا تُفكِّرُ بالمستقبل الآتي فتُبدِّدُ اللحظة في قتل الوقت، لتعودَ وتبكي حظَّها في الشتاء حين يُهدِّدُها شبحُ الجوع. فهي قد صرفَت أيـَّام الحصادِ على بَيدر الكسل، وجاعت في الشتاءِ لأنَّ بيتَها خالٍ من الحبوب، فراحت تستجدي عطفَ النملة التي جمعَت وخَزَّنت لأيـَّام الشتاء الطويلة.

ويُقسِمُ الزغلول مُشهِدًا الحضور على ما سيفعلُه بموسى المغرور:

وتا يتخلَّص من غرورو دعيتو

عا هالحفلة، عا هالعركة الجديدي

شهَدوا عليِّي وعا هالحَكي الحكيتو

عا إيدي تحرَم دفوف المعنَّى

إذا ما ببوِّس المغرور إيدي.

وهذا، لَعمري، وعدٌ حاسمٌ قطعَه الزغلول على نفسه أمام آلاف الحاضرين. وكان بارًّا بالوعد وعلى مُستوى القَسَم. فعاد، في آخر الحفلة، وقدَّم يدَهُ لموسى ليُقبِّلها مُذكِّرًا إيـَّاه بأنـَّه الوالِد المفروض احترامهُ وإجلالُه، ليس والد موسى فحسب، بل والد مَن سبقَ موسى إلى المِنبر أيضًا، وبأنَّ موتَ الزغلول سيُعتبرُ خسارةً فادحةً لا تُعوَّض ليس في لبنان المُقيم فقط، بل في أرجاء لبنان المُغترِب أيضًا.

يتوجَّه الزغلول في المقطع الخامس إلى أنصار الشِعر ومُحبِّيه طالبًا منهم أن يؤيِّدوا موسى ويُشجِّعوه علَّه يتخلَّص من عقدة الدونيَّة التي لازمَته منذ بداياته. فالزغلول قد شبَّ واكتسى بالخبرة والثقة بالنفس، بينما لا يزال موسى طريَّ العود بحاجة إلى المديح والإطراء:

ويا أنصار الزجَل والعبقريِّي

ضروري تناصروا موسى عليِّي

لأنـَّو بعد بدُّو كتير يطلَع

تا يوصل للسماوات العليِّه

ضروري تزقّفوا لكلّ مطلع

ضروري يشوف جنبو الأكثريَّه

ضروري عا عيونو الضَوّ يطلع

صلاة الصبح أفضل من عشيِّه.

أمَّا بالنسبة للزغلول، فساعتُه لم تأتِ بعد. إنـَّه ينتظرُ "خمير الشِعر" ليرفخ، أو "خليل الشِعر" لَيعود، كي يُقال إنـَّه تبارى مع فارسٍ من مستواه. فالزغلول الصائم المُتعبِّد لم يَصُم طوال هذا الوقت كي يفطرَ على هذه (اللقمة الطريَّة)، كي يُنازلَ هذا الشاعرَ الطريَّ العود الذي لن يروي غليلَه، ولن يليقَ بطعام السحور للصائم. إضافةً إلى هذا، فإن احتدَّت الأمور وفاض غضبُ الزغلول، فثار غيظُه على موسى، فهو لن يتمنَّع حينذاك من هَدم (طور موسى) على بلدة حراجل، مسقط رأس موسى، فيطمره تحت رُكامها، ولن يتأخَّر بإنهاء القضيَّة الفلسطينيَّة التي قد أشارَ إليها موسى سابقًا. سيُنهي الزغلول القضيَّة قبل (غونار يارينغ) وجولاته المكُّوكيَّة. وكان يارينغ آنذاك الأمين العامّ للأُمم المتَّحدة.

في المقطع السادس والأخير، يلتفت الزغلول إلى موسى مُجَدَّدًا، فيُوضِّح له الظروفَ التي خدمَتهُ وهيَّأت له فرصةَ الجلوس بقرب الزغلول والغناء معه. يؤكِّد الزغلول لخصمهِ، كما للحاضرين، أنَّ لقاءَ الليلة ليس عائدًا إلى عبقريَّة موسى وشاعريَّته بقدر ما هو لعبة الحظِّ الذي ابتسم لموسى. فمن حُسن حظِّ موسى أوَّلاً، أنَّ "النسر" الذي بنى له ولإخوته الصغار وكرًا (يقصد الزغلول خليل روكز، مُؤسِّس جوقة موسى أصلاً)، هذا النسرُ قد مات، وموتُه أوجد فراغًا شغلَه موسى. لذلك هو الآن في المركز الذي سمحَ له بالجلوس قرب الزغلول كرئيس للجوق. ومن نصيب موسى أيضًا أنـَّه لم يلتقِ الزغلول في ظروفٍ أُخرى، إذ الزغلول الآن في حالةٍ نفسيَّةٍ وعاطفيَّة هشَّة، بسبب هذا الحزن الذي نال منه وشتَّتَ أفكارَه، لأنـَّه فقدَ شقيقَه ليلةَ أمس:

يا موسى الحظّ قدَّملَك هدايا

وبنى لك بَيت عا لأربع زوايا

نصيبك مات نسر الأوَّلاني

الكَساكُن عند ما كنتو عرايا

ونصيبك ما التقينا بَجَوّ تاني

تا تحتَكّ الشظايا بالشظايا

ونصيبك بعد ما فِضْيو القناني

لقيتك من بقاياهن بقايا.

