أبو نضال,ينتهي في حضن معلمه

تعتقد الشرطة العراقية السرية أن صاحب الاغتيالات الفلسطيني الشهير أبو نضال كان يعمل لصالح الأميركيين، كما ولصالح مصر والكويت، عندما حققوا معه في بغداد قبل أشهر فقط من الغزو الأنغلو-ساكسوني للعراق. وبهذا الصدد، تقول الوثائق السرية التي أصبحت الآن تحت يد "الإندبندنت"، -والتي كانت قد دونتها أجهزة صدام الأمنية الوحشية ليطلع عليها صدام وحده- أنه كان "يتآمر" مع الأميركيين، بمساعدة من المصريين والسعوديين، في محاولة للعثور على دليل يربط بين صدام والقاعدة.

وكان الرئيس بوش سيستخدم المزاعم بوجود علاقة لصدام بالقاعدة كواحد من الأسباب لغزوه للعراق عام 2003، إلى جانب مسألة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل. وكانت التقارير الغربية قد استبعدت الزعم بأن أبو نضال قد أقدم على الانتحار في شهر آب-أغسطس عام 2002، قائلة إن أجهزة صدام الأمنية ذاتها قامت بقتله عندما أصبح وجوده يتسبب بإحراج لها. وتقول التقارير السرية الواردة من العراق إنه قتل نفسه في حقيقة الأمر، بعد اعترافه بارتكاب "الجريمة الغادرة: التجسس على بلده صاحب الحق".

الساعات الأخيرة لأبي نضال، المرتزق الفلسطيني الذي كانت الاغتيالات والهجمات القاتلة التي نفذها في 20 دولة طوال أكثر من ربع قرن قد قتلت أو جرحت أكثر من 900 من المدنيين، يتم الكشف عن هذه الساعات في مجموعة من التقارير الاستخبارية المأخوذة من "مكتب الاستخبارات الرئاسي" التابع لصدام حسين في شهر أيلول-سبتمبر عام 2002. وتقول الوثائق إن ضباط مخابرات مصريين وكويتيين طلبوا من "أبو نضال"، الذي كان اسمه الحقيقي خليل البنا، أن يتجسس لحسابهم "بمعرفة نظرائهم الأميركيين". وبعد خمسة أيام من وفاته، صرح رئيس الاستخبارات العراقية، طاهر جليل حبوش، في مؤتمر صحافي انعقد في بغداد أن أبو نضال قد أقدم على الانتحار بعد وصول العملاء العراقيين إلى الشقة التي كان يختبئ فيها في المدينة، لكن التقارير السرية توضح أن الفلسطيني سيئ السمعة كان قد تعرض لسلسلة من التحقيقات قبل أن تحل نهايته العنيفة. ولم تكن هناك أي نية لإعلان تسجيلات تلك الجلسات على الملأ مطلقاً، وقد دونتها "وحدة الاستخبارات الخاصة م-4" العراقية لاطلاع صدام نفسه. وبينما قد يكون أبو نضال قد كذب على مستجوبيه - التعذيب غير مذكور في التقارير- فإن الوثائق تبدو وأنها رواية داخلية صريحة لما اعتقد العراقيون بأنها كانت مهمته في العراق. وتسمي الأوراق رائداً كويتياً، وهو فرد من عائلة الصباح الكويتية الحاكمة، باعتباره "مسؤوله"، وتقول إنها كانت قد أوكلت إليه أيضاً مهمة "تنفيذ مهمات إرهابية داخل العراق وخارجه". وكان وجوده في البلاد "سوف يزود الأميركيين بالذريعة القائمة على أن العراق كان يؤوي منظمات إرهابية"، كما تقول التقارير.

