تاريخ المفاوضات السورية الاسرائيلية

بعد عشرات جولات التفاوض المباشرة والوساطات العديدة العلنية والمخفية لم يتوصل الجانبان الاسرائيلي والسوري الى اتقافية سلام بينهما على مدى اكثر من اكثر من عقد من الزمن،فهل ينجح الوسيط التركي هذه المرة فيما عجزت عنه الوساطات السابقة بما فيها الامريكية؟ سؤال تحمل الايام المقبلة الاجابة عليه.

عقبات قديمة وجديدة
العقدة في جميع هذه المحاولات والمفاوضات كانت دائما حجم الانسحاب الاسرائيلي من مرتفعات الجولان التي احتلتها اسرائيل خلال حرب حزيران 1967 وضمتها بشكل رسمي عام 1981 دون اعتراف دولي بهذا الاجراء.

ربما كان الانجاز الوحيد الذي استطاعت سورية تحقيقه في كل هذه الجولات السابقة الحصول على ما تسميه "وديعة رابين" التي تقول سورية انها تتضمن تعهدا اسرائيليا بالانسحاب الى خط الرابع من حزيران من عام 1967 اي قبل اندلاع حرب حزيران 1967.

ودأبت اسرائيل على تقديم هكذا تعهد بحجة انه كان عرضا افتراضيا من قبل رئيس وزراء اسرائيل حينذاك اسحق رابين لوزير الخارجية الامريكية الاسبق وارن كريستوفر بصيغة ماذا تقدم سورية لاسرائيل مقابل الانسحاب من الجولان.

وبعد تجدد الآمال بإحياء المفاوضات بين الطرفين مؤخرا برعاية ووساطة تركية ما تزال نفس العقدة باقية، اذ لم يصرح اي مسؤول اسرائيلي حتى الان بأن اسرائيل مستعدة للانسحاب الى خط الرابع من حزيران رغم اقرار رئيس وزراء اسرائيل بان الجانبين يعرفان ثمن السلام وان عليهما تقديم "تنازلات مؤلمة"، بينما اعلن الجانب السوري انه حصل على تعهد اسرائيلي للانسحاب الكامل من الجولان عبر الوسيط التركي.

كما ان هناك مشاكل عديدة تواجه هذه المساعي التركية ومنها مدى جدية اولمرت في التوصل الى اتفاقية سلام مع سورية، حيث يخضع للاستجواب من قبل الشرطة بسبب ما قيل عن تلقيه رشى من رجل اعمال امريكي وفي حال توجيه الاتهام له فيكون نهاية مستقبله السياسي.

كما انه يواجه استحقاقات عديدة على المسار الفلسطيني ولم ينفذ شيئا رغم العديد من جولات التفاوض وهو المسار الذي يمثل اولوية بالنسبة للولايات المتحدة التي تضغط من اجل التوصل الى اتفاقية سلام فلسطينية اسرائيلية بنهاية هذا العام.

كما ان اي معاهدة سلام بين اسرائيل وسورية بحاجة الى ضمانات واشراف دولي وهذا يتطلب انخراطا امريكيا مباشرا في هذه المعاهدة وهو ما ترفضه ادارة بوش التي تشعر بالقلق ازاء العلاقة القوية التي تربط بين سورية مع ايران وتتهم سورية بدعم الجماعات المسلحة التي تضعها ادارة بوش في خانة المنظمات الارهابية مثل حزب الله اللبناني وحركتي حماس والجهاد الاسلامي الفلسطينتين.

جهود كبيرة ونتائج ضئيلة
بدأت اولى جولات التفاوض بين الطرفين خلال مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط في 30 اوكتوبر/تشرين الاول من عام 1992 برعاية امريكية وروسية عقب انتهاء حرب الخليج الثانية. لم تحقق الجولات الخمس الاولى من المفاوضات خلال عهد رئيس الوزراء الاسرائيلي اليميني اسحق شامير اي نتائج ليس على المسار السوري بل على كل المسارات.

كلف رئيس وزراء اسرائيل الراحل اسحق رابين عقب فوز حزب العمل في الانتخابات السفير الاسرائيلي السابق في الولايات المتحدة ايتمار رابينوفيش، الخبير في الشؤون السورية بقيادة الوفد الاسرائيلي للتفاوض مع سورية في 23 حزيران من عام 1992 بينما تولى الدبلوماسي السوري المخضرم موفق العلاف قيادة الوفد السوري وتم الاتفاق على اعتماد قرار مجلس الامن 242 اساسا للمفاوضات.

دخلت المفاوضات التي بلغ مجموعها اكثر من 12 جولة الترتيبات العملية للسلام بين الطرفين وطرحت اسرائيل معادلة "عمق الانسحاب من الجولان يتوقف على عمق السلام وطبيعته".

