المملكة السورية(ج 2 )

تشكيل الحكومة العربية الدفاعية برئاسة هاشم الاتاسي ، التي قامت و خلال فترة وجيزة بإنجازات ضخمة ، و نتابع في هذا الجزء أعمال الوطنيين السوريين و الوضع السياسي العام .
انصرف المؤتمر السوري لوضع القانون الأساسي ( الدستور ) ، و وضع رجال سوريا الوطنيين دستورا جريئا يعتبر قفزة حضارية بعد نظام الحكم العثماني الذي كان معمولا به ، كان دستورا عصريا يعتمد على الانتخاب ، يعطي للملك سلطات تحت رقابة صارمة من نواب الشعب ، مع المحافظة على دور الأعيان التاريخي ، و الوزراء عرضة دائما للمساءلة و المحاكمة في حال أخطأوا ، و كذلك لا يجيز الدستور للنواب الاستفادة من موقعهم و الحصول على أية امتيازات في مشاريع الدولة ، و تألف الدستور من 135 مادة ، أهمها:
ان نظام الحكم ملكي دستوري وراثي للابن الأكبر للملك ، و تُقسّم سوريا الطبيعية إلى مقاطعات مستقلة استقلالا إداريا .
و للمملكة مجلس شيوخ يشابه مجلس اللوردات البريطاني ، يعينه الملك من الأعيان و عضويته مدى الحياة .
و مجلس نواب ينتخبه المواطنون على مرحلتين ، و مدة ولايته أربع سنوات .
و في حال اخذ مجلس النواب قراراً بإصدار قانون ما ، يُعرض القانون على مجلس الشيوخ ، فان رفضه مجلس الشيوخ و أصر عليه النواب ، تشكل لجنة متساوية العدد من المجلسين لحل الأمر ، أما بالنسبة للموازنة العامة فان القرار الأخير لمجلس النواب .
و يقوم الملك بتعيين رئيس الوزارة الذي يختار وزراءه و يعرضهم على الملك ، و لا يجوز ان يكون احد أفراد العائلة المالكة وزيرا .
و لا تعلن الأحكام العرفية إلا بموافقة المجلس في حال انعقاد المجلس العمومي ، و في حال لم يكن المجلس منعقدا و كان الأمر طارئا ، فتعلن الحكومة الأحكام العرفية و تدعو المجلس فورا .
و في حال وجود شكوى على وزير ،تعرض على المجلس و يجب أن يوافق أكثرية أعضاء المجلس على التحقيق معه ، و تقوم لجنة من المجلس بالتحقيق و ترفع النتيجة إلى المجلس ، و في حال صوت ثلث الأعضاء على قبول نتيجة التحقيق معه تسقط وزارته و يحاكم .
و لكل أربعين ألف مواطن نائب واحد ، و لا يجوز للنائب عقد مقاولات باسمه او باسم شركائه مع الحكومة .
و يشكل في كل مقاطعة مجلس نيابي يسن القوانين المحلية بما لا يخالف القانون الأساسي (الدستور) ، او القوانين التي يسنها المجلس العمومي ، و يُنتخب نائب المقاطعة في انتخابات من درجة واحدة ، و لكل عشرين ألف مواطن نائب ، و مدة المجلس سنتين ، و يرفع مجلس المقاطعة القوانين التي يقرها - بما لا يعارض القوانين العامة - إلى الملك ليقرها ،و تعرض على مجلس الشيوخ.
يحكم كل مقاطعة حاكما معينا من الملك و يكون عضوا في مجلس الشيوخ ، و إذا حصل خلاف بينه و بين مجلس نواب المقاطعة ، يحكم بينهما مجلس الشيوخ ، و لمجلس الشيوخ الحق في إقالة الحاكم، و المقاطعة مؤلفة من ولايات و الولايات مؤلفة من مديريات .
و قرر الدستور ان التعليم الابتدائي إجباري و مجاني في المدارس الحكومية .