"تتضمن رسائل مشفرة أن الكويتيين طلبوا إليه بشكل غير مباشر أن يبحث عما إذا كان هناك عناصر من القاعدة موجودون في العراق. وقد تعززت استنتاجاتنا عندما بدأ (أبو نضال) بمحاولة تبرير تصرفاته بإجابات غير منطقية عندما سئل عن المعلومات المتوفرة عنه. وقد حاول أن يلتف بإجاباته بأن لا يكون محدداً وبالإشارة إلى شؤون تاريخية. ولاحظ المحققون أنه كان ينتقل من الإجابات القصيرة الغامضة وغير الواضحة إلى التعميمات... وقد بدا مضطرباً... لكنه بمجرد أن أصبح مقتنعاً بثقل وزن الأدلة المتوفرة ضده، والمتعلقة بتآمره مع أجهزة المخابرات الأميركية والكويتية، بالتنسيق مع المخابرات المصرية، أدرك أن جريمته الغادرة المتمثلة في التجسس ضد بلده صاحب الحق قد انكشف أمرها..."

لم يكن أبو نضال غريباً عن العراق. فقد كان يعمل انطلاقاً من بغداد، ودمشق والعاصمة الليبية طرابلس عندما أرادت الأنظمة أن تستخدمه "مسدساً للإيجار". وكانت العراق هي التي دفعت له لقاء تنظيم هجوم على السفير الإسرائيلي في لندن، شلومو أرغوف، عام 1982، وهي محاولة الاغتيال التي دفعت إسرائيل إلى اتهام ياسر عرفات بالمسؤولية، والشروع بغزوها الكارثي للبنان، وقد أقام العقيد معمر القذافي فيما بعد صلات وثيقة بأبي نضال. وفي العام 1985، قام مسلحوه المجانين بمهاجمة مسافرين مرتبطين بإسرائيل في مطارات روما وفينا، وقتلوا ما وصل مجموعه إلى 18 شخصاً. أما كاتب سيرته، باتريك سيل، الذي يذهب حتى إلى قول إن أبو نضال عمل لبعض الوقت لصالح وكالة "الموساد" الاستخبارية الإسرائيلية، فقد كتب كيف أنه كان إذا ما اشتبه في خيانة واحد من كوادره، فإنه كان يدفن الجاسوس المشتبه به حياً، ويطعمه من خلال أنبوب لعدة أيام، ثم -إذا ما رأت "محكمة" أبو نضال في الموت عقاباً مناسباً- يتم إطلاق رصاصة على المدفون من خلال الأنبوب.

وإذن، فإن استجوابه الخاص على أيدي شرطة صدام السرية ربما يكون عقاباً مناسباً، مقارنة، لرجل بمثل هذه الوحشية. ومن بين الجرائم الأخرى التي اتهمه بها تقرير الاستخبارات العراقية، كانت جريمة تحضير 14 حقيبة مفخخة بالقنابل ليتم استخدامها ضد أجانب - سويسريين ونمساويين، حسب ملف الاستخبارات- في المنطقة الكردية في شمال العراق، في الوقت الذي اعتبرتها فيه الولايات المتحدة "منطقة آمنة"، وكذلك محاولة تجنيد أعضاء جدد لمنظمته التي تدعى فتح: المجلس الثوري، من بين الفلسطينيين الذين أصيبوا بجراح في الضفة الغربية وغزة على أيدي الإسرائيليين، وكانوا يتلقون العلاج في مشافي بغداد.

ثمة بعض الأمور الغريبة وبعض الأسئلة غير المجاب عنها في التقرير. فهو يقول، على سبيل المثال، إن أبو نضال نفذ أصلاً إلى العراق من إيران بجواز سفر يمني مزور قبل سنوات، لكن ذلك الأمر تم تسهيله بواسطة ممثله الخاص في الكويت، والذي يدعى نبيل عثمان. وقيل إن أبو نضال كان يتخابر مع الكويت بواسطة رسائل مشفرة يجري إرسالها عبر لبنان ودبي. وتحدد الأوراق تاريخ ميلاده بعام 1939 - بينما يعتقد بأنه كان قد ولد في يافا فيما كان آنئذ "فلسطين" عام 1937-، وتقول إنه كان يقيم في ليبيا عام 1984، لكنها "لم تكن له أي صلات بالسلطات الليبية". كما قيل أيضاً أنه سجن على أيدي أجهزة الأمن المصرية لمدة شهرين. أما الرجل الذي تقول الأوراق إنه قدم لأبي نضال "بيتاً آمناً" في بغداد، فقد تم التحقيق معه عام 2002 إلى جانب الفلسطيني، وكان اسمه عبدالكريم محمد مصطفى.