عام 1993 قام وزير الخارجية الامريكية بجولات مكوكية بين سورية واسرائيل لتجاوز الطريق المسدود الذي دخلته المفاوضات وفي 3 اغسطس/آب اجتمع برابين وانتقل في اليوم التالي الى دمشق واجتمع بالرئيس السوري الراحل حافظ الاسد ونقل اليه مضمون مباحاثه مع رابين وهو ما تقول سورية انه تعهد بالانسحاب الى خط الرابع من حزيران واطلقت عليه اسم "وديعة رابين".

الجولات اللاحقة من المفاوضات تناولت سرعة الانسحاب من الجولان على اساس ان الانسحاب الى خط الرابع من حزيران امر مفروغ منه حسب من وجهة نظر سورية.

في يناير/تشرين الثاني من عام 1994 عقدت قمة امريكية سورية في جنيف تعهدت فيها سورية باقامة علاقات "سلام عادية" مع اسرائيل مقابل الانسحاب من الجولان.

وفي تموز/يوليو من عام 1994 جرت محاولة جديدة لدفع المفاوضات بين الطرفين بواسطة امريكية وانطلقت المفاوضات في واشنطن حيث التقى السفير السوري في الولايات المتحدة حينذاك، وزير الخارجية السوري الحالي، وليد المعلم برئيس الاركان الاسرائيلي وقتها وزعيم حزب العمل ووزير الدفاع الحالي ايهود باراك ومستشار رابين الامني داني ياتوم في 2 و3 نوفمبر/تشرين الثاني وتناولات المفاوضات الترتيبات الامنية في الجولان بعد الانسحاب الاسرائيلي.

انضم رئيس اركان الجيش السوري حكمت الشهابي الى المفاوضات وعقد لقاء بين الشهابي ورابنوفيتش في 19 ديسمبر وبين الشهابي وباراك في 21 ديسمبر وانتهت الى الفشل ورفضت سورية العودة الى المفاوضات.

تدخل الرئيس الامريكي بيل كلينتون ووافقت سورية على استئناف المفاوضات وانتهت في مايو/ايار من 1995 الى التوصل الى اتفاق على اهداف ومبادىء وترتيبات الامن والتي سميت "ورقة التفاهمات".

اغتيل رابين في 24 اوكتوبر/تشرين الاول من عام 1995 وتولى شمعون بيريز رئاسة الحكومة خلفا له واستؤنفت المفاوضات مجددا في "واي بلانتيشن" وجرت جولاتان في 24 يناير و28 فبراير 1996 وتناولت تفاصيل الانسحاب وجوهر العلاقات الدبلوماسية والسلمية بين البلدين.

توقفت المفاوضات بعد وقوع عدد من الهجمات الانتحارية في فبراير وآذار من ذلك العام وجرت انتخابات اسرائيلية فاز فيها حزب الليكود اليميني بزعامة بنيامين نتاياهو. خلال سنوات حكم الليكود ورئاسة نتناياهو للحكومة الاسرائيلية توقفت المفاوضات بين الدولتين رغم العديد من المساعي الاوروبية لاحيائها.

في 17 مايو من 1999 عاد حزب العمل الى الحكم وتولى رئيس الاركان السابق ايهود باراك رئاسة الحكومة بعد تقاعده من الجيش. نجحت وزيرة الخارجية الامريكية السابقة مادلين اولبرايت في احياء المفاوضات مجددا وانطلقت جولة جديدة في "شيبردز تاون" في ولاية فيرجينيا الغربية بين 3 و 7 ديسمبر من عام 2000 ترأسها عن الجانب السوري وزير الخارجية السوري حينها فاروق الشرع ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك عن اسرائيل.

وتم الاتفاق بين الجانبين على تشكيل اربع لجان لدراسة مختلف جوانب الانسحاب وترتيباته لكن المفاوضات فشلت في النهاية مرة اخرى في الوصول الى اتفاق نهائي.

طرحت الولايات المتحدة مسودة اتفاق على الطرفين قبل مغادرتهما الولايات المتحدة لانقاذ الموقف ولتفادي الفشل وطلب باراك مزيدا من الوقت لدراسة العرض الامريكي قبل خوض جولة مفاوضات ثانية لم تعقد ابدا.

وفي آخر محاولة من قبل بيل كلينتون لجمع الطرفين وعقد معاهدة سلام بينهما بعدما تم تحديد نقاط الخلاف والاتفاق بينهما اجتمع بالرئيس الاسد في 26 مارس اذار بجنيف وهو يحمل عرضا من ايهود باراك يتضمن الانسحاب من 99 بالمائة من هضبة الجولان وتعويض وسورية عن الاراضي التي تبقى تحت السطيرة الاسرائيلية.

وتضمن العرض الاسرائيلي ابقاء شريط بعرض 500 متر بمحاذاة نهر الاردن وشريط آخر بعرض ثمانين ياردة على الضفة الشرقية لبحيرة طبريا.

فكان رد الاسد ان باراك لا يرغب بالسلام ورفض حتى النظر في الخرائط التي حملها معه كلينتون فشل اللقاء.

ومنذ ذلك الوقت لم تجر اي مفاوضات بين البلدين بصفة رسمية.