و وضع هذا الدستور نواب من الشام و حلب و حماة و حمص و دير الزور و ادلب و اللاذقية و إنطاكية و بيروت و طرابلس و بعلبك وصور و نابلس و عكا و حيفا و الخليل و طولكرم و معان.
اشهرهم :من حلب و ما حولها فاتح مرعشي و جلال القدسي نائبا اعزاز و حكمت النيال و سعد الله الجابري و يوسف الكيالي و نوري الجسر و إبراهيم هنانو و رشيد المدرس.
و من دمشق : فوزي البكري و عبد الرحمن اليوسف و الشيخ عبد القادر الخطيب و دعاس الجريس و محمد المجتهد و عزت الشادا و يوسف لينيادو و احمد القضماني .
و من حماه : خالد البرازي و عبد القادر الكيلاني و من إنطاكية صبحي بركات و من المعرة حكمت الحراكي و من حمص هاشم الاتاسي و وصفي الاتاسي و من ادلب احمد العياشي.
عمليا، اقتصرت المملكة السورية على سوريا الداخلية ، المنحصرة بين القوات الفرنسية التي كانت تحتل الساحل، و القوات الإنكليزية المسيطرة شرقا و جنوبا.
قام الفرنسيون بتعيين الجنرال القوي ذو اليد المقطوعة و الرجل الخشبية غورو مفوضا ساميا ببيروت، و هو من أبطال الحرب العالمية بالنسبة للفرنسيين ،و فقد يده و رجله في أحد معاركها في الدردنيل ، و كان الأمير فيصل قد التقى به سابقا في باريس فقال له غورو بكلام مبطن واضح المعاني : ان العرب محقون في رفضهم تجزئة بلادهم ، و لكنه مضطر لتنفيذ الأوامر و انه يكره إراقة الدماء ، و لكنه لن يتأخر عن ذلك إذا تطلب الأمر ، و أجابه فيصل ان السوريون سيفعلون كل شيء للدفاع عن وحدتهم و استقلالهم .
و فور انسحاب القوات البريطانية من سوريا ، وصل الجنرال غورو إلى بيروت ، برفقة ثلاثين ألف جندي مع المدفعية و أسراب الطيارات ليصل عدد مجمل القوات الفرنسية إلى تسعين ألف جندي ،و قام باحتلال البقاع التابعة إداريا لدمشق فورا مع ثلاثة آلاف من جنوده .
و بعد مرور أقل من ثلاثة اشهر على تعيين حكومة الاتاسي ، أنذرت القوات الفرنسية الملك فيصل بإنذار غورو الشهير في 14 تموز 1920 ، بعدم مقاومة الزحف الفرنسي و تسليم الخطوط الحديدية و قبول العملة الورقية بدلا من الذهبية و تسريح الجيش العربي ، و تسليم رجال الثورة و خاصة الشيخ صالح العلي ، و ذلك خلال أربعة أيام .
قرر فيصل قبول إنذار غورو ، و لكنه تصادم مع الوطنيين ، عندما سألوه عن أنباء اتفاقه مع البريطانيين و الفرنسيين و قبوله باستقلال لبنان، نفى فيصل بشدة في البداية ، و لكن عاد و صرح عن وجود اتفاق من هذا النوع ، و عندما هاجمه الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، و هو طبيب و زعيم دمشقي كان وزيرا للخارجية وقتها ، رد فيصل قائلا : أنا من سلالة النبي ، فأجابه الشهبندر: و أنا ابن هذا الشعب ، و أرفض كل وصاية، وأطالب بتشكيل حكومة قوية.
و انقسمت الوزارة السورية إلى قسمين : الأول و هو الأغلبية رأى انه لا فائدة من المقاومة و الثاني قرر المقاومة حتى الموت.