هل يمكن أن يكون أبو نضال قد دخل العراق فعلاً من إيران، التي كانت مخابراتها الخاصة ستستجوبه بكل تأكيد؟ هل يمكن أن يكون أبو نضال قد أقام سراً في دولة العراق البعثية من دون أن تعثر عليه مخابرات صدام الخاصة؟ ولكم من الوقت تم التحقيق معه؟ إن الوثائق لا تعطينا أي إجابات على هذه الأسئلة.

لكن نهايته، على أي حال، تسجل بشكل قاتم. "لدى الطلب إليه مرافقة أولئك المسؤولين عن حراسته إلى موقع أكثر أمناً للاستمرار في إجراءات التحقيق، طلب أن يسمح له بتغيير ملابسه. ولدى دخوله غرفة نومه، أقدم على الانتحار. وجرت محاولات غير ناجحة لإنقاذ حياته..." ولا يذكر التقرير شيئاً عن مصير عبد الكريم مصطفى، سوى أنه قد "قدم إلى المحاكمة". لكننا نعرف أين يستلقي أبو نضال الآن.

يخلص التقرير النهائي إلى القول: "تم دفن جثة صبري البنا يوم 29/8/2002 في مقبرة الكرخ الإسلامية (في بغداد). وحتى يتم إيجاد مستقر أخير له، فإن هناك شاخصة تميز مدفنه، والتي تم توثيقها بواسطة الفيديو كما بصور ثابتة: "م-7". ولا يظهر أنه قد تم أبداً إيجاد "مستقر أخير" لهذا الرجل الوحشي.

سنوات الإرهاب: رجل مرهوب الجانب مثل ابن لادن

أبو نضال، كان ذات مرة محل خشية مثل أسامة بن لادن. ومن بين أكثر هجماته شراسة:

o عام 1982، نسب إلى حركته المدعوة "حزيران الأسود" قتل أعضاء من منظمة التحرير في لندن، وباريس، ومدريد، وبروكسل، والكويت وروما.

o عام 1982، تعرض شلومو أرغوف، سفير إسرائيل إلى لندن، لإطلاق النار في ميفير، مما تسبب له بالشلل الدائم.

o عام 1984، تم إطلاق صاروخ على طائرة أردنية بينما كانت تقلع من مطار أثينا. وقد اشتملت الاغتيالات على المنسق الثقافي البريطاني في أثينا، ونائب المفوض الأعلى البريطاني في مومبي.

o عام 1985، تم اختطاف طائرة مصرية - قتل ستة ركاب، ثم توفي ستون آخرون عندما قامت قوات الكوماندوز المصرية باجتياح الطائرة.

o عام 1985، قام مسلحون بذبح 18 شخصاً وجرحوا 120 آخرين في هجمات مكاتب حجز شركة "العال" الإسرائيلية في مطاري فيينا وروما.

o عام 1986، يفضي هجوم بالرشاشات إلى مقتل 22 شخصاً في كناس في استانبول؛ إضافة إلى 20 شخصاً من الركاب والطاقم على طائرة نفاثة تابعة لشركة بان أميركا، والتي تم خطفها في كراتشي.

o عام 1988، قتل 9 أشخاص وجرح 98 آخرون عندما قام مسلحون بمهاجمة السفينة "سيتي أوف بوروس".
روبرت فيسك
(الإندبندنت)