ومَن تُراه، بعد ذلك، يهتمُّ بالنفايات؟

وردًّا على ما كان موسى قد اتَّهم بهِ الزغلول من أنـَّه مُطرِب وليس شاعرًا، يُجيبه الزغلول قائلاً إنـَّه منذ حداثتِه، يومَ ناداهُ لبنان بأسره، ودعاهُ جميع اللبنانيِّين شيبةً وشبابًا للغناء في مُدُنهم وقُراهم، وفتحوا له بيوتَهم وقلوبَهم، لبَّى هو هذا النداء كَرمى لعيونهم وعيون حبيبته الشقراء (أي عروس الشِعر)، فلم يُخيـِّبْ ظنَّ الشباب والصبايا الذين وجَّهوا إليه هذه الدعوات باسم كلِّ لبنان بمختلف طوائفه وطبقاته. فشاعرُنا، منذ بداياته، وقبل أن يولَدَ الدرُّ على لسانه ويتدفَّقَ الشِعرُ من بين شفتَيه، قد تبنَّى "الطراوة والليونة" مكانَ "القسوة والصلابة"، ولذلك اتَّخذ لقب "الزغلول" بدلَ نسر الدامور. ولكنَّ هذا لا يعني طبعًا أنَّ جناحَه قاصر أو ضعيف. جناحُ الزغلول كُسوتُه ومَداه وجبروتُه من عنفوان الأرز وشموخ السنديان اللبنانيّ. وهو من روحه وفكره وقلبه وسَهر عينَيه قد أعطى الشِعرَ عزَّته، وأوصلهُ إلى عَليائه الحاضرة، بعد أن طعَّمه بالجديد، وكساهُ بأطرف الخيالات والصُوَر والمعاني، حتَّى إنَّ لبنان صرخَ هاتفًا له مُكبِرًا موهبتَه. فهو إذًا ليس بحاجةٍ كي يستعير الشِعر والفكر من موسى وصحبه.

أمَّا نعتُه بالمُطرِب، فهذا ليس عيبًا. وإنَّما يوضح فقط ضعفَ موسى أمام شموخ الزغلول. فموسى صاحبُ صوتٍ عاديٍّ جدًّا، بينما حين يغنيِّ الزغلول تترنَّم الأشجار، وتصدح الأطيار، وتُسقسق الأنهار، ويستوي الليل والنهار، ويُصغي البشرُ لصوته المنعِش، فتحيا الطبيعة ويطرب الناس. من بَيدره الحبوب، ومن مقلعه القوافي، ومن معجنه المعاني والصُّوَر؛ لذلك لا يُنكرُ الزغلول نعمةَ الصوت أيضًا مقرونةً بموهبة الكلمة.

هذا من ناحية؛ من ناحية أُخرى يستوحي الزغلول بعضَ رموز الكتاب المقدَّس، من مِثل يوسف، الأبِ الأرضيّ ليسوع، وموسى النبيّ، ويهوذا الخائن، ليُضفي على نفسه المزايا والفضائل ويُزري بخصمه إزراءً شديدًا.9

بعدئذٍ يشعر الزغلول بأنـَّه، رغم ظروفه المؤلمة، قد أنجز ما كان مُتَوقَّعًا منه. فقد قام بالواجب وتصدَّى لهجوم موسى، فسحقَ جحافلَه وهدمَ قلاعَه، واستعاد اعتبارَه، وتبوَّأ مركزَه دون مُنازِع. يتطلَّعُ إلى إنهاء افتتاحيَّته مُتوجِّهًا إلى أفراد جوقه الصامد، فينفخ فيهم من روحه، ويُمطرُهم بوابلٍ من المجد والزهو، يمنحهم الثقةَ مُطَمئنًا إيَّاهم قبل أن يبدأوا شوطَهم ضدَّ خصومهم، أفراد جوقة موسى. يخاطب وزيرَه الأوَّل -زين شعيب- فيسمِّيه "ركن المباني" تماشيًا مع تسمية الجوقة بالقلعة. فبين الزغلول وزين شعيب صداقة قديمة وولاء. فزين هو رفيق دربه، هو شريكُه الدائم وحليفُه الظافر. يقول له الزغلول، أنت، يا زين، حجرُ الزاوية في بناية الشعر الصامدة التي شيَّدناها معًا. أنت حجر الأساس والركيزة التي أرسيتُ عليها دعائم مملكتي الزجليَّة. أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة سأبني مملكتي وأبوابُ الجحيم الذي يسكنه هؤلاء الزبانية الروكزيون وأولئك الذين أسماهم موسى في مطلعه "حارسين النار" لن تقوى عليها ولن تنال من وفائها وشموخها.

أمَّا طليع حمدان فهو الركن الثالث في جوقته الرباعيَّة التي طالما تباهى الزغلول بتشبيهها "بالمزهريَّة" التي تتشكَّل فيها مختلف أنواع الأزهار في باقةٍ واحدة، لأنَّ جوقته تجمع بين أعضائها مختلفَ طوائف لبنان ومذاهبه. فتراه يقول مُفتخرًا في افتتاحيَّة (حفلة المشرف) سابقًا: إنـَّه لا فرقَ في عُرفه بين دينٍ وآخر، فكما يوحِّدُنا لبنان كذلك يجمعنا الشِعرُ ويصهرُنا المِنبر:

أنا من الشوف من منبت رجالو

من ا