و أُعلنت الأحكام العرفية في البلاد و انعقد المؤتمر السوري ،و تشكلت ثلاث فرق جيش نظامية واحدة في حلب و الثانية بدمشق و الثالثة بدرعا و ضمت ثمانية آلاف مقاتل بينهم حوالي خمسمائة ضابط .
و أعلن قائد الجيش ياسين الهاشمي ، و كان معتدلا و واقعيا ، عدم قدرة الجيش على مواجهة قوات غورو ، و صرح مصطفى نعمة العباسي الحاكم العسكري السابق و أحد قادة الجيش : أن الجيش يحارب و يقوم بواجبه عندما يؤمر بذلك ، دون التفكير إذا كان سيكسب المعركة أو لا .
و اجتمعت هيئة أركان الحرب برئاسة وزير الحربية يوسف العظمة و قررت ان بإمكانها المقاومة لمدة خمسة ساعات فقط .
ما كان أمام فيصل و حكومته رغم معارضة وزير الحربية يوسف العظمة سوى قبول الإنذار ، و لم يدرك فيصل و رجال الحكومة ان الفرنسيين قد قرروا إسقاط الاستقلال و الملكية في سوريا ، و إزاحة فيصل المتعاطف مع الإنكليز نهائيا من سوريا و إنهاء حكم الوطنيين ، و إبدال رجال الحكومة برجال موالين تماما لفرنسا ، و أرسل الملك برقية لغورو يقبل فيها تنفيذ بنود الإنذار و التسليم السلمي للبلاد و تنفيذ الطلبات الفرنسية، و حل الجيش السوري الناشىء ، و قبول الانتداب الفرنسي و قبول النقد الورقي و سحب النقود الذهبية من يد المواطنين و تسليمها للفرنسيين ، و تسليم رجال المقاومة الوطنية للاحتلال الفرنسي ، تجنبا لمعركة خاسرة و أملا في بقاء المملكة و رجالها .
رفض المواطنين السوريين قبول فيصل و الحكومة للإنذار ، و اجتمع المؤتمر السوري و أعلن عدم شرعية أية معاهدة يبرمها فيصل ، و عدم شرعية الحكومة التي قبلت شروط غورو ، فقام الملك بتعطيل جلسات المؤتمر ، و هاج الناس و هاجموا قلعة دمشق للحصول على الاسلحة ، فقامت الحامية بفتح نيران الرشاشات على الأهالي فقتلت منهم الكثير ، و هاجم الناس البلاط الملكي فصدوا بعنف .
و غادر إبراهيم هنانو المؤتمر إلى بلدته كفر تخاريم ، ليعلن الثورة فيها على الفرنسيين .
و سواء قبل الملك و رجال الحكومة الإنذار الفرنسي او لم يقبلوه ، فقد كان الاحتلال الفرنسي قد تقرر ، و بحث غورو عن حجة ، فتذرع بتأخر وصول برقية موافقة الملك و الحكومة على الإنذار لمدة نصف ساعة عن الموعد المحدد بسبب انقطاع خطوط البرق في سرغايا ، و زحفت جيوشه باتجاه دمشق ، فطلب العظمة إيقاف إجراءات تسريح الجيش و الاستعداد للدفاع عن دمشق ، و وافق فيصل أمام هذا الوضع الراهن.
و تكلف الشيخ كامل القصاب رئيس اللجنة الوطنية ، بتعبئة الأهالي للدفاع عن دمشق ، بعدما انحل الجيش و تفرق أفراده ،كلٌ إلى بلده ، و تعهد الشيخ بإحضار عشرة آلاف متطوع مع بنادقهم .
يتبع ........
المراجع :
- الإيضاحات السياسية ، غالب العياشي طبعة عام 1954
- مقررات حكومة سوريا : يوسف صادر ،طبعة عام 1933
- تاريخ سورية 1918-1920: الدكتور علي سلطان مدرس التاريخ الحديث في جامعة بروفانس بفرنسا ،طبعة عام 1987.
- يوم ميسلون : ساطع الحصري.